تفسير سورة النمل جزء8 لفضيلة ا
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- استخبار سليمان عن إحضار العرش وحكمة جلبه قبل إسلامهم
- عرض عفريت الجن إحضار العرش وضوابط اختيار القوي الأمين
- عرض ﴿ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ وتفوق القوة العلمية
- معجزة حضور العرش في طرفة عين واقرار سليمان بالفضل
- اعتراف سليمان بالفضل هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ وسنة
- عود نفع الشكر للعبد وغنى الرب الكريم وسنة استدراج
- أمر سليمان بتنكير العرش نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا واختبار نباهة
التفريغ النصي الكامل للدرس
استخبار سليمان عن إحضار العرش وحكمة جلبه قبل إسلامهم
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل. محمد «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا بفضل الله - تبارك وتعالى بتفسير سورة النمل. وقد توقف بنا الحديث في الدرس الماضي عند قول الله سبحانه قال: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الملأ
﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾2 (النمل: 38) ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾3 (النمل: 39) ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ4 بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ﴾ (النمل: 38-40)
﴿لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾5 (النمل: 38-40) إلى آخر الآيات المباركات قوله سبحانه ﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ القائل كما لا يخفى هو سليمان عليه السلام
قال نبي الله سليمان عليه السلام لقومه للملأ ﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾. بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ قد تقدم، يا أيها الإخوة الكرام
أن نبي الله سليمان عليه السلام أرسل إليهم من ينبه ملكة سبأ ومن معها ﴿ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾6 (النمل: 37)
. ثم وجه نبي الله سليمان عليه السلام خطابه لمن معه فقال لهم ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: 38) وفي البداية
قد يستوقف الإنسان أو قد تستوقفه. هذه الآية حينما يقرأ قول نبي الله سليمان عليه السلام كما ذكر ربنا ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ من أين عرف نبي الله سليمان عليه السلام
أن ملكة. سبأ. ستأتيه ومن معها مسلمين لله رب العالمين أو مستسلمين له من أين عرف ذلك قال بعض العلماء: عرف ذلك بالوحي أوحى الله إليه أن هذه الملكة ستسلم. وستجيءك. وستقبل على دعوتك
فأراد نبي الله سليمان أن يثبت لها إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وأنه عليه السلام في غنى عن ملكها وأن الله قد أعطاه من. المكانة وأعطاه من القوة والقدرة ما يفوق ما لديها فها هو عرشها
وعلى أنه نبي الله حقًّا
وقال آخرون: بل عرف ذلك بالقرائن عرف ذلك بالقرائن عرف. أنها. مما أرسلته وبما أرسلت ضعيفة وأنها لا تقوى على مواجهته ولا تقوى على مخالفته فعلى ذلك ستأتيه حتمًا
وستستسلم له حتمًا لكنَّها قد تستسلم له ولا تسلم. لله رب العالمين ﴿أَنَّمَا﴾ تأتيه خوفًا من أن يدخل قريتها كما ﴿قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ أيًا ما كان الأمر
نبي الله سليمان عليه السلام علم أو شعر بأن ملكة سبأ ستأتيه ومن. معها مسلمًا سواء أكان المراد بالإسلام الإسلام لله رب العالمين أم كان المراد به الاستسلام له أي: لنبي الله سليمان عليه السلام. فقال للملأ ﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ بعرشها
قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ وفي قوله ﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ بعرشها سؤال خوطب به جميع الحضور من الملأ. وهذا فيه أنَّ: الشخص قد يسأل مجموعة سؤالًا دون أن يحدد من يجيب
فيكون الجواب فيه تخيير من استطاع أن يجيب أجاب فهو قال ﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ بعرشها. دون أن يلزم شخصًا بعينه أو دون أن يلزم فردا بعينه دون أن يقول لإنسي معين أو لجني معين أو لطير معين قم
وقم بهذه المهمة وإنَّما. أطلق. السؤال. فقال ﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ بعرشها الذي قد وصف سابقًا بما وصفه الهدهد ولها عرش عظيم ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن نبي الله سليمان عليه السلام
لأنه أراد أن يدخل هذا العرش في ملكه ولا يتأتى له ذلك إلا. إذا دخل في ملكه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تسلم
لأنَّها إذًا أسلمت حرم مالها ولم يسغ له حينئذ أن يأخذ عرشها فلما كان طالبا لذلك طلب أن يؤتى بالعرش ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾. تدخل في الإسلام وقبل أن يحرم مالها. وهذا خلاف الظاهر ونبي الله سليمان عليه السلام غني عن عرش ملكة سبأ. وقد أغناه الله بما أعطاه
وهو الذي رد الهدية وبين لهم أنه في غنى عن ذلك أتمدونني بمال فما آتاني ﴿ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ﴾. تفرحون فالصحيح. والله أعلم
نبي الله سليمان عليه السلام قصد بذلك أن يبين لها عظيم قدرة الله وأن يبين لها صدق دعوته وأنه مبلغ عن الله فهذه المرأة حينما. ترى عرشها أمامها. وقد تركت خلفها تعرف أن ثمة إعجازًا وأن هذا النبي الذي يكلمها مؤيد ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الله فلا يسعها إلا أن تؤمن بالله. وقد كان ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى
يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ علم نبي الله سليمان أو توقع ذلك على الخلاف أكان ذلك بوحي أم كان ذلك بالقرائن والعمل بالقرائن. مشروع ولا بأس به
قد يعمل بالقرينة عند عدم وجود النص والذي عليه الجماهير من أهل العلم أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل عليهم فيه وحي وإذا. كان. للعلماء اجتهاد. فإنَّ الأنبياء لهم اجتهاد من باب أولى ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾
فأجاب أحدهم وهو عفريتٌ من الجن قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك به ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾. ﴿تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ قَالَ﴾ عفريتٌ من الجن
والعفريت هو الشديد قال شخصٌ أو قال شديدٌ قويٌ من الجن ويطلق العفريت. كذلك على المارد أو على الشديد أو الصعب أو الغليظ في أخلاقه ونحو ذلك
عرض عفريت الجن إحضار العرش وضوابط اختيار القوي الأمين
وكذلك يطلق على المتميز الفائق. ولذلك يطلق بعض الناس على من كان فائقًا في باب من الأبواب يقال له: كأنه عفريت ولك شفت العفريت عمل إيه يعني: عنده شدة وعنده مهارة وعنده قدرة وعنده قوة قال عفريت من الجن نوعه جني
وكما لا يخفى وكما تقدم فالجن كان مسخرًا لنبي الله سليمان وحشر. لسليمان جنوده من الإنس والجن والطير فهم يوزعون ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ أنا آتيك به آتي هل هي من. أتى
. يأتي آتي وعلى ذلك فتكون فعلًا مضارعًا لأنَّ آتي فعل مضارع أم أنها اسم فاعل آتيك يحتمل الأمرين أو يحتمل الأمرين أن تكون اسم. فاعل. وأن تكون فعلًا مضارعًا ورجح كثيرون أنها فعل أنا آتيك به أي: أنا آتي به إليك يا نبي الله
﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾. تقوم من مقامك. يعني: قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مجلسك الذي أنت فيه وعرف بذلك أن لنبي الله سليمان عليه السلام مجلسًا كان يجلسه
ومقاماً كان يُقوِّم فيه وأن هذا كان. ديدنًا له لذلك قال كثير من أهل التفسير كان نبي الله سليمان عليه السلام يمكث مع الناس في وقتٍ من الأوقات يحضر لهم ويجالسهم. وكان هذا المجلس معروفًا. فكان يقضي لهم حوائجهم أو يحكم بينهم والله أعلم
يقضي فيه حوائج الناس وينزل إلى ويسمع منهم مشكلاتهم ويقضي لهم أزماتهم وكذلك العلماء يسمعون من الناس ويجيبونهم. ويقضون لهم حوائجهم قدر استطاعتهم وإذا خصص الإنسان لنفسه وقتًا كان هذا أولى حتى يعرف هذا الوقت
فيتنبه له ولا يتعدى عليه في غيره. فقال له: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾. يعني: أن هذا المقام معروف وقت بدايته ومعروف وقت نهايته وقبل أن تنصرف من المجلس الذي عقدته ومن المقام الذي أقمت فيه سآتيك بهذا العرش ليكون بين. يديك
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أي: من مجلسك ﴿وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ وأكد هذا الأمر بقوله ﴿وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أي: هذا الذي. أقوله لك من. أنني آتيك بالعرش قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ أنا صادق فيه
إذ أنا فيه قوي أمين ووصفه بالقوة والأمانة (موضعان، وكذلك في العنوان) دليل على أن القوة وأمانة من أهم ما على. العامل أن يحققه وإذا تحقق للشخص القوة وأمانة فإنَّه يحقق مآربه ويصل إلى هدفه بيسر وسهولة بفضل الله سبحانه وتعالى. ولذلك قالت المرأة ابنة الرجل الصالح في حق نبي الله موسى كليم الرحمن عليه السلام ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾7 (القصص: 26)
فالعبد. إذا كان موصوفًا بالقوة. وكان موصوفًا بأمانة فإنَّه يصل إلى مراده ويحقق هدفه وعلم من ذلك أن من أسباب تقديم شخص على شخص واختيار شخص على شخص أو دون شخص أن. يكون هذا المقدم أو المختار موصوفًا بالقوة والأمانة (موضعان، وكذلك في العنوان)
فإذا تقدم شخصان لعمل من الأعمال يتوافر في أحدهما صفة القوة والأمانة ولا تتوافر هاتان الصفتان في. الآخر. فإنَّ المتوافر فيه تلك الصفات أو الذي تتوافر فيه هاتان الصفتان أولى بالتقديم والترجيح
وهكذا وإني عليه لقويٌ أمين لأنَّ الذي يقابل القوة الضعف
الذي يقابل القوة. الضعف والذي يكون ضعيفًا وإن كان مخلصًا قد لا يصل إلى مراده إنسان ضعيف وهو يريد أن يفعل أمرًا عظيمًا لكن ما لديه قدرة عليه فربما عجز. ولم. يصل إلى هدفه فلا بد أن يكون قويًا على حسب نوع القوة التي يحتاج إليها
فالقوة قد تكون قوة بدنية لأنَّ هذا العمل يحتاج إلى قوة بدنية. وقد تكون قوة فكرية ذهنية. وقد تكون قوة علمية. وقد تكون قوة مهارية تتعلق بالخبرة فعلى حسب الموضع تكون القوة مطلوبة
فمثلًا إنسان يريد أن يصلح بابًا من الأبواب لكن ما لديه خبرة ولا قوة على. الإصلاح فماذا عساه أن يفعل وهل سيستطيع الإصلاح في غالب الأحوال لا يستطيع بسبب ضعفه
وكذلك أن يكون أمينًا لأنَّ الشخص قد يكون قويًا لكنه. إذا كان خائنًا لم يحقق ما طلب منه بل يحيد عن الجادة من أجل مصلحته الشخصية ومن أجل أنانيته ومن أجل تقديمه أمر نفسه على مصلحة عموم. الناس. فهذا الخائن لا يقدم. وهذا الخائن لا يتوج. وهذا الخائن لا يسند إليه أمر. وقد بيَّن النبي ﷺ قال «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» وفسَّر ذلك. إذًا وسِّد الأمر إلى غير أهله ﴿وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾. إذن
الذي يختار ويقدم تتوافر فيه الصفتان صفة القوة وصفة الأمانة وإذا فقدت الصفتان وبقيت إحداهما أو. إذًا فقدت صفة وبقيت الأخرى فأيهما يقدم يعني: إذا وجد شخص قوي لكنه غير أمين وآخر أمين لكنه غير قوي فمن يقدم الأمين طيب هو. أمين وما يقوى على شيء. يعني: أمين وضعيف جدًّا ما يقوى على حم شيء. يعني: أنت تريد أن تحمل أثقالاً
ومعك رجلٌ أمين ولا يستطيع أن ينقل حملًا فماذا يفيدك إذًا
فيجاب عن ذلك. والله أعلم يقدم في ذلك على حسب الحال على حسب الحال. وهذا ما اختاره بعض أهل العلم كالشيخ ابن عثيمين رحمة الله فإذا كان المحتاج إليه في الأمر القوة يقدم صاحب القوة ويراعي في جانب أمانة. يعني: نقدم لأنه قوي ومراكبه
يبقى لأننا نحتاج القوة تكون هي في الظهور فنقدم القوي ونراقب أمانته وإذا كان الأمر متعلقًا بأمانة قدمنا الأمين وأعناه فبهذا يستمر. ويتحقق المقصود بفضل الله سبحانه وتعالى
قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ وفي قوله وإني عليه لقوي. أمين. ثناء منه على نفسه
ثناء منه على نفسه لأنَّ الأمر يستدعي ذلك لأنَّ الأمر خطير وهو سيأتي بعرش من مكان بعيد والعرش كبير وعظيم. وقد ذكروا في ذلك الروايات وقصص كثيرة
وكلامًا عديدًا كقول بعضهم ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ مغلقًا وأغلقت عليه سبعة أبواب وأنه كان من ذهب وزبرجد وياقوت وما إلى ذلك. أي: أن ما كان الأمر فالله قال ولها عرش عظيم وسيأتي به من سبأ وسبأ باليمن
ونبي الله سليمان عليه السلام على ما يرجحه الأكثرون في الشام. فيأتي به من اليمن إلى الشام وهذه مدة ومسافة كبيرة فلذلك استدعى ذلك أن يصف نفسه بما هو عليه من قوله. وهذا يعني:
أن الشخص إذًا أثنى على نفسه في مجال يستحق ذلك كألّا يكون. هناك متأهل إلا هذا الشخص وإذا ترك المجال لغيره وقعوا في الخطأ فحينئذ يشعر ويظهر ما لديه من ملكات
كما لو جاء بعض الناس وقالوا لنقدم فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾. مفتياً. يفتينا وهم على الجهل. فقال أحدهم يا إخوة أنا بفضل الله تعلمت كذا وكذا ودرست كذا وكذا على المشايخ والعلماء
وَأَقَرُّونِي فِي مَجَالِ الْفَتْوَى فَهُوَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ لِأَلَّا يَقَعَ النَّاسُ فِي. الْإِنْحِرَافِ فَلَا يُعَدُّ هَذَا مَدْحًا لِلنَّفْسِ مَذْمُومًا. وأما إذا كان مدح النفس من قبيل الافتخار فإنَّ هذا مذموم وممقوت. وقد قال الله ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾8 (النجم: 32)
أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴿وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾9 (النمل: 39) هكذا قال العفريت من. الجن ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ وأنت ترى أخي الكريم أن الآيات جاءت على طريق المحاورة وعلى طريق السماع من الأطراف
وتجاذب الحديث لذلك لم تدخل. وأو. العطف في شيء منها قال: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الملأ ﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ بعرشها وبعدها قال عفريت من الجن وبعدها قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ دون أن يقال وقال وقال
لأن الحديث. إذا جاء عن طريق الحوار وتجاذب أطراف الحديث فإنَّ الواو لا تذكر قال فلان قال فلان قال فلان قال فلان
واضح الكلام وهكذا ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ﴾ ﴿هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ
. تكلم آخر سوى هذا العفريت الجني ليبين أن قدرته أعظم من الأول. وهذا إذًا حملنا الكلام في الأمرين على الحقيقة وهو الأصل
لأن بعض المفسرين. قالوا: إن معنى قوله أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ومعنى قول الآخر ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ المبالغة في سرعة إيصال العرش إليه وتوصيله إليه. وإحضاره عنده. وهذا خلاف الأصل
عرض ﴿ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ وتفوق القوة العلمية
الأصل أن الكلام على حقيقته وأن الأول سيأتي به ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقوم من مجلسه وأن الثاني يأتي ﴿بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ﴾ إليه طرفه لذلك. فيكون كلام الثاني أقوى من الأول. ولذلك عقب على الأول. وهذا يستفاد منه. أيضًا أنه عند عرض الحلول وعند عرض الإجابات وعند طلب قضاء الحاجات
إذا قام شخص ليجيب أو ليقضي الحاجة ووجد آخر في نفسه أن لديه جوابًا أحسن أو. أنه يستطيع قضاء الحاجة بطريقة أوفق وأفضل فلا مانع من أن يتكلم لتعم الفائدة وليسهل الوصول إلى المقصود فلم يقل ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ قد تكلم. العفريت. الجني
فلماذا أتكلم إذن؟ بل عليَّ أن أسكت. وذلك لأنَّ الكلام ما زال سجالًا ولآخر أن يعلق ولغيره أن يتكلم وأن يدقق وأن يجيب وأن يقول ما لديه من قدرة قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ما المراد بالكتاب هنا ومَنْ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ
أما الكتاب فللعلماء فيه أقوال فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: الكتاب المراد به التوراة وعلى ذلك فالذي عنده. علم من الكتاب أي: الذي لديه نصيب من التوراة
وقالوا إن ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ هو عالمٌ من العلماء ممن كانوا مع نبي الله سليمان عليه السلام وسماه. أكثرهم. بأنه آصف
وقالوا هذا هو الرجل الذي تعلم كثيرًا من التوراة وعلم اسم الله الأعظم. وكان إذا دعا به أجاب وأن هذا تكرر له
فعلم لأنه قد تعود ذلك وتيقن من ذلك وأنه. إذا دعا ربه إجابة. فقال له تلك المقولة لأنه علم أنه ما بينه وبين أن يأتي العرش إلى نبي الله سليمان عليه السلام إلا أن يدعو ربه عز وجل. يعني: إذا دعا فإنَّ العرش سيحضر. إذن هذا الدعاء ما يحتاج إلى مدة طويلة وبالتالي فإنَّ العرش سيحضر ويكون بين يدي سليمان عليه السلام في أقصر وقت وفي أقل مدة وقال آخرون: ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ الكتاب هو التوراة. والمراد به نبي الله سليمان
فالذي ﴿عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ هو نبي الله سليمان نفسه وقالوا: لأنَّ قوله ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ الذي اسم موصول يدل على. اسم معهود والمعروف في هذا الوقت أن لديه علمًا من الكتاب هو من هو نبي الله سليمان
لكن الله جل وعلا كنى عنه بقوله ﴿ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ ليبين أن علم الكتاب أعظم من قدرة الجني وقوته قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ
أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ وحينئذ يتحول الخطاب. فيكون. قوله قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ خطابٌ من سليمان عليه السلام للجني.
يعني: الجني يقول له ﴿أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن﴾ مجلسك من مقام فإجابة سليمان عليه السلام وقال بل أنا آتيك به. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الجني قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
وعلى ذلك فيكون نبي الله سليمان عليه السلام قد سأل من معه هذا السؤال ليبين لهم أن الله قد أعطاه. معجزة. وقد من عليه بهذه القدرة. وقد من عليه لهذا الأمر فهو سأله يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الحضور
ما أعظم قدرةٍ لديكم وما أقصر وقتٍ ممكنٍ تتمكنون فيه من الإتيان بالعرش فلما أجابوه بإجاباتهم بيَّن لهم أن الله قد أعطاه ما هو أعظم. وقد أعطاه ما هو أجل وأن الله عز وجل أقدره على ذلك فهي معجزةٌ لنبي الله سليمان عليه السلام
وأكدوا ذلك بقولهم. قالوا هذا أتم لأنه لا يعلم رجل آخر ﴿عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ مذكور في هذه السورة حتى يسند الأمر إليه أو يرجع الوصف إليه وأكدوا ذلك. أيضًا بقوله بعده
قال ليبلوني فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا ﴿مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. وهذا معنى أنه من فضل الله عليه. إذن تفضل الله عليه فلان يكون هذا من سليمان نفسه أولى من أن يكون بواسطة غيره
أولى من أن يكون بواسطة غيره؛ وإلا فكثير من أهل التفسير. يرون أنه الرجل الموسوم أو المعروف بآصف وأن الله قد أعطاه علمًا من الكتاب وأن الله قد أعطاه معرفة اسمه الأعظم الذي. إذًا دعي به أجاب وأنه كان يسأل الله فيجيبه الله ولا يرد عليه دعاءه
معجزة حضور العرش في طرفة عين واقرار سليمان بالفضل
قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ وقال فريق من أهل التفسير إن المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ والذي ﴿عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ من الملائكة
فمنهم من قال: إن ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ من الإنس وهؤلاء منهم من قال هو رجل غير نبي الله سليمان. ومنهم من قال هو نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام
. ومنهم من قال بل هو ملك من الملائكة ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد بالذي ﴿عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ آصف
أو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه الملك سواء أقيل هو جبريل أم غيره فيكون المخاطب بقوله ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ هو من هو نبي الله سليمان عليه السلام. يعني: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يرتد طرف سليمان إليه يكون هذا ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ قد أحضر العرش بين يديه
وفي قول الله قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ إشارة إلى أن العلم يفوق القوة
إلى أن العلم يفوق القوة فالعلم أقوى من القوة وهو قوة وأن القدرة البدنية دون القدرة العلمية وأن العارف العالم. وإن. أقعد على فراشه فهو على مرتبة أعلى من قوي البدن الذي لا يميز أمره ولا يعرف حاله
وهكذا فالعلم يرفع صاحبه وإن كان ضعيفًا العلم يرفع صاحبه. وإن. كان وضيعًا العلم يرفع صاحبه وإن كان فقيرًا العلم يرفع صاحبه وإن كان دون ناس أو الناس في الحسب أو النسب
قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ. وهذا. يعني: أن الأمة تقوى بقوتها العلمية وتضعف بضعفها العلمي وأن قوله سبحانه ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾10 (الأنفال: 60) فسَّره النبي ﷺ بالرمي
فلم. يقصد بذلك تخصيص القوة بذلك لكن الرمي داخل من حديث الرسول ﷺ ويدخل في ذلك كلما يكون قوة ومن أعظمها القوة العلمية أو من. أعظم ما. يدخل القوة العلمية ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. فهذا. يعني: أن العالم قد يصل إلى ما يصل إليه غيره ممن أوتي قوة بدنية وكتطبيق على ذلك قد يحقق العالم من الثواب ما لا يحققه كثير من. العباد لأنَّ العابد يعبد كثيرًا لكنه لا يميز الفاضل من الأفضل
فهكذا العالم يميز بين الفاضل والأفضل
وبينما فيه قربةٌ أعلى من قرب وبينما فيه قربةٌ. لها. حدٌ وبينما فيه قربةٌ أعلى من الأخرى يميز ذلك العالم بفضل الله لذا ليس من عجبٍ أن قال النبي ﷺ «فضل العالم على العابد. كفضل. القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»
﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يرجع إليك بصرك فالواحد. فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾. إذًا نظر إلى شيء ودقق النظر ثم أغلق عينه أو ارتد أو رجع بصرك. فيقال له: قد ارتد بصره
ويرجع طرفه قبل هذه المدة التي لا تستغرق إلا لحظات
إلا مدة وجيزة يتمكن ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ من أن يحضر هذا العرش في هذا المكان الذي فيه سليمان عليه السلام سواء أكان هو سليمان أم غيره لا شك أن هذا فضل من الله سبحانه. وتعالى ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ﴾. يعني: أن هذا الكلام ليس مجرد كلام وأن هذا الذي رُدِّد أمامه كان كلامًا ً صحيحًا. وكان قائلاه على ثقةٍ من أمرهما
﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ﴾ كائنًا ثابتًا ﴿عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى﴾ هذا أي: هذا الذي قد وقع يعود اسم الإشارة. هذا على ما وقع أي: من مجيء العرش وحضوره بين يدي نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام
فلما رآه مستقرًّا ﴿عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى﴾ ليبلوني. أشكر أم. أكفر ﴿قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ﴾ الاستقرار هنا بمعنى الثبات والاستقرار الخاص لأنَّ شبه الجملة
الجار والمجرور أو الظرف يتعلقان بمقدر. وهذا المقدر يكون مستقر أو كائن أو استقر أو استقر ونحو ذلك. فيقال مثلًا محمد في البيت
أي: محمد مستقر في البيت أو كائن في البيت أو استقر في البيت كل شبه جملة يكون له متعلق يكون مقدرًا. إذا كان المراد به العموم أي: أريد به العموم أن يكون التقدير عامًا يقال مثلًا محمد عندك
محمد كائن عندك أو مستقر عندك وحينئذ فلا تذكر كلمة. مستقر ولا تذكر كلمة كائن. إذًا أريد بذلك العام إذًا أريد بهذا المتعلق أن يكون عامًا لكن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يذكر هذا المتعلق. إذا كان خاصًّا
إذا كان خاصًّا كما لو قلت: مثلًا محمد جالس عندك فأنت لا تقصد كائن وإنَّما تقصد الجلوس فتقصد شيئًا خاصًّا. وهنا في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ﴾ ذكر الله لفظة مستقرًا
ولو قصد بذلك الأمر العام وعدم التخصيص في اللغة يقولون فلما رآه عنده هي أصلًا. معنى فلما رآه عنده. يعني: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ﴾ ولا يصرح بها
لذلك ذكر بعض العلماء كابن عطية أن هذا مثال للذكر والأصل الحذف. ولكن هذا فيه نظر كما حرره عدد من أهل العلم وأن الاستقرار المذكور في الآية استقرار خاص لذلك صرح به ولم يترك. فقال فلما رآه مستقرأً. يعني: معناه: أنه رآه أمامه يراه بعينه وأنه رآه كاملًا غير منقوص وثابتاً غير ذاهب فلما رآه مستقر. يعني: هو وهو أمامه كامل غير منقوص لأنَّ الجني إذًا حمل أو الآخر. إذًا أتى به يحتمل أنه نقص منه شيء أو أنه ذهب منه شيء
فيه اعتراف نبي الله سليمان عليه السلام بفضل الله سبحانه. وهذا فيه أنَّ: العبد عليه أن يعترف بفضل الله وأن يشكر نعمة الله عليه. وقد تقدم ذلك من قبله في قول نبي الله سليمان مع والده داود عليه السلام وقال ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾11 (النمل: 15) وفي دعوة. نبي الله سليمان ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَىٰهُ﴾12 (النمل: 19)
والنعمة ابتلاء والذي يعطيك وهو الله سبحانه. قادر على أن يمنعك فالعطاء والمنع ابتلاء فمن الناس من يصبر ويشكر ومن الناس من يجزع ويكفر من الناس من يشكر ويصبر ومن الناس من يجزع ويكفر
﴿قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أأشكر نعمته على أأشكر ما أسداه لي أأشكر نعمه التي لا تعد ولا تحصى أأشكر أم أكفر أأشكر أم. أكفر أي: أم. أجحد نعمة الله فالكفر هنا في مقابلة الشكر
والكفر يأتي في مقابلة الإيمان ويأتي في مقابلة الشكران أو الشكر. فالمراد بالكفر الجحود جحود نعمة الله سبحانه وتعالى ليبلوني أأشكر أم أكفر
وهو يريد أن يكون شاكرًا لذلك قدم بقوله ﴿هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى﴾. وهذا. يعني: أن من شكر الله سبحانه الثناء على الله عز وجل باللسان
والاعتراف بذلك بالقلب والجنان وكذلك العمل بمقتضى ذلك بأنَّ لا يُستعمل الجوارح إلا في طاعة. الله وأن لا يُستعمل النعمة إلا فيما يرضي الله سبحانه جل وعلا ﴿هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
وَهُوَ عَالِمٌ سُبْحَانَهُ مَنِ الَّذِي سَيَشْكُرُ وَمَنِ. الَّذِي. سَيَكْفُرُ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُحَاسِبُ أَحَدًا عَلَى سَابِقِ عِلْمِهِ وَإِنَّمَا يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَقَعُ مِنْهُمْ
فهو يحاسبهم على ما يظهر منهم. وهذا معنى العلم المذكور في كثير من الآيات ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ﴾13 (محمد: 31) فقوله: حتى نعلم. يعني: حتى يظهر علمنا وحتى ينكشف علمنا وحتى يترتب عليه الجزاء هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى
ليبلوني أأشكر أم أكفر ولم يقل ليبلوني أأشكر أم لا. أشكر وقوله: لا أشكر مقابل لا أشكر ﴿أَنَّمَا﴾ عبر بأكفر. يعني: لا يكفر لكن أقصد عبر بأن الأمر على أحد أمرين أأشكر أم أكفر. وذلك والله أعلم لبيان خطورة الأمر
بأنه إذا لم يكن من الشاكرين كان من الكافرين فهو بذلك يتهدد نفسه. إذا لم تكن على الطاعة وإذا لم تكن شاكرة وكما يقال فلكل مقام فمثلًا. إذا أردت أن تنصح رجلًا تقول له يا أخي، كن من الشاكرين
وَلَا أُشْكُرِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ مَا لِأَرَاكَ لَا تَشْكُرُ اللَّهُ لكن. إذا قلت: له مَا لِأَرَاكَ تَكْفُرُ بِاللَّهِ لكان شاقًا عليه. يعني: إذا قلت: لشخص مَا لِأَرَاكَ لَا تَشْكُرُ
فإنَّ الأمر يكون أيسر عليه مما لو قلت: ما لأراك تكفر لكن الإنسان يقول أنا لا أشكر نعمة الله. أخاف أن أكفر نعمة الله فهو يحاسب نفسه ويحاول جاهدًا أن يصل إلى ما يطيع به الله سبحانه وتعالى. وهذا يستفاد منه أنَّ الإنسان يراعي في خطاب نفسه ما يناسبها
اعتراف سليمان بالفضل هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ وسنة
وفي خطاب الناس ما يناسبهم. وقد ذكر بعض العلماء مثلًا مثالًا لذلك لو أنَّ رجلًا من الناس رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت فسأل بعض الناس عن ذلك. وكان ملكا من الملوك فسأل بعض جنده ورعاياه وقال لهم رأيت في المنام أن أسناني قد سقطت
فرد عليه راد وقال له أقاربك وأهلك سيموتون قبلك فأمر. بسجنه. يعني: قال له خلاص أهلك سيموتون. إذن هذا كلام صعب على النفس وسأل آخر فقال له سيمد الله في عمرك حتى تكون آخر أهلك هو نفس النتيجة. يعني: حينما قال له سيمد الله في عمرك حتى تكون آخر أهلك هي نفس النتيجة سيموت أهلك قبلك لكن حينما بدأ الأول وقال سيموت أهلك قبلك
فالمسألة. خطيرة تعلق فكره بمسألة الموت لكن في الجواب الثاني حينما قال سيمد الله في عمرك وستكون آخر أهلك موتًا تعلق قلبه بأنه سيعمر في تلك الحياة شيئًا. أكثر من. غيره فلذلك ارتضى هذا الجواب دون غيره وهكذا فعلى المرء
أن يراعي في كلامه مقتضى الحال وهو ما يسميه أهل العلم بالبلاغة وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع. مراعاة الضوابط اللغوية من مراعاة الفصاحة وما إلى ذلك ﴿قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ﴾
فإنما يشكر لنفسه ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾
﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ﴾ شُكُرُكَ لِرَبِّكَ لَا لِحَاجَةِ اللَّهِ إِلَيْكَ فَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ شُكْرِكَ وَأَنتَ أَيُّهَا الشَّاكِرُ مُنْتَفِعٌ بِشُكْرِكَ لِرَبِّكَ
﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ﴾ كَمَا قَالَ ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآ14ءَ فَعَلَيْهَا﴾ (فصلت: 46) فالذي يعمل الصالحات هو المستفيد من ذلك. والله غني عنه وعن عمله «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً»
«يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ﴾
هو المنتفع بذلك. والله من أسمائه الشاكر والشكور فالشاكر موصوف بالشكر والشكور موصوف بالشكر وبكثرته وبزيادته
فهو يعطي على القليل من العمل الكثير من الجزاء. والثواب. وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ قال الله ذاكرًا قول سليمان عليه السلام ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ﴾ من جحد نعمة الله من لم يشكر. نعم الله. ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾
﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ ولم يقل ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ فإنَّه غني كريم لأنه لو قيل ذلك فالضمير يعود على الله لأنَّ الله جل. وعلا قد ذكر قبل في قول سليمان هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لكن عاد التصريح به ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾. ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ لبيان سبب غناه وسبب كرمه
فهو غني وكريم لأنه الرب والرب لا يكون إلا غنيًّا ولا يكون إلا. كريمًا ففي ذكره وفي تصريحه باسم الرب تعليل للاسمين والوصفين المذكورين بعد في قوله غني كريم. والله أعلم
وفيه أيضًا أن تكون هذه الجملة مستقلةً بذاتها لا تحتاج إلى سابقتها لأنه لو قرأ قارئ أو قال قائل من بداية الكلام
من شكر فإنما. يشكر لنفسه ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ فإنَّه غني كريم يحتاج إلى كلام سابق لكن. إذا قال قائل من البداية من ﴿شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ فالجملة تامة
لا تحتاج إلى سابق. وهذا يأتي في كثير من القرآن تأتي الجمل لتكون مقررة لأصول عامة وقواعد كلية فلا تكون مفتقرة إلى كلام سابق وإن كانت في الأصل متعلقة بكلام سابق. والله أعلم
قال ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى﴾ الخالق الرازق مدبر شؤون الناس ومربيهم. ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ وقوله: غني أي: لا يضر بتركه الطاعة لا يضر بترك العبد الشكر لا يضر بكفر الكافرين لا يضر بمعصية العاصين
سبحانه وتعالى قال بعض. العلماء
وفي التعبير بكريم هنا إشارة إلى أن الله قد ينعم على الكافر مع كونه قد كفر ولا يمنع الكافر بسبب كفره
بل يكرمه ويكون إكرامه له من. أجل أمور منها لعل هذا الإكرام منه له يكون سببًا في رجوعه إلى الطاعة وفي عودته ليكون من الشاكرين فالعبد قد يكفر نعمة الله ولا يشكره فينعم. الله. عليه بثانية
عود نفع الشكر للعبد وغنى الرب الكريم وسنة استدراج
ما أكثر نعم الله عليه لقد تعددت على النعم وكثرت وامتدت إلي وغمرتني وعمتني فما لي لا أكون من الشاكرين وما لي لا. أشكر ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فيرجع عما هو عليه ويرعوي عن غيه ويتوب إلى ربه
بأن يستمر على المعاصي مع نعم الله عز وجل. المتتابعة. عليه فيكون بذلك مستدرجاً حتى. إذا أخذ أخذ عزيز مقتدر كما قال النبي ﷺ «إذا رأيتم الله يعطي العبد من نعمة وهو مقيم على معاصيه فإنما هو استدراج»
وكما قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي موسى. رضي. الله عنه «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ هذه الآية ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾15 (هود: 102) وقد يقول قائل والله أعلم
إن اقتران اسمه الكريم باسمه الغني وذكر اسم الكريم في هذا الموضع لبيان أمر مهم وهو أن كفر الكافرين وعدم شكر الناس أو بعض ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لا يضر الله شيئًا وهو كريم سواء أثني عليه أم لم يثن
سواء شكر أم لم يشكر فهو الكريم سبحانه وتعالى كريم في ذاته. كريم في. صفاته كريم في أفعاله سبحانه جل وعلا فهو الكريم والكريم من معانيه من معانيه الفائق
يقال هذا شيء كريم أي: شيء فائق على غيره فهو فائق على. غيره. ولا يحتاج إلى مقارنة بغيره ومن معاني الكريم الجواد ومن معاني الكريم الصفوح. يعني: يفتح مجال العفو ومجال المغفرة لعباده عساهم أن يتوب إليه قال ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ﴾. ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ ﴿قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾16 (النمل: 41) ﴿قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا﴾
طويت أمور لم تذكر في القصة لأن. الآية. كما تقدم قال فيها سليمان عليه السلام ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ وهم قد أتوه بالعرش ونبي الله سليمان عليه السلام قال مقولته حينما رأى. العرش. مستقرًا عنده هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى إلى آخره
. ثم بعد ذلك أقبلت عليه المرأة أقبلت ملكة سبأ أقبلت بلقيس كما يسميها جماهير أهل العلم أقبلت هذه المرأة على نبي الله سليمان عليه السلام وأقبل من. معها حينئذ قال نبي الله سليمان ﴿نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾
وقوله: نكروا لها عرشها المراد بالتنكير هنا المراد بالتنكير هنا. تغيير بعض. المعالم نكروا لها عرشها صيروه نكرا لا معرفة
العرش بالنسبة لها معرفة لا يخفى عليها فإذا تغيَّرت بعض معالمه وتغيَّرت بعض أوصافه صار نكرة بالنسبة لها أو. صار. أمره مشتبهًا عليها وهو ذات
قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ ﴿نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ﴾ جواب الأمر لذلك جاء مجزوماً ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. أتهتدي إلى. ماذا
الذي عليه الأكثرون أتهتدي إلى كون هذا العرش عرشها أم لا تهتدي إلى ذلك فيلتبس عليها أمر العرش وتظن أنه ليس عرشها وإنَّما هو عرش لغيرها
. إذًا. أتهتدي إلى هذا العرش إلى معالمه إلى معرفته إلى حقيقته أم لا تكون من الذين أو ﴿تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ممن خفي عليها هذا الأمر ولا. تتفطن له. ﴿أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ وقال بعضهم: أتهتدي إلى الحق
حينما تعلم أن هذا هو عرشها تقول سبحان الله العظيم ما أقدر سليمان على ما. أقدره. عليه إلا ربه؛ وإلا إله العالمين المستحق للعبادة دون ما سواه فتكون رؤيتها لعرشها سببًا في إسلامها
والمعنى الأول اقرأ ننظر اتهتدي. يعني: اتهتدي إلى معالم العرش وقال بعضهم: أنه غير تلك المعالم حتى لا يظهر لها الأمر من أول شيء وإنَّما يظهر لها بعد تفقد الأمر حتى يتبين. حالها وحتى يعرف مدى حزمها ومدى ذكائها وفطنتها. وقد تبين في القصة أن المرأة كانت ذات فطنة وكانت ذات ذكاء ولما تبين لها الحق اتبعت ولما استبان لها الأمر واسترشدت صارت رشيدة ﴿قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. لله رب العالمين ننظر أتهتدي
أمر سليمان بتنكير العرش نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا واختبار نباهة
إن شاء الله نكمل الدرس في الأسبوع المقبل. وأما بالنسبة للأذكار والتنبيه على بعض الأخطاء فكعادتنا إن شاء الله تعالى يكون بعد صلاة العشاء. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 38 ↩
- آية: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 39 ↩
- آية: ﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 40 ↩
- آية: ﴿لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 40 ↩
- آية: ﴿ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 37 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 26 ↩
- آية: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 32 ↩
- آية: ﴿وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 39 ↩
- آية: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 60 ↩
- آية: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 15 ↩
- آية: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَىٰهُ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 19 ↩
- آية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 31 ↩
- آية: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 46 ↩
- آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 102 ↩
- آية: ﴿قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 41 ↩