منظومة الزمزمي الدرس الرابع والعشرون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فما زال الحديث موصولًا بالقراءة في منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع التعليق عليها، ووقفنا عند النوع الخامس والسادس: "الرواة والحفاظ من الصحابة والتابعين الذين اشتهروا بحفظ القرآن وإقرائه"
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
النوع الخامس والسادس
الرواة والحفاظ من الصحابة والتابعين الذين اشتهروا بحفظ القرآن وإقرائه
عَلِىُّ عُثْمَانُ أُبَيٌّ زَيْدُ
وَلِابْنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا سَعْدُ
كَذَا أَبُو زَيْدٍ أَبُو الدَّرْدَا كَذَا
مُعَاذٌ بْنُ جَبَلٍ وَأَخَذَا
عَنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةٍ مَعَ ابْنِ
عَبَّاسٍ ابْنُ سَائِبٍ وَالْمَعْنِي
بِذَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ شُهِرْ
مِنْ تَابِعِيٍّ فَالَّذِي مِنْهُمْ ذُكِرْ
يَزِيدُ أَيْ مَنْ أَبُهُ الْقَعْقَاعُ
وَالْأَعْرَجُ بْنُ هُرْمُزٍ قَدْ شَاعُوا
مُجَاهِدٌ عَطَا سَعِيْدٌ عِكْرِمَةْ
وَالْأَسْوَدُ الْحَسَنُ زِرٌّ عَلْقَمَهْ
كَذَاكَ مَسْرُوقٌ كَذَا عَبِيْدَهْ
رُجُوعُ سَبْعَةٍ لَهُمْ لَا بُدَّهْ
الشرح
تقدم في آخر الدرس الماضي أن الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تبعًا لأصله السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تحدث عن الرواة والحفاظ، فذكر جملةً منهم، ومرادهم بالرواة والحفاظ هنا: الرواة الذين تحملوا القرآن ونقلوه، والحفاظ الذين حفظوا القرآن وأتقنوه.
فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ العلاقة بين الراوي والحافظ: إن الحافظ أخص من الراوي؛ فالراوي تحمل الشيء وبعد ذلك يؤديه، وهذا قد يكون حافظًا وقد يكون دون ذلك، أما الحافظ فهو أخص، فهو لا يروي فحسب وإنما يحفظ ما يرويه ويتقنه؛ فلذلك يمكن أن نقول إن الحافظ أو الحفاظ من باب عطف الخاص على العام، فالحفاظ أخص.
على أن هذه الاصطلاحات أعني -الرواة والحفاظ- مشهورة عند أهل العلم في علم الحديث، ففي علم الحديث يكثر هذا فيُقال: الراوي فلان، ويُقال: فلان أحد الحفاظ، بل إنك إذا قلت فلان حافظ من الحفاظ فإنه ينصرف في غالب الأمر إلى حفظ حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما في القرآن الكريم فأيضًا يقال حفاظ، لكن من الألفاظ الشهيرة في هذا الباب: القارئ والمقرئ.
فلا يُقال فلان راوٍ، ﴿أَنَّمَا﴾ يقال فلان قارئ، ولذلك هناك كتب في القراء، وإذا ذُكر الحفاظ انصرف إلى أهل الحديث، كـ "تذكرة الحفاظ" حينما تفتح الكتاب، وكذا بقية الكتب المماثلة لهذا، فإنك تجد فيها تراجم لعلماء الحديث، وأما حفاظ القرآن فيقال لهم: القارئ أو القراء؛ ولذلك عندنا "منجد المقرئين" لابن الجزري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وأيضًا "طبقات القراء"، و"غاية النهاية" وغير ذلك من الكتب المشهورة في طبقات القراء ومراتبهم، ويقصدون بها أهل القرآن الكريم.
بعض العلماء جعل المقرئ أخص من القارئ أيضًا، فجعل المقرئ من يقرأ بأكثر من قراءة، والقارئ من يقرأ بقراءة أو برواية، ولا يمنع أن أحدهما يُطلق على الآخر فيقال أيضًا: هذا قارئ وإن كان يقرأ بعدة قراءات، لكن مقرئًا في اصطلاح كثير منهم أخص منه؛ فإذا قيل فلان مقرئ من المقرئين يعني أن له دراية بالقراءات أو ببعض القراءات.
لكن هنا قال: "
الرواة والحفاظ من الصحابة والتابعين الذين اشتهروا بحفظ القرآن وإقرائه"
.
وقوله: "
من الصحابة والتابعين"
؛ أما الصحابي فقد مضى معنا تعريفه مرارًا، وهو: من اجتمع أو لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤمنًا ومات على الإيمان، وزاد بعضهم: ولو تخللت ردة على الأصح.
إذًا: من لقي النبي أو من اجتمع بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليكون أشمل وأعم من أن يُقال من رآه، حتى يدخل فيه من رأى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن منعه مانع من الرؤية كالعمى؛ فإنَّ هذا لا ينفي عنه الصحبة إذا لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واجتمع به.
والتابعي: من لقي الصحابي مؤمنًا ومات على ذلك على هذا التعريف، لكن لا نقول مؤمنًا به، يعني يمكن أن نفرق بين تعريف الصحابي والتابعي بأننا في تعريف الصحابي نقول: من لقي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤمنًا به.
وأما في التابعي نقول: من لقي الصحابي مؤمنًا، يعني تثبت له أنه تابعي إذا لقيه حال الإيمان لا مؤمنًا به؛ لأن هذا ليس من أركان الإيمان، ﴿أَنَّمَا﴾ يعني يحب أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن ليس المراد بذلك الإيمان بهذا الصحابي، وإنما الإيمان يكون بالله وبرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا حاصل ما يقال في كلام الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لأن للحافظ ابن حجر وغيره في ذلك كلامًا قد يتوهم منه خلاف ذلك، والله أعلم.
"الذين اشتهروا بحفظ القرآن وإقرائه"؛ إذًا عطف الإقراء على الحفظ هنا أيضًا من باب التدرج، يعني الحفظ هذه مرتبة ثم تأتي المرتبة التالية أو التابعة أو الثانية وهي مرتبة الإقراء، فالمقرئ حافظ في الأصل لكن حفظه تعدى إلى غيره، لم يكتفِ بأنه حافظ وإنما علم غيره وأقرأ غيره.
وقد جاء في حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
»، وهذا أعم وأوسع دائرة، فيُقال معلم القرآن وهذا أشمل، لذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
» لا يُفهم على أن المراد به من يُحفظ القرآن فحسب، بل يدخل في ذلك من يعلم الناس كتاب الله كمن يعلمهم تفسير القرآن الكريم وأحكام القرآن وما إلى ذلك، فإنَّ له نصيبًا من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
» ، ومن أنواع التعلم التحفيظ، فهذا أيضًا نوع من أنواع التعليم للقرآن الكريم.
"
الرواة والحفاظ من الصحابة والتابعين الذين اشتهروا بحفظ القرآن وإقرائه
"؛ تقدم أيضًا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان حافظًا للقرآن بلا مرية ولا شك، وإن النصوص قد دلت على ذلك، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حافظٌ للقرآن الكريم وقد بلغ الرسالة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وقد وعده الله بالحفظ فقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾1.
ذكر هنا جملة من الصحابة والتابعين فقال:
عَلِىُّ عُثْمَانُ أُبَيٌّ زَيْدُ
وَلِابْنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا سَعْدُ
كَذَا أَبُو زَيْدٍ أَبُو الدَّرْدَا كَذَا
مُعَاذٌ بْنُ جَبَلٍ وَأَخَذَا
عَنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةٍ مَعَ ابْنِ
عَبَّاسٍ ابْنُ سَائِبٍ وَالْمَعْنِي
بِذَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ شُهِرْ
مِنْ تَابِعِيٍّ فَالَّذِي مِنْهُمْ ذُكِرْ
أظن وقفنا عند هذا في الأبيات، أليس كذلك؟ بلى، لكن نكرر فقط التعليق على كلمة "
وَلِابْنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا سَعْدُ
"، يعني لابن مسعود بهذا سعد، وأي سعد يعني سعادة، فليس المقصود به التنصيص على رجل، ﴿أَنَّمَا﴾ مراده به السعادة على ما حرره بعضهم في الشرح، والعلم عند الله.
يعني أن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سعيد بهذا؛ لأن له نصيبًا وحظًا كبيرًا، فقد ثبت عنه أنه تلقى من فم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبعين سورة سمعها من فم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ
»، يقصد عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وهو أحد الأربعة الذين قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شأنهم: «
خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعَاذٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
»، ومنهم عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
قال: "
وَالْمَعْنِي
بِذَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ
"؛ يقصد بذلك أن المراد بابن عباس المراد به عبد الله بن عباس، وأن المراد بابن السائب عبد الله بن السائب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فهذا هو المراد إذًا "
بِذَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ
"؛ أي يريد بذلك عبد الله بن عباس؛ لأن هناك أولادًا آخرين للعباس، فهو لا يقصد مثلًا الفضل بن عباس ﴿أَنَّمَا﴾ يقصد عبد الله بن عباس، ومن المعروف أنه إذا ذُكر ابن عباس هكذا فإنه ينصرف إلى عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لكن هذا زيادة في التنصيص والتصريح، وعبد الله بن السائب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أيضًا أحد الصحابة.
"
ثُمَّ مَنْ شُهِرْ
مِنْ تَابِعِيٍّ
"؛ إذًا انتقل هنا من الصحابة إلى التابعين، وأظن ذكرنا في اللقاء السابق أن عدم ذكر أبي بكر وعمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا لا يعني أنهما غير حافظين، بل هما من الحفاظ أيضًا كما نص على ذلك بعض الأئمة، ولكنهما رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا لما تحملاه من شأن الخلافة ولما تكبداه من المشاق ولسبق وفاتهما ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الأخذ عنهما.
يعني بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تولى أبو بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الخلافة وهو مشتغل بأمر الخلافة، أيقرئ الناس أم يقوم على أمر الناس؟ وكذلك عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فهذا هو السبب.
لكن تأخر عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مدة فحينئذٍ علم، وكذلك علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أكثر حينئذٍ علم، وهكذا، فهذا هو المراد في ذكر هؤلاء، ولذلك أغلب الأسانيد تعود إلى هؤلاء المذكورين؛ ولذلك حرر بعضهم أن سبب ذكر هؤلاء من الصحابة والتابعين بيان أن غالب أسانيد الدنيا تدور على هؤلاء، أن غالب أسانيد الدنيا في الإقراء في القراءات والروايات تعود إلى هؤلاء من الصحابة والتابعين رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَرَحِمَهُم اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً.
نص على جملة من التابعين فقال: "
ثُمَّ مَنْ شُهِرْ مِنْ تَابِعِيٍّ فَالَّذِي مِنْهُمْ ذُكِرْ يَزِيدُ أَيْ مَنْ أَبُهُ الْقَعْقَاعُ"؛
يقصد بذلك يزيد بن القعقاع رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
"
وَالْأَعْرَجُ بْنُ هُرْمُزٍ قَدْ شَاعُوا
"؛ ويقصد بالأعرج عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، فهو أيضًا معروف بالإقراء ومعروف بعلم الحديث ومشهور روايته عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
إذًا عندنا يزيد بن القعقاع، ومن القراءات العشر قراءة أبي جعفر المدني، والأعرج بن هرمز عبد الرحمن بن هرمز، ومن المعروف لدى أهل العلم أن بعض الرواة قد اشتهر بوصفٍ يبدو كريهًا لكنه ذكر على سبيل التعريف، وهذا أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة.
فهناك مواضع تجوز فيها الغيبة، منها: التعريف؛ فيُعرف هذا بأنه أعرج، ويُعرف هذا بأنه أعمش، فحينئذٍ يُقال له الأعرج أو يُقال له الأعمش ولا يقصد بذلك القدح فيه، وإنما يُقصد بذلك تعريفه.
مُجَاهِدٌ عَطَا سَعِيْدٌ عِكْرِمَةْ
وَالْأَسْوَدُ الْحَسَنُ زِرٌّ عَلْقَمَهْ
كَذَاكَ مَسْرُوقٌ كَذَا عَبِيْدَهْ
رُجُوعُ سَبْعَةٍ لَهُمْ لَا بُدَّهْ
قوله: "
مُجاهِدٌ
" هو مجاهد بن جبر المكي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى معروف، وهو من أشهر الرواة عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، ومن أشهر علماء التفسير أيضًا، ويرجع إليه كثير من الأسانيد، ومجاهد بن جبر له علو قدر ومنزلة، وقد تلقى عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا التفسير، وقد ورد عنه في بعض الروايات أنه قرأ القرآن على ابن عباس ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وفي بعضها أكثر من ذلك، يوقف ابن عباس على كل آية يسأله عنها.
ومع ذلك وجدت مفردات عن مجاهد تستنكر ولا تقبل لكنها مغفورة له رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ ولذلك مجاهد بن جبر له بعض الفرائد وبعض الغرائب في التفسير كما نص على ذلك الذهبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره.
وبعض مفرداته تلقاها بعض من جاء بعده من بعض الفرق كما وقع في بعض المسائل التي استند إليها بعض المعتزلة، وإن كان مجاهد نفسه من أئمة السنة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً؛ ولذلك له تفسير في بعض المسائل كقضية الرؤية، وقضية مسخ أصحاب السبت قردة وخنازير، إلى غير ذلك من مسائل معروفة عنه في بعض الأبواب، والعلم عند الله.
"عَطَا"؛ عطاء بن أبي رباح، وذكر السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار فذكر الاثنين، لكن الأشهر في الإقراء والقراءات هو عطاء بن أبي رباح، وقال بعضهم إذا أطلق انصرف إليه.
"
عِكْرِمَة
"؛ وأيضًا عكرمة مولى ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو مشهور بالتفسير وأيضًا بالقراءة، وقد طعن فيه طاعنون ودافع عنه كثيرون، والأقرب قبول روايته من حيث الحديث، ثم هو أيضًا من القراء في باب الإقراء، وقد ذكروا أيضًا أن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كان يقيده ويكبله في القيود حتى يعلمه، وبعد ذلك صار عكرمة بهذا الشأن وبهذه المنزلة، وهذا يدل على أن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا كان ذا عناية فائقة بطلابه، ولعل هذا والله أعلم إحدى الأسباب التي نشر الله بها علم ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُمَا.
"
سَعِيدٌ
"؛ سعيد هنا هو سعيد بن جبير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وهو أشهر في باب التفسير، وقد ذكر بعض العلماء أيضًا أنه إذا أطلق سعيد في التفسير أو القراءات انصرف إلى سعيد بن جبير، وإذا أطلق في الحديث انصرف إلى سعيد بن المسيب، ففي علم الحديث سعيد بن المسيب أشهر، وفي علم التفسير الرواية عن سعيد بن جبير أكثر، وقصة قتل الحجاج بن يوسف له مشهورة ومعروفة، وسعيد بن جبير أحد سادات العلماء في علم التفسير.
"والحسن البصري" رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى المشهور، الحسن البصري له قدره وله كلام كثير في التفسير حتى إن بعضهم جمع تفسير الحسن البصري من المرويات المروية عنه؛ لذلك الحسن من المكثرين رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في جانب التفسير، فله تفاسير كثيرة، وقد كانوا يذكرون في ترجمته أن كلامه يشبه كلام الأنبياء، يعني أنه أوتي حكمة وفطنة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
"
زر
"؛ زر بن حبيش رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ومعروف أيضًا بالرواية عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
"
وكذلك علقمة بن قيس النخعي
"؛ هذا يروي عن ابن مسعود أيضًا، يبقى يروي عنه حديثًا وقراءة أيضًا، فعندنا علقمة إذا روى عن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فالمشهور علقمة بن أبي وقاص الليثي، وإذا روى عن ابن مسعود فهو النخعي.
"
كَذَا مَسْرُوقٌ
"؛ وهو مسروق بن الأجدع رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ويروي كثيرًا عن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهَا، لكن أيضًا له نصيب في باب القراءات.
"
كَذَا عَبيدة
"؛ عبِيدَة السلماني، وهذا يروي في الحديث عن علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، له أيضًا في القراءات حظ ونصيب.
"
رُجُوعُ سَبْعَةٍ لَهُمْ لَا بُدَّهْ
"؛ إذًا هو ذكر الآن جملة من التابعين بعد ذكر جملة من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، كم عدد هؤلاء الذين تقدم ذكرهم؟ علي وعثمان، أبي، زيد، ابن مسعود، أبو زيد... من الصحابة كم؟ 11 صحابيًا. ومن التابعين: 12 تابعيًا؛ إذًا جملة المذكورين 23 حافظًا وراويًا.
هم 12 لكننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن عطاءً يحتمل اثنين: عطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار، فيكون الجملة حينئذ ثلاثًا وعشرين، وإذا جعلنا عطاءً يشمل اثنين صاروا 24 راويًا وحافظًا.
هذا جملة المذكور، لا يعني هذا أن هؤلاء فقط الحفاظ، لكن هؤلاء الأشهر، وإلا فحفاظ القرآن كثيرون، وهؤلاء أشهر من تصدروا للإقراء، يعني يكون هناك حفاظ وهناك معلمون كثيرون، لكن من أشهر الحفاظ؟ فلان وفلان وفلان، فهؤلاء الأشهر.
وأيضًا هناك فائدة في ذكر هؤلاء "
رُجُوعُ سَبْعَةٍ لَهُمْ لَا بُدَّهْ
"؛ يعني أن القراء السبعة ترجع قراءتهم بالسند إلى هؤلاء، فأنت إذا قرأت بقراءة عاصم أو بقراءة حمزة أو بقراءة الكسائي أو بقراءة نافع أو بقراءة أبي عمرو أيًا كان من هذه القراءات فإنك ستعود بالأسانيد إلى بعض هؤلاء.
فقد تعود إلى زر بن حبيش مثلًا أو تعود إلى سعيد أو غيرهما، تعود مثلًا بهؤلاء عن بعض الصحابة، فتعود بالأسانيد كما في قراءة عاصم فتعود إلى علي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان أو عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ من طرق كثيرة؛ من طريق أبي عبد الرحمن السلمي مثلًا عن عثمان، أو زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، إلى غير ذلك من طرق ذكر بعضها السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وأطنب في ذكرها العلامة المقرئ شيخ المقرئين في زمانه وما بعد زمانه وهو ابن الجزري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أحد أئمة الفن بل أبرز أئمة الفن أعني فن القراءات والتجويد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رحمةً واسعة.
هذا باختصار بعض ما يتعلق بالرواة والحفاظ، كانت هناك شبهة طرحناها في الدرس الماضي وأجبنا عنها، مسألة كيف وحفاظ القرآن ونقل القرآن بالتواتر؟ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لنقل القرآن طبقة عن طبقة، لكن هذا ذكر بعض المشهورين بذلك، وأن العبرة بالمجموع كما تقدم أيضًا.
بعد هذا انتقل إلى باب آخر:
العقد الثالث: ما يرجع إلى الأداء وهي ستة أنواع
أيضًا بقية الثلاثة؛ لأنه نص على السبعة، وتقدم أن الثلاثة المتممة للعشر هي قراءات متواترة وتعود أيضًا إلى هذه الأسانيد؛ لأن الثلاثة من هم الثلاثة؟ أبو جعفر المدني يزيد بن القعقاع وهذا ما نتكلم عنه، ويعقوب الحضرمي ويرجع إلى هذا، وحمزة ومن الكوفيين ويتجه بالأسانيد إلى عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وغيره من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي الله عنهم أجمعين.
قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى :
الْعَقْدُ الثَّالِثُ:
مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَدَاءِ وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الأَوَّلُ وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الوَقْفُ، وَالِابتِدَاءُ
وَالِابْتِدَا بِهَمْزِ وَصْلٍ قَدْ فَشَا
وَحُكْمُهُ عِنْدَهُمُ كَمَا تَشَا
مِنْ قُبْحٍ أَوْ مِنْ حُسْنٍ أَوْ تَمَامِ
أَوِ اكْتِفَا بِحَسَبِ الْمَقَامِ
وَبِالسُّكُونِ قِفْ عَلَى الْمُحَرَّكَهْ
وَزِيدَ الِاشْمَامُ لِضَمِّ الْحَرَكَةْ
الرَّوْمُ فِيهِ مِثْلَ كَسْرٍ أُصِّلَا
وَالْفَتْحُ ذَانِ عَنْهُ حَتْمًا حُظِلَا
فِي الْهَا الَّتِي بِالتَّاءِ رَسْمًا خُلْفُ
وَوَيْكَأَنَّ لِلْكِسَائِي وَقْفُ
مِنْهَا عَلَى الْيَا وَأَبُو عَمْرٍو عَلَى
كَافٍ لَهَا وَغَيْرُهُمْ قَدْ حَمَلَا
وَوَقفُوا بِلَامِ نَحْوِ مَالِ
هَذَا الرَّسُولِ مَا عَدَا الْمَوَالِي
السَّابِقَيْنِ فَعَلَى مَا وَقَفُوا
وَشِبْهَ ذَا الْمِثَالِ نَحْوَهُ قِفُوا
الشرح
"
الْعَقْدُ الثَّالِثُ: مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَدَاءِ وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ
"؛ تقدم أن نبهت في أول المحاضرات أن الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تبعًا للأصل ما جاء في "النقاية" للسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذكروا هذا وأدخلوه في علوم القرآن الكريم، وهذا لأن علوم القرآن أوسع، وأما إدراج ذلك في أصول التفسير فهو محل نظر.
ولذلك عرفنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ العلاقة بين علوم القرآن وعلوم التفسير وأصول التفسير علاقة عموم وخصوص مطلق، فأصول التفسير وعلوم التفسير بعض أنواع أو بعض علوم من علوم القرآن، فعلوم القرآن أوسع.
وعلوم القرآن منها ما لا يتوقف عليه التفسير، ومنها ما يتوقف عليه التفسير؛ فمعرفة الإمالة والتقليل والإدغام هذا لا يتوقف عليه التفسير، يعني الشخص إذا لم يعرف أن حمزة مثلًا أو الكسائي لهما الإمالة، والتفريق بين ما فيه الإمالة وما فيه التقليل، هذا لا يضره في التفسير، فهذا يتعلق بجهة الأداء لكن لا يترتب عليه اختلاف في المعنى، لكنه داخل في علوم القرآن؛ لأننا حين ننظر إلى علوم القرآن
فإننا يمكن أن نقسم علوم القرآن إلى أقسام:
فهناك علوم قرآن تتعلق بنزول القرآن؛
وهذا ما تكلمنا عنه ابتداءً وهي الأبواب الأولى في العقد الأول، تتكلم عن نزول القرآن، ونزول القرآن يدخل فيه المكي والمدني، وأسباب النزول، أول ما نزل، آخر ما نزل، الصيف، الشتاء، الليل، النهار؛ كل هذا يدخل في نزول القرآن.
وهناك ما يتعلق بقراءة القرآن وأدائه؛
طريقة أداء القرآن، طريقة نقل القرآن، فيدخل فيه التجويد ومنه ما ذكره هنا، ويدخل فيه القراءات؛ فلذلك أورده هنا من هذا الباب.
هناك جزء من علوم القرآن يتعلق بلغة القرآن؛
ما يتعلق باللغة التي تتعلق بلغة القرآن؛ فلذلك أدخل هنا المرادف، الترادف، والاشتراك وما إلى ذلك، دلالات الألفاظ القرآنية فيدخل العام والخاص، المطلق، المقيد، المجمل، المبين وما إلى ذلك.
هناك ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم
؛ وهناك تتمات؛ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن أشهر كتابين في علوم القرآن، وهما: "البرهان في علوم القرآن" للزركشي، و"الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، لم يعرفا علوم القرآن؛ ولذلك غالب من يبحث في علوم القرآن أو في تعريف القرآن يُقال: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من جهاتٍ متعددة كنزوله، وترتيبه، وأدائه، ولغته، وتفسيره مثلًا، وتتمات لذلك، أو نحو ذلك أو وغير ذلك من مباحث، فلا يكون بحيث إنه يجمع كل شيء؛ لأن أنواع علوم القرآن قابلة للزيادة بحيث التعلقات.
لكن حاول بعض المعاصرين ضم النظير إلى نظيره، وهذا الذي صنعه الزمزمي ومن قبله السيوطي رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ محاولات لهذا.
إذًا هذا الباب الذي ندرسه الآن وما يليه من بعض الأبواب: المد، وتخفيف الهمزة، والإدغام، والإمالة؛ كل هذا لا يتوقف عليه التفسير، لكننا آثرنا أن نأخذ هذا لأنه أيضًا يتعلق بعلوم القرآن من جهة، وأيضًا لفضل سبق المنظومة واعتمادها عند كثير من الأئمة، وأيضًا يكون الإنسان عنده طرف معرفة من شيء من القراءات وإن لم يكن متعمقًا في علم القراءات.
فقال هنا: "
مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَدَاءِ
"، ما معنى الأداء؟ يعني تأدية القرآن، تبليغ القرآن، إيصال القرآن؛ إذًا "أدى القرآن" يعني بلغ القرآن إلى غيره، أدى القرآن إلى غيره فـ "رب مبلغ أوعى من سامع"؛ وذلك في رواية: «
نَضَّرَ اللَّهُ امْرًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا
». إذًا أداها: بلغها، فمعنى "
مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَدَاءِ
"؛ يعني إلى تبليغ القرآن الكريم.
وحينما نتحدث عن الأداء، الأداء يشمل عدة أمور: المؤدي، والمؤدى له، والمؤدى، وكيفية الأداء، والحديث هنا عن كيفية الأداء، يعني حينما نتكلم عن الأداء ما متعلقات الأداء أو إن شئت فقل ما أركان الأداء؟
المؤدي: وهذا حديث عن الحفاظ والقراء وآداب القراء وآداب الحفاظ وما إلى ذلك.
والمؤدى: وهو القرآن الكريم، حديث عن القرآن وتعريف القرآن والقراءات من حيث هي.
والمؤدى إليه: حال حافظ القرآن، ما ضوابط حافظ القرآن؟ شروط حافظ القرآن؟ الآداب التي ينبغي له أن يتحلى بها.
وقد صنف العلماء في ذلك كتبًا، ككتاب النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى المشهور "التبيان في آداب حملة القرآن"، وأيضًا له مختصره، وكذلك "أخلاق أهل القرآن" للآجري، ونحو ذلك من كتب في أخلاق أهل القرآن من المعلمين والمتعلمين، وهذا من الأبواب المهمة؛ ولذلك من الأبواب المهمة في الطلب: قراءة بعض الكتب في آداب حملة القرآن الكريم، وهذا جيد بمكان.
وأيضًا طريقة الأداء، وهذا هو الحديث، فـ الكلام هنا عن طريقة الأداء: كيف يؤدى القرآن؟ يؤدى في وقف وابتداء، هناك إمالة، هناك إدغام، هناك نقل، هذا هو الكلام.
قال: "
مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَدَاءِ وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ
" بحسب هذا التقسيم:
أولًا : النوع الأول والثاني: الوقف والابتداء.
ثانيًا : والنوع الثالث: الإمالة.
ثالثًا : والنوع الرابع: المد.
رابعًا : والنوع الخامس: تخفيف الهمزة.
خامسًا : والنوع السادس: الإدغام.
الطريقة العامة في أداء القرآن ما هي؟ هذا مقطوع بأنه التلقي والسماع؛ ولذلك نحن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ القرآن سنة متبعة، «
اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ كَمَا عُلِّمْتُمْ
» كما ورد عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. إذًا: القرآن سنة متبعة، هذا هو الأصل.
ما طريقة قراءة القرآن كما جاء في القرآن؟ هي طريقة الترتيل؛ إذًا حينما نقول أداء القرآن ما الطريقة العامة لأداء القرآن؟ هي طريقة الترتيل، فـهذا هو الأصل؛ أن الطريقة العامة لتأدية القرآن هي الترتيل.
إذًا القراءة بغير ترتيل فيها خلل؛ لأن هذه الطريقة هي الطريقة المعروفة التي أمرنا الله عَزَّ وَجَلَّ بها، والتي أمر بها رسوله محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتي قرأ بها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقرأ بها الصحابة، وأقرأ بها الصحابة من بعدهم، الترتيل وهي التلاوة، وأيضًا: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا۟ ٱلْقُرْءَانَ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ﴾2، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾3، وما معنى الترتيل؟
الترتيل:
قراءة القرآن بتؤدةٍ وترسلٍ وتمهلٍ، هذا معنى الترتيل، ومنه الرتل، معناه قرأ القرآن بتؤدة بترسل وتمهل، هذا هو أصل المادة، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾؛ تقدم أن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ورد عنه أن: "الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف"، وهذا أثر مشهور جدًا عن علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لكن لا يُعرف بإسنادٍ إليه، لكنه يُنقل عنه دون ما إسناد متصل به أن "الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف ".
ولا يعني هذا تزهيدًا في تجويد الحروف ومعرفة الوقوف، ﴿أَنَّمَا﴾ نتكلم عن الأثر من حيث تحريره، وإلا فإنَّ أهل العلم يقولون هذا داخل في الترتيل، وهو أداء القرآن مجودًا كما سمعه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكما أسمعه للصحب الكرام، وكذلك مع مراعاة الوقوف؛ فهذا بالنسبة للترتيل.
مما يحسن ذكره في هذا المقام أن كثيرًا من علماء التجويد والقراءة قد ذكروا أن لقراءة القرآن مراتب، فقالوا هناك: مرتبة الحدر، ومرتبة الترتيل، ومرتبة التدوير، ومرتبة التحقيق. فجعلوا المراتب أربع مراتب: حدر وترتيل أو تدوير وترتيل وتحقيق.
والأقرب والله أعلم كما حرره بعض العلماء أن الترتيل ليس قسيمًا لهذه الأقسام، وإنما هو النوع العام أو هو الجنس العام الذي يشمل بقية الأقسام؛ لذلك الصحيح أن يُقال الترتيل على أنواع، فلا يقال الترتيل غير الحدر؛ لأن الحدر لا بد أن يُراعى فيه الترتيل؛ ولأن التدوير لا بد أن يُراعى فيه الترتيل، والتحقيق لا بد أن يراعى فيه الترتيل.
فتكون القراءة على ثلاث مراتب:
الأمر الأول :
الحدر: وهو القراءة بسرعة مع مراعاة التلاوة، لكن سريعة يكون فيها شيء من السرعة. وقد يقول قائل: ألم تقل إن الترتيل قراءة القرآن بتؤدة وتمهل؟ يقصد بها ما معنى التؤدة والتمهل هنا؟ يعني على أقل تقدير يُحقق الحد الأدنى؛ ولذلك بعضهم قال معنى ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾
: بيّن القرآن، بأن تكون الحروف مميزة لا يُدخل حرفًا في حرف، فيدخل هذا الحد الأدنى.
كما نقول لا تسقط الحرف، فتضيعه، هذا خطأ؛ فإذًا أقل تقدير أن كل حرف مميز، يميز المفخم عن المرقق، يميز هذا المخرج عن ذاك المخرج؛ ولذلك باب المخارج والصفات من أهم أبواب التجويد؛ لماذا؟ لأنه لا يتعلق بالآيات فحسب ولا يتعلق بالكلمات فحسب وإنما يتعلق بكل حرف، فيميز كل مخرج عن المخرج الآخر؛ ولذلك ابن الجزري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال في "الجزرية":
وَخَلِّصِ انْفِتَاحَ مَحْذُورًا عَسَى
خَوْفَ اشْتِبَاهِهِ بِمَحْظُورًا عَصَى
هذا من هذا، يعني فرق بين أن تقول "محذورًا" وأن تقول "محظورًا"، وبين أن تقول "عسى" وبين أن تقول "عصى"؛ فـلا بد من مراعاة هذا، فهذا مما يراعى في قراءة القرآن الكريم؛ إذًا المرتبة الأولى: الحدر؛ أن يقرأ القرآن بشيء من السرعة مع مراعاة الأحكام أيضًا.
الأمر
الثاني: التدوير؛ أن يقرأ القرآن بطريقة أبطأ من الطريقة التي قبلها طريقة الحدر مع مراعاة الأحكام؛ فيكون فيها تؤدة أكثر.
الأمر الثالث: التحقيق:
وهو قراءة القرآن بقراءة فيها أكثر أناة وتمهل مع مراعاة الأحكام.
ففي كلها مراعاة الأحكام لا بد منها،
واختلاف هذه المراتب يمكن أن يرجع إلى أمرين:
الأمر الأول:
فلاختلاف حال القارئ سرعةً وإبطاءً؛
ربما الاختلاف في المقام أو الحال؛ يعني شخص يسمع حدرًا، يسمع على شخص كمية كبيرة من القرآن والوقت ضيق، حينئذ يلجأ إلى الحدر، الوقت أوسع يلجأ إلى التدوير، الوقت أوسع وأوسع يريد أن يحرر له المخارج؛ يعني طالب علم يقرأ أمام الشيخ في بداية القراءة ويصحح له القراءة، فقد يناسبه في هذا المقام أن يقرأ محققًا حتى يميز له كل مخرج ويقول له: أنت هنا قرأت بالإطباق، هنا قرأت بالإصمات، هنا قرأت بالجهر، هنا همست ولا همس، هنا جهرت ولا جهر؛ كما يجري في بعض الأخطاء الشائعة كما في السين والتاء مثلًا.
فيأتي ليهمس فيأتي بهمس ورخاوة مثلًا، ويكون هذه فيها همس وليس فيها رخاوة مثلًا، أو يكون فيها شدة كما هو معروف في التاء، فحرف التاء "فحثه شخص سكت" فيها همس وأيضًا فيها شدة "أجد قط بكت"، ففيها جريان نفس وحبس صوت، جريان نفس وحبس صوت، فإذا قال: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾4 هو بهذا جرى النفس وجرى الصوت وأتى بسين فيكون قد أخطأ، لكن ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾؛ فـأتى بنفس جرى النفس وحبس الصوت وهكذا؛ فإذًا قد يناسب في هذا أن يقرأ قراءة فيها تحقيق.
الأمر الثاني: وقد يراعى في هذا أيضًا ما يتعلق بالقراءة نفسها
؛ فمثلًا هناك من يقرأ بقصر المنفصل كابن كثير مثلًا، هذه القراءة قد يناسبها الحدر، يعني قراءة تساعدك على السرعة، وعنده كما هو معروف صلة ميم الجمع أو صلة الهاء كما هو معروف أن ابن كثير له أحكام تتعلق بهاءات الصلة وما إلى ذلك، فتكون القراءة الحدرية سهلة، لكن حينما يأتي مثلًا إلى مَن يتوسط في مد المنفصل كعاصم، فكلما جاء مد منفصل فإنه سيتوسط في المد، فحينئذٍ هذا قد يضطر إلى التدوير.
فإذا قرأ لورشٍ أو لحمزة فإنه سيمد المنفصل ست حركات، وورش له مع مد البدل ما له قصرًا وتوسطًا وطولًا؛ فإذا قرأ لحمزة سيضطر أن يطول في القراءة، فقد يناسبها قراءة التحقيق حينئذٍ، فيكون هذا نسبيًا بحسب ما يقرأ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ فبحسب مقام القارئ وأيضًا بحسب مراعاة القراءة..
إذًا عرفنا أن مراتب الترتيل ثلاثة على القول المحرر: حدر وتدوير وتحقيق، وحينئذ يقال ما يناسب المقام يأخذ به المرء، فما يناسبه الحدر يفعله، وما يناسبه التدوير يفعله، وما يناسبه التحقيق يفعله، قد يتعلق بهذا مقام التفسير، فتكون القراءة التي فيها طمأنينة أكثر أولى حتى يمعن النظر فيما يقرأ، أو القراءة التي تؤدي إلى الخشوع فيعيد الآية ويكررها وما إلى ذلك.
"
مَا يَرْجِعُ إِلَى الأَدَاءِ وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الأَوَّلُ وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الوَقْفُ، وَالِابتِدَاءُ
"؛ إذًا جعل الوقف نوعًا وجعل الابتداء نوعًا؛ إذًا هما نوعان: الوقف والابتداء، بعضهم يجعلهما نوعًا واحدًا، لكن لأن للوقف أحكامًا وللابتداء أحكامًا أيضًا؛ فلذلك جعلهما نوعين: أحكام الوقف والابتداء.
وإذا سأل سائل فقال: أيما يُقدم؟ يعني أيهما أسبق؛ الوقف أم الابتداء؟ الابتداء؛ يعني أنت تبدأ بالابتداء ولا بالوقف؟ يعني أول ما تبدأ تبدأ بوقف ولا ابتداء؟ ابتداء، ومع ذلك درج عمل جماهير أهل العلم على تقديم الوقف على الابتداء، فلا تجدهم يقولون مثلًا: باب الابتداء والوقف، ﴿أَنَّمَا﴾ يقولون: باب الوقف والابتداء، أو باب القطع والاستئناف أيضًا نقول القطع والاستئناف من هذا المنوال؛ فالقطع كالوقف والاستئناف كالابتداء، وإن كان هناك اختلافات بينهم عند المتأخرين كما سيأتي التنبيه عليه بإذن الله في تعريف الوقف.
لكن ما درج عليه عمل النحاس وغيره يقولون: القطع والاستئناف، الوقف والابتداء؛ فيقدمون الوقف، فما السر في ذلك؟ يقولون: لأنهم يقصدون بالابتداء هنا ليس الابتداء المطلق وإنما الابتداء المترتب على الوقف؛ يعني هم يقولون باب الوقف والابتداء؛ لأنهم يقصدون بالابتداء الابتداء المترتب على الوقف؛ يعني أنت وقفت؛ فهل كل ما تقف عليه يمكن لك أن تبتدئ بما بعده؟ أم يقال لك ارجع وابتدئ من حيث يصح المعنى؟ هناك ما يكون فيه ذلك.
إذًا قد تقف ونقول لك يجوز الوقف، ولكن إذا أردت الابتداء لا تبتدئ بما بعده بل ارجع إلى ما قبله؛ فصارت أحكام الابتداء مترتبة على أحكام الوقف؛ لذلك قُدم الوقف على الابتداء.
إذًا: ما المراد بالابتداء في قولهم "الوقف والابتداء"؟ أي الابتداء المترتب على الوقف، وإلا فالابتداء على نوعين: هناك ابتداء عام، هناك الابتداء الخاص.
ابتداء عام:
وهو بداية القراءة، اسمه بدء القراءة، استفتاح القراءة، هذا أول القراءة، والأصل في ذلك الجواز؛ يبدأ ﴿مِنْ أَىِّ﴾ مكان له ذلك، لكن أيضًا يُراعى في ذلك ﴿إِلَّا﴾ يبدأ بما له علاقة بما قبله فيفسد عليه المعنى لعدم اتصاله بما قبله.
وكذلك حينما قالوا "القطع والاستئناف" قصدوا بذلك الاستئناف؛ يعني العودة إلى القراءة بعد القطع، العودة إلى القراءة بعد القطع.
هناك من فرق بين الابتداء والاستئناف، وهناك من جعلهما بمعنى واحد، فظاهر صنيع المتقدمين وصنيع من سمى كتبه أو كتابه بـ "القطع والاستئناف" أنه يسوي بينهما، فيراد بالابتداء الابتداء بعد الوقف، والاستئناف بعد قطع.
لكن هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: الابتداء المراد به القراءة ابتداءً، والاستئناف العودة إلى القراءة بعد الوقف؛ فـيجعل البداية للبداية خالص؛ يعني أنت حينما تفتح المصحف وتبدأ القراءة يقال هذا ابتداء، لكن إذا قرأت ثم وقفت وأردت العودة يُقال هذا استئناف، لكن في استعمال العلماء لا يُراعون ذلك.
وجدت بعض المعاصرين يقول: "يا حبذا لو جُعل لهذا ما يخصه وجُعل لهذا ما يخصه" من باب التمييز بين المصطلحات، لكن إلى أن يقع هذا فالأصل في ذلك أن إطلاق العلماء في هذا أوسع، ويبدو أن هذا في واقع الناس يراعونه، لذلك هناك محكمة ابتدائية وأخرى استئنافية ويفارقون بينهم، لكننا نجعل هذا أصلًا ثم نعول عليه.
لذلك يعني كان في تعليق في بعض مباحث تتعلق بالوقف الأصل ما استقر عليه العلماء سابقًا، ولا مانع أنه في بعض المصطلحات ما يكون أوسع مما يكون فيكون شاملًا لأكثر من معنى، ما استقر عمل العلماء على ذلك، لا سيما وأن أكثر ما يهتمون به هو البدء بعد الوقف، فحينئذٍ ستترك جملة كبيرة مما درج عليه عمل الأئمة في ذلك، والله تعالى أعلم.
طالب:
أصل الوقف الاستئناف: العودة للقراءة بعد الوقف، والابتداء: الابتداء...
الشيخ:
هذا الأصل إذا أردنا التمييز، ولكنه في واقع الأئمة لا يراعون ذلك فيساوون بينهم، فيطلقون الابتداء على الاستئناف؛ لذلك يقول: "وقف ثم بدأ"، بعضهم يقول: "ثم استأنف"، فتجد العبارتين موجودة في كلام الأئمة؛ ولذلك كلام النحاس رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى "القطع والاستئناف" هل هو يقصد استئناف أول القراءة ولا يقصد بعد الوقف؟ بعد الوقف بدليل مؤخرها، وإلا لو كان هكذا، كذلك "الوقف والابتداء" فيمن سمى "الوقف والابتداء" كأبي بكر بن الأنباري مثلًا، "الوقف والابتداء" عنده، وكذلك أبي عمرو الداني، "الوقف والابتداء" ويقصد بالابتداء أي بعد الوقف.
الوقف والابتداء أحد الأبواب المهمة جدًا في علوم القرآن الكريم؛ لأن له تعلقًا بالأداء وله تعلقًا بالتفسير
لذلك الوقف والابتداء فيه شقان:
شق يتعلق بالقراءة والأداء:
هذا نقف له بالسكون المحض أو نقف بالروم أو نقف بالإشمام، أو هذا كيف يقف وهذا كيف يقف؟ كما تطرق هنا، وكيف يبتدئ؟ يبتدئ بهمزة الوصل؛ هذا ماذا له عند وقف هذا؟ له الإمالة، هذا له التقليل؛ فإذًا باب الوقف له علاقة بالأداء.
وله علاقة بالمعنى أيضًا وبالأثر التفسيري:
لذلك اعتنى به العلماء اعتناءً بالغًا، ولا أدل على هذا من كثرة المصنفات التي صنفت في علم الوقف والابتداء، وهي كثيرة جدًا.
وهناك رسالة مشهورة "معجم مصنفات الوقف والابتداء" في أربعة مجلدات، معجم مصنفات ليس كتب الوقف يعني لا يتكلم مسائل الوقف ﴿أَنَّمَا﴾ فقط المصنفات التي تكلمت عن الوقف والابتداء للدكتور توفيق حديد، وهي مشهورة وهي من مطبوعات مركز التفسير، وأصلها رسالة دكتوراه أخذ فيها أربعة قرون ثم بعد ذلك أكمل بعد ذلك فيما أذكر من هذا، فتصور هذا كله في أسماء المصنفات، هذا يدلك على كثرة الكتب في هذا، كثير جدًا، كتب ما كنت تتوقع أو تتخيل أن هؤلاء كتبوا في هذا.
طالب:
...
الشيخ:
لأن للوقف والابتداء كما قلت تعلقًا بالأداء، ولها تعلق بعلم التفسير؛ لذلك بعضهم جعلها من العلوم اللازمة للعالم بالتفسير؛ أن يكون ملمًا بعلم الوقف والابتداء، وقد ذكروا أن بعض الأئمة كان لا يجيز قارئًا إلا إذا كان عالمًا بالوقف والابتداء؛ يعني ما يجاز لأنه يقرأ القرآن وفقط أو يعلم التجويد، لا، من ضمن ما يسأله فيه ويعلمه إياه: الوقف والابتداء؛ "قف هنا، لا تقف هنا، هنا تصل" وهكذا.
هذا بالنسبة للوقف والابتداء، فما تعريف الوقف والابتداء؟
أما الوقف في اللغة فهو: الحبس.
وقفنا عند الحبس، وحينئذٍ سنقف ونكمل إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في الدرس القادم، هذا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ﴾ — القيامة: 17 ↩
- آية: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا۟ ٱلْقُرْءَانَ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ﴾ — النمل: 92 ↩
- آية: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ — المزمل: 4 ↩
- آية: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ — التكوير: 1 ↩