مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة ص

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 27 من 103 · 1 ساعة و24 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

التعريف بالسورة

فهذه قراءة في كتاب H0 مع التعليق وما زلنا مع سورة ص.

(سورة ص سورة مكية من مقاصد السورة ذكر المخاصمة بالباطل وعاقبتها) وأنت غذا تأملت السورة الكريمة وجدت أن هذا مقصد عظيم من مقاصد هذه السورة الجليلة ﴿إِلَّا﴾ ترون أن الله عز وجل في هذه السورة قال: ﴿وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] وهذا لم يرد في سورة أخرى إلا في سورة ص إذن ربنا يذكر المخاصمة بالباطل.

أهل الباطل يخاصمون والله جل وعلا ينصر أهل الحق، ورأينا كذلك في أواخر السورة المباركة حينما ذكر الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: 67 - 69] ففيه بيان ذلك.

وفي صدر السورة ما يدل على هذا؛ لأن الله عز وجل ذكر ما يقع من أهل الكفر حينما قال الله ﴿وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 4، 5] إلى غير ذلك مما ذكره.

إذن السورة تبين لنا كيف أن أهل الباطل يخاصمون، وكيف أن أهل الباطل يحاربون، ويجادلون، مع ذلك فإنَّ الله ينصر الحق وأهله هذا من مقاصد هذه السورة الكريمة، وبعضهم استأنس لهذا بالتعبير بكلمة ص، وقالوا: إن ص فيها معنى المخاصمة فاستفادوا ذلك من هذا وهذا ليس بصريح فيها، لكن أيضًا هناك مقاصد بارزة في السورة الكريمة من أبرزها والعلم عند الله الصبر وتسلية الأنبياء والمؤمنين.

نعم، الصبر، فإذا كانت السورة السابقة قد نزهت الله عز وجل عما عليه أهل الشرك فإنَّ أهل الإيمان يحتاجون إلى ثبات، وإلى صبر وهذا موجود في السورة الكريمة بوضوح جدًا، ولذلك كل القصص الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في سور يتعلق بقضية الصبر.

ومن العجيب أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الصبر في صدر السورة الكريمة ذكر صبرًا يتعلق بالمشركين، يتعلق بالكفار ﴿أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6].

وكأن الله يقول: ها هم الكفار يوصي بعضهم بالصبر، فما بالكم يا معاشر المؤمنين لا تصبرون، أو تريدون أن تتمهلوا، أو تريدون أن تراجعوا أنفسكم في الأمر، أو أن تنالوا ما تريدون بأمر يسير؟ كلا، بل إن الأمر يحتاج إلى صبر H1.

ثم انظر رحمك الله، لتأييد هذا المقصد أن الله لما ذكر قول الكافرين وما يجري لهم وما توعدهم به من أمر القيامة جاء أول أمر للرسول ما هو؟ ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] فجاء ذكر الأمر بالصبر، ثم لما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة داود عليه السلام فيه الصبر بالرجوع إلى الحق.

فداود عليه السلام حينما استبان له الأمر وأن الحق في خلاف ما ظنه فحينئذ ﴿وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24].

فمن الصبر على الثبات ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والرجوع إلى الفضيلة، ثم لما ذكر الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم أيضًا سليمان عليه السلام ذكر أيضًا من شأنه ما يتعلق بشأن الصافنات الجياد وسيأتينا إن شاء الله أن من الأقوال المشهورة في ذلك أنه ضحى بها لله سبحانه وتعالى، وأنه فعل بها ذلك ابتغاء مرضات الله على أحد الأقوال في تفسير الآية.

الشاهد من ذلك أنه صبر، وثبت على طاعة الله، وكان راغبًا في طاعة الله، ثم جاءت قصة أيوب عليه السلام لتدل على طول مدة الصبر وأنه صابر ثابت O.

وهكذا تمضي الآيات الكريمة، ثم تبين لنا أن ما لم يصبر على طاعة الله فإنه يتجرأ على معصية الله وهذا الذي يتكبر على أمر الله فإنه لا ينبغي للمؤمنين أن يكونون مثله، ولذلك ذكر الله في الختام قصة آدم وإبليس والعلم عند الله تبارك وتعالى، فكل هذا مما يذكر في هذا المعنى.

وأيضًا في السورة الكريمة إنذار للكافرين وتهديد من بدء السورة إلى ختام السورة الكريمة ولذلك ختام السورة ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ﴾ [ص: 88].

هذه هي الآيات المباركة من صدر سورة ص افتتحها الله عز وجل بهذا الحرف ص وهو من الحروف المقطعة وقد تقدم الكلام عنها في صدر سورة يس فالكلام فيها مثل الكلام هناك وأن الله عز وجل يتحدى بذلك الخلق.

ثم قال: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ [ص: 1] وهنا لفتتان:

أما الأولى: أن الله عز وجل أقسم بالقرآن فالأسلوب هنا أسلوب قسم، وتقدم أننا حينما نجد أن أسلوب القسم فإننا نبحث عن أركان القسم، ومن أركان القسم جواب القسم، أو المقسم عليه.

وأنت حينما ترى الآيات لا تجد فيها جوابًا ظاهرًا على قول كثير من المفسرين؛ لأن الله يقول: ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ [ص: 1] ماذا؟ أين الجواب؟ بعدها قال: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: 2] قال بعضهم: هذا الجواب، لكن قال كثيرون هو مقدر؛ لذلك قال هنا الشراح وهم يذكرون المختصر يقولون: (ليس الأمر كما يظنه المشركون من جود شركاء مع الله) إذن هذا هو الجواب، ﴿وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ [ص: 1] ليس الأمر كما يدعي هؤلاء ففهم هذا من سياق الآيات التي تأتي بعد.

ثم هنا لفتة ثانية وهي أن الله سبحانه وتعالى يصف القرآن في صدر السور بأوصاف قد تختلف، ما معنى أنها تختلف؟

يعني أنها أوصاف متعددة وكل وصف جاء للقرآن الكريم فهو مناسب أيضًا لمقصود السورة، ومناسب لسياق السورة فمثلًا في سورة يس قال الله: ﴿يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [يس: 1، 2] فكان هناك الوصف للقرآن بماذا؟ بالحكمة.

وهنا قال: ﴿صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ [ص: 1] لم يقل ص، والقرآن الحكيم هنا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ [ص: 1] وهذا مناسب للسورة الكريمة؛ لأنك حينما تتأمل سورة ص تجد أنها سورة تدعو إلى الذكر إلى التذكر إلى ترك الغفلة؛ لذلك بعدها جاء ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا﴾ [ص: 8] ثم جاء أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ﴾ [ص: 17].

وجاء ﴿وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ﴾ [ص: 45].

وجاء ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: 49].

وجاء في آخر السورة ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [ص: 87].

هذا مناسب للمقام أي أن السورة سورة تذكير لمَ؟ لأنَّها قامت على ذكر القصص الذي فيه تذكير للخلق، ومن معاني الذكر أن فيه الشرف، أو به الشرف؛ فهو شرف لمن تمسك به، والذكر مؤذن بأن دعوة الأنبياء منبهة من الغفلة وأن القرآن منبه من الغفلة، وأن القرآن منبه من الغفلة الذكر نحن بحاجة إلى القرآن حتى تذهب عنا غفلتنا، ثم تمضي الآيات الكريمة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ [ص: 3].

ثم تمضي الآيات الكريمة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ [ص: 3] وكم هذه تدل على التكثير يعني ربنا يبين أنه أهلك قرونًا كثيرة بسبب كفرهم برب العالمين.

ذكر الله في صدر السورة بعض أقوال الكفار ليرد عليها، وليبين أنها باطلة وقال الكافرون ﴿وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: 4].

وأيضًا قال الله سبحانه وتعالى ذاكرًا قولهم: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: 6] وقالوا أيضًا ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ [ص: 7] وقالوا: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا﴾ [ص: 8] كل هذا من كلام الكفار، نسأل الله السلامة والعافية!

ومما هو جدير بالذكر ما ذكره الله في قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: 6] قالوا: هنا في الشرح: (إن ما دعاكم إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- من عبادة إله واحد شيء مدبر يريده هو ليعلو علينا ونكون له أتباعًا) يعني هم يتهمون الرسول في نيته ولذلك مما يصد الناس عن الدعوة اتهام النية فهم يريدون أن يصدوا الناس H0.

ثم تمضي الآيات الكريمة ويبين الله سبحانه وتعالى ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ﴾ [ص: 11] ثم يضرب لنا الأمثال بذكر بعض القصص وكان مما ذكر الله﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ [ص: 14] تأمل هنا ماذا قال المفسرون؟

قالوا: ما كل أحد من هذه الأحزاب إلا وقع منه تكذيب الرسل) فهم فسروا إن بماذا؟ بما؛ لأنه دخلت عليها إلا أنا أريد يا أيها الإخوة الكرام حتى وإن كانت ثقافتنا عامة، ولسنا بمتخصصين، لكنه ينبغي لنا أن نحب القرآن، وأن نحب لغة القرآن فمعنى إن هنا ما فهي للنفي، وكذلك قال بعدها ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً﴾ [ص: 15] يعني وما ينتظر وتقدم في السورة الماضية في سورة يس أن نظر إذا تعددت بنفسها معناها ينتظر ما ينتظر هؤلاء؟

ولذلك السؤال هنا اذكر لنا آية من سورة يس جاء فيها النظر بمعنى الانتظار كهذه الآية فتكون مع هذه الآية نظيرة لها في المعنى.

من فوائد الآيات:

أقسم الله عز وجل بالقرآن العظيم فالواجب تلقيه بالإيمان والتصديق والإقبال على استخراج معانيه، غلبت المقاييس المادية في أذهان المشركين برغبتهم في نزول الوحي على السادة والكبراء.

سبب إعراض الكفار على الإيمان التكبر والتجبر والاستعلاء على اتباع الحق.

أقسم الله بالقرآن وهذا قسم عظيم وتكرر في القرآن الكريم كما تقدم ومن العجائب أن بعض المفسرين لما قدروا الجواب في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: 1] قالوا: ﴿صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ﴾ [ص: 1] إن هذا لهو القرآن فان الجواب مناسب كل المناسبة للقسم؛ لذلك هو مقدر، لذلك ذهب الناس فيه كل مذهب؛ لأن القرآن شأنه عظيم.

قال هنا: (غلبت المقاييس المادية في أذهان المشركين برغبتهم في نزول الوحي على السادة والكبراء) أين هذا في الآيات ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا﴾ [ص: 8] ما فضله، ليس بغني عنا، وليس ذا جاه، وسلطان، ومال، هكذا ينظرون مع أنَّ الله رد عليهم ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] هذه رحمة الله، النبوة رحمة ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ﴾ [الدخان: 5، 6] والله كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: 75].

قالوا: (سبب إعراض الكفار على الإيمان التكبر والتجبر والاستعلاء على اتباع الحق) وهذا وقع منهم كما بين الله سبحانه وتعالى أن هذا الذي دفعهم، ولهذا قال: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: 6] فبسبب تكبرهم، وتجبرهم كفروا بآيات الله، ولم يصدقوا الصادق رسول الله.

تقديم يا أيها الإخوة الكرام أن من مقاصد سورة ص تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمة الصبر؛ لذلك تكرر ذكر الصبر والدعوة إليه، تكرر ذكر الصبر والدعوة إلى الصبر في هذه الآيات الكريمة في أكثر من موضع.

وجاء القصص القرآني في هذه السورة؛ ليبين هذا ويجليه؛ فمن ذلك قول الله -سبحانه وتعالى- ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17) [ص: 17].

خلاصة وتثبيت الفكرة

إذن من المقاصد العظيمة الأمر بالصبر، وأيضًا الاستسلام في العودة إلى الحق، وإذا كنا قد قررنا، أو تقرر لدينا أن سورة الصافات من مقاصدها الاستسلام فإنَّ هذه السورة تبين نوعًا من أنواع الاستسلامات وهو الاستسلام في العودة إلى الحق حيث عاد داود عليه السلام إلى الحق صلوات الله وتسليماته عليه.

﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17) [ص: 17] هنا فسروا (ذا الأيدي أي صاحب القوة) وهو كذلك فالأيدي هنا من آد يئيد والمراد بها القوة، وليست من اليد، وكذلك في قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْي۟دٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: 47) [الذاريات: 47].

فليس هي من المواضع التي تذكر في باب الصفات، ذا الأيدي ذا القوة فهو قوة في بدنه، قوي في بدنه، وقوي في عقله، وقوي في قلبه بفضل الله -سبحانه وتعالى-.

﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17) [ص: 17] من أوصاف داود عليه السلام أنه كثير الرجوع إلى الله -سبحانه وتعالى- والأوبة تختص بمعنى المبادرة فهناك فرق بين التوبة والأوبة؛ فمن فوائد معنى الأوبة، ومن قيودها أن فيها مبادرة فهو يبادر في التوبة والرجوع إلى الله -سبحانه وتعالى-.

ثم ذكر الله -عز وجل- بعض العطايا والمنح التي منحها لداود عليه السلام ليقتضي به الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- في الصبر والعبادة؛ لذلك قال: ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17) [ص: 17] هذا صبر، ثم قال: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ﴾ (ص: 18) [ص: 18] وهذا فيه الجمع بين الصبر والتسبيح، وإن شئت فقل الصبر والصلاة؛ لأن التسبيح يذكر ويراد به الصلاة فكأن هذا فيه تذكير بالصبر والصلاة كما جاء مصرحًا به في بعض المواضع كقوله -سبحانه وتعالى- ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45) [البقرة: 45].

وقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 153) [البقرة: 153].

وهذا وجه ذكر هذا وذاك في قصة داود عليه السلام.

﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ﴾ (ص: 18) [ص: 18] قالوا الإشراق وقت الضحى، ولذلك فرقوا بين الشروق والإشراق، فالشروق وقت طلوع الشمس، وأما الإشراق فهو وقت الضحى، واستأنس بعضهم لذلك بصلاة الضحى، لكنه ليس بصريح، وأما أدلته الصريحة ففي سنة رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-.

هنا ربنا ذكر الجبال وذكر الطير، وهذا فيه مغزى عظيم، ولطيف والعلم عند الله؛ وذلك أن الجبال ثقيلة صلبة راسية قاسية يصعب تسخيرها، والطير متسمة بالخفة، والرقة والطيران وكأن الله جل وعلا يقول لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله، اصبر على ما يقول أولئك اصبر على أذاهم، وما يدريك لعل الله أن يهديهم فإنهم ليسوا بأقصى من الجبال، ليسوا بأشد من الجبال وهم كذلك ليسوا أخف من الطير فهم بين هذا وذاك فالذي سخر الجبال، والذي سخر الطير قادر على أن يهدي هؤلاء والله -سبحانه وتعالى-.

﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾ (ص: 20) [ص: 20] وإذا كان رب العزة قد أثنى عليه بأنه قد أتاه الحكمة وفصل الخطاب فهذا يعني أنا ما يذكر بعد لا يطعن فيه؛ ولذلك لما ذكر الله القصة بعدها ﴿وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ﴾ (ص: 21) [ص: 21] هذا يمكن أن يقال أن هذا فيه دفعة توهم النقص في حق داود عليه السلام يعني أن ما جرى له مع الخصمين لا يعكر على قدره، ولا يطعن في علو شأنه فإنَّ الله قد أثنى عليه مسبقًا فقال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾ (ص: 20) [ص: 20].

وهنا قالوا: (وأعطيناه البيان الشافي في كل قصد، والفصل في الكلام والحكم) فهو فطن ذكي يحكم بالعدل بفضل الله -سبحانه وتعالى-.

ثم تمضي الآيات ويذكر الله -عز وجل- لنا نبأ داود عليه السلام مع الخصمين ﴿وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ﴾ (ص: 21) [ص: 21، 22].

هذا فيه أن الرجل الصالح قد يصاب بالفزع أو الخوف حينما يصاب بشيء مفاجئ قد يصيبه شيء من الخوف، أو القلق، أو الفزع، وهذا لا يطعن فيه، ولذلك إذا قال قائل: كيف، ورب العزة قد قال: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175) [آل عمران: 175].

فنقول: إن الخوف خوفان: خوف طبيعي ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان حينما يرى ما يفزعه، ويقلقه، وخوف شرعي يتحول إلى تذلل وخضوع، وتعبد فالخوف الذي هو خوف شرعي يتعلق بالتضرع والتذلل لا يكون إلا لله -سبحانه وتعالى-، وأما ما يطرأ على الإنسان نتيجة شيء مفزع فإنَّ هذا ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان؛ ولذلك قال الله في حق موسى عليه السلام ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ (طه: 67) [طه: 67] ولم يكن هذا بضائره O.

فهم وجدوا في ملامحه أنه قد فزع منهم فـ﴿إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾ (ص: 22) [ص: 22] وكونهم يأتونه وهو في المحراب دليل على أنه كان كثير العبادة، وأنه كان مشتغلًا بها، وأنه معروف بفصل الخطاب، وبالحكم بين الناس، والتضرع إلى الله -سبحانه وتعالى-، لكنه كما ذكر بعض المفسرين ظن أنهما قد جاءا يغتلأنه، يريدان قتله فحينئذ فزع منهم، ثم لما استبان له الأمر.

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24) [ص: 24] يعني ظن أن هذه فتنة، وأن هذا اختبار، وأن هذا تسلط منهم عليه، لكن لما علم أن الأمر ليس كذلك، وأن هذين الرجلين ﴿أَنَّمَا﴾ أتيا من أجل التحاكم إليه، وأنهم يرتضيان بحكمه حينئذ استغفر ﴿رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.

هذا ما يدل عليه السياق؛ ولذلك حينما نتكلم في الفتنة التي وقعت لداود إذا نظرنا إلى ظاهر القرآن بعيدًا عن الروايات الإسرائيلية، وبعيدًا عما قيل في ذلك فإنَّ السياق القرآني ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر ما وقع منه، ما الذي وقع منه، وأخبرنا الله عنه؟ ﴿إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾ (ص: 22) [ص: 22] هذا هو الافتتان الذي وقع له وهو أقرب ما يقال في سياق الآيات والعلم عند الله بعيدًا عما ذكر في ذلك من روايات ليست ثابتة H0.

والذي قاله بعضهم: إنه سمع من أحدهم، ولم يسمع من الآخر فكانت الفتنة في أنه لم ينتظر حتى يستمع إلى الآخر مع أنَّ هذا قد يعكر عليه أن سكوت الآخر قد علم منه أنه يقر ما قال الرجل حينما قال: إن هذا أخي له {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا﴾ فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } [ص: 23، 24].

إذن لا إشكال في هذا، وليس فيه بمطعن، لكنه تراجع وعلم أن الله حافظه، والأنبياء مطالبون بأن يحفظوا أنفسهم فكونه يحافظ على نفسه هذا أمر مطلوب؛ لأن الحفاظ عليه حفاظ على أمته، وحفاظ على دعوته؛ إلا إذا جاءه تأمين من الله كما أمن الله رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- بقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (المائدة: 67) [المائدة: 67].

وإلا فإنَّ الرسول قبلها قال: H1 فهذا ليس بضارّه أبدًا، والعلم عند الله تعالى.

أما ما ذكر في شأن النعجة، وأنها امرأة وما إلى ذلك فهذا مما لا يسعفه ظاهر النص وإن قال به كثيرون، وتفصيل ذلك له مقام آخر لا يناسب هذا المختصر، والعلم عند الله.

ولكن هنا مع قوله ﴿إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَٰحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ﴾ (ص: 23) يعني : اجعلها كفلي ونصيبي ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24) يعني : غلبني في الخطاب.

هنا فائدة تفسيرية أحيانًا نحن نستفيد من كلمة معنى كلمة أخرى، فمثلًا عندنا اسم الله العزيز نقول: العزيز له معانٍ، من معاني العزة الغلبة، فمن معاني أن الله عزيز نقول إنه الغالب الذي لا يغلب، أين نستفيد هذا، من أين نستفيد هذا؟

نستفيده من قوله ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24) يعني : وغلبني، إذن عرفنا أن قوله ﴿فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾ (ص: 25) يعني غلبني، إذن من معاني العزة الغلبة فهذا لو أن الإنسان وهو يقرأ القرآن تعلم هذا ليسر الله عز وجل له جمع كثير من المفردات بيسر وسهولة دون مشقة وعناء.

وهنا قوله: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24) [ص: 24] دليل على قلة الذين آمنوا وعلموا الصالحات؛ ولذلك كان بعضهم يدعو فيقول: اللهم اجعلنا من الأقلين؛ لأن القلة ذكرت محمودة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ﴾ (سبأ: 13) [سبأ: 13]، وقال الله في شأن الكثرة: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: 103) [يوسف: 103].

﴿فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾ (ص: 25) [ص: 25] غفر الله له ذلك، وأكرمه ﴿فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾ (ص: 25) [ص: 25] ثم جاءه النداء العظيم ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾ (ص: 26) [ص: 26] وهذا أيضًا فيه فائدة وهو أن الخليفة مأمور بالعدل؛ لأن العدل أساس الملك ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾ (ص: 26) [ص: 26].

وقد ذكر الخصمان داود عليه السلام ﴿إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾ (ص: 22) [ص: 22].

وقد ذكر بعض العلماء أنه لا بأس بأن يذكر الخصم، أو المتنازع الحاكم بتقوى الله وبالعدل في الحكومة، أو الخصومة لكن قالوا هذا قبل الحكم فهم ذكراه قبل الحكم الإنسان يذكر الإمام الذي يحكم بأن يكون عادلًا هذا لا بأس به، لكن بعد حكمه فإنَّ الكلام عنه ربما يكون المقصود به التشهير به، أو الطعن في حكمه، فلا يكون مناسبًا؛ ولذلك لما قال الرجل للرسول -صلى الله عليه وسلم- اعدل يا رسول الله فإنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقبل ذلك منه؛ لأنه طعن في قسمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد تمت والعلم عند الله تعالى.

﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾ (ص: 26) [ص: 26].

هذا فيه أن اتباع الهوى سبب في الإضلال عن سبيل الله، وفيه أيضًا ذم للكفار، فالكفار الذين تقدمت أقوالهم في الآيات السابقة من أول سورة ص راجعة إلى اتباع الهوى؛ ولذلك إذا قال قائل: ما الذي يضل الناس يقال له أمور كثيرة من أظهرها أمران:

الأمر الأول: اتباع الهوى.

والأمر الثاني: حب الدنيا ونسيان الآخرة.

والأمران ذكرا في الآية الكريمة فهي آية جليلة ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾ (ص: 26) [ص: 26] تأمل ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾ (ص: 26) [ص: 26] بسبب نسيانهم يوم الحساب فقد جمعوا بين الأمرين بين المرضين، الضلال يجمعون بين الأمرين بين اتباع الهوى، ونسيان يوم الحساب.

وأما داود عليه السلام فهو سالم من ذلك صلوات الله وتسليماته عليه.

من فوائد الآيات:

¯الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، ولكن قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة بنسيان، أو غفلة عن حكم، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه.

¯مشروعية الشركة بين اثنين وأكثر.

¯ينبغي التزام الأدب في الدخول على أهل الفضل والمكانة.

هذه فوائد ظاهرة فضائل نبي الله داود أثنى الله عليه وقال: ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17) [ص: 17] وفيه أن العبودية شرف وأي شرف، وكذلك قال: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾ (ص: 25) [ص: 25].

والأنبياء معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله فهم معصومون في هذا الباب بلا نزاع.

قد يجري عليهم ما يجري على بني آدم؛ ليأتسي الناس بهم، ويقتدي الناس بهم إذا أخطأوا، ثم عادوا إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (ص: 24) [ص: 24] يدل على أن هناك خلطة، وعلى أن هناك شركة.

إذن تجوز الخلطة والمشاركة بين الناس، لكن مع مراعاة التقوى.

(التزام الأدب في الدخول على أهل الفضل والمكانة) لأنهم لم يحسنوا ﴿إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ﴾ عليه السلام وأفزعوه.

لما ذكر الله سبحانه وتعالى أن نسيان يوم الحساب سبب في الضلال والإضلال بين أن هذا الذي يدعونه من إنكار الحساب لا ينبغي أن يكون؛ لأن الله ما خلق الخلق عبثًا؛ ولذلك جاء قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 27) [ص: 27] أي عبثًا وإذا كان الله لم يخلق السموات والأرض عبثًا إذن لا بد من حساب، ولا بد من جزاء فمن زعم ﴿إِلَّا﴾ حساب فهو يطعن في حكمة الله سبحانه وتعالى في خلقه وهذا وجه مناسبة قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 27) [ص: 27] بما تقدم من آيات.

﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 27) [ص: 27] ومن باب الفائدة فإنَّ قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 27) [ص: 27] عند النحويين يعربونها بالحال فيقولون هي حال، وهم يقولون: إن الحال فضلة يعني ليست عمدة مع أنه هنا لا يصح الوقف قبلها فأنت إذا قلت ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 27) [ص: 27] كنت قد نفيت خلق السماء والأرض وهذا لا شك خطأ، وليس بمراد إذن قولهم: إنها فضلة يعني أن الكلام تم بالمسند إليه والمسند قبله، لكن لا يعني أن الكلام في كل الأحوال يتم بدون الحال.

ولذلك هنا من قرأ لا بدأن يصل فلا يقف قبل كلمة باطلًا، ومثلها أيضًا ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ﴾ (الأنبياء: 16) [الأنبياء: 16] فلا بد أن يذكرها حتى يتضح المعنى.

قال الله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ (ص: 28) [ص: 28] هذه قاعدة عظيمة، وهذا تشبيه، لكنه تشبيه من نوع خاص سماه بعض العلماء بالتشبيه السلبي تشبيه بالسلب؛ لذلك جاء هنا بالنفي ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ (ص: 28) [ص: 28] هو في معنى النفي؛ بمعنى لا ﴿نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟﴾ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ، ولا ﴿نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ لا يسوي الله بين هؤلاء وهؤلاء لا يظن أولئك الكافرون أنهم يصنعون في الدنيا ما يصنعون من بغي، وظلم، واعتداء وترك للطاعات وكفر بالله، ثم بعد ذلك يسويهم الله عز وجل بأهل الإيمان المتقين الصابرين على دينه لا يمكن أن يكون هذا وقد جاءت آيات قرآنية تدل على هذا المعنى:

قال الله عز وجل: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم: 35) [القلم: 35] لا يمكن، ولذلك من الأسئلة المطروحة في هذا الدرس اذكر لنا بعض النظائر القرآنية، أو بعض الأدلة الدالة على أن الله لا يسوي بين المؤمنين والكافرين، فأين الأدلة الدالة على ذلك من هذه الآية وآيات أخرى.

ثم قال الله: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29].

إن مما يجعل العبد يعمل الصالحات، ويتقي الله رب الأرض والسموات تدبر القرآن ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29] كثير الخير والنفع، إي والله، كثير الخير والنفع ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29] هذه غاية من إنزال القرآن ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29] فالذي ينتفع بالقرآن يتدبر ويتذكر جعلنا الله منهم بمنه وكرمه!

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29] والتدبر النظر في العواقب؛ منه دبر الشيء آخره، يعني أن من يتدبر القرآن ينظر في مآلات القرآن عواقب القرآن ما يرمي إليه القرآن ما يهدف إليه القرآن ولذلك جميل جدًا ما نقرأ من فوائد الآيات وما يستنبط من الآيات فهذا حسن جدًا.

ثم تمضي الآيات الكريمة ليذكرنا الله سبحانه وتعالى، أو ليعلمنا الله عز وجل، وليبين لنا موقفًا جرى لنبيه سليمان عليه السلام فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30) [ص: 30] وتلحظ هنا أن الآيات لم تأتِ واذكر سليمان مثلًا، أو عبدنا سليمان؛ لأن هذا من تتمة الإنعام على داود، فمن تتمة الإنعام على داود عليه السلام أن وهبه الله سليمان ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30) [ص: 30] كلمة جميلة، جملة جميلة!

﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30) [ص: 30] وقال في أيوب عليه السلام ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44) [ص: 44] وقال في داود أيضًا﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 17) [ص: 17].

أثنى الله سبحانه وتعالى على سليمان، وأثنى على أيوب نعم العبد جملة عظيمة! والله، لو أنه قيل لنا من رب العزة وعلمنا أنه يقول لنا نعم العبد لكان هذا أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا والناس أجمعين أن يأتي الثناء من الله نعم العبد هذا ثناء عظيم جدًا لمن أدركه وتأمله.

﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30) [ص: 30] وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30) [ص: 30] مناسب للمقام فهو يبادر بالرجوع والعودة إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30) [ص: 31، 32] القصة فيها كلام كثير، لكن هنا ما ذكره أهل المختصر قالوا: (اذكر حين عرضت عليه، اذكر جاءت من قوله: إذ أفادت أن هناك مقدر يقال له اذكر، حين عرضت عليه عصرًا أي هذه الصافنات وهي الخيول الجياد، لكن الصافنات كما يقولون المراد بها الخيول الأصيلة السريعة التي تقف على ثلاث قوائم، وترفع الرابعة وهذا يكون أجمل، وأحسن في المنظر فلم تزل تعرض عليه تلك الخيول الأصيلة حتى غربت الشمس) وهذا معنى ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] يعني توارت الشمس، من أين علمنا الشمس، والشمس ليس لها ذكر هنا في الآيات؟

قالوا: من ذكر قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾ (ص: 31) [ص: 31] لأن العشي بعد العصر فحتى توارت أي الشمس، وإلا فقد ذهب فريق من المفسرين أن معنى ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] أي توارت الخيل هي التي توارت ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] بعد أن تركها، أو خلى سبيلها، أو انتهى وقت عرضها على سليمان عليه السلام.

﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] سليمان ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] هذا جميل، ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] اسمع هذا، وكرره على قلبك، وعقلك ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] يعني يحب الحب وهذا جميل، ويدل على أنه يحب الانتصار لدين الله، والجهاد في سبيل الله.

﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32) [ص: 32] لأن أحببت تعدت بعن قالوا: إنها مضمنة معنى الإيثار يعني آثرت حب الخير أي الخيل عن ذكر ربي يعني شغلني حب الخيل وما تؤدي من النصرة لدين الله عن تذكر صلاة كان يصليها قبل الغروب لا يلزم أنها صلاة العصر، وإن قيل بذلك صلاة من الصلوات، أو ذكر من الأذكار، أو ورد من الأوراد الله أعلم يعني لا نستطيع الجزم بذلك، وإن قيل: إنها صلاة العصر، لكن ليس معنا ما نجزم به من أجل ذلك.

﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33) [ص: 33] فما كان من سليمان إلا أنه حزن على ذلك حزنًا شديدًا، كيف فاته ورده، كيف فاته وقت صلاته، فما كان منه إلا أن صلى، أو ذكر، ثم قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33) [ص: 33] ردوا الخيول علي بعضهم يقول: ردوا الشمس على إن كنتم تستطيعون، لكن الأقرب ردوا الخيول علي.

﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33) [ص: 33] ما معنى ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33) [ص: 33]؟

تكلم المفسرون كلامًا طويلًا فمنهم من قال كما ذكر هنا (فبدأ يضرب بالسيف سوقها وأعناقها كأنه يقول: أيتها الخيول مع حبي لكِ، وحرصي عليك، لكن كيف تكونين سببًا في أن تشغليني عن ذكر الله سبحانه وتعالى فإنَّ فاعل بكِ كذا، وكذا فما كان منه إلا أن ضربها بالسيف، أو ضرب بالسيف سوقها وأعناقها تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى) على هذا ذهب كثير من أهل التفسير.

وقالوا: إنه ترك ذلك لله فعوضه الله خيرًا منه ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36) [ص: 36] ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه؛ لذلك ستذكر هذه الفائدة بناء على هذا القول في التفسير منهم من قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33) [ص: 33] التعبير بـ مسحًا كيف يفسر بالقتل، أو بالذبح، أو بالقطع هذا بعيد في التفسير؟

فقالوا: بل إنه مسح عليها كأنه عاد إليها مرة أخرى بعد أن ذكر الله وقال ورده عاد له مرة أخرى ليمسح عليها متذكرًا نعمة الله إذ أنعم عليه بتلك الخيول، لكن على القول السابق الذي اختاروه هنا فقالوا: (لعل هذا كان جائزًا في شريعة سليمان، أو أنه قصد بذلك أن يسمها بسيماء حتى يعرف أنه وقف لله سبحانه وتعالى).

أيًا ما كان فهي قربة تقرب بها سليمان عليه السلام، أو أنه فاته شيء مما كان يحب أن يفعله فلما فاته ما كان منه إلا أن ندم، وبذل لله فعوضه الله عز وجل خيرًا هذا ما يسمح به المقام من الكلام في مثل هذا الموضع والعلم عند الله تعالى.

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص: 34) [ص: 34] هذه قصة أخرى أيضًا، وأيضًا للمفسرين فيها كلام طويل، وسامحوني ﴿أَنَّمَا﴾ أقف مع هذه الآيات على وجه التحرير على كثرة ما قيل فيها، وإلا فإننا نمر مرورًا سريعًا على الآيات كما تعلمون.

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص: 34) [ص: 34] قالوا هنا: (اختبرنا سليمان، وألقينا على كرسي ملكه شيطانًا متمثلًا بإنسان تصرف في ملكه مدة قصيرة، ثم أعاد الله لا سيمان ملكه، وسلطه على الشياطين).

إذن معنى ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص: 34) [ص: 34] قالوا: الشيطان كان هذا ابتلاءً إنه تسلط على كرسي سليمان فترة قصيرة، ثم نصره الله عز وجل عليه، ولهذا الملمح، وتأمل لهذا الملمح قال سليمان عليه السلام بعد ذلك ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ (ص: 35) [ص: 35] ليس هذا؛ لأن سليمان يحسد الناس، وليس هذا لأن سليمان يكره الخير للناس، لكنه لما رأى أن بعض الناس يريد التسلط على ملكه وهو مؤيد من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أراد أن يثبت ملكه، وأن فيكون سؤدده حتى يعلم الناس أنه مؤيد من عند الله.

فهو يريد ﴿إِلَّا﴾ يكون لأحد ملك مثل ملكه حتى فيكون أن له العلو هو يوحد الله سبحانه وتعالى ويدعو إلى رسالاته.

ولذلك بعض المفسرين قالوا في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ (ص: 35) [ص: 35] أي من دوني في حياتي، ولم يشترط ذلك بعد وفاته إلى هذا جنح فريق من المفسرين والعلم عند الله، أو أنه أراد أن يكون هذا من دلائل نبوته، وأن الله قد قسم الأنبياء؛ فمنهم الملك، ومنهم العبد، منهم من جعله الله عز وجل من الملوك أصحاب السيادة والريادة، وقد اختار نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يكون عبدًا نبيًا.

فأحب أن تكون هذه خصيصة من الخصائص، لا أنه يكره الخير للناس؛ ولذلك نبينا -صلى الله عليه وسلم- لم يخفَ عليه هذا الأمر فحينما قال في الصحيح: H0.

تركه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلا سبيله، وهذا من جمال المواقف بين الأنبياء والمرسلين صلوات الله وتسليماته عليهم.

هناك قول آخر مشهور أيضًا لدى المفسرين إذ ربطوا الآية وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص: 34) [ص: 34] بقصة ما ورد في الصحيح H1 على عدة روايات H2 فقالوا: إن هذا الغلام هو الجسد الذي ألقي على الكرسي ليعلم أن كل شيء بقدر الله سبحانه وتعالى.

كذا قال بعضهم، الرواية الصحيحة، لكن كون الرواية هي المرادة بتفسير الآية ليس هناك دليل يربط بين الحديث وبين الآية إلا هو من قبيل الاجتهاد عند المفسرين؛ ولذلك العلماء يفرقون بين التفسير النبوي يعني ما جاء H3.

وبين أن يذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- حديثًا ليس في موضع التفسير، ثم يستدل به عالم من العلماء فهذا من قبيل الاجتهاد قد يقبل منه، أو لا يقبل والعلم عند الله هذا بعض ما قيل في تفسير الآيات الكريمة.

على كل ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 34-36) [ص: 34 - 36] بعضهم قال: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه على أنه فعل بالخيل ما فعل، وكان هذا شرع من قبلنا، أو كان لمقصد من المقاصد المحمودة.

هنا إشكال يحتاج إلى إزالة، أو إلى دفع﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36) [ص: 36] وهنا قال: ﴿وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ﴾ (الأنبياء: 81) [الأنبياء: 81].

فهل هي عاصفة، ولا هي رخاء؟ يعني هنا في ص قال: رخاء، هناك قال: عاصفة.

فيمكن الجمع في ذلك بأن يقال: إنها في نفسها، إنها بالنسبة لسليمان عليه السلام رخاء، لكنها في حقيقة سيرها عاصفة، يعني أنها تمشي بسرعة جدًا، لكنه هو يركب عليها يشعر برخاء.

بالضبط نحن الآن حينما يركب الإنسان مركوبًا سريعًا جدًا تجد السيارة الفارهة الممكنة حينما يركبها الإنسان لا يشعر بأنه يسير مع أنها تسير سيرًا حثيثًا، وشديدًا فقالوا: هي رخاء عند الركوب عليها بالنسبة لا سيمان وإلا فهي عاصفة في وصولها إلى غرضها.

أو أنهما حالان بمعنى أنها أحيانًا كانت له عاصفة، وأحيانًا كانت له رخاء.

﴿وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ (ص: 37) [ص: 37، 38] هذا فيه أن الله من عليه بتسخير الشياطين، ولهذا مما استدل به في هذا أن الشياطين لا تسخر لأحد بعد سليمان فدعوة من يدعي أن الشياطين مسخرة له وما إلى ذلك هذا لا يقبل منه، هو معتدٍ في مثل هذا الأمر والعلم عند الله.

ثم جاء نبي الله أيوب عليه السلام ذكرنا الله به ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص: 41) [ص: 41].

﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص: 41) [ص: 41] أيضًا هنا إشكال يحتاج إلى جواب، وسامحوني الآيات هنا فيها كلام كثير، لكنه مهم.

﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص: 41) [ص: 41] كيف مسه الشيطان هنا قالوا: (أني أصابي الشيطان بأمر متعب معذب) بعضهم قال: هو الضر، في الآية الأخرى قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83) [الأنبياء: 83].

إذن مس الشيطان كان مس الضر، يعني أصابه بالضر في جسده، وفي أهله كما قال كثيرون من أهل التفسير.

إذن مش الشيطان مس مرض، بعض العلماء قال لا، هو مس الضر هذا مرض، أو هذا المرض الذي أصابه هو الضر، لكن مس الشيطان هو وسوسة فكيف وقعت الوسوسة فقالوا: إنها ليست لأيوب عليه السلام وإنما خشي أيوب عليه السلام مما يلحق بقومه حينما تكلم بعضهم في شأنه، أو هذا نبي يتركه الله حتى يكون في المرض هذه المدة الطويلة فوجد أيوب عليه السلام حينئذ وقال: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص: 41) [ص: 41].

يعني ادفع عن وليك الصالح أنا نبي من أنبيائك فانصرني حتى لا يظن بي السوء، أو أنني لست بني من أنبيائك كذا قال بعض المفسرين، والعلم عند الله.

على كل حال أيًا ما كان الأمر بعضهم قال: كأن الشيطان حاول أن يوسوس له أنه سيستمر في ذلك، لكن ليس معنا ما يصرح بهذا، وكل ما يمكننا دفعه عن أنبياء الله ورسله فإننا ندفعه، لكن أيًا ما كان الأمر فإنه لا يتعارض مع قوله: ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) [النحل: 99] لأن الممنوع هو تسلط الشيطان تسلطًا يجعل هذا المؤمن يبتعد عن طاعة الله ويقع في حبائل المعصية وهذا لا يتأتى لأهل الإيمان فضلًا عن أنبياء الله ورسله.

﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (ص: 42) [ص: 42] انظر هنا قالوا في المختصر "فقلنا له اضرب" إذن هنا تقدير ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (ص: 42) [ص: 42] اضرب برجلك فيه أخذ بالأسباب مع أنه مريض، إذن هذا فيه الأخذ بالأسباب ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (ص: 42) [ص: 42] هنا تقدير، ماذا قال المفسرون، وهذا من فائدة قراءة كتب التفاسير إنك تدرك المقدرات.

فضرب برجله الأرض فنبع له منها ماء يشرب منه ويغتسل فيذهب ما به من الضر والأذى، فيكون هذا مغتسل، أين المغتسل؟

إنه لما ركض نبع الماء فإنَّ هذا من قول هذا مغتسل، إذن هذا نتيجة الركض ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (ص: 42) [ص: 42] فيه أن الاغتسال بالماء البارد مفيد، وهذا قد ثبتت به الأدلة والواقع العملي، ولا سيما من الحمى ونحوها والعلم عند الله.

من فوائد الآيات:

¯في الآيات دليل على صحة القاعدة المشهورة: "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه".

(في الآيات دليل على أنه بحسب سلامة القلب وفطنة الإنسان يحصل له التذكر والانتفاع بالقرآن الكريم) إذا أردت أن تتدبر فليكن قلبك سليمًا هذا حسن ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) [ص: 29] ولذلك ربنا قال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾ (الأعراف: 146) [الأعراف: 146].

الذي يتكبر يرفع عنه فهم القرآن، لا يوفق لفهم القرآن.

الفائدة الثانية: (في الآيات دليل على صحة القاعدة المشهورة: "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه") من أين أخذوها؟

﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36) [ص: 36] على أحد الأقوال في تفسير الآية.

قلت: ومن فضل الله وكرمه أن هذه ليست قاعدة فحسب، بل إنه حديث نبوي، لكنه لم يأتِ بهذا اللفظ لا أعلمه ثابتًا، لكن جاءت رواية عند الإمام أحمد وغيره H0.

وأيضًا جاء في لفظ H1 فهذا نص صريح، إذن من ترك شيئًا عوضه خيرًا منه دلت عليه سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

ولما وقفت على هذا أفردت له خطبة كاملة؛ لأنه بالفعل قاعدة عظيمة، وتدل عليه أدلة كثيرة، ولذلك السؤال الثاني: نريد بعض الأدلة التي تدعم هذا الحديث، أو تلك القاعدة التي تشهد لهذا الحديث، أو هذه القاعدة، "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه" للثلاثة من الأدلة تشهد لهذا الحديث، أو لهذه القاعدة.

تمضي الآيات الكريمة ويبين الله سبحانه وتعالى فيها جزاء نبيه أيوب عليه السلام وأنه الله قد وهبه أهله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 43) [ص: 43] فصار الضعف، وهذا كله من جزاء الصبر، الصبر الجميل العظيم الذي صبره أيوب عليه السلام ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 43) [ص: 43].

ثم ذكر الله عز وجل لأيوب عليه السلام موقفًا آخر ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44) [ص: 44] ولاحظ أن هذا الأمر ذكر في معرض الجزاء أي أن هذا كان من الجزاء الأوفى وهو تيسير الأمر عليه، وذلك أن أيوب عليه السلام صدر منه يمين تجاه بعض أقاربه الذي جاءت به الروايات:

أن هذا كان مع امرأته حينما أغضبته في شيء من الأشياء فوصل به الأمر إلى أنه حلف أن يضربها، ثم إنه بعد ذلك وقد رأى منها الفضل والخير والوقوف إلى جواره، وعدم التفريط في حقه في غالب أمرها، وفي عمومه فكان بين أمرين بين أن ينفذ قسمه ويمينه، وبين أن يؤذيها وهو لا يحب أن يؤذيها، ولا يريد أن يقسم بالله سبحانه وتعالى ويتراجع عن ذلك، ولم يكن هناك كفارة لليمين فخفف الله عز وجل بهذا الذي ذكره، لذلك ذكر هذا في معرض الجزاء والتيسير.

﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44) [ص: 44] حزمة هذه الحزمة يضرب بها مرة واحدة فتغني عن العدد الكثير الذي ربما بلغ مائة مرة، أو أكثر، أو أقل، لكننا لا نجزم أن هذا كان مع امرأته، قد يكون هذا وقع مع بعض أقاربه الآخرين فهذا ليس صريحًا في هذا الآيات، وإن استدل به بعضهم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في التعليق على الفوائد، لكنه ليس بصريح في هذا.

لكن حاصل الأمر أنه تخفيف على أيوب عليه السلام، وهل يستعمل هذا في بعض الأحوال أخذ بهذا بعض الفقهاء ففي بعض الأحوال قد تكون إقامة الحد، أو التعزير على شخص عسيرة؛ لضر أصابه، أو لشيء فهل يختار التخفيف ويقال: إن هذا من الحيل الشرعية أخذ بهذا فريق من العلماء، ولهم أدلتهم، ويستدلون بالآية الكريمة على ذلك.

﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44) [ص: 44] ومن إكرام الله لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن أوجد لها المخرج وهو كفارة اليمين، فعندنا ما هو أيسر H2.

وليس بحاجة إلى تنفيذ هذا مطلقًا فهذا من تيسير الله على هذه الأمة فالحمد لله على النعم التي لا تعد ولا تحصى.

ثم قال الله: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (ص: 45) [ص: 45] جمع الله لهم بين هذين الوصفين ﴿وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (ص: 45) [ص: 45] قالوا هنا: (كانوا أصحاب قوة في طاعة الله، وتلمس مرضاته، وكانوا أصحاب بصيرة في الحق صادقين) ما معنى هذا؟

﴿وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (ص: 45) [ص: 45] أصحاب قوة في طاعة الله، قالوا في تنفيذ الحق والأبصار في رؤية الحق فإذا كانوا الصالحون يدعون ربهم اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، فهذا معناه، أن يرزقك الله القوة العلمية، والعملية؛ قوة في العلم بأن تعلم الحق كما هو، وقوة في تنفيذ الحق بأن تنفذه كما ينبغي؛ لذلك الثناء هنا جاء جامعًا ﴿وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (ص: 45) [ص: 45].

أنت قد تعرف الحق، وتتكاسل عن تنفيذه، وقد يكون لدى شخص همة عالية في التنفيذ، لكنه جاهل؛ لذلك يؤتى الإنسان من جهاتين:

من جهة جهله، أو من جهة ضعف إرادته وهمته؛ ولذلك قالوا: إن السالك إلى الله ينبغي له أن تكون معه همة تسيره وترقيه، وعلم يبصره ويهديه فإذا رزق الله العبد همة وإرادة وعزيمة، ثم عمل، ورزقه مع ذلك علم هذا العلم يوجهة فهو على خير كثير بفضل الله سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ (ص: 46) [ص: 46] وهذه من الآيات الجليلة جدًا ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ (ص: 46) [ص: 46] طبعًا القراءة الأخرى وهي متواترة (﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾ ) يعني اختصهم الله بهذا خلصوا لذكر الدار الآخرة، يعني الدنيا لا تمري عليهم، لا تشغلهم، ﴿أَنَّمَا﴾ هي مطية إلى الآخرة فهذا من عظيم شأنهم عليه الصلاة والسلام وعلينا أن نقتدي بهم قدر الاستطاعة بأن نجعل الآخرة أكبر همنا، ومبلغ علمنا لا أن تكون الدنيا هي أكبر همنا، ومبلغ علمنا.

قال: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ﴾ (ص: 48) [ص: 48] وهذا استدل به على أن ذا الكفل نبي؛ لأنه ذكر في سياق الحديث عن الأنبياء كما جاء أيضًا في سورة الأنبياء.

﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾ (ص: 49) [ص: 49] وتقدم أن السورة تذكير، وهذا مناسب لأول السورة ﴿صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ﴾ (ص: 1) [ص: 1] وهنا واذكر ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾ (ص: 49) [ص: 49].

قال: ﴿جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ﴾ (ص: 50) [ص: 49، 50] وهذا معنى جميل في قول ﴿جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ﴾ (ص: 50) [ص: 50]، قالوا هنا: (وقد فتحت لهم أبوابها احتفاء بهم وهذا من الإكرام) لذلك مفتحة أعربوها: حالًا، يعني أهل الجنة حينما يجيئون إلى الجنة يجدونها مفتحة وهذا أجمل في الإكرام أنت حينما تذهب إلى مكان إكرام تجده مفتحًا جاهزًا وهذا سيأتينا إن شاء الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ﴾ (الزمر: 73) [الزمر: 73] لم يقل ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ﴾؛ لأن النار مؤصدة، في النار قال: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الزمر: 71) [الزمر: 71] لأن النار مؤصدة محبوسة تأتي فتفاجأهم تنفتح أمامهم، وقد كانت مسدودة، أما الجنة تكون معدة سابقًا وهذا من الإكرام العظيم لأهل الجنة، نسأل الله أن يرزقنا من فضله!

ثم قال: ﴿وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ (ص: 52) [ص: 52] إلى آخر الآيات الكريمة، وقد قرأنا شرحها، ثم ذكر الله خصومة تقع بين أهل النار فهناك خصومة في الدنيا بين المؤمنين والكفار، وهناك خصومة في الآخرة، وخصومة بين أهل النار أنفسهم يعني بعد ذلك سيأتينا حديث عن اختصام الملأ الأعلى قالوا في شأن آدم عليه السلام، لكن هذا اختصام بين الضعفاء والمستكبرين يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضًا فنسأل الله السلامة.

من فوائد الآيات:

¯في الآيات دليل على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبًا ضربًا غير مبرح فأيوب عليه السلام وحلف على ضرب امرأته ففعل.

ما قوله: (من صبر على الضر فتعالى الله يثيبه ثوابًا عاجلًا، وآجلًا) هذا وقع، وقع لمن؟ لأيوب عليه السلام؟

فأثابه الله في الدنيا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 43) [ص: 43] وكذلك في الآخرة ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44) [ص: 44] وهو من أهل الجنان.

وأما قولهم: (في الآيات دليل على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبًا) فهذا أخذ مما ذكر من روايات في القصة وكما قلت هو ليس بصريح في الآية الكريمة وما جاء ﴿أَنَّمَا﴾ جاء في سورة النساء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: 34) [النساء: 34] وكما قالوا: فهو ضرب غير مبرح وهذا له ضوابطه، وقواعده، ولا يلقى الكلام على عواهنه فإنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذر من الضرب الذي يقع فيه كثير من الناس، وقال: H0.

فالمسألة تحتاج إلى ضوابط، وقواعد لعلنا نعرض لشيء منها إذا بلغنا الله سورة النساء حينما نعود إليها إن شاء الله تعالى.

ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة بعض ما يقع من أهل النار ﴿وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ﴾ (ص: 62) [ص: 62] يذكر أهل النار في هذا الموقف أنهم قد افتقدوا في النار أناسًا كانوا يعدونهم من الأشرار ﴿أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ (ص: 63) [ص: 63] هل هؤلاء اتخذناهم سخريًا، وظلمناهم وقد صاروا من أهل الجنة ونحن لا ندري؛ فقد فازوا وخسر هؤلاء أي هم، ﴿أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ (ص: 63) [ص: 63] كأنهم يموهون فيقولون: أم أن أبصارنا قد مالت عنا فهم في النار، لكننا لا نراهم.

ولكن الأمر الأول هو ذلك؛ لأن أهل الإيمان قد أدخلهم الله الجنة، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قد ذكر أن هؤلاء قد اتخذوا أهل الإيمان وسخروا منهم، ولكن كما قال الله: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (المطففين: 34-36) [المطففين: 34 - 36].

وقال: {﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 109 - 111].

لكن تأمل حتى في النار ﴿أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ (ص: 63) [ص: 63] كأنه من باب التمويه على ما قال بعض المفسرين.

﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 64) [ص: 64] تأمل ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾ (ص: 64) [ص: 64] ولذلك مضى في أول الآيات ﴿وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ﴾ (ص: 21) [ص: 21] أيضًا هذا يتكلم عن الخصومة؛ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من مقاصد سورة ص ذكر الخصومات، الخصومات بين أهل النار، الخصومات بين المؤمنين والكفار، ثم جاء بعد ذلك ذكر اختصام آخر، لكنه اختصام نبيل شريف.

﴿قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (ص: 67-69) [ص: 67 - 69] فهو اختصام الملأ الأعلى وهو اختصام علمي، في مسائل العلم، وما يتعلق بذلك، وإلا فهم ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾.

لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ننظر في هذا قال الله عز وجل قبله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ (ص: 65) [ص: 65] وهذا فيه أن السورة الكريمة غلب فيها جانب الإنذار مع جانب الدعوة إلى الصبر جانب الإنذار للكافرين وهذا ظاهر في السورة الكريمة.

﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ (ص: 69-71) [ص: 69 - 71] ذهب كثير من المفسرين إلى أن اختصام الملأ الأعلى هنا كان في شأن خلق آدم عليه السلام كما ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30) [البقرة: 30].

وإلا وقد ورد في الباب حديث H1 لكننا أيضًا لا نقطع أن هذا المراد بالآية، فالمراد بالآية إذا نظرنا إليه من السياق ما يتعلق بخلق أبينا آدم عليه السلام.

﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ (ص: 71) [ص: 71] ما وجه ذكر هذه القصة في ختام السورة الكريمة؟

فيها إشارة إلى ما وقع من إبليس من التكبر، وأول السورة ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (ص: 2) [ص: 2] وفاتنا أن ننبه هناك أن العزة هناك مذمومة، فالمراد بالعزة هناك عزة الكبر والحمية فربنا يقول: أما تتذكرون قصة إبليس ما وقع من إبليس مع أبينا آدم قد امتنع من السجود له إكرامًا، وليس سجود عبادة تريدون أن تقتفوا أثره، وأن تسيروا على منواله فإنه الوعيد، ثم الوعيد، فهذا مناسب وعود على بدء.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (ص: 73) [ص: 73] ومن اللافتات، أو اللطائف التي ذكرها بعض العلماء أن قوله: ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (ص: 73) [ص: 73] تأكيدًا للملائكة، ثم جاء بعد ذلك أجمعون فأفاد معنى جديدًا، وهو أن الملائكة سجدوا مجتمعين فأفاد قوله: ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (ص: 73) [ص: 73] أنه الجميع، ثم قال: ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (ص: 73) [ص: 73] أي مجتمعون، كان هذا معنى زائدًا ذكره بعضهم، والعلم عند الله.

﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (ص: 73) [ص: 74، 75] استدل بها من ذهب مذهب السلف الصالح من إثبات اليدين لله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة