مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة (سورة الأنفال)

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 163 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة في سورة الأنفال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة "لمحة في سورة"، وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى "سورة الأنفال". هذه السورة المباركة تسمى بسورة الأنفال وقد بدأها الله جل وعلا بقوله:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾1.

و"الأنفال" هي الغنائم التي يغنمها المسلمون قهرًا من أعدائهم الذين يقاتلونهم في سبيل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فيقال لها الأنفال. وتسمى هذه السورة أيضًا بـ "سورة بدر"؛ لأن كثيرًا من آيات السورة حديث عن غزوة بدر وعن أسباب النصر فيها، ﴿وَمَا يَنۢبَغِى﴾ للمسلمين أن يفعلوه وأن يحذروا منه، أو أن يحذروا منه.

سورة الأنفال سورة "مدنية" بالاتفاق؛ لأن غزوة بدر كانت بالمدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فغزوة بدر كانت في السنة الثانية من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسورة نزلت بعدها، ومن ثم فإنَّ السورة الكريمة حدثنا الله فيها عن بعض أحكام الجهاد، ومن ذلك ما يتعلق بالغنائم وما يتعلق بالأسرى إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه بإذن الله عز وجل.

وقد استثنى بعض العلماء من هذه السورة -أعني من مدنيتها- قول الله عز وجل:﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾2. فهذه الآية حديث عن تخطيط المشركين لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على دعوته، وهذا كان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. فالمشركون اجتمعوا وأرادوا القضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطربت آراؤهم ثم أجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾، واجتمعوا على الثاني وهو﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾،﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾.

فقالوا إذًا هذه الآية نزلت قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الصحيح أنها مدنية أيضًا وإنما فيها "تذكير بالماضي"، فربنا يقول أي: اذكر إذ يمكر بك الذين كفروا، فالله يذكره بما وقع من المشركين سابقًا، كما في سورة التوبة:﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾3. فهذا تذكير بما وقع قبل ذلك.

مقاصد السورة والتوكل على الله

سورة الأنفال سورة جليلة وعظيمة، من أعظم مقاصدها أن العبد عليه أن "يتبرأ من حوله وقوته" وأن يلجأ إلى حول الله وقوته. على العبد أن يتوكل على الله حق توكله، وأن يعلم أن الأمر كله لله سبحانه عز وجل. فسورة الأنفال من فاتحتها إلى خاتمتها دعوة إلى التوكل على الله، ودعوة إلى أن يعلم العبد أن الأمر كله لله سبحانه وتعالى، فيتبرأ العبد من حوله وقوته ويتجه إلى ربه معتمدًا عليه متوكلًا عليه واثقًا فيه سبحانه عز وجل.

وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، ولذلك قال المنافقون كما قال ربي:﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾4. أهل النفاق والذين في قلوبهم مرض رأوا ما رأوا من ثبات المؤمنين؛ المؤمنون قلة، فهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، في مقابلة ألف رجل من أهل الشرك، نصر الله المؤمنين وهم قلة، فكانوا يقولون لأهل الإيمان:﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أنتم مغرورون بدينكم، تظنون أن دينكم سيحميكم وستحفظون به، فربنا قال:﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

وحتى يتضح لك أن هذا مقصد عظيم في السورة، اقرأ أول السورة تجد أن رب العزة قال:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. لم يذكر الله كيف تقسم الغنائم وهي الأنفال، لم يبين هذا هنا، ﴿أَنَّمَا﴾ بينه بعد أربعين آية في قوله:﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾5، هذا ذكره الله بعد أربعين آية من هذه الآية، وإنما ذكر الله في الآية الكريمة الأولى ذكر الأنفال ليبين أن الأنفال لله، فالأمر كله لله.

فهو يقول: لِمَ تتنازعون؟ ولِمَ تختلفون في شأن الأنفال؟ فبعضهم يقول نحن أحق بها لأننا الذين جمعناها وأحرزناها، فهناك جماعة من الصحابة جمعوا تلك الغنائم حينما نصرهم الله على المشركين. وهناك مجموعة منهم كانوا يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذودون عنه ويحافظون عليه، عليه الصلاة والسلام فقالوا نحن أولى به، أولى بهذه الغنائم، نحن أولى بهذه الغنائم؛ لأننا حمينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدقنا به. والآخرون قالوا بل نحن أولى، نحن الذين كنا في الوجهة، أنتم كنتم في الخلف ونحن كنا في المقدمة نجابه العدو ونقاتله. فوقع شيء من الاختلاف في أمر الغنائم، مع أنَّ الغنائم آخر ما يكون في الغزوة.

يعني لو أن السرد القرآني، لو أن القرآن الكريم يذكر الموقف كما هو على ترتيبه المعهود لذكر بداية القتال من البداية، أسباب الغزوة، أحداث الغزوة، ماذا وقع؟ بدأ الله بذكر "خاتمة الغزوة"، خاتمة الحدث، فقال:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ومن ثم﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

ولذلك ذكر الله بعدها ماذا؟ قال:﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾6 ﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ ﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ يسميه علماء التفسير "أسلوب تنظير"، يعني ربنا يقول: لا تغفلوا، لماذا تتنازعون في الغنائم؟ أما تتذكرون في بداية الأمر أكثركم كان لا يحب القتال؛ لأن جماعة المسلمين اعترضوا أبا سفيان ومن كان معه إذ كانت معهم قافلة قادمة من الشام فقالوا هذا حقنا ونأخذه، فتعرضوا لهم، فعلم أبو سفيان بذلك وأرسل ليطلب المدد من المشركين.

فربنا يقول:﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ ﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾7 ﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾8. قالوا نحن نريد "العير" نريد القافلة، لكن لا نريد قتالًا، لا نريد قتالًا مع المشركين، عددنا قليل، زادنا قليل، عدتنا قليلة، فنريد الأيسر﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾نحن نريد العير لا نريد نفيرًا.

﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ ﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾. سنقاتل يا رسول الله وليس معنا ما نستعد به لمثل ذلك؟ لكن الله قد اقتضت حكمته أن يجتمع المؤمنون بالكافرين في غزوة بدر ليعز الله أهل الإسلام وليكون يوم بدر "يوم الفرقان"، فحينئذ يعرف أولئك المشركون أن الله ناصر دينه وناصر نبيه وناصر أولياءه سبحانه عز وجل. فكذلك في الأنفال أنتم تختلفون فيها، دعوا اختلافكم، وإنما اتركوا الأمر لله وفوضوا أمركم إلى الله، وهكذا في كل أموركم.

الاستغاثة وتأييد الملائكة

هكذا تعلمنا السورة المباركة، ولذلك بعدها قال:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾9. الاستغاثة هي "تفويض الأمر إلى الله" تطلبون من الله المدد.﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. والرسول عليه الصلاة والسلام توجه إلى ربه يصلي ويدعو ويرفع يديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويناجي ربه ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة، اللهم إن تهلك هذه العصابة" -يعني عصابة المؤمنين، أهل الإيمان، العصابة جماعة أهل الإيمان، لا تعبد في الأرض أبدًا، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني"، حتى سقط رداؤه وهو يرفع يديه يناجي ربه، فرداه أبو بكر وضع عليه رداءه وقال: "يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فإنه سينجز لك ما وعدك".

وأنت إذا تأملت وجدت فرقًا قد يبدو في الظاهر بين الحالين، بين موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة وموقف أبي بكر الصديق معه، فإنَّ أبا بكر رضي الله عنه هو الذي قال: "يا رسول الله لو أن أحدهم أبصر تحت قدميه لرآنا"، فقال له الرسول: "يا أبا بكر اسكت، لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟". لأنه في مقام الهجرة انقطعت سبل الدنيا، المشركون فوق رؤوسهم، إلى جوارهم، المشركون أمام الغار، وليس على الغار عنكبوت ولا نحوه فالروايات في ذلك لا تثبت، والأصل: "لو أن أحدهم أبصر تحت قدميه لرآنا"، فمن الذي جعل على أبصارهم غشاوة وصرفهم عن الغار؟ أسباب الدنيا انقطعت، فحينئذ قال الرسول:﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟.

الرسول أيضًا في غزوة بدر هو أعظم الناس ثقة وهو معلم أبي بكر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يحمي المؤمنين معه فهو إمامهم وقدوتهم، يريد أن يبقوا على الدين وأن يثبتوا على الدين، وهذا يتأتى بمفتاح الفرج بالنصر والتمكين من ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وهو يعلم أن الله لن يخذله، لكنه "الأخذ بالأسباب"، فمن أعظم الأخذ بالأسباب، من أعظم وسائل الأخذ بالأسباب أن تتضرع إلى الله وأن تستغيث به. فالرسول صنع ذلك وهو "واثق الوعد في ربه"، يثق بأن وعد الله عز وجل لا يخلف، وأن الله جل وعلا سينصره وسيؤيده وسيعطيه، لكنه يريد أن يرى المسلمون ذلك وأن تقر أعينهم بذلك، وقد وقع ذلك، فأمدهم الله بالملائكة﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾يعني يتبع بعضهم بعضًا.

والقراءة الأخرى متبوعين، لذلك لا تعارض بين آية الأنفال وآية آل عمران؛ لا تعارض بين الآيتين، ففي آل عمران ذكر ثلاثة آلاف ثم قال:﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾10. وهنا في الأنفال قال:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾لكنه قال في الآخر والقراءة الأخرى يعني متبوعين، الألف هذا بداية المدد ثم يأتي ثانٍ وثالث، ثم علق الأمر﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾إن وقع هذا﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.

وملك واحد يكفيهم، لكن الله أراد أن يريهم النصر عيانًا كما يرى أحدنا ما يقوم به بيده وبنفسه:﴿قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾11. فالملائكة تقاتل معهم ونزلت معهم ورأوا عددها، العدد كبير، وإلا ملك يكفي أن يصنع مثل هذا. ولذلك القول الصحيح والذي عليه الجمهور أن الملائكة التي نزلت "باشرت القتال"؛ لأن فريقًا من العلماء يقول الملائكة لم تقاتل وإنما ظهرت بمظهر أمام المؤمنين فرأوا أن في هذا قوة لهم، وهذا خلاف الصحيح؛ لأن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام عند مسلم وغيره تدل دلالة واضحة على أن بعض الملائكة قد باشر القتال، بل كما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟" قال: "من أفضل المسلمين"، قال: "وكذلك من الملائكة نعدهم من أفضل الملائكة"، أو كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، يعني الملائكة الذين شاركوا في غزوة بدر من أفضل الملائكة وعلى رأسهم جبريل عليه السلام.

أسباب النصر الربانية والمادية

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.. توكل على الله، الإنسان يتبرأ من حوله وقوته ويلجأ إلى ربه، لذلك تأمل أيضًا في السورة:﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾12.﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾يعني أنت رميت، لكن من الذي أوصل رميتك؟ حينما رمى وقال: "شاهت الوجوه"، حفنة تراب يرميها تصل لوجوه كل هؤلاء المشركين، من الذي أوصلها؟ ومن الذي سدد؟ إنه الله سبحانه وتعالى. "اليقين في الله عز وجل"، التوكل على الله، فسورة الأنفال تعلمنا هذا في أعلى معانيه:﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

المتأمل يا أيها الإخوة الكرام في سورة الأنفال يجد أنه من أعظم مقاصدها بيان "أسباب النصر وأسباب الهزيمة"؛ إذا نصر الله عباده فلِمَ ينصرهم؟ وإذا خذلوا فلِمَ خذلوا؟ فالله يبين أن للنصر أسبابًا، وأن المسلمين إذا أخذوا بأسباب النصر فإنَّ الله ناصرهم. وقد صدر الله السورة بالحديث عن صفات المؤمنين وختمها بالحديث عن صفات المؤمنين:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾13. وتأمل:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾،﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾14 ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾15.

هذه صفات المنصورين، صفات "جيل النصر":

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾،﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾،﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾،﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾،﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾، هذه خمس صفات،﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

وفي أواخر السورة قال:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾16. في أول السورة﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾وفي آخر السورة﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك لأن السورة الكريمة بإمكانك أن تقسم أسباب النصر فيها إلى قسمين أو إلى قانونين:

الأول: الأسباب الربانية، القوانين الربانية [الإيمانية]: التوكل على الله، الثقة في وعد الله، وجل القلوب عند ذكر الله، الخشية من الله سبحانه وتعالى.. العوامل الإيمانية، هذا من أسباب النصر.

الثاني: الأسباب المادية: أن تأخذوا بأسباب النصر﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾17، هذا في سورة الأنفال.

إذًا ما تقول "أنا توكلت على الله وأنا مؤمن بالله" وتترك الأسباب، لا.. سورة الأنفال تبين لك الأخذ بالأسباب المادية أيضًا﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾،﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾18. وقال قبلها:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، إذًا هناك أخذ بالأسباب المادية.

وقال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾19 ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾20 ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾21.

إذًا إذا أرادت الأمة النصر فعليها بالأخذ بالأسباب المادية، وقبلها أن تعنى بالقوانين الربانية؛ أن تطيع الله ورسوله، وأن تستجيب لأمره، وأن تتوكل عليه، وأن تأخذ بالأسباب، فتتقوى جيوشها وتتقوى أسلحتها، ويتعاونون ويتألفون ولا يختلفون ولا يتنازعون﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾. التنازع هو "فرِّق تسد"، هكذا يريد أعداء الإسلام دومًا؛ يفرقون الأمة الإسلامية إلى دويلات، إلى أحزاب، إلى شيع متفرقة، فيحدث بينهم التفتت والتفرق، لا يلتفت أحدهم إلا إلى نفسه ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل.

لذلك أول السورة يعود على آخرها، وآخرها على أولها [الأنفال: 4، 74]. النصف الأول من سورة الأنفال حديث عن "حياة القلب"، عن الإيمان، عن الثقة في الله، التوكل، لذلك ناسبه﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. الآيات في آخر السورة حدثنا الله عن "القتال في سبيله" والأخذ بالأسباب، لذلك قال:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ جاهدوا، من المؤمن؟ هاجر وجاهد،﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

إذًا ما تقول أنا أتلو القرآن وأخشع عند تلاوة القرآن ثم أين أنت من نصرة أهل الإيمان؟﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾22.

النداءات الستة في السورة

في سورة الأنفال "ستة نداءات" لأهل الإيمان نادى الله فيها أهل الإيمان، ولك أن تضمها إلى الأصل الأصيل الذي ذكرت أولًا، وهو أن السورة الكريمة فيها بيان أسباب النصر والتمكين، وفيها الدعوة إلى التبرؤ من حول الإنسان وقوته إلى حول الله وقوته، أنه من أعظم الأسباب في ذلك طاعة الله ورسوله.

النداء الأول: [الأنفال: 1].

النداء الثاني:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾23. الأخذ بالأسباب.

النداء الثالث: [الأنفال: 20].

النداء الرابع:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾24.

النداء الخامس:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾25، ومن معناها إفشاء أسرار الجهاد في سبيل الله؛ الحروب لها أسرار، الأمة مستأمنة عليها، أن تحافظ على أماناتها وعلى أسرارها﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

النداء السادس [الدعوة إلى التقوى]:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾26.

ثم النداء السابع:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. إذًا: لا تولوهم الأدبار، واثبتوا، واتقوا ربكم، وأطيعوا الله ورسوله، واستجيبوا لله وللرسول، ولا تخونوا الله والرسول.. بهذا يكون النصر والتمكين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

سورة الأنفال سورة جليلة، بين الله عز وجل لنا فيها أن هؤلاء المشركين وأن هؤلاء اليهود معروفون بـ "نقض العهود":﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾27، هذا دأبهم. أما أهل الإيمان فلا ينقضون العهود والمواثيق:﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾28.

وسيأتينا مزيد بيان بإذن الله تعالى لبعض ما في هذه السورة الجليلة من الفوائد الغزيرة في الدروس المقبلة بإذن الله. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المجلس الثاني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمرحباً بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة "لمحة في سورة"، وهذا هو المجلس الثاني يا أيها الإخوة الكرام من مجالس تفسير سورة الأنفال. عرفنا في اللقاء السابق يا أيها الإخوة الكرام طرفاً مما يتعلق بهذه السورة المباركة إجمالاً، فعرفنا "مقصودها" ووقت نزولها إلى غير ذلك مما ذكر قبل. و"الأنفال" المراد بها "الغنائم".

سبب النزول وتوجيه النزاع حول الغنائم

ورب العزة سبحانه بدأ هذه السورة بقوله:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾،﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾،﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

فأول السورة ذكر لهذا السؤال الذي وجهه الصحب الكرام للرسول عليه الصلاة والسلام:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وهذه الآية لها "سبب نزول"، وذلك أن المسلمين في غزوة بدر نصرهم الله عز وجل على عدوهم، لكن وقع "اختلاف" بين بعض الصحابة رضي الله عنه عنهم؛

منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: نحن الذين جمعنا الغنائم فنحن أولى بها من غيرنا، لأن الذي جمع الغنائم يستحقها هكذا يروا.

وفريق آخر قال: بل نحن أولى بها منكم لأننا كنا في مجابهة العدو وفي مقابلته، فنحن الذين واجهنا وأنتم جمعتم الغنائم من خلفنا، وبناءً عليه فنحن أحق بها منكم.

وقال فريق ثالث: لستم بأحق منا فنحن كنا نحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقف إلى جواره فلستم بأحق بها منا.

فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبين لهم أنه لا ينبغي أن يتنازعوا في أمر الغنائم، فأمر "الغنائم" أمر دنيوي، والذي أعطاكم إياه هو الله، والذي نصركم هو الله، فالحقيق بكم أن تتوجهوا إليه وأن تكونوا "راضين بقسمة الله" سبحانه وتعالى فقال:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فالأمر لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، إذا وجهكم الرسول إلى شيء فاقبلوه وخذوا به ولا تخالفوه فيه، فقال:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. لا ينبغي أن يحدث بينكم شقاق أو تنازع بسبب هذه الأنفال، وإنما عليكم أن تتقوا الله وأن تصلحوا ذات بينكم،﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

فقه التربية وتأخير قسمة الغنائم

لذلك لم يذكر الله في الآية الأولى "قسمة الغنائم"، يعني الآية التي فيها تقسيم الغنائم أو تقسيم الأنفال جاءت بعد ذلك بعد 40 آية أو 41 آية:﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. في هذه الآية بين الله كيف تقسم، لكن في أول السورة لم يبين ذلك، وكأنه يقول لهم: الأولى من التقسيم أن "تفوضوا الأمر" للملك الكريم، الأولى من التقسيم أن "تفوضوا الأمر" للرب الكريم سبحانه وتعالى.

وهذا مهم جداً للغاية، ولذلك ينبغي لمن يعلم الناس العلم ولمن يتصدى لإصلاح الناس أن يعي هذا. فقد يرغب الطلاب شيئًا، وقد يرغب المتعلمون شيئًا، وقد يرغب الناس في جهة من الجهات شيئًا، لكن "القائم على أمرهم" ينبغي أن ينظر إلى ما هو "أصلح لهم" وإلى ما هو "أنفع لهم"، لأن السائل قد يسأل سؤالاً فينبئك سؤاله عن "خلل كبير" عنده، فيكون الأحرى بك أن تصلح هذا الخلل الموجود عنده وهو أهم من إجابة السؤال. ومن هنا قالوا هناك ما يقال له "جواب الحكيم" و"فقه الحكيم"، أنه يذكر ما يفيد، ربما أعرض عن سؤال السائل أو أجاب عن سؤاله لكن زاده بما ينفعه وبما هو أحوج إليه.

دلالة السؤال في لغة القرآن

فقال:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ومادة "السؤال" تأتي على معنيين؛

سؤال العطاء: فالسؤال قد يكون "سؤال عطاء" وقد يكون "سؤال استفسار". يعني فلان يسأل فلاناً، قد يسأله عطاءً، يسأله مالاً، هذا اسمه سؤال، لذلك ربنا قال:﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾29 ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾30، سائل يسألك قال كثير يسألك عطاءً.

سؤال الاستفسار: والمعنى الثاني السؤال "الاستفسار"، أنت تسأل فلاناً لا تطلب منه مالاً لا تطلب منه عطاءً، وإنما تستفسر عن شيء.

فهنا في قوله﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾هل المعنى يسألونك "العطاء" أم يسألونك عن "حكم الأنفال" ومن الأحق بها؟ الأرجح الثاني وهو أن المراد بالسؤال "سؤال الاستفسار"، ويشهد لذلك سبب النزول وتعديته بـ"عن".

لأن "سؤال العطاء" لا يحتاج إلى تعدية بـ"عن"، فتقول: أسألك كذا، لا أقول أسألك عن كذا. إذا قلت أسألك عن كذا يعني أنا "أستفسر"، أما أسألك كذا يعني أنا "أريد منك أن تعطيني إياه". يبقى أنت إذا أردت من شخص شيئًا تقول أنا أسألك هذا الشيء، يعني أريد منك أن تعطينا إياه. أما إذا كنت تسأله مستفسراً فتقول أسألك عن كذا عن كذا، وهذا يدلك على عظيم تلك اللغة؛ فالفعل قد يتعدى بنفسه وقد يتعدى بالحرف، فيكون لهذا معنى ويكون لهذا معنى آخر.

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ولم يقل ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هي لله والرسول، فقول﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾معنى أوسع وأعم، وكأنه يفيد معنى "التعميم"؛ أي ليست أنفالكم وليست غنائمكم فقط، أو ليست الغنائم التي غنمتموها في بدر لله وللرسول وبقية الغنائم لها أمر آخر، لا، "كل الغنائم" لله ولرسوله، يعني حكمها مرد أمرها إلى ما يأمر الله به أو إلى ما يأمر به رسوله، لأن الرسول لا يأمر إلا بما يأمر الله عز وجل به.

منزلة إصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. "إصلاح ذات البين" هذا أهم من أموال زائلة، وكم تشتت خلق وفرقت صفوف وضاعت محبات وصداقات وأخوة بسبب دنيا! والله يقول:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. "إصلاح ذات البين" أفضل من هذه الغنائم، أفضل من الأموال الذاهبة أن يكون الأمر بينك وبين أخيك على ما يرام، لا أن تكون هناك شحناء أو فرقة.

لذلك جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (﴿إِلَّا﴾ أخبركم بما هو أفضل من درجة أو أعظم درجة من الصائم والقائم، قالوا من الصلاة والصيام هكذا من الصلاة والصيام قالوا: صلاة التطوع وصيام التطوع، قال رسول الله: "إصلاح ذات البين" أفضل درجة من الصلاة والصيام، يعني من صلاة التطوع وصيام التطوع. ما هو "إصلاح ذات البين"؟ من أفضل القربات "إصلاح ذات البين"، لذلك ربنا قال:﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾31، فقول﴿۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾وهنا قال﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ومن سعى وراء "الإصلاح بين الناس" فله أجر عظيم، ومن باب أولى ﴿إِلَّا﴾ يسعى إلى "الإفساد"، يعني إذا كنت تسعى للإصلاح بين فلان وعلان، فالأولى أن تصلح ما بينك وبين غيرك:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

"طاعة الله ورسوله" صلى الله عليه وسلم، وهذه من "أعظم مقاصد السورة": تفويض الأمر لله وطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

صفات المؤمنين الكُمَّل ومقامات القلب

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. هذه الآيات آيات جليلة جداً وعظيمة وفيها خير كثير وتستدعي وقفات كثيرة، وقد تقدم طرف منها بفضل الله حينما كنا نتكلم هنا في هذا المسجد عن سلسلة "أسباب زيادة الإيمان ونقصانه".

لكن الذي يناسب المقام هنا أن تذكر فيها ثلاث فوائد:

الفائدة الأولى (كمال الإيمان): فهي أن معنى قوله﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، المراد بـ"المؤمنين" هنا المؤمنون "كمل الإيمان" (كامل الإيمان)، لئلا يأتي آتٍ يقول ربنا قال﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾إلى آخر الصفات، يقول لو فرضنا أن شخصاً ليس فيه هذه الصفات أو عنده نقص، لا يكون مؤمناً يكون كافراً؟ نقول له لا، ﴿أَنَّمَا﴾ معنى﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾أي المؤمنون "كامل الإيمان"، وليس المراد به "أصل الإيمان" المراد به "كمال الإيمان"، فحينئذ يزول هذا الإشكال، هذا شيء.

الفائدة الثانية (الجمع بين الوجل والطمأنينة): أن الله قال:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وعندنا آية أخرى:﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾32. فحينئذ يسأل سائل ويقول: القلب عند ذكر الله "يوجل" أم "يطمئن"؟ يعني الآية تقول﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وجلت خافت، القلب يوجل من ذكر الله يخاف، والآية الأخرى تقول﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾، فكيف هذا؟ فيقال: لا إشكال، لأنه يمكن أن يجاب عن ذلك بأجوبة؛

منها أن القلب يمر بمراحل، فالمرحلة الأولى عند ذكر الله مرحلة "الوجل"، تأتي لتقرأ القرآن لتذكر الله توجل وتخاف، ثم بعد ذلك وقد رق قلبك تشعر بـ"الاطمئنان" و"الانشراح"، فهي مرحلة تتبعها مرحلة، كما قال الله عز وجل:﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾33، إذاً الأول "تقشعر" هذا وجل، ثم "تلين" ليونة، لذلك الإنسان يقرأ يخاف يفزع ويبكي، وبعد ذلك يشعر بشيء من الطمأنينة. هذا شيء.

الأمر الثاني: أن قوله﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾من شيء و﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾لشيء، فمعنى﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾أي تطمئن قلوبهم وتنشرح لـ"الإيمان بالله" ولتوحيده، حينما يذكر الله تنشرح الصدور، يقول الحمد لله أن وفقنا الله للإيمان، أن هدانا الله للإسلام، الحمد لله أننا نعبد الله وحده لا شريك له. حينما يذكر الله، يذكر كتابه، يذكر القرآن تنشرح الصدور، لأن الله هدى هذه القلوب. وأما قول﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾أي خافت من أن "تزيغ عن الهدى"، إذا انشرحت صدرها للإيمان وتوجل وتخاف من أن تميل عنه وأن تحيد عنه،﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾34، فالقلب منشرح الصدر للإيمان ويخاف أن ينسلخ من الإيمان نسأل الله السلامة. ولذلك كان سفيان رحمه الله يبكي بكاءً شديداً، حتى أنهم ذكروا في ترجمة أنه ربما بال دماً من شدة خوفه من ربه سبحانه وتعالى، فكان بعضهم يقول له: ما أشد خوفك ما أشد خوفك، لعلك أذنبت ذنباً كبيراً؟ فقال: والله لذنوبي أهون على من هذا (وأشار إلى حفنة التراب)، لذنوبي أهون على من هذا، ولكني أخاف أن "يسلب الإيمان من قلبي". هذا هو الشاهد، أخاف أن يسلب الإيمان من قلبي. لأنه يأتي على الناس زمان يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا نسأل الله السلامة. فالمثبت من ثبته الله، هذا الذي يجعل القلوب توجل تخاف.

الفائدة الثالثة (جيل النصر): في الآيات الكريمة: هذه الآيات مؤذنة بـ"جيل النصر"، فإلى شداة النصر والراغبين فيه، إلى المتطلعين إليه، هذا هو "الجيل المبارك" الذي نصره الله عز وجل على صناديد المشركين، صفاتهم في هذه الآيات. فإذا أرادت الأمة أن تعز، إذا أرادت الأمة أن تغلب عدوها وأن تنتصر عليه، فلتنظر أين هي من هذه الصفات التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات.

ولا تغفل عما قلت لك في المرة الماضية من أن الله ختم السورة بقريب مما بدأ به السورة؛ ففي أولها:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وفي أواخرها:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وفي أوائلها:﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

وكأن المؤمنين حقاً لهم خصال، بعضها يتعلق بما بينهم وبين الله، وصفات تتعلق بما بينهم وبين خلق الله. فالمؤمن يذكر الله فيوجل، ويتلو آيات القرآن فيزداد إيماناً، ويتوكل على ربه وحده، ويقيم صلاته وينفق. طب وما علاقتهم مع الناس؟﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وقول﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾أيضاً يرد فيه نفس السؤال، يعني غيرهم ليس بمؤمن؟ لا، معنى﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾أي أولئك هم المؤمنون "كامل الإيمان" حقاً. وبعضهم يقول﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾فيجعلها مما يتعلق بـ"الثواب"، وهذا مرجوح، والأول أرجح، لكن قيل به.

غزوة بدر والخير الكامن في المكاره

ثم تمضي الآيات:﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ ﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾. الكاف هذه تسمى بـ"كاف التعليل" أو بـ"كاف التشبيه"، وهي تفيد هنا معنى التشبيه والتنظير. وهذا معنى جليل وجميل؛ حينما يأتي إنسان في موقف من المواقف يكون من أعظم ما يسدى إليه أن "يُذكر بالماضي"، فإنَّ الماضي إذا ذُكّر به الإنسان علم كثيراً مما سيكون في مستقبله.

فرب العزة سبحانه وتعالى أراد أن يبين لهم حكماً عظيماً؛ لماذا تختلفون في الغنائم؟ فالواحد منكم قد يرغب في غنيمة و"الخير" في ﴿إِلَّا﴾ يأخذها، الواحد منكم قد يرغب في غنيمة والخير في أن يأخذها. لا ترون أنكم قد اختلفتم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾؟ أو أن بعضكم كره (وهذا هو وجه التشبيه والكراهية)، كره أن يخرج لقتال المشركين وقالوا: نريد "العير" ولا نريد "النفير"، نحن نريد أن نواجه أبا سفيان ونأخذ القافلة ونرجع مرة أخرى دون أن نحارب أو نقاتل، ما عندنا العدد ولا عندنا العدة التي نقاتل بها.

إذاً أنتم أو كثير منكم أو بعضكم كره "القتال" وأحب ماذا؟ وأحب "العير"، فقدر الله لكم أن تلتقوا المشركين أو أن تلاقوا المشركين، فكان "النصر" و"التمكين"، لأن الله أعزكم ونصركم وغنمتم وفزتم، فنلتم ما لم تكونوا تتوقعونه.﴿إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾35. فربنا يقول: كما أنكم كنتم تريدون شيئًا وكان "الخير" في خلافه، فكذلك أنتم تشتهون الغنائم و"الخير" فيما يقدره الله عز وجل من تقسيم.

﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ ﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾لا بد من القتال﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾العير أو النفير﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾. "الحق" ظهر و"الباطل" تلاشى في معركة بدر "يوم الفرقان"، ونصر الله هذا الجيش المسلم وهم 300 وبضعة عشر رجلاً على 1000 رجل. فكان هذا تمكيناً وأي تمكين، وعزة وأي عزة، هذا أفضل من الغنائم، المسلمون صارت لهم قوة يهابهم الناس يعرفون قدرهم.

وتأمل قوله﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾، قال﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾. ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ﴾ بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، وهنا قد يسأل سائل هذا السؤال يقول: يحق الحق وهو حق فكيف يحق الحق؟ ويبطل الباطل وهو باطل فكيف يبطل الباطل؟ أليس هذا من تحصيل الحاصل؟ يعني هو الحق يحق ويبطل الباطل وهو باطل؟ يقال: فيه فائدة عظيمة جداً، الحق حق لكن قد لا يعرفه الناس قد ينزوي فيحتاج إلى "إظهار"، إذاً﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾أي "ليظهره"،﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾"ليزهق" الباطل وليتلاشى. إذاً﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾الحق موجود لكن تقول قد يظهر غداً، بعد غد، بعد سنة، بعد... قال﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، وأيضاً﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾لكنه الآن ظاهر فاشٍ منتشر، هذا معنى.

المعنى الثاني أن المراد بالحق هنا "الإيمان"، وأن المراد بالباطل "الكفر".﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ليحق الإيمان،﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾الكفر، ولكن عبر عنهما بالحق والباطل لأنَّها قائمة على المفاصلة بين الحق والباطل. والمعنى ولما لا يكون الإيمان كذلك وهو الحق؟ ولما لا يتلاشى الكفر وهو الباطل بعينه؟ فلا بد أن يزول وأن يذهب.

أسباب النصر وجنود الله

ثم قال:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾36.﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾وعرفنا في الدرس الماضي كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستغيث ربه ويناشد ربه أن ينصره وأن ينصر أولياءه أن ينصر المؤمنين. هذه استغاثة، "تضرع إلى الله"، لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من أعظم "مقاصد السورة": التبرؤ من حول الإنسان ومن قوته، وأن يتجه إلى قوة الله سبحانه وتعالى.﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾بفاء "التعقيب"،﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، مردفين على القراءتين تقدم هذا.

ثم بعدها قال:﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾37.﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾كما قال هناك:﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾38. النعاس صار جنداً أو جندياً من جنود الله. لذلك غزوة بدر غزوة عجيبة جداً، فيها من "آيات النصر" الكثير؛ النعاس آية نصر الله بها عباده المؤمنين، والماء آية نصر الله بها عباده المؤمنين، والعين آية نصر الله بها عباده المؤمنين. فتجد الجنود متعددة ليس الملائكة فقط، الملائكة من أعظم الجنود التي أيد الله عز وجل بها المؤمنين، لكن أيضًا من "جنود الله" عز وجل في غزوة بدر "النعاس". الإنسان وقت الشدة والكرب والخوف والهلع يحتاج إلى أن يشعر بشيء من "الأنس" وزوال القلق، ومن أعظمه "النعاس"، قليل النوم هذا يعطي الإنسان ثقة وقوة.

فقال الله:﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾. والتعبير بـ"أمنة" قالوا: فرق بين "الأمن" و"الأمنة"، الأمنة تكون عند وجود الخوف، يعني أن هذا النعاس جاء ليس ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت، وإنما في وقت الخوف. من المعروف أن الإنسان إذا كان خائفاً لا ينام ولا يكاد يأكل ولا يشرب، لذلك حينما ذكروا وقالوا إن "نعمة الأمن" تغلب "نعمة الطعام والشراب"، وضربوا لذلك مثالاً قالوا البهيمة أعزكم الله لو أن البهيمة وضعت وأمامها من يلتهمها (بهيمة وقدامها الأسد مثلاً أو قدامها السكين خلاص هتذبح)، وأنت قدمت لها الطعام لن تأكل شيئًا حتى تموت من الخوف، تقول لك آكل بعدين أروح فين؟ ما هي شايفاها. إنسان من الخوف ما يصنع شيء، لا يأكل ولا يشرب ولا أي شيء، تقول له كل؟ يقول لك ما آكل، اشرب؟ لا أشرب، ينام؟ هذا وقت نوم سبحان الله!

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾، العلماء لهم فيها كلام كثير جداً، بعضهم لم يجعل "الطهارة" فقط طهارة قلبية، لكن جعلوها طهارة جسدية أيضاً، وبعضهم ذكر في ذلك ما ذكر من أن بعضهم أجنب، وهذا ليس وقته لكن سبحان ربي العظيم يقدر مثل ذلك، وهذا كلام طويل وفيه روايات وأحاديث وسيأتينا بإذن الله في "دروس السيرة" قريباً إن شاء الله تعالى ما يتعلق بغزوة بدر. لكن الشاهد هو أن الماء أيضًا "يثبت به الأقدام"، هذه الأرض حينما تصاب بالماء وهي رمل تتماسك وتقوى فيكون هذا أقوى في "الثبات"، إلى غير ذلك.

﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾39.﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾كان المتوقع يقول فاضربوا الأعناق اضرب العنق، لكن قال﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، فبعضهم يقول "فوق" صلة زائدة، لكن أقوى منه أن إيه اللي فوق العنق؟ الرأس، هذا هو، والرأس هي هامة الإنسان أعلاه، فيقول العنق لا معناها الأعلى، يعني طير الرأس، والرأس هي جماع الإنسان يعني يقضي عليه.﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾40 ﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾41.

النداءات للمؤمنين وعقيدة القدر

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾هذا أول "نداء" موجه للمؤمنين بعد أن خاطبهم الله بذكر... بعد أن بين الله "صفات المؤمنين" هنا نداء. وتقدم أن في السورة الكريمة كم نداء للمؤمنين؟ ها؟ المرة الماضية قلناها! أه يبدو أنكم لا تذاكرون بقى على كده شغل مشغول بالامتحانات، في أربعة فقط ولا ستة؟

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾42.﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾لذلك من "الكبائر" التولي يوم الزحف، نهي عن "التولي يوم الزحف" إلا في الحالات التي استثنيت في الآيات الكريمة.

ثم قال:﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. من الذي حقق القتل؟ هو الله سبحانه وتعالى، الأسباب التي معكم قليلة لكن الله قواكم بها وقتل.﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾43.

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾فيه رد على الفرق الضالة في هذا الباب "باب القدر"، لأن الناس في باب القدر ضلت وزلت كما قالوا: ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام. منهم من ينفي عن الإنسان مشيئة وإرادة، يقول إنسان مثل الريشة "مجبر" مجبور، الله يسيره ليس له "اختيار". ومن الناس ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا، الإنسان طليق الحرية والإرادة، والله عز وجل لا يشاء له شيئًا، ﴿أَنَّمَا﴾ الإنسان هو الذي يشاء لنفسه ويريده.

فيرد على ذلك﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾أثبت رمياً ونفى رمياً، إذاً أنت لك "إرادة" أنت ترمي أنت تفعل لك "كسب" لك فعل، لذلك أسندت الأفعال إلى الإنسان، لكنك لا تصل إلى ذلك إلا بـ"مشيئة الله" سبحانه وتعالى كما قال:﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾44 ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾45. لك مشيئة ولك إرادة، لكنها تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، لأنك خلق الله وأفعالك صفة لك، فإذا كنت وأنت بذاتك خلق لله فأفعالك كذلك أو ما يتعلق بك هو من خلق الله. وهذا ما يقرره قوله:﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾46. يعني الفعل هذا وصفي لك، وإذا كان وصفاً لك والذات مخلوقة إذاً الصفات مخلوقة، هذا أمر مقرر.

وقوله﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾أنت رميت حفنة من تراب، قالوا بلغت أعينهم، أعين المشركين وقال: "شاهت الوجوه"، هذا "الرعب" الذي قذفه الله في قلوبهم وهذا التأثير الذي أثر في كل المشركين، هل الرمية تصل بذلك بنفسها أم أن الذي أوصلها وأبلغها هو الله؟ هذا معنى﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أنت أخذت بـ"السبب"، لكن من الذي أوصل؟ ومن الذي سدد وجعلها تصل إليهم وجعلهم يخافون بسببها ويقذف في قلوبهم الرعب؟ ذلك إلى الله سبحانه وتعالى.

طلب العذاب ونداء الطاعة

ثم قال الله:﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾47.﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾وسيأتينا بعد ذلك قوله:﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾48. أين عذابك؟ هات العذاب، تريد عذاباً هات العذاب يا محمد، أين هو؟ ننتظره! فيطلبونه.﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ستأتيكم الهزيمة وستقتلون،﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾49 ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾50. تأمل﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾، هذا النداء الثاني حتى نحفظ النداءات.﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾، وفي أول السورة﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، هنا تكرار مع بداية النداء.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾هنا فائدة في الآية، قال﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾كان المتوقع أن يقول ماذا؟﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾كان متوقعاً أن يقال ولا تولوا "عنهما" شو قال؟﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. الكلام في البداية كان عن "طاعة الله ورسوله" لكن لما قال﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ما قال عنهما، ﴿أَنَّمَا﴾ قال﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. وللعلماء في ذلك توجيهات؛

أولاً: منها لأن من تولى عن الرسول فقد تولى عن الله سبحانه وتعالى، فيبين الله أن بين الطاعتين "تلازماً" وأن بين التولي تلازماً. وقريب من ذلك ما مضى في سورة التوبة في قوله﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾51، لم يقل ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن﴾ يرضوهما مع أنه قال﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾،﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾والمراد يرضوهما، لكن من أرضى رسول الله فقد أرضى الله عز وجل.

ثانياً: الأمر الثاني من أين نعرف أن هذا طاعة لله؟ عن طريق رسول الله، إذاً الظاهر لنا في هذه الحياة ما يأتينا به رسول الله عن الله. فقال﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾لأن هذا هو الأقرب في التولي أن يكون تولياً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أن المراد بتولوا عنه ولا تولوا عن "الأمر" الذي يأمركم به الله أو يأمركم به الرسول عليه الصلاة والسلام.

﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. لذلك القضية ليست قضية "سمعنا فقط" وإنما أن تقول "سمعنا وأطعنا". فأهل الكتاب قال كثيرون منهم "سمعنا" لكنهم أتبعوها بـ"عصينا". وأما أهل الإيمان، أهل الإيمان المتقون المباركون قالوا﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾52. إذاً القضية ليس أنك سمعت ﴿أَنَّمَا﴾ أنك "أطعت"، وهذا مهم جداً وأنت تتلقى رسالات الله إليك، القرآن رسائل رسالات كلما قرأت آية أنت سمعت، سمعت، فهل أطعت؟ هذا هو، لذلك هذا "ضابط مهم": يا رب سمعت فهل أطعت؟ هذا هو، أن تسمع فتطيع، فكلما ازددت علماً ازددت طاعة، كلما ازددت علماً ازددت قرباً، فصار العلم لك لا عليك، وصار القرآن حجة لك لا عليك.

ونقف عند هذا ونكمل في درس مقبل بإذن الله. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم.

المجلس الثالث

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمرحباً بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة "لمحة في سورة"، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع سورة الأنفال. وقد تحدثت إليكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلسين سابقين عن هذه السورة الجليلة الكريمة، وقد توقفنا عند قول الله سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.

أولاً: حقيقة السماع المطلوب

فبعض الناس يدعون أنهم يسمعون لكنهم لا يستجيبون، فما فائدة السماع إذاً؟ السماع المطلوب من الإنسان سماع تصحبه "استجابة":﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾، وإلا فإنَّ جماعات من أهل الكتاب قالوا سمعنا لكنهم أتبعوا ذلك بـ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾53. أما المؤمن فهو يسمع ويستجيب ويطيع.

﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾54 ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾55، نسأل الله السلامة.

ثم قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾نداء آخر لأهل الإيمان وهو "نداء لطيف":

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾،﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

فعلى المسلم أن يستجيب لله، وأن يستجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وربنا قال أيضاً:﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾56. فالإنسان عليه أن يبادر بالاستجابة، استجيبوا لله، فالله إذا أمرك بادر بالامتثال، الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعاك بادر بالامتثال.

ثانياً: الاستجابة "لما يحييكم" وحياة القلب

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾،﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ الحياة هنا "حياة القلب"، حياة القلب بالإيمان:

﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾57.

فقد يمشي الإنسان بين الناس وهو ميت، والرسول قال: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت". فقال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، لما فيه حياتكم، لما فيه غذاؤكم وروحكم.

وهنا قد يسأل سائل فيقول: إن الله عز وجل قيد الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط وهو:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، فهل معناه أن الرسول يمكن أن يدعونا إلى شيء آخر ولا يستجاب له حينئذٍ؟ الجواب: لا، الرسول لا يدعونا إلا إلى ما فيه حياتنا. فقوله:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ليس "قيداً للاحتراز" -يعني ليس لإخراج شيء، ليس معناه فإذا دعاكم إلى شيء آخر فلا تستجيبوا له- ولكن المعنى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وهو لا يدعوكم إلا إلى ما يحييكم صلى الله عليه وسلم. لذلك جاءت آيات أخرى "مطلقة" ليس فيها هذا القيد كالآية التي سبقت:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾، لم يقل أطيعوا رسوله ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. جاءت "مطلقة" لأن الرسول لا يدعونا إلا إلى ما فيه خير لنا بفضل الله عز وجل، وكما قال:﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾58فأطلق سبحانه وتعالى. ومثل هذه الآية قوله جل وعلا:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾59في آخر سورة الممتحنة:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بـ "المعروف" صلوات الله وتسليماته عليه.

ثالثاً: معنى "دعاكم" في قصة أبي سعيد بن المعلى

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من ظاهر الآية الكريمة أن معنى "دعاكم": "ناداكم"، لأن الدعوة تشمل شيئين، إذا "دعاكم" إذا "ناداكم"، إذا "دعاكم" طلب منكم أن تفعلوا. فالنبي صلى الله عليه وسلم حين نادى أبا سعيد بن المعلى رضي الله عنه كما في البخاري وهو يصلي، فلم يجبه حتى فرغ من الصلاة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني كنت أصلي، إني كنت أصلي، فقال الرسول: ألم يقل الله:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم أخذ من ذلك أن معنى "دعاكم": "ناداكم". وهذا في أن الكلمة تحتمل أكثر من "معنى"، والعلم عند الله تبارك وتعالى. واستنبط بعض العلماء من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعا رجلاً وهو في صلاة نافلة يقطعها ليجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: الحول بين المرء وقلبه والتحذير من الفتنة

قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ، يحول بينك وبين خواطر قلبك مكنونات قلبك، فـ "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء"،﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾60.

لذلك المسلم عليه أن يتقي الله وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر لئلا يعم الفساد في الأرض.

﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾61. وهذا في غزوة بدر، كانوا "قلة" وكانوا "أذلة" فقواهم الله ونصرهم.

خامساً: النهي عن الخيانة وفتنة المال والأولاد

ثم قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. لا يجوز لأحد أن يخون الله ورسوله بترك أوامره بانتهاك محارمه، وإنما عليه أن يسير على "المنهاج"، أن يطيع الله وأن يطيع رسوله صلى الله عليه وسلم.﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، إذا اؤتمنت على "أمانة" فكن وفياً بهذه الأمانة مؤدياً لها، لا تخن. بل إن الرسول علمنا: "أد الأمانة إلى مَن ائتمنك ولا تخن من خانك".

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾62.

الإنسان يفتن بسبب "المال" ويفتن بسبب "الأولاد"، يفتن ويصد عن سبيل الله إلا من سلمه الله عز وجل. لذلك حقيق بالعبد أن يحرص على ﴿إِلَّا﴾ يكون أولاده وألا يكون ماله سبب إضلاله. والله قال:﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾63. وقد تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ حديث مستفيض عن "فتنة المال"، نسأل الله السلامة.

سادساً: التقوى والفرقان

ثم قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾.﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾نداء آخر لأهل الإيمان،﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾، "فرقاناً": نوراً تبصرون به، يهديكم الله به، تميزون به بين "الحق" و"الباطل". وهذا من دلائل أن "تقوى الله" تفتح على الإنسان أبواب العلم وأبواب الخيرات والبركات:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾. تكون أمام بعض الناس "شبورة" كما يقال، أمور مظلمة خطوب مدلهمة، ما الذي يبصرك تدرك به الحق من الباطل الصواب من الخطأ؟ تقوى الله عز وجل:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾. وبعضهم فسر "الفرقان" بـ "النصر"، أن ينصركم الله ويؤيدكم الله عز وجل.﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾.

سابعاً: مكر المشركين والتذكير بالماضي

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾. تحدثنا الآية الكريمة عن موقف سابق للمشركين حين تربصوا بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأرادوا اغتياله، وأرادوا قتله، يقتلونه وينقضون عليه فيتفرق دمه بين القبائل. لكن الله حفظ رسوله صلى الله عليه وسلم وخرج سالماً وهاجر إلى المدينة بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. وقد يقول قائل: هذه الآية تتحدث عن "قصة" وقعت أو عن "واقعة" وقعت قبل الهجرة وبناء عليه تكون آية "مكية"، وأنتم تقولون إن السورة سورة "مدنية" فكيف الجواب عن ذلك؟ يقال: هذه الآية أيضًا "مدنية" على القول الراجح، لكنها "تذكير بالماضي"، فمعنى﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾: يعني اذكر، اذكر، تذكر، إذ يمكر بك الذين كفروا. فإذاً هي نزلت في المدينة لكن أو بعد الهجرة لكنها تذكر بما كان في الماضي، فيقولون هي "مكية" القصة لكنها "مدنية" النزول. وحينئذٍ لا حاجة إلى أن يقال إنها آية مستثناة من مدنية السورة، والعلم عند الله.

ثامناً: جراءة الكفار ومكابرتهم

﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾64. انظر إلى هذه الجرأة! انظر إلى هذا الباطل والعدوان!﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾، نحن سمعنا هذا القرآن الذي تتلوه.﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾، ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ﴾ هَٰذَآ، أي مثل هذا الذي يردده محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم. فلماذا لم تقولوه؟﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾فلماذا لم تقولوه؟ قد تحداكم الله أن تأتوا بمثل القرآن فعجزتم، أن تأتوا بعشر سور مثله مفتريات فعجزتم، أن تأتوا بسورة من مثله فعجزتم. لكنها "المكابرة"، وماذا يقولون عن القرآن؟﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾، ترهات الأولين وخرافات الأولين. أين هذا في القرآن الكريم؟

﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قاله أبو جهل ومن كان على دربه. تأمل!﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي هذا الذي يقوله محمد، هذا القرآن، هذا الدين،﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. لم يقولوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هَـٰذَا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فاهدنا إليه! يعني: ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هَٰذَا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقَّ فاهدنا إليه فاشرح صدورنا له! لا،﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، يعني لا يريدون ولا يريدون هذا الهدى،﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. انظر إلى هذا الكبر!

تاسعاً: موانع العذاب (الأمانان)

قال الله:﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾65. فذكر الله عز وجل أنهم يستوجبون العذاب، لكن الله عز وجل لم يعذبهم لوجود "أمانين". فمع وجود الأمانين ينتفي هذا العذاب:

• الأمان الأول: وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، فوجود الرسول بينهم "أمان" لهم ﴿إِلَّا﴾ يهلكهم الله في وجود رسوله صلى الله عليه وسلم.

• الأمان الثاني: "الاستغفار"، وجود الاستغفار من أهل الإيمان بينهم أو وجود الاستغفار من بعضهم إلى غير ذلك.

ثم قال:﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾66. وهنا يأتي الإشكال عند بعض الناس حينما يقرأ الآيتين يقول: ربنا قال:﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، إذاً عذبهم ولا لم يعذبهم؟ لم. ثم قال:﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾وهم يستوجبون العذاب. فكيف نجمع أو نفهم الآيتين؟

1. فقال جماعة من المفسرين: الآية الأولى تدل على أن العذاب ينتفي عنهم لوجود أمانين، أما الأمان الأول فهو وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وأما الأمان الثاني فهو الاستغفار. والآية الثانية:﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، كأن المعنى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وقد انتفى "الأمانان"؟ أما الرسول فقد خرج من بين ظهرانيهم وصار في المدينة، وأما أهل الإيمان فهم المستغفرون وقد تركوا مكة وهاجروا. إذاً المعنى: ولماذا لا يعذبهم الله وأهل الإيمان وهم المستغفرون تركوهم؟ ومن قبل أو أيضًا تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمعنى أنهم قد استوجبوا العذاب لانتفاء "الأمانين". وإلى هذا مال بعض المفسرين كابن جرير الطبري شيخ المفسرين رحمه الله.

2. ومنهم من قال: بل معنى الآية: هم يستحقون العذاب لكن الله عز وجل لم يعذبهم في الدنيا، لماذا؟ لأنه لا يزال بين ظهرانيهم طائفة من أهل الإيمان من المستضعفين الذين لن يتمكنوا من الهجرة. هناك بعض المؤمنين لا يزالون في مكة، لا يزالون في مكة، هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وهم لا يزالون في مكة مستضعفين، لا يزالون مستضعفين. فحينئذٍ لم يعذبهم الله عز وجل بسبب وجود المؤمنين بين ظهرانيهم، كما قال الله:﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾67. فمن رحمة الله أنه ما عذبهم وما سلط المؤمنين عليهم بسبب وجود بعض المؤمنين بين ظهرانيهم.

3. وقال بعض المفسرين: بل المراد بالآية الكريمة أن بعض المشركين يستغفرون الله. المشرك قد يستغفر الله لكن هذا "الاستغفار" لا ينفعه في الآخرة، قد ينتفع به في الدنيا. يعني ممكن من الكفار من يحدث منه بعض العبادات قد يستفيد منها في الدنيا لكن لا تنفعه في الآخرة. لِمَ؟ لأنه فقد الشرط الأعظم وهو "شرط الإيمان"، لكن في الدنيا قد يخفف عنه بسببها، قد يفرج عنه بسببها، أما الآخرة:﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

4. وبعضهم فسر الاستغفار هنا بـ "الإيمان"،﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾أي ومنهم من يدخل في الإيمان، وكأن الله يقول: إنه منع العذاب عنهم لأنه قد قضى وقدر أن يدخل بعضهم في الإيمان، فمن بعض هؤلاء المكذبين والكافرين من أسلم بعده فلم يعاجلهم الله بالعقوبة لأنه قضى وقدر أن يدخل بعضهم في دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. ولما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة دخل كثيرون منهم في دين الله عز وجل وصاروا مسلمين بعد أن كانوا للإسلام محاربين وللرسول صلى الله عليه وسلم معارضين مناوئين.

عاشراً: عبادة المشركين وعاقبة إنفاقهم

قال:﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾68. كانوا يصلون عند البيت عند الكعبة، لكن الصلاة ليست صلاة تقوم على خشوع وعلى تعظيم الله جل وعلا، ﴿أَنَّمَا﴾ تقوم على التصفير والتصفيق، ما بين صفير وما بين تصفيق. هذه الصلاة التي يصلونها:﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾69 ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾70. تأمل!﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾، فالكفار ينفقون أموالاً طائلة من أجل الصد عن سبيل الله.﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾، ينفقون ويظنون أن الغلبة لهم، وقد تكون في مدة من المدد في وقت من الأوقات:﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾71، لكن العاقبة تكون لأهل التقوى للمتقين. فهؤلاء الكفار يغلبون كما قال:﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾72.

ثم مضت معنا الآيات الكريمة ومنها دعوة الكفار إلى الإيمان الحق:﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾73. يفتح الله لهم باب التوبة، إذا تابوا تاب الله عليهم، غفر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ.﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾74، وهذا في أن "الجهاد" شرع من أجل أن يبقى دين الله ظاهراً. فهم:﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾75. فهذا هو المقصود من الجهاد: أن تبقى كلمة الله عز وجل هي العليا. ثم مضت الآيات:﴿وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾76.

حادي عشر: قسمة الغنائم (الأنفال)

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. تأمل! بعد 41 آية، بعد أكثر من 40 آية يأتي بيان حكم تقسيم "الأنفال"، لم يأت من أول الأمر! بعد هذه الآيات كلها دروس جليلة عظيمة تعلمنا.﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.

"الغنيمة": ما يغنمه المسلمون نتيجة حرب أو قتال، فما أخذه المسلمون قهراً من عدوهم بقتال أو إيجاف فهذا يقال له "غنيمة". وهذا بخلاف "الفيء" الذي يؤخذ بلا قتال وهو المذكور في سورة الحشر. أما هنا بين الله قسمة الغنائم فقال:﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. والله جل وعلا لا يحتاج خمس ولا غير خمس، ﴿أَنَّمَا﴾ معنى﴿۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾أي الله عز وجل له ملك ذلك، يبين لكم كيف تتصرفون فيه، وإلا فكل الغنائم لله مملوكة لله جل وعلا. وقال بعضهم: جاء ذكر الله تعظيماً وإجلالاً ليبين ما جاء بعده وهو﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾فقرن الرسول باسمه سبحانه وتعالى ليدل على عظيم حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. فقال:﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقالوا: يصرف هذا في مصالح المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. بعض الناس قد يقرأ الآية فلا يفهمها جيداً، يقول:﴿۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾هذه ستة، فكيف الخمس؟ فالجواب عن ذلك أن الغنيمة تقسم إلى خمسة أخماس، أربعة أخماس للمقاتلين. المقاتلون لهم أربعة أخماس؛ للفرس سهمان وللمقاتل عليه سهم وللراجل سهم، فهذه أربعة. فتقسم الغنائم خمسة أخماس، أربعة للمقاتلين ويبقى خمس، إذاً:﴿۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾هذا كله في ماذا؟ في "الخمس". فلذلك لا يقال إن هذا حديث عن الخمس الواحد، وإلا الأربعة فإنها تصرف للمقاتلين في سبيل الله عز وجل. وقوله:﴿۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾قالوا أقارب الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن أقارب الرسول لا يأخذون شيئًا من الزكاة، لا يأخذون من الزكاة شيئًا. الزكاة لا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم، لكن يأخذون من مثل هذا من سهم الغنائم.﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.

ثاني عشر: يوم الفرقان وتدبير الله في بدر

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. ما المراد بـ "يوم الفرقان"؟ يوم بدر. فيوم بدر "يوم الفرقان"، ميز الله فيه بين الحق والباطل، نصر الله المسلمين الذين كانوا في العدد ثلث جيش المشركين، انتصروا عليهم، أين عدتهم؟ أين عددهم؟ أين ما معهم؟﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾77،﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. كانوا مستضعفين في مكة ثم هاجروا، وكان الأمر قريباً، فغزوة بدر في السنة الثانية من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيدهم الله ونصرهم وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.

﴿إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.﴿إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، "العدوة": الجانب القريب، وهم بالعدوة القصوى، فأنتم في الجانب القريب من المدينة وهم في الجانب البعيد.﴿إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، لو كان بينكم تواعد ربما تراجع بعضكم، تأخر، لم يتفق، لأنكم لو نظرتم إلى عددكم عددكم قليل ربما لا تريدون ذلك. لذلك بعدها قال:﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾78. تأمل!﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾، ربي سبحانه أرى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، أرى رسوله المشركين، أراه عدد المشركين وهم قليل. فلما رآهم الرسول قلة بشر المؤمنين بذلك: لا تخافوا، قد رأيت رؤيا، رأيت أن هؤلاء المشركين قلة.﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.

ثم بعدها قال:﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾79. سبحان الله! أيد الله المسلمين في غزوة بدر بجندي عظيم وهو "العين".﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾، قالوا: ربنا قلل المؤمنين كعدد في أعين المشركين، فلذلك قالوا: ﴿أَنَّمَا﴾ هي "أكلة جزور"، أو "أكلة جزور" (يعني أبو جهل وأعوانه قالوا ده هي يعني مدة وجيزة ونخلص عليه، سنقضي على محمد وأصحابه وقت قصير، كما أنهم إذا ذبحوا الجزور يمكث مدة، يعني لن يأخذوا منا غلوة كما يقولون، عدد قليل). وكذلك المؤمنون رأوا المشركين قلة، فماذا حدث؟ لما رأوهم قلة هيجهم عليهم، أنت حينما ترى عدوك قليلاً تقول: هذا عدو قليل سأقدر عليه فتجتهد وتقبل، والآخر يقبل، وهذا يقبل وهذا يقبل.

فلما التحم الجيشان قال الله عز وجل في سورة آل عمران:﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾80. ذهب كثير من المفسرين إلى أنه حينما التحم الجيشان، رأى المشركون أن المسلمين ضعفهم. (يعني الأصل أن عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وأن عدد المشركين ألف، إذاً عدد المشركين ثلاثة أضعاف عدد المسلمين. هؤلاء رأوا أنهم قلة، ورأوا أنهم قلة، فلما التقى الجيشان رأى المشركون أن عدد المسلمين الضعف، يعني رأى المشركون أن عدد المسلمين ألفان هذا هزهم. يعني أنت حينما تدخل في المعركة بعدما دخلوا اختلفت الموازين: ما هذا جرى؟ المسلمون الذين كنا نراهم قلة صاروا كثرة! بل صاروا ضعفنا!)، فوقع الرعب في قلوبهم. ثم نزلت الملائكة أيضًا لتؤيد هؤلاء المؤمنين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. فكان تأييد في الأرض وتأييد من السماء، ﴿وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ﴾ قدير، وإلى الله ترجع الأمور.

ثالث عشر: نصائح ووصايا النصر

ثم قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. نصائح غالية عظيمة ثمينة جليلة، ما أحوج المسلمين اليوم إلى تعلمها!

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، تأمل! أمرهم بذكر الله حتى في ساحات القتال. (يعني المفترض الإنسان في القتال، الإنسان في القتال مشغول، مشتغل بأمر القتال، أنت تقاتل، يقول لك اذكر الله! يعني أنت تقاتل ومعك السلاح في يدك تقول: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، وأنت في القتال؟ نعم!)، لأن ذكر الله "عون للعبد"، وأي عون يعينك الله به ويثبتك الله به فيربط على قلبك. وقال بعضهم: ذلك لأن الإنسان وقت الشدائد يذكر من أحب، ولذلك في باب الحج ربنا علم في سورة البقرة فقال:﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾. كانوا يتفاخرون بالأحساب والأنساب في الحج فقال: الأولى اذكر الله. كذلك في ساحة القتال، أنت تذكر محبوبك وتستعين به. وإذا كان الشاعر قديماً قال يقول في محبوبته:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني ... وبيض السيف تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنَّها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم

(يعني وهو يقاتل في القتال، في الحرب أمسك بالسيف، فلما جاء الدم تذكر شكل محبوبته وفم محبوبه وهو في القتال يتذكر هذا! فإذا كان هذا شأن من يحب فلانة أو يحب علانة، فكيف بمن يحب الله عز وجل؟).

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾.

لنا وقفة مع هذه الأوامر والنواهي مع بقية السورة بإذن الله في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

المجلس الرابع

بداية المجلس الختامي لسورة الأنفال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمرحباً بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة "لمحة في سورة"، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع مجالس تفسير "سورة الأنفال"، وقد توقفنا عند قول الله جل ذكره:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.

نداء شريف ولطيف من الرب الكريم اللطيف سبحانه وبحمده لأهل الإيمان، وقد تقدم يا أيها الإخوة الكرام أن رب العزة سبحانه وجه للمؤمنين في هذه السورة المباركة -أعني سورة الأنفال- عدة نداءات، منها هذا النداء الختامي في السورة، أعني النداء بـ:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

الأمر بالثبات والذكر في ساحات الوغا

فيأمرنا الله عز وجل بـ"الثبات"، الأصل ﴿إِلَّا﴾ يتمنى المؤمن لقاء الأعداء، فالسلامة لا يعدلها شيء، لكن إن اضطر إلى ذلك فحينئذ عليه أن يثبت وألا يفر، ولذلك تقدم معنا:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها والفرار يوم الزحف، فالإنسان لا يفر إذا كان في وقت القتال.

فقال الله سبحانه:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، حتى في ساحات المعارك والوغا ينبغي للمسلم ﴿إِلَّا﴾ يغفل عن "ذكر الله"، فإنَّ العبد إذا ذكر الله قواه الله، فالإنسان بالذكر يرزق القوة، ولذلك دل الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما على الذكر، على التسبيح والتحميد والتكبير، وأخبرهما أن ذلك خير لهما من خادم؛ فالإنسان إذا ذكر الله رزقه الله القوة وكان الله معه، ومن كان الله معه فلا يخاف أحداً، من كان الله معه فلا يخاف أحداً.

فقال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾كما قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾81 ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾82، وقلنا إن الإنسان في وقت الشدائد يذكر محبوبه، والله جل وعلا ينبغي للمؤمن ﴿إِلَّا﴾ يغفل عن ذكر ربه سبحانه، فإنَّ الله أحب إليه من كل شيء، كما قال الله:﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾83.

طاعة الله والتحذير من التنازع والبطر

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، وقلنا هذا من "المحاور العظيمة" في السورة، فسورة الأنفال سورة تدعو إلى طاعة الله ورسوله، إلى الانقياد، إلى الاستسلام.﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، فيه نهي عن "التنازع"، فإنَّ أهل الملة، فإنَّ أهل الإيمان إذا تنازعوا فشلوا وضعفوا، فالأمة القوية إذا تنازعت ضعفت، والأمة الضعيفة إذا تنازعت ماتت؛ الأمة القوية إذا تنازعت ضعفت، وإذا كانت ضعيفة فتنازعت ماتت وذهبت.﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، تذهب هذه القوة،﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾، الأمر بالصبر.

﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، لا تكونوا أمثال هؤلاء الكافرين، فالمؤمنون خرجوا في بدر يبتغون مرضاة الله سبحانه وتعالى -وإن كره بعضهم في بادئ الأمر القتال- لكنهم يبتغون وجه الله عز وجل بأعمالهم، أسلموا لأمر الله فنصرهم الله عز وجل، أما الكفار فخروجهم خروج رياء وبطر.﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، "بطراً" من معاني البطر رد الحق، خرجوا من أجل رد الحق وإبطاله ومنعه، خرجوا تفاخراً وتكبراً ﴿وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.

تزيين الشيطان وموقف المنافقين

فإنَّ قلت: وما الذي دفعهم إلى ذلك؟﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾84، تزيين الشيطان، الشيطان ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَـٰلِهِمْ﴾ وزين لهم أنهم سينصرون وأن المؤمنين سيخذلون، فلما وقعت الواقعة وادلهمت الخطوب وكانت الهزيمة، تبرأ من المؤمنين وقال:﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.

﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ردد أهل النفاق والذين في قلوبهم مرض حينما رأوا ما رأوا من ثبات أهل الإيمان رغم قلتهم وضعف عتادهم وقلة عددهم يقولون: هؤلاء مغرورون، المؤمنون مغرورون مع قلتهم يظنون أن الله سينصرهم؛ فربنا يقول:﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾أي من أهل الإيمان﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

هكذا أهل الكفر يرون أن أهل الإيمان مغرورون، وهذا ليس غروراً، ﴿أَنَّمَا﴾ هي "ثقة في الله" عز وجل، وفرق بين الغرور والثقة؛ فالمؤمن ليس مغروراً ولا يركن إلى نفسه، لكنه يأخذ بالأسباب ويتوكل على الرب الكريم سبحانه وتعالى، فهذه ثقة، لذلك قال:﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ولذلك كان خالد بن الوليد رضي الله عنه في بعض المعارك يقول لهم: والله لو كنتم معلقين بالسماء أو بالسحاب لأنزلكم الله إلينا أو لرفعنا إليكم حتى ينصرنا عليكم ثقة في وعد الله عز وجل،﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

عذاب الكافرين وسنن الله في التغيير

﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾85 ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾86، فلو ﴿تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ، الملائكة تقبض أرواحهم، ملك الموت يقبض الروح وله أعوان، والمتوفي على الحقيقة هو الله، فلا تعارض؛﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾،﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾87،﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾88؛ فالذي قدر الموت والحياة هو الله سبحانه وتعالى، وهناك ملك للموت وتعاونه ملائكة، فحينئذ لا تعارض بين هذه الآيات كلها. استدل جماعة من أهل التفسير والعلم بقوله سبحانه:﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، هذا عند الموت، فقالوا: وما بعد الموت ما أقرب شيء إليه القبر، فاستدل بذلك بعضهم على ما يكون من "عذاب القبر"، العلم عند الله.

ثم تمضي الآيات المباركات يذكر الله عز وجل بأحوال السابقين:﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾89، "كدأب" يعني كعادة، كشأن، كما أهلك الله فرعون ومن معه ممن كان على شاكلته ومن أتباعه، فكذلك ربي قادر على أن يهلك هؤلاء الظالمين المعتدين الآثمين.

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾90، هذه "سنة" من سنن الله لا تتغير ولا تتخلف، هناك سنن لله جل وعلا في خلقه لا تتبدل، لا تجامل ولا تحابي أحداً؛﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، هم الذين غيروا، كانوا في أمان وفي سلام وفي رزق وفير، لكنهم جحدوا نعمة الله عز وجل وكفروا بآيات الله فأهلكهم الله سبحانه وتعالى.

نقض العهود والوفاء في الإسلام

﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ﴾91 ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾92 ﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾، هذا دأب هؤلاء وعلى رأسهم اليهود، معروفون بـ"نقض العهود" ونقض المواثيق، لا يعرفون عهداً ولا ميثاقاً،﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾، ليس في مرة بعد مرة، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾.

﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾93 ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾94،﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾إذا ظفرت بهم وانتصرت عليهم وأمسكت بهم وكانت الغلبة لك،﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾اجعلهم عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين.

﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾، لا تكن ممن ينقض العهود، هم ينقضون العهود لكن أنت لا تنقض عهداً، لم ينقض الرسول عهداً لمشرك ولا ليهودي ولا لغيره، ولا لغيرهما، لا لليهود ولا للمشركين ولا لغيرهم؛ لأن أهل الإيمان يوفون بالعهود والمواثيق، فقال:﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ماذا يصنع أهل الإسلام إذا أحسوا بأن قوماً كان بينهم وبينهم عهد يريدون الغدر والخيانة؟ أحس المسلمون أن هؤلاء يريدون الغدر،﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾يعني اطرح لهم هذا العهد، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم العهد الذي بيننا وبينكم متوقف، نحن بلغنا عنكم أخبار أنكم تريدون الغدر بنا، لا تباغتهم ولا تعاجلهم ولا تنقض العهد، ﴿أَنَّمَا﴾ أعلمهم أن العهد قد توقف بسبب ما وقع منهم وبسبب ما بلغك عنهم، أما أن تباغتهم وتغدر بهم فلا،﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾.

ولذلك قال الرسول: أد الأمانة إلى مَن ائتمنك ولا تخن من خانك، هذا ديننا بفضل الله عز وجل، بل إن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه -كما عند الترمذي وغيره من حديث سليم بن عامر- أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان بينه وبين الروم عهد وهو في سفر في اتجاههم يعني في طريقهم، فانقضى الأمد فأغار عليهم، المدة انتهت وكان في طريقه في اليمن فأغار عليهم، فرفع رجل صوته وهو راكب على دابته أو راحلته وقال: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر، وفاء لا غدر، يقول لمعاوية، فالتفت معاوية: من المتكلم؟ فوجد عمرو بن عبسة رضي الله عنه، فسأله لماذا تقول هذا؟ المدة انتهت مدة العهد، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان بينه وبين قوم عهد، من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقده، أو قال عهداً، ولا يشدها حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء، يعني قالوا ينتهي الأجل وتقول لهم انتهت العلاقة بيننا وبينكم، لكن مرة واحدة بغتة تباغتهم؟ فرجع معاوية رضي الله عنه بمن معه، معاوية سمع الخبر وهو في بلاد الروم وقد أغار عليهم ويقدر عليهم لما سمع حديث رسول الله رجع وتركهم ولم يصنع شيئًا رضي الله عنه.

هذا هو الإسلام، لذلك الذي يقرأ في "منهج الإسلام في الحرب" قبل السلم -يعني أقول الحرب كما نقول في السلم أيضاً- سيرى العجب وسيعلم أن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى أن يتعرفوا على تعاليم الإسلام ليعرف من الأولى ومن الحقيق بأن يرمى بأنه مجرم من المجرمين، وأنه سفيه من السفهاء، وأنه مفسد من المفسدين، والإسلام من ذلك بريء كل البراءة بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم خلاص انتهى الموضوع خذوا حذركم خذوا الاحتياطات الكافية هكذا دون أن يغدر،﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.

الإعداد والقوة وإرهاب أعداء الله

هل الكفار يسبقون الله؟ يفوتون من الله؟ يهربون؟ لا،﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. ما المطلوب منك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن؟ ما المطلوب منكم يا أهل الإيمان، يا أمة محمد عليه الصلاة والسلام؟﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، هذا هو المطلوب منكم، خذوا بالأسباب، ربي قادر على أن ينصر المؤمنين دون قتال أصلاً، لكن كما قال الله:﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾95، هناك ابتلاء، يبتلي الله بعضنا ببعض، هذه سنة الله عز وجل في ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾﴿قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾96، هذه سنة من سنن الله عز وجل.

﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾والرسول صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه فسر القوة بـ"الرمي"، وليس معنى ذلك أن القوة مقصورة على الرمي، ﴿أَنَّمَا﴾ ضرب الرسول المثال بذلك، فالقوة قد تكون قوة علمية، قد تكون قوة استراتيجية، قوة عسكرية، في كل أنواع القوة،﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾في كل أبواب القوة، في التقدم في الأمور الحديثة الجديدة، في أسلحتهم في أفكارهم في مخططاتهم في تخطيطاتهم في أهدافهم في كل شيء،﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ما استطعتم هذا هو المطلوب، ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.

وتأمل قوله:﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، ترهبون يعني توقعون في صدورهم الرهبة والخوف لماذا؟ لأنهم أعداء الله، لذلك من الألفاظ التي يقولها بعض الناس بل تقولها كثير من الأمم والشعوب دون أن يعوا حقيقتها: "الإرهاب"، ما المقصود بكلمة الإرهاب؟ يعني إنسان مجرم هذا ينبغي إرهابه أم لا؟ يعني إنسان مجرم إذا لم يرهب إذا لم يخوف سيمضي في بغيه وفي عدوانه، فهنا يقول:﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، هذا يرهب حتى ينزجر، حتى ينزجر غيره، أما الآمن الذي لم يؤذ أحداً ولم يضر أحداً فلماذا يضار ولماذا يظلم ولماذا يعتدى على مدنيين؟ كما يقال على أناس بيننا وبينهم عهود ومواثيق، فليس هذا من دأب الإسلام ولا من عهد الإسلام.

السلم وتأليف القلوب

ثم تمضي معنا الآيات وفيها أيضاً:﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾97 ﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾98 ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾99.

من الذي يؤلف بين القلوب؟ الله سبحانه وتعالى، تجد بين بعض الناس ضغائن وأحقاداً وكراهيات، وكراهية شديدة، فإذا قضى ربك وقدر أن يؤلف بين القلوب ألف، وإذا قضى أن يباعد بين القلوب باعد، لذلك الإنسان يدعو بأن يؤلف الله بينه وبين قلوب المؤمنين، فيؤلف الله بين قلب الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، وبين الأب وأولاده، والأخ وأخيه؛ "تأليف القلوب" نعمة عظيمة ومنة كبيرة، لذلك امتن الله على الأنصار فقال سبحانه وتعالى:﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾100، ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ﴿ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا﴾، فمن الذي ألف؟ الله سبحانه وتعالى.

كفاية الله لنبيه والمؤمنين

ثم قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾101،﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾يعني كافيك الله، وهنا لأهل العلم أقوال في العطف في قوله﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني ربنا قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾،﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾هذا معطوف على ماذا؟ هل المعنى أن الله حسب الرسول وأن المؤمنين حسب الرسول؟ الآيات تدل على أن حسب الرسول الله وحده، فالله عز وجل هو حسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً ما معنى﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾؟ أي حسبك الله وهو حسب من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، إذاً معنى الآية الارجح: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي حسبك الله، ومن اتبعك أي حسبك وحسب من اتبعك الله، فيكون قوله﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ومن معطوف على الكاف في قوله﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾فتكون في موضع الجر،﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ومنهم من قال هنا تقدير: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فحسبهم الله أيضاً، لذلك شرع لنا أن نقول: ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾.

التحريض على القتال وموازين القوى

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، فالجهاد له ضوابطه وقواعده وهو ذروة سنام أعمال الجوارح، وقد وردت نصوص كثيرة في فضله وبيان منزلته إذا توافرت الشروط والضوابط، فليس كما يدعي بعض الناس يريدون إغفاله بالكلية، نحن لا نقبل شططاً ولا عوجاً ﴿وَلَآ أَن﴾ ننقض عهداً، وأيضاً لا تعطلوا هذه الشعيرة العظيمة بضوابطها وقواعدها الشرعية.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، تأمل، العشرون -﴿عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ﴾- إذاً الواحد أمام ماذا؟ أمام عشرة، مائة أمام ألف؛ سبحان الله واحد أمام عشرة، واحد من أهل الإيمان يغلب عشرة من الكفار، يقابل عشرة، طب ما السبب؟ ما العلة؟﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾102؛ لا يفقهون! ربما توقع بعض الناس يقول: ذلك بأنكم الشجعان، ذلك بأنهم جبناء، ما علاقة "الفقه" هنا بساحة القتال؟ يعني هنا ربنا يعلل أن الواحد يقابل عشرة بأن الكفار قوم لا يفقهون، لأن الكافر ليست عنده غاية يقاتل من أجلها، هو لا يهمه إلا الدنيا، عنده جبن،﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾103كما قال الله في اليهود﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، يعني على حياة ولو كانت حقيرة، المهم أنه يعيش، ليه؟ لأنه ما عنده آخرة، أما المؤمن فكما قال الله:﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾104؛ عنده إما النصر وإما الشهادة، فالمؤمن عنده غاية، عنده هدف، يعلم أنه يقاتل في سبيل الله، فإنَّ انتصر فهي العزة، وإن قتل فهي الشهادة، ففرق بين هذا وذاك.

ولذلك ربنا قال:﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾105لكن ما الفرق؟﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ المؤمن عنده رجاء في الله سبحانه وتعالى. ولذلك أم حارثة رضي الله عنها كانت امرأة عاقلة رشيدة، لما أصاب ولدها سهم غَرَب -سهم ليس مقصوداً- أصاب مات، فتكلم بعض الناس هل هذه شهادة؟ يعني ليس هناك إصابة، السهم، فجاءت للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله أخبرني عن ولدي، إن كان في الجنة صبرت، وإن كانت الأخرى فعلت وولولت. فقال لها: أوهبلت؟ -يعني أجننت- إنها ليست جنة واحدة ﴿أَنَّمَا﴾ هي جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى منها؛ هذا يحملها على صبر، أين ابني؟ إن كان في الجنة صبر واحتساب، فالمؤمن عنده الصبر، عنده الاحتساب.

التخفيف في حكم المصابرة

ومع ذلك خفف الله:﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾106-وفي قراءة أبي جعفر﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾-﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾؛ صار الواحد أمام اثنين. إذاً كان في البداية يثبت الواحد أمام عشرة، ثم خفف الحكم، جمهور العلماء يقولون الآية الثانية "نسخت" الأولى، يعني كانت الأولى مرحلة ثم جاءت المرحلة الثانية. وخالف في ذلك من ينكر النسخ أو يتكلم فيه كأبي مسلم الأصفهاني ومن وافقه وتابعه من غيره، وإلا فهو من المعتزلة، لكن هناك من وافقه على ذلك وقالوا إن الآية الأولى مشترطة بـ"أمر الصبر"﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾، إذاً ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يغلب العشرون المائتين؟ عند توافر شرط الصبر، فإذا لم يتوافر لا يمكن إلا واحد أمام الاثنين. والأولون وهم الجمهور يقولون آية منسوخة، ولا يلزم حينئذ أن تكون الآية الثانية نزلت بعد الأولى مباشرة، لأن النسخ من شروطه التأخر، يعني ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون هناك نسخ؟ أن حكماً نزل، الحكم بقي مدة، ثم بعد مدة جاء وحكم آخر، طب الايتان جاءتا متقاربتين بل ملتصقتين متواليتين؟ فيقال لا يلزم ان تكون الآية الثانية نزلت بعد الأولى مباشرة، يعني أحياناً تأتي آية في القرآن وبعدها آية ويكون بين الآيتين مدة لكن وضعت بعدها بالوحي. مثل ماذا؟ في قول الله سبحانه:﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾107، ظاهر الآية أن الشيء الذي يخفيه الإنسان أو يبديه يحاسبه الله عليه، ثم نزل التخفيف بعد ذلك:﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾108، وهناك فرق في المدة بين هذه الآية والآية التي جاءت بعد ذلك، والفرق بينهما قوله:﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾، والآية الكريمة، وهذا فيه كلام كثير في باب النسخ يعرفه أهل علوم القرآن أو علماء علوم القرآن.

أسرى بدر وحكم الفداء

ثم تمضي الآيات ليذكر الله لنا حكماً عظيماً جرى بعد غزوة بدر، تأمل السورة تتكلم عن الأنفال، تتكلم عن ساحات القتال، ماذا كان بعدما نصر الله المؤمنين؟ فكان هناك أسرى من المشركين، فلما كان هناك أسرى من المشركين النبي صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه ماذا يصنع؟ استشار بعض أصحابه ماذا يصنع؟ فاشار عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يقبل منهم الفداء، نفديهم، نقبل منهم الفدية ولعل الله أن يهديهم، يعني هم أقاربنا وبنو عمنا بدلاً من أن نقتلهم نقبل الفدية نستعين بها وتكون قوة للمسلمين ولعل الله أن يهديهم. وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرأى رأياً آخر، رأى أن يُمكن كل واحد من قريبه ليقتله، ليعلموا أن ربهم وربي بكل شيء عليم، أنه لا هوادة لهم ولا ولاء لهم لأهل الشرك؛ مكن علي بن أبي طالب من عقيل بن أبي طالب، مكن فلان من أخيه فلان من قريبه يقتله، يخلص عليه، ليه؟ عشان يقول لهم احنا قلوبنا لك خاضعة لك، هذا رآه عمر رضي الله عنه، فهوي رسول الله رأي أبي بكر، أخذ بقول أبي بكر ولم يأخذ بقول عمر رضي الله عنه عنه.

ثم أنزل الله قوله:﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾109 ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًا طَيِّبًا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾110.﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾يعني يكثر الجراح، كما قال:﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾يعني معناها أكثروا الجراح فيهم.﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾تريدون فداءً شيئًا من ذلك؟ لا،﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾لأن ربي سبحانه وتعالى قضى أن يغفر لهؤلاء المباركين من أهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ولأن الله لم ينزل الحكم وقتئذ، نزل الحكم بعدما أخذوا بهذا الرأي، يعني لم يقل الله عز وجل لهم لا تقبلوا الفدية فهم قبلوا الفدية، لا، ﴿أَنَّمَا﴾ أخذوا بهذا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينزل فيه حكم، وربك كريم لطيف. وهنا السؤال: أوليس بالإمكان -وربي على كل شيء قدير- أن يبين لهم الحكم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يترك الأمر لهم ليتخذوا فيه ما يتخذونه؟ لكن ربك لطيف سبحانه وتعالى، وقد قضى ربي وقدر أن يوجد من هؤلاء المشركين من يسلم بعد لله رب العالمين، ومن يدخل في دين الله عز وجل، لكن رب العزة يعلمهم كيف يكون أو كيف تكون قلوبهم والية لشرع الله سبحانه وتعالى.

لذلك العلماء لهم كلام كثير في هذه الآية، فبعضهم يجعل هذه الآية في "آيات العتاب" لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: آية العتاب، لذلك يقولون هناك آيات عتاب في القرآن الكريم للرسول منها هذه الآية، ومنها قوله:﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾111 ﴿أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾112 ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ﴾113في قصة عبد الله بن أم مكتوم، ومنها قوله:﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾114، فهذه آيات يقال لها آيات العتاب. ومنهم من يكره أن يسميها بآيات العتاب، ومنهم -وقد حرر ذلك بعض العلماء كالشيخ الصادق عرجون في كتابه النفيس في السيرة النبوية- بين أن الآية ليس فيها عتاب للرسول أصلاً، ﴿أَنَّمَا﴾ الآية موجهة للصحابة وربنا قال:﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ولم يقل "تريد عرض الحياة"، فالرسول لا يريد عرض الدنيا، لكن الرسول ما كان ليستبق بقول، ﴿أَنَّمَا﴾ أراد أن يسمع منهم وكان أقرب إليه اللطف والرحمة والعفو والصفح صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى غير ذلك من الحكم الكثيرة في هذا المقام. حاصل الأمر أن ما فعله الرسول كان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يوحى إليه بشيء، ثم وحى الله عز وجل إليه، وإلا فإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخالف وحي الله عز وجل إليه، والكلام في الآية أيضًا كلام طويل ومستفيض في تحرير أهل العلم.

صلاح القلوب والتحذير من الخيانة

﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًا طَيِّبًا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾115؛ تأمل الآية الجميلة:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، يعني أنت الآن قد تبتلى ببعض الأشياء سيؤخذ منك، سيعوضك الله أفضل من إن علم الله من قلبك الخير، إذاً القضية: ماذا في قلبك؟ ما الخير الذي في قلبك؟ إذا ابتلاك الله بشيء وكان قلبك سليماً صالحاً فالله سيعطيك وسيخلف عليك.

ثم قال:﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾116، وقد تقدم:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، تأمل الآية القرآنية:﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، لم يقل: "فقد خانوا الله ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فخانهم"! يعني تجد في بعض الآيات:﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾،﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾117، لكن في الخيانة ما قال "فخانهم". يعني أنت شخص يريد خداعك فتخادعه، هذه صفة مدح، شخص يمكر فيمكر به، هذا لا بأس به؛ فالله عز وجل يوصف بالمكر بالماكرين هذه صفة مدح، كذلك يستهزئ بالمستهزئين هذه صفة مدح، يمكر بالماكرين هذه صفة مدح، لكن لا يخون ربي سبحانه أبداً، لا يمكن أن تقع الخيانة، لذلك لم يقل "فخانهم" لأن الخيانة تأتي في مقام الائتمان، يعني أنت تقول له: ما تقلقش خلاص انا بآمنك، وبعد ما تأمنه تغدر به؟ ده لا يوجد، هذا ليس عند أهل الإسلام. لكن مكر؟ هو يظن أنك لن تأتيه من هذا الباب فتأتيه من هذا الباب، هذا ممكن، أما الخيانة فلا، لذلك قال: ولا تخن من خانك، مع أنه قال: الحرب خدعة، يعني قد توجد الخدعة في الحرب لكن لا توجد الخيانة، لذلك التعبير القرآني غاية في الدقة قال:﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾لم يقل فخانهم، والله عليم حكيم.

ختام السورة: الولاية والهجرة والمواريث

ثم في ختام السورة المباركة:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾إلى آخر الآية، تقدم في أوائل السورة أن هناك "تناسباً" بين أول السورة وختام السورة، ففي أوائل السورة ربنا وصف المؤمنين حقاً:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾إلى أن قال:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وهنا جاء بعد ذلك:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. إذاً ربنا يبين لنا حال المؤمنين في أنفسهم، حالهم مع ربهم، حالهم مع الناس، فالمؤمن ماذا يصنع مع نفسه؟ كيف يصنع في عبادة ربه؟ كيف يتعامل مع الناس؟﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، هذا هو المؤمن حق الإيمان، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

وتأمل في قوله:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، يقول هؤلاء الذين تركوا الهجرة خلاص لا توالوهم، لكن قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، قواعد عظيمة جليلة في الشريعة بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. وأما الكفار:﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾118.

ثم في ختام السورة:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾119، يعني من تاب تاب الله عليه، هاجر بعدما ترك الهجرة، جاهد بعدما ترك الجهاد، خلاص هو منك.﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾، يعني المؤمن أخو المؤمن يناصره يواليه، لكن في قضية "الميراث" ذكر كثير من أهل العلم أنه كان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ المؤمن يرث أخاه المؤمن بسبب النصرة، يعني المؤمن يوالي المؤمن إذاً يرث، يرث بعضهم بعضاً؛ صار هذا منسوخاً، وإنما الذين يتوارثون هم من الأقارب فقال:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾يعني ذوي القرابات،﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾. وكلمة "أولو الأرحام" هنا تشمل جميع القرابات، فيقدم فيها أصحاب الفروض العصبات ثم بعد ذلك من يسمون بـ"أولي الأرحام".

لأن أصحاب الفرائض أو العلماء الذين صنفوا في كتب المواريث يقولون: "باب ميراث ذوي الأرحام"، يعني إذا شخص فتح كتاب من كتب المواريث يقولون ميراث ذوي الأرحام، ما معنى ميراث ذوي الأرحام؟ يعني الذين ليسوا من أصحاب الفروض وليسوا من أصحاب العصبات، يعني لو أن شخصاً مات وليس له قريب إلا خاله، خاله أو خالته، هل الخال من العصبة؟ لا، هل الخال من العصبة؟ لا، دول اسمهم من ذوي الأرحام. يبقى "من ذوي الأرحام" اللي هو ليس من صاحب فرض وليس من العصب يقال من أولي الأرحام، وأهل العلم مختلفون في توريثهم طبعاً، هذا عند عدم وجود صاحب فرض وعدم وجود معصب، أما الآية﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾فليس المقصود بها هؤلاء الذين لا يرثون أو ليسوا من العصبة، ﴿أَنَّمَا﴾ المراد بهم جميع الأقارب،﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾.

يا أيها الإخوة الكرام، هذه كلمات يسيرة وفوائد قليلة في هذه السورة الجليلة سورة الأنفال، وما ترك أكثر مما ذكر، والقرآن بحر لا تنقضي عجائبه كما لا يخفى، نسأل الله الإعانة والتوفيق، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من أهل القرآن العاملين به.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — الأنفال: 1 ↩
  2. آية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ — الأنفال: 30 ↩
  3. آية: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — التوبة: 40 ↩
  4. آية: ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — الأنفال: 49 ↩
  5. آية: ﴿۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — الأنفال: 41 ↩
  6. آية: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ — الأنفال: 5 ↩
  7. آية: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — الأنفال: 7 ↩
  8. آية: ﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ — الأنفال: 8 ↩
  9. آية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ — الأنفال: 9 ↩
  10. آية: ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ — آل عمران: 125 ↩
  11. آية: ﴿قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ — التوبة: 14 ↩
  12. آية: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — الأنفال: 17 ↩
  13. آية: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ — الأنفال: 2 ↩
  14. آية: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ — الأنفال: 3 ↩
  15. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ — الأنفال: 4 ↩
  16. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ — الأنفال: 74 ↩
  17. آية: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ — الأنفال: 60 ↩
  18. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ — الأنفال: 65 ↩
  19. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — الأنفال: 45 ↩
  20. آية: ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — الأنفال: 46 ↩
  21. آية: ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ — الأنفال: 47 ↩
  22. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ — الأنفال: 72 ↩
  23. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ — الأنفال: 15 ↩
  24. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ — الأنفال: 24 ↩
  25. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — الأنفال: 27 ↩
  26. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ — الأنفال: 29 ↩
  27. آية: ﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ — الأنفال: 56 ↩
  28. آية: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ — الأنفال: 58 ↩
  29. آية: ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ — الضحى: 9 ↩
  30. آية: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ — الضحى: 10 ↩
  31. آية: ﴿۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ — النساء: 114 ↩
  32. آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ — الرعد: 28 ↩
  33. آية: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ — الزمر: 23 ↩
  34. آية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ — آل عمران: 8 ↩
  35. آية: ﴿إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — الأنفال: 42 ↩
  36. آية: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — الأنفال: 10 ↩
  37. آية: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾ — الأنفال: 11 ↩
  38. آية: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ — آل عمران: 154 ↩
  39. آية: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ — الأنفال: 12 ↩
  40. آية: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — الأنفال: 13 ↩
  41. آية: ﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ — الأنفال: 14 ↩
  42. آية: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ — الأنفال: 16 ↩
  43. آية: ﴿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — الأنفال: 18 ↩
  44. آية: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ — التكوير: 28 ↩
  45. آية: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — التكوير: 29 ↩
  46. آية: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ — الصافات: 96 ↩
  47. آية: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — الأنفال: 19 ↩
  48. آية: ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ — الأنفال: 32 ↩
  49. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ — الأنفال: 20 ↩
  50. آية: ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ — الأنفال: 21 ↩
  51. آية: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ — التوبة: 62 ↩
  52. آية: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ — البقرة: 285 ↩
  53. آية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — البقرة: 93 ↩
  54. آية: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ — الأنفال: 22 ↩
  55. آية: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ — الأنفال: 23 ↩
  56. آية: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ — الشورى: 47 ↩
  57. آية: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ — الأنعام: 122 ↩
  58. آية: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — الحشر: 7 ↩
  59. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الممتحنة: 12 ↩
  60. آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — الأنفال: 25 ↩
  61. آية: ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — الأنفال: 26 ↩
  62. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ — الأنفال: 28 ↩
  63. آية: ﴿ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ — الكهف: 46 ↩
  64. آية: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ — الأنفال: 31 ↩
  65. آية: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ — الأنفال: 33 ↩
  66. آية: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ — الأنفال: 34 ↩
  67. آية: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُۥ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ — الفتح: 25 ↩
  68. آية: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ — الأنفال: 35 ↩
  69. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ — الأنفال: 36 ↩
  70. آية: ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — الأنفال: 37 ↩
  71. آية: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — آل عمران: 140 ↩
  72. آية: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ — آل عمران: 12 ↩
  73. آية: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ — الأنفال: 38 ↩
  74. آية: ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ — الأنفال: 39 ↩
  75. آية: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ — التوبة: 32 ↩
  76. آية: ﴿وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ — الأنفال: 40 ↩
  77. آية: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — آل عمران: 123 ↩
  78. آية: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ — الأنفال: 43 ↩
  79. آية: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ — الأنفال: 44 ↩
  80. آية: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ — آل عمران: 13 ↩
  81. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ — الأحزاب: 41 ↩
  82. آية: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ — الأحزاب: 42 ↩
  83. آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾ — البقرة: 165 ↩
  84. آية: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — الأنفال: 48 ↩
  85. آية: ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ — الأنفال: 50 ↩
  86. آية: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ — الأنفال: 51 ↩
  87. آية: ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ — السجدة: 11 ↩
  88. آية: ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ — الأنعام: 61 ↩
  89. آية: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — الأنفال: 52 ↩
  90. آية: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — الأنفال: 53 ↩
  91. آية: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ﴾ — الأنفال: 54 ↩
  92. آية: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — الأنفال: 55 ↩
  93. آية: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ — الأنفال: 57 ↩
  94. آية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ — الأنفال: 59 ↩
  95. آية: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ — محمد: 4 ↩
  96. آية: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — التوبة: 15 ↩
  97. آية: ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — الأنفال: 61 ↩
  98. آية: ﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — الأنفال: 62 ↩
  99. آية: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — الأنفال: 63 ↩
  100. آية: ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ — آل عمران: 103 ↩
  101. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — الأنفال: 64 ↩
  102. آية: ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ — الحشر: 13 ↩
  103. آية: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ — البقرة: 96 ↩
  104. آية: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ — التوبة: 52 ↩
  105. آية: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — النساء: 104 ↩
  106. آية: ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — الأنفال: 66 ↩
  107. آية: ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — البقرة: 284 ↩
  108. آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — البقرة: 286 ↩
  109. آية: ﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — الأنفال: 68 ↩
  110. آية: ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًا طَيِّبًا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الأنفال: 69 ↩
  111. آية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ — عبس: 1 ↩
  112. آية: ﴿أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾ — عبس: 2 ↩
  113. آية: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ﴾ — عبس: 3 ↩
  114. آية: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — التوبة: 43 ↩
  115. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — الأنفال: 70 ↩
  116. آية: ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — الأنفال: 71 ↩
  117. آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — النساء: 142 ↩
  118. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ — الأنفال: 73 ↩
  119. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ — الأنفال: 75 ↩

دروس مشابهة