مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة القصص 3 جزء 1 30 8 2013 م

سلسلة التفسير · الدرس 6 من 61 · 9 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة القصص، وقد توقّف بنا الحديث في الدرس الماضي عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾2 (القصص: 10).

﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا﴾3 (القصص: 10): تقدّم أن أهل العلم قد اختلفوا في المراد بقوله ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا﴾ (القصص: 10)؛ فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن هذا ثناء من الله عز وجل على أم موسى؛ وأم موسى قد تفرّغ بالُها من ذكر موسى ولدها؛ لأنَّها أيقنت في أن الله سبحانه وتعالى سيحفظه وسيكلؤه بعنايته: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا﴾ (القصص: 10)؛ كما أنَّ الواحد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ يقال: فلان فارغ أو خالي البال؛ يعني: أنه لا يتحمّل مشكلة؛ فهي لما طمأنها الله جل وعلا أو أوحى الله إليها أن الله سبحانه أنه سيحفظ ولدها موسى عليه السلام وأيقنت بذلك فأصبح فؤادها فارغًا لا تحمل همّاً؛ لأنَّها تعلم أن الله سيحفظ لها ولدها.

والقول الثاني: أن معنى قوله سبحانه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا﴾ (القصص: 10)، أي: صار قلبها فارغًا من الاشتغال بموسى عليه السلام لا؛ فصار فارغًا من ذكر سواه، ولم تعد تفكّر إلا في موسى عليه السلام؛ وهذا يدلّ على شدّة تعلّقها به: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾4 (القصص: 10)، أي: قاربت أن تلهج بذكره وأن تقول: إن موسى ولدي قد ذهب وإن فرعون قد أمسك به وإنه سيجري له كذا وكذا، أو إن ولدي سيتعرّض لكذا: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ5 لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾ (القصص: 10) فثبّتها الله سبحانه وتعالى.

والقول الثالث: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا﴾ (القصص: 10)، أي: إلا من ذكر موسى عليه السلام؛ فهي مطمئنة متيقّنة في أن الله سيحفظ ولدها لكنَّها لا تزال تذكر ولدها فهو فلذة كبدها. فقوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا﴾ (القصص: 10)، أي: صارت لا تشتغل إلا بذكر موسى؛ هي مطمئنة عليه لكنه حنان الأم على الولد؛ فلحنانها عليه تشتاق إليه، وفي الوقت ذاته هي تأمن عليه لأنَّها تثق في وعد الله سبحانه. ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ﴾ (القصص: 10)، يعني: إن كادت لتُبدي بذكره؛ لأنَّ المرأة — أو لأنَّ الواحد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ إذًا حمل همّاً في غالب الأمر فإنَّه يريد أن يشاركه غيره في ذلك؛ فيذهب إلى غيره ويقول: أصابني كذا وكذا، ويقول له: أنا أعرف أنك لن تقضِ لي حاجتي ولن تزيح مشكلتي، ولكنني أريد أن أقصّ عليك لأخفّف عني بعض ما فيَّ من الأحمال. ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ﴾ (القصص: 10)، أي: قاربت أن تذكر موسى عليه السلام وأن تقصّ خبره وأنها ألقته في اليمّ: ﴿لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾6 (القصص: 10).

وفي قوله ﴿لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾7 (القصص: 10): وكانت واثقةً بوعد الله سبحانه محقّقةً للإيمان؛ أعطاها الله جل وعلا من عطائه ولم يخذلها في ولدها، بل إن الله جل وعلا صدّقها ما وعدها به سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (القصص: 10)؛ وهي من المؤمنات، لكن الله قال ﴿لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (القصص: 10)، أي: لتكون من الثابتات على الإيمان؛ يعني: لتثبت على الإيمان. أو أن المراد بالإيمان في الآية الكريمة اليقين؛ لتكون من الموقنين؛ عندها يقين في وعد الله جل وعلا الكريم.

وهنا جاء التعبير بالمؤمنين فقال: ﴿لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (القصص: 10) ولم يقل لتكون من المؤمنات وهي أنثى؛ المؤمنة جمعها مؤمنات، لكن هنا قال لتكون من المؤمنين؛ فجاء الجمع جميعًا مذكّراً. وكذلك في قول الله سبحانه وتعالى في شأن مريم عليها السلام ومريم ابنة عمران؛ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟؛ قال الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾8 (التحريم: 11)، وذكر: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ﴾9 (التحريم: 11-12). ولم يقل أيضًا وكانت من القانتات. قال بعض العلماء: لأنَّ الأصل في هذا الأمر: — في الأصل فيه الذكور أو الذكور فيه أغلب؛ فالقنوت في الذكور أكثر وكذلك الإيمان في الرجال أكثر؛ ولذلك أكثر أهل النار من النساء بسبب كفرهنّ العشير وكفرهنّ الإحسان كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كان الرجال في ذلك أكثر وأغلب غُلِّب جانب الذكور فقال: ﴿لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (القصص: 10)، أي: في زمرة المؤمنين والمؤمنات؛ والمؤمنات تبعٌ لأهل الإيمان في ذلك — والله أعلم. أو أن ذلك من أجل مناسبة الفواصل؛ لأنَّ الفواصل التي قبلها على ذلك آخرها وأو ونون أو كما هنا ياء ونون؛ فالنون تكون في آخر الآيات، فناسب ذلك بخلاف لو قيل لتكون من المؤمنات.

﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِۦ عَن جُنُبٍ وَهُمْ10 لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: 11-13).

﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ﴾11 (القصص: 11): ظاهر الآية الكريمة أنها معطوفة على الآية السابقة؛ فيكون هذا متعلّقاً بربط قلبها أو بالربط على قلبها؛ فبعد أن ربط الله جل وعلا على قلبها وهي واثقة في وعد الله سبحانه إذًا بها تقول لأخت موسى عليه السلام: تتبّعي موسى فإنَّك ستدركين حاله؛ فالله حافظه والله راعيه سبحانه جل وعلا؛ الله سيرعاه وسيحفظه. ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ﴾ (القصص: 11).

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 10 ↩
  3. آية: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 10 ↩
  4. آية: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 10 ↩
  5. آية: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 10 ↩
  6. آية: ﴿لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 10 ↩
  7. آية: ﴿لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 10 ↩
  8. آية: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 11 ↩
  9. آية: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 11-12 ↩
  10. آية: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِۦ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰٓ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُۥ لَكُمْ وَهُمْ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ ۝ فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 11-13 ↩
  11. آية: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 11 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

دروس مشابهة