سورة الإسراء — الجزء 4
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
علامة محبة الله أن يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله والنصح فيها ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: 57) فإذا أردت أن تكون من عباد الله المقربين فتقرب إلى الله بالإيمان والعمل الصالح وارجُ ثوابه وخف عقابه.
قال الله سبحانه ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾
إذا قررنا أنَّ الآية السابقة، وهي قوله تعالى ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (الإسراء: 58) فيها تقدير وصف وهو : وإن من قرية ظالمة أو كافرة كما قدره بعضهم إلا ﴿إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (الإسراء: 58) : وأنَّ المراد بالإهلاك : استئصالهم فحينئذ ما الحكمة لما لم يستجب رب العزة لما طلبه المشركون من آيات تعنتوا في طلبها! لئلا يأخذهم العذاب الذي فيه استئصال لهم؟ فكانت هذه المناسبة، ومن جهة أخرى بيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّ الرسول معه الآية العظمى - وهي القرآن الكريم - ثم وجه لهم الخطاب أنَّ هناك آيات أخرى طلبوها؛ ولكن لا وجه لهم في طلبها، وأنَّ الله منعهم إياها رحمة منه بهم سبحانه وتعالى فقال :
﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ﴾ ما المراد بالآيات؟ هي الآيات المقترحة التي اقترحها المشركون تعنتاً، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية الكريمة كما عند أحمد وغيره أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه أن يحول لهم جبل الصفا ذهباً أو أن يؤخر عنهم الجبال لكي يزرعوا! نريد أن تنحي عنا الجبال لكي نزدرع أو أن تحول الجبل ذهباً؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية، أو قيل للرسول صلى الله عليه وسلم ((إن شئت فعلت ذلك، ثم إن لم يؤمنوا أهلكتهم؛ وإن شئت أن أستأني بهم، فقال : بل استأني بهم )) وسأل الله سبحانه أن يمهلهم، فلذلك أنزل الله قوله ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾ والمعنى : لو استجاب الله عز وجل لهم، وحوَّل لهم جبل الصفا ذهباً، وحقق لهم الآمال ثم لم يؤمنوا لم يكن إلا الهلاك، فلم يرد الله سبحانه وتعالى إهلاكهم رحمة منه عز وجل، واستجابة لطلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه الآيات جاء تفسيرها بعد في السورة ﴿وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا﴾ (الإسراء: 90) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵙﵜ إلى آخر هذه الآيات الكريمة يمكن أن تُفسَّر بها الآيات المذكورة هنا، والعلم عند الله مع ما ورد في سبب نزول الآية الكريمة ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾ هذا السياق ما معناه؟
﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾ من قبلكم؟ ما علاقة الأولين بهم؟ (إلا أن الأولين طلبوا تلك الآيات فكذبوا فهلكوا! فلم نرسلها لكم لأنَّكم إذا كذبتم ستهلكون كما هلكوا ) فهذا هو وجه الاقتران في قوله ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾ فإنْ كذبتم هلكتم كما هلكوا.
﴿وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا﴾ (الإسراء: 59) ثم ضرب لهم مثالاً من الأمثلة ﴿وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا﴾ (الإسراء: 59) ويمكن أن يُقَال أيضًا والله أعلم : أنَّ ذكر ثمود هنا؛ لأنَّ هذه القبيلة؛ ولأنَّ أمة ثمود - أمة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام - والمراد بهم ثمود كانوا قريبين منهم في المكان.
وكأني بك - والعلم عند الله - حين تقلب صفحات المصحف فتنظر إلى السور السابقة فترى سورة الحجر وذكر ديار الحجر في تلك السورة الكريمة، ثم التصريح هنا ﴿وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (الإسراء: 59) أن تؤلف بين تلك المعاني في السور المكية، وما عليه أهل الشرك والتذكير بأحوال الأمم المكذبة التي كذبت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فأهلكها الله، ولم يزل لها آثار يرونها ويشاهدونها؛ فإنك تجد من وراء ذلك خيراً كثيراً.
قال ﴿وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (الإسراء: 59) ما معنى مبصرة؟ أي : آية عظيمة واضحة إذا لم يكن الإنسان مدركاً أنَّه ينبغي عند فهم الآيات القرآنية النظر في السياق، ولم يدرك هذا المعنى أخطأ في التفسير، ولذلك ذكر بعض العلماء هذه الآية كمثال لمن يعتمد بعيداً عن السياق؛ لأنَّ الشخص إذا قرأ ﴿وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (الإسراء: 59) سيُعرِب (مبصرة) على أنَّها حال من الناقة، فيجعل (الناقة مبصرة / الناقة تبصر ) وهذا ليس مراداً؛ ﴿أَنَّمَا﴾ هنا تقدير ولا بد المعنى : وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة، فالمراد بـ (مبصرة) الآية أنها حجة واضحة ﴿هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً﴾ (هود: 64) ﵝهُود : ﵔﵖﵜ.
قال ﴿فَظَلَمُوا۟ بِهَا﴾ قالوا هنا (هي الناقة فكفروا بها فعاجلناهم بالعذاب) ﴿فَظَلَمُوا۟ بِهَا﴾ ظلموا بها : بأن كفروا بها، ولم يؤمنوا بها وعقروها وهذا من ظلمهم أيضًا فيما جاء في الآيات الكريمة.
﴿فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ أي : هذه الآيات التي نرسلها للرسل، نرسلها على سبيل التخويف للأمم لعلهم يسلمون! ويتعظون ويعتبرون! ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ وهذا مناسب للمقام؛ وإلا فقد يقول قائل : إنَّ آيات الله التي يرسلها إلى الأنبياء (منها ما هو تخويف، ومنها ما هو من أجل الرحمة، ومنها من أجل الدعوة )؟
فيقال : لكن المقام هنا ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ يناسبه التخويف؛ ولأنَّ التخويف (تخويف من جانب، وفيه رحمة من جانب آخر ) أو أنَّ الآيات هنا الآيات التي فيها وعيد والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ثم قال ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَـٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 60)
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾ (الإسراء: 60) أي : اذكر يا رسول الله حين ﴿قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾، قالوا (إنَّ ربك أحاط بالناس قدرة فهم في قبضته، والله مانعك منهم فبلغ ما أمرت بتبليغه) هذا أثر المعنى، ولازم المعنى : أنَّ ربك أحاط بالناس، ما الذي يستفيد منه العبد إذا علم أنَّ الله محيط بالناس؟
إذًا هو حافظ أولياءه مهلك أعداءه، لذلك تقدَّم معنا في سورة البقرة لو تذكرون في قوله ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 19) ﵝالبَقَرَةِ : ﵙﵑﵜ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنَّ عدداً من المفسرين فسروا الآية (والله مهلكهم) لأنَّه إذا كان محيطا بهم فهو قادر عليهم سبحانه وتعالى، فهذا من لوازم المعاني وآثارها كما تقدم أيضًا حينما تقرأ في القرآن (والله بكل شيء عليم، والله بما تعملون خبير، والله بما تعملون بصير) إذًا فهو يراقب أعمالكم وسيحاسبكم فهذا من الآثار التي تتبع ما أثبته الله سبحانه وتعالى من أوصاف الله ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾ (الإسراء: 60) والمعنى : لا تقلق ولا تخف وبلغ دعوة الله.
﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَـٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 60) ما المراد بالرؤيا هنا؟ رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وتكون الآية الكريمة لها صلة بصدر السورة ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ﴾ (الإسراء: 1) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵜ لذلك قالوا هنا (وما جعلنا ما أريناك عياناً ليلة الإسراء) تأمل قولهم (عياناً ) لأنَّ هنا قد يأتي إشكال في الآية الكريمة : إذ عبَّر بقوله (الرؤيا) مع أنَّ استعمال الرؤيا يكون مع المنام أغلب، وهنا ليس المراد به المنام؛ لأنَّه لو كان المراد به (المنام) ما كان فتنة للناس، لو كان المراد بالرؤيا التي رآها الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج أو في رحلة الإسراء ابتداءً - لو كان هذا مناماً - ما كذبَّه الناس، لذلك قالوا هنا (عيانا)؛ لكن بعض العلماء قالوا هنا لفتة : إذ عبر بالرؤيا، وكأنَّ هذا الأمر الذي وقع لغرابته بالنسبة لهم لا يتحقق إلا في رؤية منامية، فهو بالنسبة لما يتردد في عقولهم وأذهانهم (رؤية)؛ وإن كانت في حقيقة الأمر من قبيل رؤية العين، ويشهد لذلك ما جاء في البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (هي رؤيا عين) لذلك ابن عباس جاء في الآية وقال (هي رؤيا عين كانت للرسول ليلة أُسري به إلى بيت المقدس ) فابن عباس رضي الله عنهما فسر الرؤيا : بأنَّها رؤيا عين، ولذلك أحسنوا هنا إذ قالوا (وما جعلنا ما أريناك عيانا).
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَـٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ (الإسراء: 60) ما معنى فتنة؟ قالوا (امتحانا للناس) هل يصدقون؟ أو يكذبون؟ ومعروف ما جرى من الصديق رضي الله عنه (إني لأصدقه في خبر السماء) فلا يضره أن يصدق بأنَّ الرسول أُسرِي به.
قال ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 60) ما وجه اقتران (الشجرة الملعونة بالرؤيا)؟
وجه الاقتران : أنَّ كلا الأمرين اختبار؛ لأنَّ العقل ربما كذب ذلك، إذا لم يقبل النص، ولم يخضع للدليل؛ فالشجرة الملعونة في القرآن، ما المراد بها؟ شجرة الزقوم، ربنا قال في سورة الصافات ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الصافات: 63) ﵝالصَّافَّات : ﵓﵖ - ﵕﵖﵜ هم أنكروا قالوا كيف؟ كيف تكون هناك شجرة في أصل النار؟ ﴿إِلَّا﴾ تأكلها النار؟ كيف تكون هذه فتنة؟ بالنسبة لهم اختبار لكن من يذعن أنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ؛ فإنَّه يقبل ذلك، وكذلك حدث الإسراء من يوقن بأنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ؛ فإنَّه يقبل ذلك؛ إذًا ما العلاقة بين الرؤيا وبين الشجرة الملعونة؟
أنَّ كلا الأمرين فيه اختبار وابتلاء بمعنى أنَّ العقل يرده إلا إذا كان مستجيباً للوحي، هذا من جهة 2- ومن جهة ثانية : أنَّنا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (الرؤيا) : رؤية الإسراء بأنه يتعلق بها ما فوق الإسراء، وهي رحلة المعراج (فمما أريه الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الجنة والنار، ويكون من ذلك شجرة الزقوم) وربما أخبرهم عنها فحينئذ قال ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 60) من تمام إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض الأخبار الغيبية التي رآها صلوات الله وتسليماته عليه في هذه الرحلة المباركة.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 60) قالوا : وما جعلنا شجرة الزقوم المذكورة في القرآن، ما معنى الملعونة؟
1-قال بعضهم (الملعونة) يعني : المذمومة؛ فالمراد بالملعونة : المذمومة؛ لأنَّ الله ذمها في القرآن ﴿إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ﴾ (الدخان: 43) ﵝالدُّخَان : ﵓﵔ - ﵕﵔﵜ إلى غير ذلك مما ورد في شأنها فقالوا هذا (معنى الملعونة) أي : المذمومة.
2- وقال بعضهم (الملعونة) أي : الملعون من يأكل منها؛ فأطلق عليها ملعونة باعتبار آكلها، فهذا قول آخر في معنى ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 60).
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 60) ونخوفهم بإنزال الآيات فما يزدادون بالتخويف بإنزال الآيات إلا زيادة في الكفر - نسأل الله السلامة - ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًا﴾ زيادة في الكفر، وتماديا في الضلال.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾
فإنَّ قلت : ولماذا يعرضون عن الحق؟ فيقال لك : أنسيت الشيطان؟ نسيت الوسوسة، أنسيت إغراءاته، وقد قال الله قبل ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵕﵜ وكأنه بمثابة التمهيد فجاء ذكر قصة (آدم وإبليس) لتقرير هذا المعنى وأنَّ هؤلاء وقعوا في الطغيان الكبير بسبب وسوسة الشيطان لهم وتزيينه دينه لهم وتسلطه عليهم ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 62) وأيضاً هؤلاء أعرضوا عن الحق كبراً وحسداً، وأول من وقع منه ذلك فيما ذكر الله سبحانه وتعالى إبليس فهو أستاذ أو هو متقدم في هذا الباب (في باب الكبر والحسد).
فقال ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ فذكر الله لنا طرفاً من كبره وحسده، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ﴾ قالوا هنا (السجود تحية لا سجود عبادة) وتقدم بيان ذلك، ﴿فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء: 61)
هذا الاستفهام المراد به الإنكار والتعجب ﴿أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء: 61) وجاء تفصيل ذلك في مواضع أخرى في القرآن، ﴿قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ (ص: 76) ﵝص : ﵖﵗﵜ وتكلمنا هناك كما تذكرون - لعلكم تذكرون!- عن أنَّ هذا القياس (قياس فاسد من عدة أوجه) فأول من قاس قياساً فاسداً، ورُدَّ عليه في هذا القياس؛ الشاهد هنا قال ﴿أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء: 61)
﴿قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 62)
﴿قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَءَيْتَكَ﴾ يعني : (قال إبليس ) هنا جاءت الآيات موجزة هو قال ﴿أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء: 61) فأوجز هنا ثم قال ﴿قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (الإسراء: 62) وكأنَّ هنا تقديرًا أيضًا : أرأيتك هذا الذي كرمت، لِمَ كرَّمته عليَّ؟ كأنَّ هذا هو التقدير، وأنا أفضل منه، وهذا هو السؤال : ﴿أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾؟ ما الإشكال؟ كيف تكرمه عليَّ؟ ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 62) قالوا هنا (لأستميلن أولاده لأغوينهم عن صراطك المستقيم إلا قليلا ممن عصمت منهم وهم عبادك المخلِصون أو المخلَصون) تأمل هنا قولهم (لأستميلن أولاده) هذا تفسير لقوله ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ﴾ (الإسراء: 62) إذًا ما معنى (لأحتنكن)؟ يعني : لأستميلن يفسرها بـ (لأستميلنَّ) إذًا معنى (الاحتناك) في قوله (لأحتنكن) يعني : لاستولين، وأيضاً لأستميلنه، وهذا من معاني الإغواء ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 62) قالوا (واستثنى لأنَّه يعلم أنَّه لا قدرة له على ذلك، وأنَّ ﴿ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ﴾ الشيطان قد يريد، ولا يتحقق ما يريد؛ وإنما يتحقق ما ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ رب العالمين) وقال الله ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سبأ: 20) ﵝسَبَإ : ﵐﵒﵜ.
﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُورًا﴾ (الإسراء: 63)
قال له ربه : اذهب أنت ومن أطاعك منهم، ﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُورًا﴾ (الإسراء: 63) كأنها بمثابة امضِ لشأنك / امض لشأنك، أو كأنَّ المعنى : اخرج مطروداً ﴿قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الأعراف: 18) ﵝالأَعۡرَاف : ﵘﵑﵜ.
﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُورًا﴾ (الإسراء: 63)
ما معنى (موفورا)؟ قالوا (كاملاً موفرا على أعمالكم ولم يظلمكم ربكم شيئًا).
ثم قال ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64)
﴿وَٱسْتَفْزِزْ﴾ ما معنى واستفزز؟ قالوا (واستخفف) إذاً الاستفزاز هنا : معناه الاستخفاف، وأيضاً منه (الأز) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (مريم: 83) ﵝمَرۡيَم : ﵓﵘﵜ ومنه :الإزعاج، أزعجهم واستفزهم.
﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ (الإسراء: 64) قالوا هنا (بصوتك الداعي إلى المعصية)، وهذا تفسير عام، وهو صحيح، إذًا ما معنى (صوت الشيطان) : كل داع إلى معصية الرحمن فهو داخل في صوت الشيطان بعض المفسرين في بعض المواضع كما تقدم مراراً يفسر المعنى العام ببعض الأفراد.
فيقولون (بصوتك) : المراد به صوت الغناء والمعازف أو غير ذلك مما هذا داخل لكن هو أعم؛ إذًا كل ما هو دعوة إلى معصية الله فهذا داخل في صوت الشيطان
لذلك بعضهم قال ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64) يعني : بسبب صوتك؛ لأنَّك الذي أمرت به.
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (الإسراء: 64) قالوا هنا : (وصح عليهم بفرسانك ومشاتك الداعمين لطاعتك) ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ كأنَّ المعنى : اجمع جنودك راكبين وماشيين ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ بخيلك : يعني ركبانا (ورجلك ) يعني : ماشيين، إذًا هناك الدعاة إلى الشيطان منهم الركبان ومنهم الماشون أو المشاة على الأرجل ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64)
﴿وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ﴾ (الإسراء: 64) هنا يسأل سائل : وكيف تكون مشاركة الشيطان في المال وفي الولد؟ قالوا هنا (وشاركهم في أموالهم بتزيين كل تصرف يخالف الشرع) فالشيطان حين يدعو الإنسان إلى التبذير فهذا داخل فيه قوله ﴿وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ﴾ (الإسراء: 64) ولذلك قال : ﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ (الإسراء: 27) الذين تتلمذوا على يديه واستفادوا منه، فهو أخوهم الأكبر.
﴿وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ﴾ (الإسراء: 64) ويدخل في ذلك ما قال الله ﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ (البقرة: 268) ﵝالبَقَرَةِ : ﵘﵖﵒﵜ قال الله ﴿وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ﴾ (الإسراء: 64) مشاركة في الأولاد كيف يشاركهم في الأولاد؟ قال (بادعائهم كذباً يدعي من ليس له بأنه ولده ) هذا داخل فيه، والمشاركة في الأولاد من ذلك : التبني (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه ) وقال (من ادعى إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام) هذا يدخل في قوله ﴿وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ﴾ (الإسراء: 64) أن تنسب إليك من ليس ولداً لك قال (بادعائهم كذباً وتحصيلهم بالزنا) بأن يأتي ولد عن طريق الزنا، هذا من المشاركة في الأولاد (وتعبيدهم لغير الله عند التسمية) : أن يعبدهم لغير الله سبحانه وتعالى عند التسمية بأن يسميهم عبد كذا وعبد كذا، ولا يجعلهم عبيدا لله سبحانه، فهذا من الشرك أو من الإشراك في الأسماء، ثم جاءت آيات أخرى أو جاءت أدلة أخرى تشهد لمعنى أعم كقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أتى أحدكم أهله فقال : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر له ولد لن يضره الشيطان أبداً ) كما جاء في حديث ابن عباس المتفق على صحته فهذا يدخل في هذا المعنى، لذلك ما ذكروه هو من ضرب الأمثال المشهورة، وقد جمعوا هنا جمعوا أكثر من قول في معنى المشاركة في الأموال والأولاد وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم (﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الرجل أن يدخل بيته فقال بسم الله قالوا لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا لم يذكر الله سبحانه وتعالى ودخل قالوا أدركتم المبيت والعشاء)
وهكذا فهذا يدل على أنه إذا دخل البيت وأيضاً (أدركتم العشاء إذا لم يقل بسم الله على الطعام) فهذا من المشاركة في الأموال؛ لأنَّ الطعام...
قال ﴿وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64) يعني : وعوداً كاذبة ﴿وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64) وتأمل قوله ﴿وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64) فيها أسلوب التفات أيضاً؛ لأنَّه لم يقل : وما تعدهم؛ لأنَّ الكلام له (واستفزز) قال (وأجلب) ثم قال :
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64) من باب التهوين لأمره ﴿وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الإسراء: 64)
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 65)
أي : ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ المخلصين، ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ الصالحين، ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ المطيعين
﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ﴾ (الإسراء: 65) فالإضافة هنا في عبادة مر بها أهل الصلاة، والغالب في استعمال كلمة (﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾) في القرآن أنها في حق أهل الطاعة؛ لكن لهذا استثناءات ﴿فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ﴾ (الفرقان: 17) هذا في مقام الحديث عن العباد الكافرين، وكذلك في قوله ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾ (الزمر: 53) ﵝالزُّمَر : ﵓﵕﵜ هذا أيضًا يدخل فيه العصاة؛ بل يدخل فيه أهل الشرك على قول عدد من أهل التفسير، ويشهد له سبب نزول الآية الكريمة؛ لكن الغالب في ذكر العباد مضافين إلى الله سبحانه أنهم عباد الله الصالحون.
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 65) والمراد : ليس لك عليهم سلطان (ليس لك عليهم تسلط ) فإنَّ قيل : كيف وقد يوسوس الشيطان لهم؟ فيقال : لكنهم سرعان ما يتوبون ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201) ﵝالأَعۡرَاف : ﵑﵐﵒﵜ وهذا قريب مما ذكره الله في سورة النحل ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) ﵝالنَّحۡل : ﵙﵙ - ﵐﵐﵑﵜ
قال ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 65) امتن الله على خلقه، وذكر لهم بعض دلائل قدرته، وأنَّه المستحق للإلهية : ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (الإسراء: 66)
رجاء أن تطلبوا رزقه بإرباح التجارة وغيرها ﴿إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (الإسراء: 66) وهذا فيه أنَّ الأسفار في البحار في الأصل أنها مباحة، هذا هو الأصل؛ إلا إذا كانت هناك مخاطرة؛ لأنَّ الله ذكر الركوب في البحر وذكر (﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضله) وهو يجلب أبواب الأرزاق فيدل على إباحة ركوب البحر من الأصل، ويدل كذلك على أنها طريق للكسب، وأنه لا حرج في ذلك في الأصل والعلم عند الله.
من فوائد الآيات
من رحمة الله بالناس عدم إنزاله الآيات التي يطلبها المكذبون حتى لا يعاجلهم بالعقوبة إذا كذبوا بها : قال الله ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾
ابتلى الله العباد بالشيطان الداعي لهم إلى المعصية بأقواله وأفعاله : لذلك قال الله ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ﴾ (الإسراء: 64)
من صور مشاركة الشيطان للإنسان في الأموال والأولاد ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع وعدم تأديب الأولاد : هذه صور أخرى أضافوها إلى ما ذكروه في التفسير، ويشهد لها بعض الأحاديث كحديث جابر رضي الله عنه في مسألة (يقول أدركتم المبيت والعشاء)، وكذلك ما جاء في حديث ابن عباس في مسألة التسمية عند الجماع والعلم عند الله.
قال الله ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 67) أي : أصابكم بلاء ومكروه في البحر حتى خشيتم الهلاك، ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: 67) ما معنى ضل؟ يعني : غاب تقدم معنا أنَّ الضلال يأتي في القرآن بعدة معاني :-
1-فمن معاني الضلال : الغياب (غاب) ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍۭ﴾ (السجدة: 10) ﵝالسَّجۡدَة : ﵐﵑﵜ يعني : أئذا غُيِّبنا في الأرض.
2-والضلال يأتي بمعنى عدم معرفة الحق وعدم العلم به ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ (الضحى: 7) ﵝالضُّحَى : ﵗﵜ فهذا : لم تكن عالما بالرسالة ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾ (الشورى: 52) ﵝالشُّورَى : ﵒﵕﵜ
3-والضلال يأتي بمعنى : الانحراف بمعنى الانحراف واتباع الباطل نسأل الله السلامة.
قال هنا ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ (الإسراء: 67) يعني : ذهب عن خاطركم، وغاب عن خاطركم من تدعون ﴿إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: 67) لا تدعون إلا الله وحده سبحانه وتعالى.
﴿فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ (الإسراء: 67) أعرضتم عن الاستغاثة به والتوكل عليه واللجوء إليه وعبادته وحده ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 67) وهذا مضى في آيات كثيرة في القرآن الكريم، قال الله ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ﴾ (يونس: 12) ﵝيُونُس : ﵒﵑﵜ إلى غير ذلك من آيات كثيرة.
قوله ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: 67) فالذي تُصرَف إليه العبادة في الشدة هو الحقيقُ بأن يُعبد في الرخاء وهذا مما استدل به عكرمة بن أبي جهل على أنَّ التوحيد هو الحق كما جاء في قصة إسلامه، وبإمكانكم أن ترجعوا إليها : حين رأى هذا منهم في البحر، وعلم أنَّ الذي ينجي في البحر هو الذي ينجي في البر فحينئذ عبد الله وحده، وآمن بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ﴿فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 67) قوله ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 67) يعني : جنس الإنسان يكفر بالله أو أنَّ المراد بالإنسان هنا، الإنسان الكافر؛ فالمراد به عام أريد به الخصوص : وكان الإنسان الكافر كفوراً، يعني : مستمراً على كفره وعلى جحوده لنعم الله سبحانه وتعالى.
﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 68) آيات تهدد أولئك المشركين، وتتوعدهم لعلهم يخافون ويرتدعون ويؤمنون ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 68) أعندكم أمان أن ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (الإسراء: 68) قوله ﴿جَانِبَ ٱلْبَرِّ﴾ (الإسراء: 68) قالوا هنا (أفأمنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون حين نجاكم إلى البر أن يجعله الله ينهار بكم) هب أنكم نجوتم من البحر، أنتم في البحر دعوتم الله وكنتم مضطرين فهل إذا صرتم في البر ذهب أمر الله كما أنَّ الله قدر عليكم الابتلاء في البحر فهو قادر على الابتلاء في الأرض، لذلك في هذه الآية المراد به في الأرض، وأنتم في جانب الأرض أو جانب البر : وهو الشاطئ.
يعني : هب أنكم نجوتم من البحر، وصرتم على الشاطئ هو قادر على أن يهلككم، وأنتم على الشاطئ؛ وإن نجوتم من أمواج البحر المتلاطم
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (الإسراء: 68) قالوا هنا (حجارة من السماء تمطركم) وبعضهم قال : مطر شديد مهلك المطر نفسه الشديد المهلك.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 68) لا تجدون لكم حافظًا يحفظكم ولا ناصراً يمنعكم من الهلاك.
ثم قال ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًا﴾ (الإسراء: 69)
أم أنكم نجوتم مرة؟ ألستم بحاجة إلى العودة إلى البحر مرة أخرى؟ ستعودون وحين تعودون قد يعيد عليكم الكرة مرة أخرى فلماذا؟ لماذا تشركون الله سبحانه وتعالى، أنتم عاهدتم الله سبحانه وتعالى على الإيمان والتوحيد، ثم بعد ذلك لما نجاكم أشركتم، وسترجعون مرة، سترجعون مرة أخرى إلى البحر قال ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ (الإسراء: 69) أي : في البحر ﴿تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 69) مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ (الإسراء: 69) تأمل قوله : قاصفاً قالوا هنا (ريحاً شديدة) وبعضهم يقول : (الريح القاصف) معناها : التي تكسر كل شيء وتقطعه وتقضي عليه، فلذلك تقصفه فقال ﴿قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ (الإسراء: 69) ولذلك أصل مادة القصف تدل على كسر الشيء؛ فالمعنى : أنَّ الريح ليست تصيبه فتهلكه؛ وإنما تكسره، تقضي عليه. قال الله ﴿قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ (الإسراء: 69) لأنَّه إذا أصابكم هذا القاصف من الريح؛ فإنَّه يكسركم، ويقضي عليكم فتلقون في البحر، فتغرقون! قال ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًا﴾ (الإسراء: 69) وهذا معنى عال وعظيم، ما معنى (تبيعا) قال : مطالبا يطالبنا بما فعلنا بكم انتصاراً لك، هل هناك أحد يتابعنا في الدنيا إذا قتل إنسان انتصر له أولياؤه، وأرادوا أن يثأروا له فمن يثأر؟ من ينتصر لكم؟ من يتابع الله؟ من يلاحق الله؟ من يرفع ذلك إلى هيئة؟ أو إلى القضاء؟ من؟
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًا﴾ (الإسراء: 69) والقراءة الأخرى (أفأمنتم أن نخسف بكم جانب البر أو نرسل عليكم حاصباً) وأيضاً (أم أمنتم أن نعيدكم فيه تارة أخرى فنرسل عليكم قاصفا من الريح فنغرقكم) فيكون في هذا التفات، بعد أن قال ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: 67) ثم واجههم بالخطاب سبحانه وتعالى فقال (أن نخسف) يعني : نحن، فتحول الأمر من الغيبة إلى الخطاب، وهذا فيه التفات.
ثم قال ﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)
قالوا هنا (كرمنا بني آدم) (ذرية آدم بالعقل وإسجاد الملائكة لأبيهم وغير ذلك) وهذا جيد منهم؛ لأنَّهم ذكروا بعض الأمثلة ثم قالوا : (وغير ذلك)، وهذا حسن؛ لأنَّه كما تقدم أنَّ بعض المفسرين في التفسير يذكرون التفسير بالمثال فيظن ظان أنَّ التفسير لا يصلح إلا بهذا المثال، مع أنه يشمل غيره فقال (بالعقل) إذًا يأتي السؤال كيف كرم الله بني آدم؟ فقال (بالعقل)؛ فالله ميز الإنسان( بالعقل وإسجاد الملائكة لأبيهم وغير ذلك) ومما يدخل في قولهم وغير ذلك قالوا : ما من الله على الإنسان باليد بالقبض والبسط؛ فالإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يأكل أكلًا تناوله بيده فقبض وبسط؛ وأما الحيوان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يأكل أكل بفمه؛ فمن إكرام الله للإنسان أن يرفع الطعام بيده إلى فمه بدلًا من أن يضع فمه على التراب إلى غير ذلك.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ (الإسراء: 70) سخرنا لهم ما يحملهم في البر والبحر تستطيع أن تقول هذا أيضًا من تكريم الله لبني آدم.
﴿وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ﴾ (الإسراء: 70) طيبات المآكل والمشارب والمناكح وغيرها ﴿وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70) وتستطيع أن تقول أنَّ التكريم في قوله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ (الإسراء: 70) تكريم في الذوات لأنَّه قال بعدها ﴿ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ ﴾ كيف كرمهم؟ وكيف فضلهم؟ كرمهم في ذاتهم بأن أعطاهم العقل، وأعطاهم الأيدي، وأعطاهم البيان، فهذا أيضًا مما ميز الله به؛ فالإنسان يتميز عن غيره باللغة باللسان كما قال ﴿عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 4) ﵝالرَّحۡمَٰن : ﵔﵜ وأيضاً ﴿وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70).
قوله ﴿وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70) يورد العلماء في ذلك مسائل من التفاضل بين الصالحين وبين الملائكة من جهة إلى غير ذلك مما يذكر في هذا الباب.
قال ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (الإسراء: 71) ما معنى الإمام؟ قالوا هنا (بإمامها الذي كانت تقتدي به في الدنيا)، ويشهد لذلك (من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس، ومن كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت ) إذًا ما معنى ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (الإسراء: 71) : إمامهم الذي كانوا يتبعونه في الدنيا؟ ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ﴾ (الإسراء: 71) هناك تفسير شاذ في هذا؛ لذلك نص عليه الزمخشري بأنَّه من بدع التفسير إذ قال : ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ﴾ (الإسراء: 71) بأسماء أمهاتهم، لذلك اشتهر عند بعض الناس أنَّ فلانا ينادى يوم القيامة :فلان ابن فلانة، وهذا خطأ في التفسير؛ لأنَّ الأم تجمع على أمهات، ولا تجمع على إمام، لذلك قالوا هذا خطأ في الجمع فيما يتعلق بالتصريف، فيما يتعلق بالإفراد، ولذلك تقدم مراراً أنَّ طالب العلم لا سيما من له صلة بالتفسير لا بد أن تكون له صلة قوية بفروع اللغة من النحو والتصريف والاشتقاق حتى أنَّ بعضهم نص كالزركشي على أن التصريف والاشتقاق يحتاج إليه المفسر أكثر من حاجته إلى النحو؛ لأنَّ التصريف والاشتقاق يتعلق بهما المعاني، وما تدور به المعاني، وما تختلف عليه.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ﴾ (الإسراء: 71) ومما يشهد أيضًا لشذوذ هذا القول بغض النظر عن القاعدة التصريفية، وكذلك من جهة الاشتقاق ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن ما يكون يوم القيامة (هذه غدرة فلان ابن فلان) فقوله (غدرة فلان ابن فلان) إذًا يُنادى بفلان ابن فلان؛ وليس ابن فلانة!.
قال الله ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (الإسراء: 71) هذا جعل بعضهم يفسر الإيمان : بالكتاب، فقالوا ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ﴾ (الإسراء: 71) بكتبهم، كلٌ يأخذ كتابه يلقاه منشورا ﴿فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (الإسراء: 71) فسروا الفتيل فقالوا (قدر الخيط الذي في شق النواة) ولعلكم تتذكرون الفرق بين الفتيل والنقير والقطمير.
قال الله ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾
ما المراد بقوله ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ﴾ (الإسراء: 72) أمَّا أعمى الأولى، فالمراد بها : عمى القلب بالإجماع، إذ اتفق المفسرون على أنَّ المراد بقوله ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ﴾ (الإسراء: 72) المراد بالأعمى في قوله ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ﴾ (الإسراء: 72) في هذه يعني : الدنيا، المراد بـ (أعمى) الأولى عمى القلب بالإجماع، وقد نقل النيسابوري في تفسيره اتفاق المفسرين على ذلك؛ وإلا فإنَّ الأعمى الذي فقد بصره؛ لكنَّه على الإيمان والهدى لا يضيره شيء من ذلك؛ بل كما جاء في الحديث القدسي (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة) فلذلك قوله ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ﴾ (الإسراء: 72) أراد به عمى القلب يعني : عمي عن اتباع الحق وانصرف عن الهدى والرشاد.
أمَّا قوله ﴿فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ما المراد بقوله ﴿فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾؟ هنا قولان لأهل التفسير، إذًا (أعمى) الثانية فيها قولان؛ أمَّا أعمى الأولى فبالإجماع المراد بها عمى القلب والله تعالى أعلم ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ هذا فيه أنَّ اللفظة الواحدة قد ترد في كتاب الله، وفي موضع متقارب؛ بل في آية واحدة، وتكون إحداهما بمعنى والأخرى بمعنى آخر أو بمعنى يختلف فيه أهل التفسير، ولذلك مما ذكروه في ذلك الحقيقة والمجاز؛ لذلك بعض الناس في بعض المناظرات لما أراد أن يناظر رجلاً وكان أعمى البصر، وكان ينكر المجاز، قال : ما تقول في قوله ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ - وإن كانت قضية المجاز لها كلام طويل وذيول طويلة - محلها في الفقه وعلوم القرآن كما تقدم بيانها في بعض الدروس.
قال الله سبحانه ﴿فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾ هل المراد عمى البصر أم عمى القلب؟ في قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124) ﵝطه : ﵔﵒﵑ - ﵕﵒﵑﵜ قوله ﴿وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ (طه: 125) يشهد إلى أنَّ المراد بالعمى : عمى البصر؛ لأنَّه كان بصيرا، ما معنى (كان بصيراً) : كان في الدنيا بصيراً يبصر بعينيه؛ فالمعنى أنَّ الله عز وجل يبتليه فيعمي بصره يوم القيامة عقوبة له، فعمي قلبه في الدنيا، وعمي بصره في الآخرة هذا يشهد لهذا المعنى ويشهد لهذا ما ذكره الله في أواخر ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵙﵜ فهذا أيضًا مما يتعلق بهذا المعنى على الوجه الثاني.
﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قالوا : المناسبة لقوله (وأضل سبيلاً) ما يكون عملا معنويا؛ فالمراد ﴿فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾ يعني : أنَّه أعمى، أعمى عن الحجة كما كان أعمى في الدنيا فهو بعمى القلب، بدليل قوله ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ويكون من باب الجزاء من جنس العمل؛ لكن بعضهم فرَّقَ بين الأولى والثانية، فقالوا : الأولى ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ﴾ (الإسراء: 72) يعني : وصف العمى؛ وأمَّا الثانية ﴿فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾ على أنَّها أفعل التفضيل؛ فالمعنى فهو في الآخرة أشدُّ عمًى، لذلك (أعمى) الأولى الوصف بالعمى؛ وأما أعمى الثانية فيها قولان، فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أي : (فهو في الآخرة) أيضًا أعمى فيكون المراد الوصف بالعمى أو أنَّ المراد : أشد عمىً بدليل قوله ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فهي على أفعل التفضيل أيضًا والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ لكن أشكل على بعض العلماء في ذلك أنَّها الآيات الدالة على أنَّ هؤلاء يرون يوم القيامة، فهناك آيات تدل على أنَّهم يرون في يوم القيامة وحينئذٍ ماذا يقال في مثل ذلك؟ في إثبات رؤية الكفار ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ (الشعراء: 91) ﵝالشُّعَرَاء : ﵑﵙﵜ ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾ (النازعات: 36) ﵝالنَّازِعَات : ﵖﵓﵜ إلى غير ذلك، فمن قال إنَّ المراد به عمى البصر؟ قال : إنَّهم حين يبعثون من القبور يرون، ثم بعد ذلك يصيبهم العمى عقوبة لهم لا سيما عند الحشر إلى النار، ولذلك ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: 97) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵙﵜ عند محشرهم إلى النار؛ لأنَّ الحشر متنوع منه ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (مريم: 85) ﵝمَرۡيَم : ﵕﵘ - ﵖﵘﵜ وأيضاً لأنَّ القول الثاني ﴿فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾ يعني : أعمى عن الحجة! كيف أعمى عن الحجة؟ ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: 22) ﵝق : ﵒﵒﵜ والحجج قد قامت أصلاً، يعني : يوم القيامة ينكشف الغطاء فلا يكون هناك عمى عن الحجة؛ ﴿أَنَّمَا﴾ تكون هناك اتضاح للمسائل والحقائق والعلم عند الله، لذلك رجحوا بذلك أنَّ المراد به عمى البصر، وهو العقوبة.
أو أنَّ المعنى ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يعني : أشد في ذلك عمى في القلب؛ لأنَّه حتى في يوم القيامة كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (المجادلة: 18) ﵝالمُجَادلَة : ﵘﵑﵜ على كل هما قولان مشهوران في ذلك، وقد خرج أصحاب المختصر من ذلك فقالوا (فهو يوم القيامة أشد عمى) فاستفدنا منهم أنهم فسروا (أعمى) الثانية على أنها أفعل التفضيل بغض النظر عن المراد بالعمى.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ العمى في الأصل إذا أطلق فالمراد به عمى البصر؛ فلما لم ينص عليه ونص على الأول بأنَّه عمى القلب، فالثاني هو عمى البصر ولعله أقرب والعلم عند الله تعالى.
﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (الإسراء: 73)
﴿وَإِن كَادُوا۟﴾ يعني : قاربوا ﴿لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾، (كادوا) : اقتربوا من أن يصرفوك عن الحق عن القرآن، عن الوحي من شدة خداعهم لك وحرصك عليهم، فأنت تحرص وتحاول جاهدا في أن تدعوهم، وفي أن يقبلوا دعوتك، وهم يريدون إضلالك ويريدون الاستجابة منك لهم، وقبول ما يعرضون عليك.
﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ﴾ (الإسراء: 73) لتفتري علينا غير القرآن أو لتدخل في القرآن ما ليس منه، أو أن تترك سب آلهتهم وتسفيه آلهتهم أو ما أشبه ذلك مما أرادوا!.
﴿وَإِذًا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (الإسراء: 73) أي : لو افتريت على الله كذباً أخذوك خليلاً صرت حبيباً لهم، ولاصطفوك حبيبا لكن هذا لم يقع؛ ولذلك يقول قائل : هل معنى ذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم افترى على الله؟
نقول : معاذ الله الآية تقول ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (الإسراء: 73) والمعنى شدة ما أرادوا بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ فالآية تصور أنَّ هؤلاء حاولوا جاهدين أن يضلوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يبعدوه عن الحق، وأن يجعلوه مفتريا؛ لكن الله حفظه كما قال الله ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ (النساء: 113) ﵝالنِّسَاء : ﵓﵑﵑﵜ ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ (الإسراء: 73)
وبعض العلماء قال : ﴿وَإِن كَادُوا۟﴾ يعني : قاربوا في ظنهم، إذًا هذا القرب في ظنهم، فيكون معنى ﴿وَإِن كَادُوا۟﴾ أي : في ظنهم أنهم قاربوا إغواءك، مع أنك في الحقيقة ثابت على ما أنت عليه صلوات الله وتسليماته عليه.
﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ (الإسراء: 73) لكنهم قالوا هنا (إنَّ ذلك كان بما يريدون من الرسول عليه السلام بقوة خداعهم وشدة احتيالهم مع حرص الرسول صلى الله عليه وسلم الحثيث على دعوتهم).
قال الله سبحانه ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74) إذًا الرسول ما ركن إليهم صلى الله عليه وسلم، ولم يفتن؛ ولكن الله حفظه وثبته، فقال ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74) لولا تثبيت الله إليك ﴿لَقَدْ كِدتَّ﴾ (الإسراء: 74) قاربت تركن إليهم تميل إليهم بعض الميل شيئًا قليلاً؛ لكن هذا لم يقع؛ لأنَّ الله ثبته، إذًا الآية تبين شدة هذه المحاولات وتكررها، وأنهم أرادوا للرسول صلى الله عليه وسلم أن يوافق في ما هم عليه ( اعبد إلهنا سنة أو اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة) وما أشبه ذلك مما قالوه للرسول صلى الله عليه وسلم وحاولوه معه، وقال الله ﴿وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 9) ﵝالقَلَم : ﵙﵜ وقال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (الكافرون: 1) ﵝالكَافِرُون : ﵑ - ﵓﵜ وقال الله ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس: 15) ﵝيُونُس : ﵕﵑﵜ
لكن تأمل جمال التعبير القرآني ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ﴾ (الإسراء: 74) كدتَ : معناها قاربتَ، يقال (كاد) فلان يفعل إذا قارب الفعل؛ لكنه ما فعل!، (كاد فلان يقتل فلانا) إذا قتل أو ما قتل؟ ما قتل! فتأمل ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ (الإسراء: 74) والمعنى : كنت ستقارب من الركون، ولم يقل : ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ﴾ ركنت إليهم أو ستركن إليهم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ (الإسراء: 74) تقارب ولم يقل ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ فقط؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74) وكأنَّ الله سبحانه والعلم عند الله يبين لنا صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقوة ثباته أنَّه لو لم يثبته كاد يميل إليهم شيئًا قليلا؛ وليس كثيراً، وكاد يميل وليس يميل! فكيف وقد ثبته ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾؟ فهذا كله من دلائل بُعدِ الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يغره كلام أولئك المشركين؛ لأنَّ الفطرة السليمة تأبى أن تقبل ما ادعاه أولئك المشركون من الشرك بالله رب العالمين.﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74)
﴿إِذًا لَّأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ (الإسراء: 75) ومن جهة أخرى يبين الله أنَّ هذا غير مقبول، لو ملت إليهم ميلاً قليلاً أو قاربت الميل ما قبلناه منك، فقال : إذًا لو وقع ذلك ﴿لَّأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾ (الإسراء: 75) أي : ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ أي : في العذاب، هذا لو قارب الميل إليهم شيئًا قليلاً، فكيف لو مال إليهم شيئًا كثيراً!! فهذا أيضًا فيه أنَّ الأمر غير مقبول وغير مستساغ، ولذلك الشرك لا مجاملة فيه ولذلك رب العزة في سورة الأنبياء لما أثنى على الملائكة ﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء: 26) ﵝالأَنبِيَاء : ﵖﵒﵜ وأثنى عليهم قال ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأنبياء: 29) ﵝالأَنبِيَاء : ﵙﵒﵜ لو فرضاً ادعى ملك أنه إله ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ لعذبه ما يقبل من ملك ولا من غيره.
فقال ﴿إِذًا لَّأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ (الإسراء: 75) وتقدم كما سمعتم أنَّ هذا في مقام النفي - في مقام النفي -؛ فالله يبرئ الرسول عليه الصلاة والسلام، ويبين أنَّه ما وقع منه ذلك وفيه أيضًا فضل الله عليه وأنَّ الرسول مثبت بتثبيت الله ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵗ - ﵕﵗﵜ وكأنَّ في هذا تذكيراً لما وقع لبني إسرائيل إذ قال الله ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِى وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 2) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵜ فاتخذوا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وكيلا! فضلوا!؛ وأمَّا الرسول فاتخذ الله وكيلاً فحفظه الله سبحانه.
قوله ﴿ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾ (الإسراء: 75) قالوا : (بعذاب مضاعف في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ وفي الآخرة)، بعض العلماء قالوا (ضعف الحياة) بعد البعث، يعني : بعد موته، وبعضهم قال : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾.
(وضعف الممات) في الموت، وبعضهم أثبت بذلك عذاب القبر قالوا : لأنَّ ضعف الممات يكون في حالة الموت، وهذا في القبر فاستدل به على ذلك على مذهب بعض المفسرين والعلم عند الله.
الحسنة منه أو أنَّ السيئة منه كبيرة، أو أنَّ الخطأ منه كبير، نسأل الله السلامة. وهذا فيه أنَّ المقام كلما علا؛ فإنَّ الثواب يعظم، وأنَّ العقاب يعظم؛ فالرسول لمكانته العالية إذا وقع منه ذنب فالأمر يكون أصعب، ولذلك قال الله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ﴾ (الحاقة: 44) ﵝالحَاقَّة : ﵔﵔ - ﵖﵔﵜ وقال الله أيضًا ﴿يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَـٰعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ (الأحزاب: 30) ﵝالأَحۡزَاب : ﵐﵓﵜ فكلما علا قدر الإنسان؛ فإنَّ
من فوائد الآيات
الإنسان كفور للنعم إلا من هدى الله : قال الله سبحانه ﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 67) ولعلكم تذكرون ما مضى في سورة إبراهيم ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34)
﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ﴾ دينها وكتابها هل عملت به أو لا، والله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ومخالفته لها : قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ﴾ (الإسراء: 71)
عداوة المجرمين والمكذبين للرسل ظاهرة بسبب الحق الذي يحملونه وليس لذواتهم : قال الله ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (الإسراء: 73) والمعنى ليست عداوتهم لشخص الرسول فهو إذا وافقهم أحبوه؛ لكن لأنَّ معه الوحي، ولأنَّه يتبع الوحي فحينئذ يبغضونه.
الله تعالى عصم النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الشر ومن البشر فثبته وهداه الصراط المستقيم ولورثته مثل ذلك على حسب اتباعهم له : ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 74) وقولهم (ولورثته مثل ذلك على حسب اتباعهم له) هذا فيه أنَّ الله سبحانه وتعالى حين أثنى على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ثبته؛ فمن اتبع الرسول فله نصيب من هذا التثبيت، ولذلك نص عدد من العلماء في قوله ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40) ﵝالتَّوۡبَة : ﵐﵔﵜ قالوا : ومن اتبع الرسول كان له نصيب من هذه المعية بحسب اتباعه وبحسب اقتداءه بالرسول صلى الله عليه وسلم وبقدر الكفاية تكون الكفاية، بقدر كفاية الاتباع وتمام الاتباع تكون تمام الكفاية من الله للعباد نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح ونقف عند هذا الحد والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدرس الثالث
قال الله سبحانه ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵗ - ﵗﵗﵜ
﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ (الإسراء: 76) ﴿إِن﴾ هذه هي المخففة من الثقيلة فالمراد بها تأكيد الكلام ودليل ذلك دخول اللام في قوله ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) وتقدم معنا مراراً أن هذه اللام يقال لها اللام الفارقة لأنَّها تفرق بين إن المؤكدة وبين إن النافية فالمراد هنا إثبات هذا المعنى وأن الكفار قد قاربوا أن يزعجوك ولذلك قالوا هنا في المختصر ولقد أوشك الكفار، تأملوا قولهم ولقد أوشك الكفار، فقولهم ولقد يدل على التحقيق وتأكيد هذا فهو تفسير لقوله ﴿وَإِن كَادُوا۟﴾ ولقد أوشك الكفار أن يزعجوك بعداوتهم إياك، وهذا معنى قوله ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) قارب الكفار وأوشكوا أن يزعجوك بعداوتهم إياك والإستفزاز الحمل على الترحل والخروج، فهم يحملون الرسول عليه الصلاة والسلام على الخروج من بلده دون عودة، هكذا يريدون وإلى هذا يطمحون.
﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ (الإسراء: 76) والمراد بالأرض هنا مكة لأنَّها البلدة التي أقام بها النبي صلى الله عليه وسلم في بداية حياته وبعد بعثته إلى أن هاجر إلى المدينة النبوية والمعنى ولقد أوشك الكفار أن يزعجوك بعداوتهم اياك ليخرجوك من مكة.
﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) الآية الكريمة تبين أن المشركين كانوا على عداوة شديدة للنبي صلى الله عليه وسلم وأنهم استفزوه وأرادوا أن يخرجوه من مكة المكرمة.
﴿وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 76) والمعنى لو أخرجوك ليس لهم بقاء بعد إخراجهم لك إلا مدة يسيرة ثم بعد ذلك يكتب الله عليهم الهلاك.
ثم قال ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 77) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵗﵜ