مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الإسراء — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 339 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 39) تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنَّ الله سبحانه وتعالى افتتح هذه الآيات التي تحدث فيها عن الحكمة بالحديث عن التوحيد ونبذ الشرك ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (الإسراء: 22) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵒﵜ وهنا في ختام تلك الآيات قال الله ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 39) وهذا يدل على أهمية التوحيد وعلى ذم الشرك وقبحه.

وقد ذكر بعضهم " أنَّ الله ختم تلك الآيات التي تحدث فيها عن الحكمة بثلاثة أوامر وثلاثة نواه؛ أما الثلاثة الأوامر فقوله (أوفوا بالعهد ) ﴿وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ﴾ ثم بعد ذلك قال وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ولا تمشي في الأرض مرحا وَلَا تَجْعَلْ ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ ۘ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ ۚ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾

بعض العلماء جعل هذا الجزاء المذكور في فاصلة الآية وخاتمتها ﴿فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 39) مناسب للآخرة ففي الآخرة يلام، ومعنى ( يلام ) يقال له : لما فعلت كذا وهذا من مناقشة الحساب، ولذلك في حديث عائشة رضي الله عنها حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ﴾ (الانشقاق: 7) ﵝالانشِقَاق : 7 - ﵘﵜ ففسره الرسول صلى الله عليه وسلم بالعرض وقال ((من نوقش الحساب عُذِّبْ ) فمناقشة الحساب : تعني العذاب؛ لأنَّ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ سأل عبداً لم فعلت؟ وما الذي حملك على هذا؟ وما عذرك في هذا؟ وقد أقيمت عليك الحجة! فلا يستطيع أن يجيب؛ فقال الله ﴿فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 39) لأنَّه إذا دخل جهنم - نسأل الله السلامة - فهذا لأن الله قد غضب عليه، ولأنَّ الله قد لعنه فنسأل الله السلامة، لذلك قالوا مطرودا عن كل خير، قال ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵓ - ﵐﵔﵜ

يرد الله سبحانه على دعوى المشركين في أنَّ لله سبحانه وتعالى أولادا فقال ﴿أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ﴾ (الإسراء: 40) قالوا هنا (يا من تدعون إن الملائكة بنات الله أفاختصكم ربكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون من الأولاد واتخذ لنفسه الملائكة بنات) فمعنى (أفأصفاكم)؟ يعني : أفاختصكم؟ وهذا الأسلوب المراد به الإنكار والتوبيخ؛ فالاستفهام في قوله ﴿أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم﴾ (الإسراء: 40) المراد به : التوبيخ والإنكار عليهم في هذا الأمر ﴿أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ﴾ (الإسراء: 40) هل اختصكم الله بالبنين فيجعل لكم الذكران ويختار لنفسه الإناث مع أنكم تتنقصون الإناث ولا ترضون لأنفسكم بها أو بهن؟ فقال ﴿أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا﴾ (الإسراء: 40) هذا داخل في حيز الإنكار ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: 40) وأنت إذا تأملت وجدت أن المشركين /أو أن جماعة من المشركين قالوا في الملائكة قولا زوراً من عدة أوجه :-

1-فابتداء زعمهم أنَّ الملائكة إناث.

3- والزعم الثالث أنهم صرفوا العبادة إلى الملائكة.

فجمعوا بين هذه الأمور الثلاثة من دعواهم أنَّ الملائكة إناث، والأصل أنَّ الملائكة لا يُتَكَلَّمُ فيهم بهذا الأمر فهم خلق خاص، والأمر الثاني :- أنهم جعلوا هؤلاء الملائكة بنات - وبنات للرحمن سبحانه وتعالى، ثم إنهم عبدوهم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ عز وجل، فوقعوا في القبائح الثلاثة فقال الله ﴿أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: 40) ﵝمَرۡيَم : ﵘﵘ - ﵙﵘﵜ (وتلاحظون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ - الإخوة الكرام - أنَّ السور حين تتجاور تتقارب المقاصد من جهة، وتتقارب المعاني التي تدخل في حيز المقاصد الكلية من جهة ففي سورة النحل وهي السورة المتحدثة عن النعم بصفة عامة كما تقدم جاء فيها ذكر هذه القضية ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) ﵝالنَّحۡل : ﵗﵕ - ﵐﵖﵜ تأمل هذا التفصيل الذي ورد في سورة النحل جاء هنا مختصر وجاء هنا موجزاً، وهكذا تجد في سور القرآن الكريم تجد أنَّ القضية تتكرر بيد أنها في موضع يأتي فيها التفصيل، وفي موضع تأتي مجملة، وفي بعض المواضع يفصل فيها من جانب، وفي بعضها يفصل من جانب آخر وبهذا تتعاضد الشواهد وتثبت في القلب، فكلما قرأ سورة استفاد، ولذلك لا يقرأ أحد القرآن الكريم إلا وجد خيراً كثيراً فضلا عن أنه ينتفع بذلك من حيث العبادة، ومن حيث الطاعة ومن حيث رقة القلب إلا أنه أيضًا ينتفع بذلك من حيث العلم وازدياده.فقال ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: 40) ثم قال :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟﴾ (الإسراء: 41) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵔﵜ إذاً قوله ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: 40) فيه بيان أنَّ هذا باطل من جهتين :-

1-الجهة الأولى : أنَّ الاستفهام جاء للإنكار والتوبيخ.

2-والجهة الثانية :- أنَّ الله قال ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: 40) قولا باطلا؛ لكنه في الموضع الآخر فصل القول في ذلك سبحانه وتعالى قال ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41) ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟﴾ (الإسراء: 41) قالوا هنا في المختصر (ولقد أوضحنا في هذا القرآن الأحكام والمواعظ والأمثال بها للناس ) فالأصل في التصريف التنويع فمعنى صرفنا؟ نوعنا لكن هذا التنويع مع الإيضاح لذلك هم لما قالوا (ولقد أوضحنا في هذا القرآن ) لم يسكتوا؛ وإنما قالوا (أوضحنا) ماذا؟ (الأحكام والمواعظ والأمثال ) وهذه أنواع موجودة في القرآن الكريم، فمن تصريف الله في القرآن :-

-أنَّ الله لم يجعل القرآن الكريم في باب واحد؛ وإنما منه ما يتحدث عن الاعتقاد /ما يتحدث فيه عن الأحكام / ما يتحدث فيه عن قصص الأنبياء والمرسلين عن المواعظ عن الأمثال، وما إلى ذلك.. ﴿لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41) وتأمل قوله ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41) مع أنَّ الكلام قبله كان بأسلوب الخطاب، الكلام قبل ذلك ﴿أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: 40) الأقلية ذكروا في هذا أسلوب التفات فقال هنا ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41) فهذا هو الالتفات الذي تقدم بيانه كثيرًا، قال ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41).

إذاً من فوائد تصريف القرآن وتنويع القرآن أن فيه تذكيراً للعباد، فالعباد يتذكرون وتتنوع لهم أبواب العلم فحينئذ يستفيدون من هذا الباب، ومن ذاك الباب. قال ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41) قالوا هنا (والحال أنَّ بعضهم ممن انتكست فطرتهم لم يزدد بذلك إلا بعدا عن الحق وكراهية له) واستفيد من ذلك أنَّ جملة ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41) (جملة حال ) يعني : ليذكروا! - والحال أنه ما يزيدهم هذا إلا نفورا وإعراضا عن الحق.

ثم قال الله ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵔ - ﵓﵔﵜ تلاحظون يا أيها الإخوة الكرام أنَّ هذه الآيات الكريمة يرد الله عز وجل فيها على عقائد المشركين فيما يتعلق بباب الإلهية - بما يتعلق بذاته/ بأسمائه وصفاته - وإلهيته -سبحانه وتعالى - وهذا كما تقرر مشهور جداً في السور المكية، والسورة تقرر عقيدة التوحيد، ثم ستنتقل لقضية الوحي وقضية الرسالة كما سنرى بإذن الله تبارك وتعالى ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ (الإسراء: 42) أي : كما يزعمون ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42)

قوله إذًا (إذًا) يعني : إذًا لطلبت تلك الآلهة ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟﴾ (الإسراء: 42) على من يعود ضمير في قوله ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) أي : إذًا لابتغوا أي : لابتغت تلك الآلهة؛ لكن تأمل قال ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) لم يقل إذَا لابتغت؛ لأنهم لما عبدوها صيروها عاقلة، وهي في الحقيقة ليست عاقلة من عبادتهم الأصنام وما إلى ذلك، ثم إنَّ قوله ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟﴾ (الإسراء: 42) يشمل العاقل وغير العاقل فأياً ما كان من يزعم الإله، ولو كان فيما يبدو للخلق أنه لديه عقل إلا أنه زعم الإلهية ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42).

قوله ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟﴾ (الإسراء: 42) يعني لابتغت تلك الآلهة ﴿إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) والمراد بذي العرش الله سبحانه وتعالى، والمقام مقام بيان عظمة الله سبحانه وأنه لا وجه للمقارنة بين المخلوق والخالق ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) ﵝالنَّحۡل : ﵗﵑﵜ، قوله ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) ما المراد بهذه الجملة؟ هذه الجملة فيها قولان مشهوران :-

1-اقتصروا هنا في المختصر على أحد القولين ماذا قالوا (إذا لطلبت تلك المعبودات المزعومة إلى الله ذي العرش طريقاً لتغالبه على ملكه وتنازعه فيه) إذًا معنى ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) يعني : لطلبوا الوصول إلى ذي العرش ليغالبوه ولينازعوه، إذا بهم ينازعون الله وينازعون عرشه، ويقضون عليه لو أرادوا /أو لو استطاعوا هذا هو المراد - على هذا القول - وتكون هذه الآية تشابه قول الله سبحانه وتعالى ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (المؤمنون: 91) ﵝالمُؤۡمِنُون : ﵑﵙﵜ فتكون هذه الآية نظيرة لهذه الآية أو مشابهة لها في المعنى. هذا أحد القولين.

2- القول الثاني :- أنَّ معنى قوله تعالى ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) : لو كانت هناك آلهة كما تزعمون فإنَّ هذه الآلهة ستعلم قدر الله، ومن ثم فإنها تخاف الله وترجو الله فستتوجه ﴿إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ تزلفا وتقربا إليه؛ فلماذا تصرفون لها العبادة وهي عاجزة وتعترف لله بالقدرة والعظمة وتكون هذه الآية على هذا المعنى شبيهة بالآية التي ستأتي بعد في سورة الإسراء بعد قليل ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: 57) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵕﵜ يعني : هذه الآلهة التي تعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ هي نفسها تتقرب وتتزلف إلى الله، وقد ذكر أنهم عبدوا مجموعة من العقلاء كعبادتهم لبعض الجن أو لبعض الملائكة فهم يعبدون الملائكة، والملائكة نفسها تخاف الله سبحانه وتعالى، ومن عبد عيسى وعيسى نفسه يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى! وهكذا.

إذًا يكون المعنى : ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) يعني : تزلفا بالتقرب إليه سبحانه وتعالى فلماذا يُتَوجَّه إليها مع أنَّ الله سبحانه وتعالى - هو المعبود الحق - وهي فقيرة إليه.

ومما رُجِّحَ به هذا القول : أنَّ الله قال هنا ﴿إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) ولم يقل : إذا لابتغوا على ذي العرش سبيلا التي تدل على معنى المغالبة مع أنه في الموضع الآخر قال (فإن أطعنكم ) - في شأن النساء - ونشوز النساء قال ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 34) ﵝالنِّسَاء : ﵔﵓﵜ لأنَّ المقام مقام مغالبة فهذا مما رُجِّحَ به هذا القول؛ لكن على كلٍ هما مشهوران - والعلم عند الله تبارك وتعالى -.

﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵔ - ﵓﵔﵜ

﴿سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ﴾ : تنزه سبحانه وتقدس عما يصفه به ﴿وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 43) سبحانه وتعالى ثم قال الله : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)

بعد أن سبَّح الله - وبيَّن أنَّ السماوات والأرض تُسبِّح أيضًا - وأنَّ من فيهن يسبح الله سبحانه فقال ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (الإسراء: 44) وقد اختلفوا في بيان حقيقة هذا التسبيح :-

فمن قائل يقول : يعني حالها - حال التسبيح -لأن التسبيح مما يفيده :الخضوع والانكسار لله وهذه السماوات خاضعة ومسخرة لأمره عز وجل.

ومنهم من أثبت لها تسبيحاً حقيقياً وهذا هو الأرجح؛ لأن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة، ولا يسار إلى المجاز إلا عند العجز عن حمل اللفظ على الحقيقة

ثم إنَّ قوله في الآية ﴿وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: 44) يدل على أنَّ هناك تسبيحاً خاصاً بهذه المخلوقات، وإن كنا لا نفقه هذا التسبيح، فلذلك القول الصحيح في ذلك أنَّ هذه المخلوقات لها تسبيح، وإن كنا لا نفقه هذا التسبيح، ومن ذلك قوله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَـٰٓفَّـٰتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (النور: 41) ﵝالنُّور : ﵑﵔﵜ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (الإسراء: 44) وتأمل قوله ومن فيهن لم يقل ﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ فهذا يدخل فيه الملائكة، وأيضاً لأنَّ التسبيح من شأن العقلاء؛ فكأنها بتسبيحها ارتفعت إلى هذا المقام، ﴿وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ﴾ (الإسراء: 44) إذًا بعد أن ذكر ٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴿ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ عمم أكثر فقال ﴿وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ﴾ (الإسراء: 44) وقد جاء في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ما يدل على ذلك (كتسبيح الحصى بين يديه صلى الله عليه وسلم / وتسبيح الطعام وهو يؤكل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم) فهذا يدل على أنَّ الجمادات تسبح الله عز وجل والحجر الذي كان يسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فما يمنعه أن يسبح ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾!

قال الله سبحانه ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: 44) ولما كان هذا علما خفيا ناسب أن يعبر عنه بالفقه؛ لأنَّ الفقه يستعمل مع العلم الدقيق فهذا شيء لا يدركه الإنسان، ويخفى على أكثر الناس ولا يعلمون حقيقة لذلك قال ﴿وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)

يذكر في هذا الباب أنَّ المخلوقات كلها تسبح الله جل وعلا فمن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يسبح ربه عز وجل، وهذا معناه أنَّ العبد حينما يغفل عن تسبيح الله فهو يعارض المسار العام الذي يسير عليه الكون؛ فالإنسان حين يغفل عن تسبيح الله عز وجل معناه أنه يصادم الكون، يصادم المخلوقات، هي في باب، وهو في اتجاه آخر، ومن هنا يقع التصادم لذلك كثير ممن يشكو كثيراً من المشكلات والهموم وأنَّ الأمور لا تسير على وفاق قد يرجع هذا في غالب الأحوال إلى ضعف الذكر، وإلى قلة تسبيح الله سبحانه وتعالى، وذلك ما قرره بعضهم حينما قال (إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي) فكذلك وإني لأسبح الله فأرى ذلك في موافقة امرأتي ودابتي والمخلوقات من حولك، وهكذا قال الله ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵔﵜ والتعبير (بالحليم) : جميل وجليل في هذا المقام؛ لأنَّ العبد حينئذ يحتقر نفسه، فهو يغفل عن التسبيح كثيراً؛ لكن الرب حليم وغفور، يعني : ربي سبحانه وتعالى يقبل منكم اليسير، وإذا تبتم إليه تاب عليكم سبحانه وتعالى، ومن اللطائف في معنى ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44) فمن حلمه : أنكم لا تطيقون ولا تدركون ولا تفقهون هذا التسبيح؛ لأنَّه تصور لو أنَّ المخلوقات من حولنا تسبح بصوت نعلمه! كيف كنا سنعيش؟ لو أنَّ الإنسان وهو يسير وجد الثوب والحذاء - أعزكم الله - يسبح! والساعة التي في يدي تسبح! نعم بل والجوارح تسبح!! ماذا كان يصنع؟ فمن رحمة الله وحلمه بالعبد أنَّ الإنسان لا يفقه سبحان الله! ﴿إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44) ثم قال :

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾

هنا انتقلت بنا الآيات انتقالا آخر، وهو الحديث عن قضية الوحي وقضية النبوة لذلك نستطيع أن نقول : هذه الآيات فيها تقرير النبوة؛ فالآيات السابقة كان فيها تقرير للتوحيد وبيان الأوامر الإلهية والنواهي أيضاً، ثم بعد ذلك انتقلت السورة إلى :- (الحديث عن القرآن / إلى الحديث عن الوحي / الحديث عن الرسالة ) عن مواجهة هؤلاء المشركين لدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام.

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾

ما معنى قرأت القرآن؟ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ (الإسراء: 45) هنا قالوا في التفسير (وإذا قرأت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول القرآن ) لكن كما صححه عدد من المفسرين؛ فالمراد بالقراءة هنا : إرادة القراءة فتكون الآية كقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98) ﵝالنَّحۡل : ﵘﵙﵜ وتأمل سورة النحل بينت ماذا علينا أن نصنع عند قراءة القرآن، وهنا بينت حال هؤلاء المشركين معه - مع القرآن الكريم - وأيضاً كيف أيد الله النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة القرآن.

إذًا الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيد من عند الله، ومأمور بالاستعاذة أيضًا ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ﴾ (النحل: 98) وأيضاً ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾

كلمة ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (الإسراء: 45) واضحة : جعلنا حجاباً حاجزاً حائلاً؛ لكن ما معنى ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (الإسراء: 45) هنا؟ قالوا هنا في التفسير (﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بيوم القيامة حجاباً ساترا يمنعهم من فهم القرآن عقابا لهم على إعراضهم ) إذًا ﴿حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (الإسراء: 45) بمعنى ساتراً، فيكون مفعول بمعنى فاعل، وهذا مشهور في اللغة أنَّ كلمة (مفعول) قد تأتي بمعنى (فاعل) كما أنَّ كلمة فاعل قد تأتي بمعنى مفعول، وذكروا هذا في قوله تعالى ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق: 6) ﵝالطَّارِق : ﵖﵜ فيقولون :-

﴿مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق: 6) يعني : من ماء مدفوق، فهذا يقولون من باب تناوب الصيغ أن تأتي صيغة على وزن مفعول بمعنى فاعل أو العكس.

بعض العلماء لا يختار هذا ويقول هذا خلاف الأصل فلا يسار إليه إلا عند العجز عن إدراك هذه الصيغة، لم يأتِ الحديث (حجاباً ساتراً) صحيح أنَّ الفواصل تقتضي هذا أيضاً.

ولذلك بعضهم يوجه برعاية الفاصلة، ما معنى الفاصلة؟ الكلمات التي قال (غفورا، وبعدها نفورا، مسحورا) إذًا المناسب : (مستورا) وليس ساترا؛ لكن كما تقرر في بعض المناسبات أنَّنا لا نكتفي بالتوجيه برعاية الفاصلة؛ لأنَّ هذا توجيه لفظي، والقرآن الكريم أسرار لا تتوقف عند الألفاظ؛ وإنما ما يكون فوق الألفاظ وهو المعاني؛ لأنَّ المعاني هي الأصل، وجاءت الألفاظ للتعبير عن هذه المعاني على كلٍ : في كلمة ( مستورا ) معنى جليل، وهو أنَّ الحجاب نفسه مستور، فكأنَّه حجاب فوق حجاب إذًا قوله ﴿وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ﴾ هل هذا الحجاب يرونه؟ هو حجاب بينه وبينهم وهم لا يرون الحجاب، فما دليل أنهم لا يرون الحجاب؟ كلمة (مستورا) إذًا كلمة (حجابا) بينت أنَّ هناك حاجزاً، وهذا الحاجز نفسه لا يُرَى فلذلك قال (مستورا)، على كلٍ : هم فسروا هنا الآية أنَّ معنى ﴿ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ بمعنى أنَّهم يمتنعون عن فهم أو يمنعهم الرب من فهم القرآن عقاباً لهم على إعراضهم، إذًا هذا من باب العقاب عن الإعراض يشهد لهذا المعنى ما جاء بعده في الآيات ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الإسراء: 46) ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى نظير لذلك في سورة فصلت ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) ﵝفُصِّلَت : ﵕﵜ فقوله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ (فصلت: 5) تفسير لقوله ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ لأنَّه قال ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ (الإسراء: 46) وهي مذكورة وقال بعدها ﴿وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الإسراء: 46) وهي مذكورة فيما ذكر من آية فصلت ﴿وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ (فصلت: 5) وهي مذكورة في قوله ﴿حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (الإسراء: 45)

لكن هناك قول ثان في الآية أيضًا وله وجاهته :- أنَّ معنى قوله سبحانه ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ ليحفظك الله من كيدهم، بمعنى أنَّك حينما تقرأ القرآن - إذا مروا على الرسول - وهو يقرأ القرآن فإنَّ الله سبحانه وتعالى يجعل بينه وبينهم حجابا، هم لا يرون الحجاب ولا يرون الرسول، فلا يُؤذَى الرسول صلى الله عليه وسلم من أحد منهم، ويشهد لهذا المعنى " ما وقع من أم جميل - امرأة أبي لهب - حينما جاءت ومعها فهر /معها الحجارة تريد أن تضرب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تلقمه الحجارة حينما بلغها أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يسبهم " والمقصود أنَّ الله أنزل القرآن في ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: 1) ﵝالمَسَد : ﵑﵜ فجاءت لم ترَ الرسول عليه الصلاة والسلام، تريد أن تلقمه أو أن ترميه بالحجارة لم ترَ الرسول فيدخل في ذلك معنى قوله ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ والعلم عند الله تبارك وتعالى.

إذًا أيضًا الآية فيها معنيان قريبان في هذا الباب والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال الله سبحانه ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًا﴾ (الإسراء: 46)

ولذلك هم أيضًا قالوا آيه ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ﴾ (فصلت: 5) ﵝفُصِّلَت : ﵕﵜ إذًا قلوبهم فيها أكنه ما معنى أكنه؟ قالوا هنا (سيرنا....أغطية حتى لا يفهموا القرآن) ما معنى (جعلنا)؟ صيَّرنا، لذلك قالوا ﴿وَجَعَلْنَا﴾ (سيرنا على قلوبهم أغطية) ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ (الإسراء: 46) يعني : حتى لا يفقهوه، لا يفقهوا القرآن؛ لأنَّهم لا يستحقون فهمه ﴿وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الإسراء: 46) (وفي آذانهم صمماً حتى لا يسمعوه - سماع انتفاع -) وتأمل قولهم (سماع انتفاع) لأنَّه قد يسأل سائل هنا، وهنا تأتي مسألة وهي مسألة العذر بالجهل فقد يقول قائل : كيف أنَّ الله قضى عليهم بأنَّهم مشركون؟ وقد قامت عليهم الحجة أنهم يستحقون العذاب مع أنَّ الله نفى عنهم الفقه؟ ونفى عنهم السماع؟ أو نفى عنهم العلم؟

فيقال المراد بذلك الانتفاع بهذه الآلات، هم سمعوا لكن لم ينتفعوا بالسماع، هم رأوا لكن لم ينتفعوا بالرؤية فهذا معنى ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ (البقرة: 18) ﵝالبَقَرَةِ : ﵘﵑﵜ هم : صم بكم مع أنَّ معهم الآلات، معهم آلة السمع معهم آلة الكلام، معهم آلة الإبصار أو الرؤية؛ لكن المنفي هنا نفي الانتفاع، فأقيمت عليهم الحجة لكنهم لن يستفيدوا منها، فلما نفاها أي : نفى الانتفاع بها والله تعالى أعلم.

قال ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًا﴾ (الإسراء: 46) قالوا هنا في التفسير (﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ﴾، ولم تذكر آلهتهم المزعومة رجعوا على أعقابهم متباعدين عن إخلاص التوحيد لله سبحانه وتعالى ) تأمل قوله ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ﴾ (الإسراء: 46) كلمة (وَحْدَه) ما الذي تفيده؟ هنا في التفسير قالوا (ولم تذكر آلهتهم المزعومة ) إذا وجدوك تذكر ربك ولا تذكر الآلهة المزعومة ﴿وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًا﴾ (الإسراء: 46) إذًا يكون معنى كلمة (وحده) أي :

1-بدون ذكر الآلهة.

2-أو أن يكون معنى ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ﴾ (الإسراء: 46) يعني : ذكرته موحداً بأن ذكرت لا إله إلا الله لأنَّ هذا هو الذي كان يقلقهم، وهذا الذي كان يؤرقهم، وهذا الذي جعلهم يستكبرون ﴿إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: 35) ﵝالصَّافَّات : ﵕﵓﵜ.قال الله ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ﴾ (غافر: 12) ﵝغَافِر : ﵒﵑﵜ وقال ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ﴾ ﵝالزُّمَر : ﵕﵔﵜ فهذا كله يشهد لهذا المعنى ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًا﴾ (الإسراء: 46) متباعدين عن إخلاص التوحيد لله.

﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ (الإسراء: 47)

﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ﴾ (الإسراء: 47) الأصل أنَّ مادة الاستماع تتعدى بنفسها، فتقول : نحن أعلم بما يستمعونه لكن هو قال ﴿يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ﴾ (الإسراء: 47)

1-فالباء يمكن أن يقال إنها للملابسة، يستمعون بالشيء الذي يلابسهم عند السماع، وهو السماع الذي لا ينتفعون به.

2- أو أن هنا ما يقال له : التضمين، وتقدم معنا مراراً أنَّه قد يأتي الفعل بمعنى فعل آخر ليتضمن معنى آخر فيكون معنى ﴿يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ﴾ (الإسراء: 47) يستهزئون؛ لأنَّهم لا يقصدون بالاستماع الفائدة؛ إنَّما يقصدون الاستهزاء، فكأنَّ المعنى : نحن نعلم بما يستمعونه ويستهزئون به، فاستغنى عن ذكر الاستهزاء بتعدي الفعل بالباء فقال ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ﴾ (الإسراء: 47)

يعني : ذو نجوى أو : إذ هم يتناجون ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ﴾ (الإسراء: 47) فعبَّر بالمصدر على سبيل المبالغة أو على التقدير كما هو معلوم ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ (الإسراء: 47)

﴿إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ (الإسراء: 47) ولم يقل : إذ يقولون، لماذا؟ لتسجيل الظلم عليهم؛ فالمعنى : إنَّ هؤلاء من أوصافهم الظلم فهذا من وضع الظاهر في موضع المضمر ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ (الإسراء: 47) يقصدون الرسول عليه الصلاة والسلام، رموه بأنَّه مسحور وهو صلى الله عليه وسلم بريء من ذلك ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ (الإسراء: 47) مسحورا : يعني :

1- رَجلٌ سُحِرَ، فلما سُحِرَ صار يقول كلاماً يهذي به، فإذا كان يقول هذا الكلام الذي يهذي به فلم تعجزون عنه! ومن المعروف أنَّ الذي يقول كلاماً ليس له قدر ولا قيمة يمكن محاكاته فكيف يكون مسحورا؟! هذا من جهة.

2-وبعضهم فسر مسحورا بمعنى : له سحر، يعني : له رئة فيؤول المعنى إن تتبعون إلا رجلا بشراً فيكون المعنى من قبيل أنَّهم رفضوا دعوة الرسول ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 94) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵙﵜ

﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 48)

﴿ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ﴾ (الإسراء: 48) قالوا هنا (تأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لتعجب مما وصفوك به من صفات مذمومة فانحرفوا عن الحق وحاروا فلم يهتدوا إلى طريق الحق)، ومن الأمثال تعداد كلامهم كأن قالوا عنه شاعر قالوا عنه كاهن قالوا عنه مجنون قالوا مسحور إلى غير ذلك).

قال ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 49)

تأمل هذا انتقال إلى قضية البعث وهكذا السور المكية غالبًا تجد بينها انتقالاً، تقرر عقيدة التوحيد، تقرر النبوة، وتقرر قضية البعث والآخرة فقوله ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 49)لمناقشتهم في قضية خاصة تتعلق بقضية البعث ذكرها الله سبحانه وتعالى في الوحي في القرآن الكريم.

من فوائد الآيات

الزعم بأنَّ الملائكة بنات الله افتراء كبير وقول عظيم الإثم عند الله عز وجل : قال الله ﴿أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: 40)

أكثر الناس لا تزيدهم آيات الله إلا نفورا لبغضهم للحق ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل : قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًا﴾ (الإسراء: 46) وقال ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (الإسراء: 41)

ما من مخلوق ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ﴾ يسبح بحمد الله تعالى فينبغي للعبد ﴿إِلَّا﴾ تسبقه المخلوقات بالتسبيح : قال الله ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)

من حلم الله على عباده أنَّه لا يعاجلهم بالعقوبة على غفلتهم وسوء صنيعهم فرحمته سبقت غضبه : وهذا من أسرار ختم الآية بقوله ﴿إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)

قال الله سبحانه ﴿قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (الإسراء: 50)

هذا رد على قولهم : ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 98) فرد الله عليهم وقال ﴿قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (الإسراء: 50) يعني : إن استطعتم!، فتقدير الكلام : ﴿كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ إن استطعتم ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ﴾ (الإسراء: 51) وهنا جاء أسلوب الترقي، كونوا حجارة! الأشد من الحجارة : الحديد ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ﴾ (الإسراء: 51) يعني : يعظم في صدوركم إن شئتم أن تكونوا جبالاً كونوا إن شئتم أن تكونوا سماوات! كونوا إن شئتم أن تكونوا أي شيء مهما علا قدره وعلت قوته فكونوا!.

﴿قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (الإسراء: 50) لذلك قالوا هنا (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول كونوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون أن استطعتم حجارة في شدتها أو كونوا حديداً في قوته ولن تستطيعوا ذلك) فلذلك فيه تحد وبيان أنهم عاجزون عن هذا المعنى، ﴿قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (الإسراء: 50) والمعنى الله يبعثكم وأنتم عظام، وأنتم رفات، وأنتم أقوى من ذلك في كل الأحوال لا يعجزه شيء كما قال الله ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (لقمان: 28) ﵝلُقۡمَان : ﵘﵒﵜ

﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الإسراء: 51) قولهم ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ (الإسراء: 51) هم من البداية ينكرون أصلاً بدليل قوله ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (الإسراء: 98) لكنهم : كأنهم يقولون من باب التسليم الجدلي لو فرضنا يا محمد أنَّ هناك بعثاً فمن الذي يعيدنا؟ وفيه معنى التهكم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبدعوته وبالوحي الذي أنزل عليه!

﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ (الإسراء: 51) فجاء الجواب المفحم وهو ما يسمى كما ذكره بعضهم بالأسلوب الحكيم فالإنسان قد يسأل سؤالا يقصد به التهكم وهو لا ينتظر جوابا؛ لأنَّه لا يقر به ولا بأصله فيأتيه الجواب وكأنَّه سؤال لشخص عاقل يريد أن يعرف الجواب، فلو أنَّ المسلم قال من يعيدنا؟ سيأتيه الجواب : الله سيعيده؛ لكن الكافر لما سأل، ما سأل على سبيل الاستفهام، على سبيل التعلم؛ إنَّما على سبيل التهكم، ومع ذلك جاء الجواب : ﴿قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الإسراء: 51) وكأنَّه جواب عن سؤال يحتاج إلى جواب مع أنَّه في الأصل أُرِيدَ به التهكم /أو أنَّه نزلهم منزلة المستفسر الذي أُشكِل عليه الأمر، ويحتاج إلى جواب، ثم إنَّ الجواب جاء بطريقة عجيبة، وهو بيان الجواب والدليل على الجواب، وهذا كثير جدًا في القرآن الكريم.

ولذلك من يتأمل أجوبة القرآن يجد في ذلك خيراً كثيراً، ويتعلم منه أسلوب الرد، وأسلوب المناظرة والجواب ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ (الإسراء: 51) ما قال : ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله، قال ﴿ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الإسراء: 51) وكأنَّ المعنى ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ : الله لأنَّه فطركم أول مرة، هو الذي خلقكم أول مرة، فما الذي يمنعه فهو دليل على أنَّه يعيد، وعلى أنَّه قادر ﴿إِنَّهُۥ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾

قال الله سبحانه ﴿قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ (الإسراء: 51) فسينغضون قالوا هنا (فسيحركون رؤوسهم ساخرين من ردك عليهم) وهذا معنى : فسينغضون، إذًا (سينغضون ) معناها : ويميلون لكن على سبيل السخرية؛ إذًا (سينغض إليك رأسه ) : يميل رأسه ويحركه على سبيل السخرية، قال ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ﴾ (الإسراء: 51) لذلك قالوا هنا (ويقولون مستبعدين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذه الإعادة) وهذا تكرر في القرآن كما تقدم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الملك: 25) ﵝيُونُس : ﵘﵔﵜ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (السجدة: 28) ﵝالسَّجۡدَة : ﵘﵒﵜ

قال الله ﴿قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51) تأمل أيضًا الجواب : ﴿قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51) لماذا تستبطئونه وتستبعدونه؟ ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 52)

قالوا ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ (الإسراء: 52) (يوم يناديكم) إذًا بما يتعلق قوله ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ (الإسراء: 52) قالوا هنا (يوم يناديكم) ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ﴾ كيف يدعوهم الله؟

قال عدد من المفسرين : الدعاء هنا المراد به النداء إلى أرض المحشر، ويكون ذلك بالنفخ في الصور فالنفخ في الصور : دعاء ﴿يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ (القمر: 6) ﵝالقَمَر : ﵖﵜ فبعضهم قال المراد به : النفخ في الصور لأنَّه إذا نُفِخ في الصور ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر: 68) ﵝالزُّمَر : ﵘﵖﵜ فهذه دعوة إلى الذهاب إلى المحشر أو إلى الخروج إلى أرض المحشر.

قال ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ﴾ قوله ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ﴾

1-قالوا هنا (فتستجيبون منقادين لأمره حامدين إياه ) يستجيب الجميع وهو يحمد الله؛ لأنَّه يعلم أن الذي صنع ذلك وقدر ذلك هو الله العظيم فيحمد الخلق كلهم ربه سبحانه وتعالى، إذًا ما معنى﴿ۡ بِحَمۡدِهِۦ ﴾ يعني : فتستجيبون حامدين ربكم سبحانه وتعالى، ولذلك ذكر الله أيضًا بعد دخول أهل الجنة ودخول أهل النار كما في سورة الزمر ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الزمر: 75) ﵝالزُّمَر : ﵕﵗﵜ قال بعضهم : قال الجميع؛ لأنَّ المقام يدل على أنَّ الله مستحق للحمد لعظمته وقوته وقدرته وعدله حتى أهل النار حينما يدخلون النار يعلمون أنَّ الله ما ظلمهم

2-وبعض العلماء يقول ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ﴾ إنَّها بمثابة : فتستجيبون ولله الحمد، وهذا يجري في نهاية الكلام، كما يقال لك هل فعلت كذا؟ تقول : فعلت ولله الحمد؛ فيكون هذا من هذا الأسلوب ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ﴾ يعني : كأنه المعنى ولله الحمد

3-وبعضهم يقول : يقولون سبحانك اللهم وبحمدك

4-وبعضهم يقول : (بحمده) أي : بطاعته أو بمعرفته.أقوال كثيرة.

قال ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 52) أي : إنكم ما مكثتم في الأرض إلا زمنا قليلاً، لأنَّكم ترون أنَّ الدنيا فانية، وأنها قد ذهبت بسرعة، وأنَّ ما تستقبلونه أعظم، وهذا دلت عليه آيات كثيرة، كقوله ﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (المؤمنون: 112) ﵝالمُؤۡمِنُون : ﵒﵑﵑ - ﵓﵑﵑﵜ وإن كان بعضهم يجعل ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ : توقنون إن لبثتم إلا قليلاً.

قال ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53) هذا عجيب! الآيات السابقة كانت تتحدث عن غطرسة المشركين، وعن معاندتهم وعن نفورهم وردت عليهم الآيات بقوة ثم يأتي بعد ذلك باب اللطف والرفق مع هذا كله ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53) لا تغفلوا وأنتم تدعون إلى الله سبحانه وتعالى عن الدعوة بالتي هي أحسن ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53) وكأن هذا له صلة بما سبق في آخر النحل ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53) قالوا هنا (يقولون الكلمة الطيبة عندما يحاورون ) وهنا قال ﴿ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: 53) يعني: التي هي أفضل من غيرها، وهذا معناه أنَّ الإنسان إذا كانت لديه كلمتان إحداهما حسنة والأخرى حسنة قدم الحسنى على الحسنة؛ فالإنسان يتخير الأفضل في كلامه.

﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء: 53) تأمل ماذا قالوا هنا في المختصر؟ قالوا (ويجتنب الكلمة السيئة المنفرة لأنَّ الشيطان يستغلها فيسعى بينهم بما يفسد عليهم حياتهم الدنيوية والأخروية) وهذا وجه الاقتران بين قوله ﴿يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء: 53) والمعنى: إن لم يقولوا ذلك فإنَّ الشيطان ﴿يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ فكثير من نزغ الشيطان راجع إلى الكلام، أكثر نزغ الشيطان بدأه من الكلام بأن ينقل كلام أو أن يسمع شخص كلاما من فلان أو من علان فحينئذٍ ينزغ الشيطان بينه، ولذلك جاء في الحديث H0.

﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53) عداوته راسخة عدواً مبيناً ظاهر العداوة.

﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 54)

﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ (الإسراء: 54) لا يخفى عليه شيء من أمركم ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ (الإسراء: 54) سبحانه قالوا هنا (بأن يوفقكم للإيمان والعمل الصالح) إذًا من الرحمة هنا : الرحمة في الدنيا فيدخل فيها التوفيق للإيمان، ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ (الإسراء: 54) عذاباً بأن يخذلكم عن الإيمان، ثم بعد ذلك يلحقكم العذاب

﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 54) أي : وما بعثناك عليهم وكيلا تجبرهم على الإيمان وتمنعهم من الكفر، وتحصي عليهم أعمالهم، إذًا ما معنى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 54) وقد مضى معنا في مواضع عديدة ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108) ﵝيُونُس : ﵘﵐﵑﵜ ما معنى ذلك؟ (وكيلا ) تشتمل أو تحتمل أكثر من معنى (وكيلا) يعني :-

1-لست مجبراً لهم ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ (الغاشية: 21) ﵝالغَاشِيَة : ﵑﵒ - ﵒﵒﵜ هذا من معانيه 2-وأيضاً من معاني ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 54) يعني : تحصي الأعمال، وأيضاً تحاسبهم ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ (الغاشية: 25) ﵝالغَاشِيَة : ﵕﵒ - ﵖﵒﵜ فالحساب إلى الله سبحانه وتعالى ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ (المائدة: 99) ﵝالمَائـِدَة : ﵙﵙﵜ كل هذا في هذا المعنى ثم قال الله :

﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55) بعد أن قال ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ (الإسراء: 54) عمم فقال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (الإسراء: 55) فهذا من العموم بعد الخصوص بعد أن قال ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ (الإسراء: 54) قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55)

﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (الإسراء: 55) عادت الآية للحديث عن قضية النبوة والوحي، لماذا تنكرون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وتنكرون أنَّ الله اختص محمدا صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأنَّه جعله رسولاً، فهناك أنبياء ورسل؛ لكن الأنبياء والرسل بينهم شيء من التفاضل، فقال ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55) وقوله ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (الإسراء: 55) كما أثبت الله التفاضل بين الرسل فقال ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (البقرة: 253) ﵝالبَقَرَةِ : ﵓﵕﵒﵜ وهناك في آية سورة البقرة عن ما ورد في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام من النهي عن المفاضلة بين الأنبياء؛ فلا تعارض بين نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفاضل بين الأنبياء أو المفاضلة بين الأنبياء وبين قوله ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (البقرة: 253) وقول ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (الإسراء: 55) ومما قيل في ذلك :

أنَّ النهي موضعه إذا أدى إلى خصومة؛ لأنَّ الحديث ورد في الخصومة التي وقعت بين المسلم وبين اليهودي، فحينئذ يمنع التفاضل.

أو أنَّ المراد منع التفاضل في أصل النبوة والرسالة؛ لأنَّها عند الله سبحانه وتعالى.

أو المراد منع التفاضل بالتشهي والهوى لست أنت الذي تفضل؛ ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يفضل هو الله سبحانه وتعالى، إذًا التفضيل راجع إلى رب العزة سبحانه،وليس إلى البشر. فقال ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (الإسراء: 55)

4-وبعضهم قال : إنَّ هذا التفضيل جاء على سبيل العموم، وما ورد على سبيل النهي فهو التخصيص بأن يقال ( فلان أفضل من فلان تحديداً ) (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ عليه السلام )؛ وأما الذي لا يمنع هو التفضيل على سبيل العموم كأن يقال : أفضل الأنبياء / أفضل المرسلين وما إلى ذلك، والعلم عند الله.

على كل فما جاء من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك له ملابساته، وله ما يتعلق به كما تقدم في تفسير سورة البقرة.

ثم قال ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55) فخص داوود بالذكر، والزبور الكتاب المنزل على داوود عليه السلام، والعلم عند الله أنَّ ذكر داوود له مناسبة بصدر سورة الإسراء في ذكر بني إسرائيل، ولهم تعلق بداوود عليه السلام، فقد آتى الله داود زبوراً وقبلته وتقولون داوود ونبي الله داود ورسوله داوود، فما يمنعكم أن تقروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم! وتكون السورة الكريمة نوعت الحديث، فمرة ترد على شبهات المشركين وتطرحها، وتارة أخرى ترد على شبهات بني إسرائيل وتطرحها دون أن تُطنِب فيها لأنَّ السورة مكية على خلاف ما هو في السور المدنية والعلم عند الله تبارك وتعالى.قال الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55)

﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 56)

﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ﴾ (الإسراء: 56) يعني : دفع الضر عنكم ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ قال (يملكون نقله إلى غيركم لعجزهم) ومن كان عاجزا لا يكون إلها، يعني : كيف تعبدون هذه الآلهة؟ وهي لا تملك كشف الضر ولا تملك تحويل الضر من شخص إلى شخص فهي عاجزة فكيف تعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؟ هنا جعلوا ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ من شخص إلى آخر، ولذا قالوا (ولا يملكون نقله إلى غيركم ) ويدخل في التحويل تحويل الصفات للشخص الواحد، فيدخل في معنى ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ من شخص إلى شخص ومن حال إلى حال، لا يملكون تحويل حالكم من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة، ومن صحة إلى مرض؛ ليس بإمكانهم ذلك، فلا يستطيعون تحويل أحوالكم فضلاً عن تحويل أحوال غيركم ولذلك مما أُمِرنا أن نقوله ودُعينا إليه (لا حول ولا قوة إلا بالله).

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: 57)

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ (الإسراء: 57) يعني : الذين يصرفون إليهم العبادة، إذ كانوا يعبدون الجن /يعبدون عيسى / يعبدون الملائكة ﴿يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ (الإسراء: 57) هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم التقرب بالطاعة، وهذا معنى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: 57) ما المراد بالوسيلة؟ يتقرب به إلى الله من العمل الصالح، ولذلك الوسيلة : بمعنى الوصيلة يعني ما يتوصل به إلى القرب من الله سبحانه وتعالى، كما جاء في قوله وتقدم معنا أيضًا في تفسير سورة المائدة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ (المائدة: 35) ﵝالمَائـِدَة : ﵕﵓﵜ.

﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ (الإسراء: 57) إذا كان هؤلاء الذين تعبدونهم يرجون رحمة الله ويخافون عذاب الله! فما أحوجكم إلى أن تكونوا كذلك ترجون رحمة الله، وتخافون عذابه، وأن تتوجهوا إلى الله مباشرة دون أن تتوجهوا إليهم قال ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ (الإسراء: 57) ولعلكم تذكرون إنَّ هذا أحد الوجهين في قوله ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 42) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵔﵜ ويشهد لهذا المعنى في الآية التي معنا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ (الإسراء: 57) سبب نزول الآية في هؤلاء الذين كانوا يعبدونهم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ مع أنهم كانوا يتقربون إلى الله - أعني تلك الآلهة - التي عبدوها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه وتعالى.

وفي قوله ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ (الإسراء: 57) فيه أنَّ العابد المتقرب إلى الله بالعمل الصالح يجمع بين الجناحين جناح الرجاء وجناح الخوف ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: 57) ما معنى محذورا؟ مما ينبغي أن يُحذَر، ينبغي أن يحذره الإنسان، إذًا عندنا في السورة ( محظورا ومحذورا ) قال الله ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵒﵜ ما معنى محظورا بالظاء؟ ممنوعا. عطاء الله غير ممنوع.

وما معنى محذورا؟ ينبغي أن يُحذَر وأن يُتَّقى.

قال الله سبحانه ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا﴾ (الإسراء: 58)

﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (الإسراء: 58) ما المراد بالقرية هنا؟ هل المراد به عموم القرى والمدن؟ فتكون الآية عامة، وحينئذ يأتي السؤال فما سبب إهلاكها قبل يوم القيامة؟ وهل تهلك قرية من القرى بدون ظلم؟

1-هذا قولٌ قال به فريق إذ قالوا : إنَّ المراد بالهلاك : الإماتة، فمعنى ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (الإسراء: 58) يعني : مميتوها، فالهلاك يطلق على الموت، ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ﴾ (غافر: 34) ﵝغَافِر : ﵔﵓﵜ وقال ﴿إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ﴾ (النساء: 176) ﵝالنِّسَاء : ﵖﵗﵑﵜ يعني : مات، فكل من في قرية من القرى لا بد أن يموت، والمعنى : الكل ميت لا محالة؛ إمَّا أن يموت موتا دون تعذيب، وإمَّا أن يكون بعذاب، فتبقى الآية على عمومها دون استثناءات، والمعنى : أنَّ الكل فانٍ، الله هو الباقي هذا على هذا القول. ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (الإسراء: 58).

2-أو والمعنى كقوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: 26) ﵝالرَّحۡمَٰن : ﵖﵒﵜ ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ﴾ (القصص: 88) ﵝالقَصَص : ﵘﵘﵜ من هذا القبيل.

﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (الإسراء: 58) بسبب الظلم، بسبب البغي ﴿كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا﴾ (الإسراء: 58) والذي اختاره عدد كبير من المفسرين قالوا : إنَّ في الآية وصفاً مقدَّرا؛ فالمعنى : وإن من قرية ظالمة؛ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ أو معذبوها ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا﴾ ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًا، وهذا هو الذي اختاروه هنا لذلك قالوا في المختصر (وما من قرية أو مدينة من القرى الكافر أهلها) من أين أتوا (بالكافر أهلها) بالتقدير من أين أتوا بالتقدير؟ قالوا من السياق، وجعلوا الهلاك هنا المراد به عذاب الاستئصال فمعنى ﴿إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ (الإسراء: 58) : مستأصلوها استئصالا عاماً، أو معذبوها كتعذيب البعض تلو البعض ونحو ذلك أو تعذيب من كفر بالله منهم، أو من ظلم لذلك قالوا (منزلون بها العذاب والهلاك في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ بسبب كفرها أو مبتلوها بعقاب قوي بالقتل أو غيره بسبب كفرها).

﴿كَانَ ذَٰلِكَ﴾ (الإسراء: 58) أي : ذلك الإهلاك والعذاب ﴿فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا﴾ (الإسراء: 58) يعني :قضاء إلهياً مكتوباً في اللوح المحفوظ، ويشهد هذا المعنى قال الله ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ﴾ (القصص: 59)، وقال ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود: 117) ﵝهُود : ﵗﵑﵑﵜ إلى غير ذلك من الآيات التي تشهد لهذا المعنى، وعلى هذا القول والعلم عند الله أنَّه قد يحذف الوصف ومع ذلك فيكون أثره ومعناه ولكن يكون السياق دالا عليه وهذا قليل من حيث اللغة، ولذلك الأصل أنَّ النعت أو الوصف لا يُحذَف لأنَّه إذا حُذِفَ فإنَّه تذهب فيه النفس كل مذهب ويصعب تحديده إلا إذا دلَّ السياق عليه ولذلك قال ابن مالك :

.......وفي النعت يقل

يعني : (حذف النعت يقل) غير مشهور أنك إذا حذفت النعت! من أين عرفت أن النعت هنا (ظالمة أو أنه كافرة أو أنه صالحة )؛ لكنه في بعض المواضع القرآنية، وهذا من عجائب القرآن في إيجازه أنَّه لما حذف الوصف كان المعنى أبلغ فهنا احتمل أكثر من معنى، فدخلت معان أخرى، وسيأتينا تفصيل لذلك أكثر بإذن الله تعالى في سورة الكهف، ونحن نتكلم عن السفينة في قصة الخضر عليه السلام بإذن الله تبارك وتعالى.قال ﴿كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا﴾ (الإسراء: 58).

من فوائد الآيات

القول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾؛ فإنَّ من ملك لسانه ملك جميع أمره : قال الله ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵕﵜ ولذلك قالوا : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده.... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم ولذلك قالوا (هو صغير جِرمه عظيم جُرْمُه)

فاضل الله بين الأنبياء بعضهم على بعض عن علم منه وحكمة : قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55)

الله لا يريد بعباده إلا ما هو الخير ولا يأمرهم إلا بما فيه مصلحتهم : ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ (الإسراء: 54)

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة