سورة الإسراء — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ﴾ (الإسراء: 13) ملازمة القلادة للعنق فلذلك قال ﴿طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ﴾ (الإسراء: 13) هذا قول،
2- هناك قول ثان أنّ المراد بالطائر : التقدير، وكل إنسان ألزمناه تقديره الذي قدره الله عز وجل عليه فلا ينفك عنه، إذًا فإنّ الطّائر فيها قولان، القول الأوّل: وهو العمل، والقول الثّاني: أنّه التّقدير.
قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَـٰقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6) ﵝالانشقاق : ﵖﵜ فدلّ ذلك على معنى العمل. وأيضاً قال الله سبحانه: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾ (النحل: 36) ﵝالنّحل : ﵖﵓﵜ وهذا أيضًا من معاني الطّائر.
قال الله سبحانه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ (الإسراء: 13) ﵝالإسراء : ﵓﵑﵜ، قالوا يجده أمامه مفتوحًا مبسوطا".
﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 14) ﵝالإسراء : ﵔﵑﵜ
﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ﴾ (الإسراء: 14) أي : نقول له يومئذٍ: "اقرأ كتابك"، تأمّل هنا ماذا قالوا في التّفسير ((ونقول له يومئذٍ: "اقرأ!"))
لأنّ قوله "اقرأ" إذًا هناك من يخاطبه، وهذا كثيرٌ في القرآن الكريم، أن يكون فعل القول مقدرًا يدل عليه السّياق، لأن القرآن كما تقدم فيه إشارات وفيه لمحات، وهو يحمل المستمع والقارئ على أن يتعامل مع النص القرآني على أنه كتاب عظيم وجليل من رب عظيم سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه: ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 14) فما المراد بالكتاب هنا؟ كتاب الأعمال، صحائف الأعمال
﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) ﵝالإسراء : ﵕﵑﵜ
﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ﴾ (الإسراء: 15) قالوا هنا (من اهتدى إلى الإيمان فثواب هدايته له، ومن ضل فعقاب ضلالة عليه) هذا مناسب لقوله ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 14) هناك من يوفق/ هناك من يخذل /هناك من اهتدى /هناك من ضل.
﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ (الإسراء: 15) تأمل وانظر في هذه الآية، وانظر ما ذكر الله عن بني إسرائيل سابقا ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (الإسراء: 7) ﵝالإسراء : ﵗﵜ فهناك جزاء دنيوي وهناك جزاء أخروي.
قال ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 15) قالوا هنا (ولا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى)، إذًا ما معنى وازرة؟ يعني آثمة لا تتحمل نفس آثمة وزر نفس أخرى آثمة، بمعنى لكل نفس إثمها لكل إنسان أو على كل إنسان ما جناه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 15) أي : لا يتحمل شخص حمل نفس أخرى.
قوله سبحانه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 15) هذا فيه دلالة على كمال عدل الله سبحانه وتعالى، وأنّ الله لا يظلم أحدا، وتقدم أنه لا تعارض بين هذه الآية ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 15) وقوله سبحانه ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) ﵝالنّحل : ﵕﵒﵜ لأنهم حينما يحملون الأوزار فهي أوزار الإضلال فهو وزر الضلال ومعه وزر الإضلال فهذا عمله أيضًا ولا ينقص من أوزار الضالين شيئًا.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) قالوا هنا (وما كنا معذبين قوما حتى نقيم عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم).
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) قالوا هنا ما المراد بالتّعذيب الدّنيا أم الآخرة؟
1- فبعضهم يقول: المراد بالتّعذيب في الدّنيا، بدليل ما جاء بعدها في الآية ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا﴾ (الإسراء: 16) ﵝالإسراء : ﵖﵑﵜ فقالوا : يعني لا يقضي الله بتعذيب قريةٍ ولا أمّةٍ حتّى يبعث فيها رسولًا وتقام عليها الحجّة، ويترتّب على ذلك العذاب في الآخرة، وهو القول المشهور إن معنى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ (الإسراء: 15) أي في الآخرة ﴿حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) أي لهم في الدنيا فيقيم عليهم الحجة، وهذا فيه دلالة على العذر بالجهل لذلك فالآية الكريمة تشهد لهذا المعنى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) فلم يعذبهم الله سبحانه وتعالى بدلالة العقل وحدها؛ فالعقل يدل على أن الله واحد لا شريك له، وأنه الخالق والرازق ومع ذلك لم يجعل الله العذاب موكولا إلى وجود العقول وإنما بإرسال الرسل.
﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) ﵝالإسراء : ﵖﵑﵜ
هنا في الآية إشكال ما الإشكال؟ أن الله قال ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا﴾ (الإسراء: 16) فهل يأمرهم الله بالفسق؟ معلوم أن الله لا يأمر بالفسق ﴿قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ (الأعراف: 28) ﵝالأعراف : ﵘﵒﵜ
وهنا قال ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا﴾ (الإسراء: 16) أولا ما المراد ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16)؟ قالوا هنا : (من أبطرتهم النعمة)، إذًا المراد بالمترفين من أبطرتهم النعمة، ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا﴾ (الإسراء: 16) ( كيف هذا؟ ) ما المراد بالأمر هنا؟
قالوا هنا :- تقديرٌ أي أمرنا مترفيها بالطّاعة ففسقوا فيها، وما الدّليل على هذا التّقدير؟ قوله ﴿فَفَسَقُوا۟ فِيهَا﴾. لأنّ ٱلفسق معناه : الخروج عن الطّاعة، إذًا قال ﴿فَفَسَقُوا۟ فِيهَا﴾ يعني : خرجوا عن الأمر، إذًا هنا تقديرٌ ولذلك أحسنوا هنا في المختصر إذ قالوا ( أمرنا من أبطرتهم النّعمة بالطّاعة فلم يمتثلوا)
تأمل قولهم بالطّاعة لماذا؟ لأنه قد يقول قائلٌ: كيف يأمرهم بالفسق؟ يقال : لا ما أمرهم بالفسق؛ إنّما يأمرهم بالطّاعة ثمّ هم ففسقوا عنه ﴿فَفَسَقُوا۟ فِيهَا﴾ هذا قول.
هناك قولٌ ثانيٌّ: إنّ الأمر هنا : الأمر الكونيّ، يعني : قدّر الله عزّ وجلّ عليهم أن يفسقوا فيها، فيكون بالأمر ٱلكونيّ القدريّ، ويكون هذا قريبًا ممّا جاء سابقًا في قوله ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ (الإسراء: 4) ﵝالإسراء : ﵔﵜ هذا من القضاء الكوني أيضًا والعلم عند الله.
ثم هناك قول ثالث ويشهد له القراءة الأخرى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (الإسراء: 16) فيكون المراد بذلك أي : كثَّرنْا فمعنى ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ (الإسراء: 16) يعني : كثَّرنا مترفيها، فكثر المترفون، وحينئذ ففسقوا فيها ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) وهذا فيه أنه من سنن الله سبحانه وتعالى إهلاك القرى الظالمة ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ﴾ (القصص: 59) ﵝالقَصَص : ﵙﵕﵜ فإذا كانت القرية ظالمة فإنَّ الله سبحانه وتعالى يقضى بهلاكها ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا﴾ (الإسراء: 58) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵕﵜ وسيأتينا الكلام على هذه الآية قريبا بإذن الله تبارك وتعالى.
قال ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵑﵜ تأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم كيف أن هاتين الآيتين الكريمتين قد جمعتا بين التبعة الفردية والتبعات الجماعية، فالذي يتكلم في هذا الباب حينما يتكلم عن السنن الاجتماعية، هناك ما يتعلق بالفرد وهناك ما يتعلق بالجماعة، فما يتعلق بالفرد ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 15) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵑﵜ وما يتعلق بالجماعة ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16)
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِنۢ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 17) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵑﵜ
﴿كَمْ﴾ هنا خبرية؟ لذلك فسروها فقالوا وما أكثر الأمم، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ يعني؟ كثير من الأمم.
من فوائد الآيات:
من اهتدى بهدي القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره قال الله سبحانه ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵜ لكن تأملوا قولهم هنا في الفائدة (من اهتدى بهدي القرآن كان أكمل الناس وأقومهم ) فالآية تتحدث عن أنَّ القرآن يهدي للطريقة الأكمل والأتم، إذًا ومن اتبعها فهو الأكمل والأهدى، فهذا وجه الدلالة.
التحذير من الدعاء على النفس والأولاد بالشر ﴿وَيَدْعُ ٱلْإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلْخَيْرِ﴾ (الإسراء: 11) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵑﵜ
اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقص وتعاقبهما وضوء النهار وظلمة الليل كل ذلك دليل على وحدانية الله ووجوده وكمال علمه وقدرته قال الله ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ﴾ (الإسراء: 12) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵑﵜ الآية
تقرر الآيات مبدأ المسؤولية الشخصية عدلًا من الله ورحمةً بعباده قال الله ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الإسراء: 15) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵑﵜ
قال الله سبحانه ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵑﵜ
قد يسأل سائل ويقول هؤلاء المترفون ما الذي حملهم على ما هم عليه من ترف؟ وما الذي جعلهم يستحقون الهلاك؟ فالجواب أنهم أرادوا العاجلة وأثروها على الآخرة، ولذلك لما قال الله في سورة القيامة ﴿بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ﴾ (القيامة: 5) ﵝالقِيَامَة : ﵕﵜ قال بعد ذلك ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾ (القيامة: 20) ﵝالقِيَامَة : ﵐﵒﵜ وهنا قال ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) هنا قالوا في المختصر (من كان يقصد بأعمال البر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ ولا يؤمن بالآخرة ولا يلقى لها بالا، عجَّلنا له فيها ما نشاؤه نحن لا ما يشاؤه هو من نعيم لمن أردنا أن نفعل ذلك به).
فجعلوا ذلك في من يريد العاجلة بأعمال البر والذي يبدو لي -والله أعلم- أنَّ الآية أعم من ذلك فيدخل فيها الفريقان يدخل فيها المرائي الذي يرائي بأعمال البر، ويريد دنيا وبين الذي لا يفكر في أعمال البر أصلا وإنما همه كله الدنيا ونسي الآخرة، فتشمل الآية الأمرين لذلك بقاء التعلق مطلقا أولى ليعم هذا وذاك.
فقوله ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ﴾ (الإسراء: 18) سواء أراد بذلك أعمال البر أم غيرها من أمور الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ (الإسراء: 18) وهذه الآية الكريمة خصصت الآية في سورة هود لأنّّ الله قال هناك ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) ﵝهُود : 13 - ﵖﵑﵜ فقالوا ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا﴾ هذا معناه أنه سيصل إليه ما يريد وسيحقق الله له أمله لكن الله قال هنا في الآية ﴿عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ (الإسراء: 18) وأيضا في قوله في سورة الشورى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْءَاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ ﵝالشُّورَى : ﵐﵒﵜ قوله ﴿نُؤْتِهِۦ مِنْهَا﴾ ليست على الإطلاق، ﴿أَنَّمَا﴾ نؤته منها ﴿مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾، لذلك قد يأتي آت ويقول : وهناك من أراد الدنيا ولم يعط، وهناك بعض أهل الدنيا لا يعطون لا دنيا ولا آخرة، ونرى من أهل الدنيا من يكون فقيرا، ومن يكون ذليلاً ومهينا ثم هو في الآخرة في جهنم وبئس المصير نسأل الله السلامة، إذًا نقول : لأن الله عز وجل قيد هنا فقال ﴿عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ (الإسراء: 18) لا ما يشاء هو وإنما ما يشاء الله ﴿لِمَن نُّرِيدُ﴾ (الإسراء: 18) لمن أراد الله سبحانه وتعالى ﴿عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ (الإسراء: 18) بالقدر الذي يشاءه الله ﴿لِمَن نُّرِيدُ﴾ (الإسراء: 18) لمن أراد الله سبحانه ليس للجميع، فلذلك لا يشكل هذا الأمر أن هناك بعض طالب الدنيا لم ينالوا دنيا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يحرموا الآخرة أيضًا.
﴿عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) والذي حمل أصحاب المختصر وكذا من كان على هذا من علماء التفسير أن يجعلوا هذا في المرائي لأن الآية بعدها جاءت في المخلص ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵑﵜ لكن قد يقول قائل وهو مؤمن في مقابلته الكافر والكفار على أنواع، منهم من لا يفكر في أبواب البر أصلا، ومنهم من يتقرب لكن يجعل الله أعماله هباء منثورا كقوله سبحانه ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ (إبراهيم: 18) ﵝإِبۡرَاهِيم : ﵘﵑﵜ الآية الكريمة.
قال ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) تأمل هنا الوصف ﴿مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18) قالوا مذموما على اختياره الدنيا وكفره بالآخرة مطرودا من رحمة الله سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵑﵜ
﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ قصد ثواب الآخرة بأعمال البر ﴿ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا﴾ قالوا هنا (وسعى لها سعيها الخالي من الرياء والسمعة بأن يكون مخلصا لله سبحانه وتعالى).
وهنا في الآية ملحظ جليل وهو ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء: 19) مع أنَّ السعي قد يقال إنه مستفاد من قوله ﴿سَعَىٰ﴾ لأن من سعى فله سعي، لكن الله لم يقل وسعى لها وهو مؤمن ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا﴾ (الإسراء: 19) وكان هذا فيه إشارة إلى أن للآخرة سعيا خاصا لا بد أن يراعيه، إذًا مَنْ أراد أن يسعى إلى الآخرة فيقال له نعم؛ لكن الآخرة لها طريق لا بد أن تسلك هذا الطريق، إذًا طريق الآخرة يحتاج منك إلى أمرين الأمر الأول إلى أن تسعى إليه، والأمر الثاني أن تسعى السعي الذي يوصلك فلا يكتفى مثلًا بأن الإنسان يريد الجد في السفر هو جاد في السفر لكنه صار من غير الطريق سار على غير الطريق الموصلة فإنه لم يصل، فهذا قوله ﴿وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا﴾ (الإسراء: 19) وأيضا من سعي الآخرة الإخلاص، فلذلك قالوا هنا (الخالي من الرياء والسمعة) ويؤكد هذا المعنى ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ لأن تحقيق الإيمان ينافي الرياء، لأن عليه أن يخلص لله سبحانه وتعالى.
قال ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء: 19) يشكره الله سبحانه وتعالى ويتقبله، وتقدم أنه من معاني الشكور أنه يُعطى الكثير على العمل القليل سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵒﵜ
﴿كُلًّا نُّمِدُّ﴾ (الإسراء: 20) قالوا هنا في التفسير (نزيد كلا من هذين الفريقين الفاجر والبر من عطاء ربك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول دون انقطاع)، تأمل قولهم نزيد كلا استفدنا من هذا أن ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20) مفعول به مقدم فقول ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20) أصل الكلام نمد كلا لذلك قالوا نزيد كلا ﴿هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ﴾ إذًا قوله ﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾ هذا بدل مفصل من مجمل، بدل فصل الكلام السابق بمعنى نمد كلا، من كلا؟ هؤلاء وهؤلاء؟ وهم البر والفاجر المذكورون في قول ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ﴾ (الإسراء: 18) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵑﵜ والمذكورون في قوله ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵑﵜ
﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵒﵜ
بعض المفسرين نقل الإجماع على أن المراد بعطاء ربك في قوله ﴿مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾ (الإسراء: 20) أي الدنيا، لأن قوله ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾ (الإسراء: 20) لا يقال المراد به عطاء الآخرة، لأن عطاء الآخرة كما قال الله ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﵝالزُّخۡرُف : ﵕﵓﵜ إذا ما المراد بالعطاء هنا عطاء الدنيا، قال ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20) أي ممنوعا عن أحد برا كان أو فاجرا، لذلك فالله يُعطي الدنيا للمؤمن والكافر والبر والفاجر، ولذا قال الله ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ (المؤمنون: 55) ﵝالمُؤۡمِنُون : ﵕﵕ - ﵖﵕﵜ.
﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْءَاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵒﵜ
قالوا هنا (فضلنا بعضهم على بعض في الدنيا في الرزق والمراتب)، إذًا هناك تفضيل بين الناس في الدنيا في الرزق والمراتب، ولذلك قال ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ﴾ (النحل: 71) ﵝالنَّحۡل : ﵑﵗﵜ وقال ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ﴾ (الزخرف: 32) ﵝالزُّخۡرُف : ﵒﵓﵜ إذًا هذا موجود؛ لكن قوله سبحانه ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (الإسراء: 21) بعض العلماء أدخل في هذا التفضيل، فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ في الهدى والرشاد، فهذا من مواضع التفضيل ﴿وَلَلْءَاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ فقالوا كما أنه في الدنيا كان هناك تفاضل في العمل وفي الإيمان هناك التفاضل الأعظم في الآخرة في الجنة درجات ﴿وَلَلْءَاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وهذا فيه إثبات أن الآخرة درجات وأن الجنة درجات.
قال الله سبحانه ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (الإسراء: 22) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵒﵜ
هذه الآية الكريمة بداية جملة من الآيات، حدثنا الله فيها عن بعض مواضع الحكمة، ولذلك بعد أن ذكر الله وصايا كثيرة قال ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ (الإسراء: 39) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵓﵜ قال بعضهم بدايتها من قوله ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ﴾ (الإسراء: 22) هذا بداية المنهيات، لذلك من هذه الآية سنجد أن الآيات التي جاءت بعده إما نهي وإما أمر، نهانا الله عن شيء أو أمرنا بشيء وغالب الأشياء التي ذكرها الله في ذلك من الأبواب الاجتماعية من بر الوالدين وصلة الأرحام وإيتاء ذي القربى وعدم التبذير في النفقة ومن عدم قتل ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ والنهي عن الزنا والوفاء بالعهود، كل هذه أمور اجتماعية، لكن بدأها الله بقضية التوحيد وختمها بقضية التوحيد ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (الإسراء: 22) فهناك أيضًا ختمها الله بقضية التوحيد وبدأها بقضية التوحيد، وهذا يدل على أن التوحيد في الأول وفي النهاية في البداية وفي النهاية ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ (الإسراء: 22) قالوا عند الله وعند عباده الصالحين، لا حامد لك، لا يحمدك أحد ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (الإسراء: 22) لا ينصرك أحد، وهناك سيأتينا إن شاء الله ﴿فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 39) ﵝالإِسۡرَاء : ﵙﵓﵜ بعضهم جعل ﴿مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 39) في الآخرة يلام بأن يقال له بما فعلت، في الدنيا يذم وفي الآخرة يلام لما فعلت هذا، وهنا قال ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (الإسراء: 22) يخذل لا ينصر له وهناك قال ﴿مَّدْحُورًا﴾ بأن يكون مطرودا من رحمة الله سبحانه وتعالى نسأل الله السلامة.
قال ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: 23) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵒﵜ
لعلكم تذكرون ما تقدم ذكره من أن القضاء في هذه الآية هو القضاء الشرعي فمعنى ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ﴾ يعني وأمر ربك، وصى ربك.
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ (الإسراء: 23) ذكر الله الإحسان إلى الوالدين بعد العبادة بعد الأمر بالتوحيد كما هو كثير في القرآن الكريم أو كما هو متكرر في القرآن الكريم قال الله سبحانه ﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ (النساء: 36) ﵝالنِّسَاء : ﵖﵓﵜ وقال ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ﴾ (لقمان: 14) ﵝلُقۡمَان : ﵔﵑﵜ.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵒﵜ
قوله عندك إشارة إلى أن الأب والأم في الأصل يكونان عند ابنهما لأن قوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ﴾ (الإسراء: 23) إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن (عند) الأصل فيها أنها تفيد ظرف المكان فهذا معنى الجوار، وأن الأب يكون مع ولده هذا هو الأصل إلا إذا احتاج.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ (الإسراء: 23) قالوا هنا (فلا تتضجر منهما بالتفوه بما يدل على ذلك)، لذلك قالوا كلمة ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23) معناها : اتضجر، قالوا : اسم فعل مضارع بمعنى : اتضجر، قالوا وهي أقل كلمة في التأفف، والمعنى : ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ ومن باب أولى لا تقل لهما ما فوق ذلك، فلماذا نص على التأفف وعلى هذه الكلمة؟ لأنَّها أدنى ما يكون من الإيذاء، فإذا منع الأدنى منع الأعلى من باب أولى كما تقدم معنا قريبا في قوله ﴿ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ﴾ (الإسراء: 1) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵜ إذًا بارك الله حول المسجد الأقصى؛ فالمسجد الأقصى من باب أولى وكذلك هنا ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵒﵜ قالوا ولا تنهرهما لا تزجرهما ولا تغلظ عليهما في القول ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23) فيه لين ولطف.
إذًا ما معنى القول الكريم؟ قالوا : قول فيه لين ولطف هذا معنى الكريم، وفسره بعض السلف رحمهم الله أنه قول العبد المقصر المذنب الجاني للسيد الغليظ الجافي، يعني الإنسان إذا كان عبدا وكان جانيا وعاصيا وأمامه سيده الشديد الجافي الغليظ، كيف يتكلم معه؟ العبد في الأصل إذا كلم السيد فإنه يكلمه بأدب واحترام لأنه سيده، فكيف إذا كان العبد جانيا؟ وكيف إذا كان السيد غليظا جافيا؟ قالوا هكذا يتكلم الابن مع أبيه.
قال الله ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23) وكذلك يتكلم الابن مع أمه.
﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵒﵜ تواضع لهما
﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾ (الإسراء: 24) قالوا (وتواضع لهما ذلا ورحمة)، والمراد ﴿جَنَاحَ ٱلذُّلِّ﴾ (الإسراء: 24) التواضع وقالوا الأصل أن الجناح يكون للطائر؛ لكنَّ هذا فيه معنى لطيف قالوا لأنَّ فضلا عن الاستعارة المذكورة في ذلك قالوا أيضًا فيه كناية من جانب آخر وهو أن الطائر ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يضم إليه فراخه أو فرخة فإنه كما قال الله يخفض جناحه للدلالة على الرحمة والشفقة، وكذلك إذا لم يكن في باب التحرك وأراد أن يضع جناحه فإنه كما قال الله ﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ﴾ (الإسراء: 24) فإنه يخفض الجناح للدلالة على التواضع، ففيه دلالة على التواضع من جهة ودلالة على الرحمة من جهة أخرى فضلا عن الاستعارة الموجودة فيها.
قال ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24) هذا فيه الدعاء للوالدين بهذا الدعاء المبارك وفيه أيضًا أنه من أعظم المهمات التي على الوالدين أن يراعيها في الولد التربية.
إذًا ماذا يصنع الأبوان؟ التربية، لذلك ورد عن الأئمة مراعاة ذلك فكان أحدهما يحدث الناس في المسجد والناس يجلونه ويقدرونه فإذا رأى أمه كان الأمر على خلاف ذلك من الخوف ومن القلق ومن الإضطراب ومن التواضع ومن السكينة وما إلى ذلك.
قال ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًا﴾ (الإسراء: 25) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵒﵜ
قالوا هنا (ربكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس أعلم بما في ضمائركم من الإخلاص له في العبادة وأعمال الخير والبر بالوالدين) ﴿إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًا﴾ (الإسراء: 25) بعض العلماء ذكر أن في الآية لفتة جميلة وهي أن المراد بهذه الآية التيسير على عباد الله الصالحين لأن العبد الصالح قد تقع منه بعض الهفوات والأخطاء فربنا يقول ﴿إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ﴾ (الإسراء: 25) إن كنتم في الأصل على الصلاح ﴿فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًا﴾ (الإسراء: 25) للرجاعين له سبحانه وتعالى غفورا فإذا وقع من الإنسان خطأ في حق والديه أو في حق ربه سبحانه وتعالى ثم بادر بالتوبة وهو في الأصل على صلاح فيرجى له بفضل الله سبحانه المغفرة وقبول التوبة.
وبعض العلماء يرى أن الآية فيها أسلوب احتباك، ما وجه الاحتباك؟ تقدم معنا أن الاحتباك معناه الحذف المقابل، يذكر شيء ويحذف شيء وفي المقابل يذكر شيء ويحذف شيء فيدل ما ذكر على ما حذف في كلٍ، قالوا التقدير هنا : ﴿إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ﴾ وأوابين فإنه كان للصالحين محسنا وللأوابين غفورا، فلما ذكر للأوابين دل على أن المعنى ﴿إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ﴾ وأوابين، ولما ذكر ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًا﴾ أيضًا وللصالحين، فالمعنى ﴿إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ﴾ وأوابين فإنه كان للصالحين محسنا وللأوابين غفورا سبحانه وتعالى.
﴿وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء: 26) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵒﵜ
بعد أن وصى الله بالوالدين وأمرنا بالإحسان اليهما أمر بإيتاء ذي القربى حقه فقال ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ (الإسراء: 26) والمراد بذي القربى القريب، فقريبك له حق وهذا من صلة ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الإسراء: 26) المنقطع في السفر ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء: 26) النهي عن التبذير، والأصل في التبذير تفريق المال وتوزيعه في غير ما أحل الله سبحانه وتعالى فهذا هو التبذير، فالتبذير إسراف لكن مادة التبذير تدل على التفريق يعني أنه فرق ماله فيما لا يرضي الله عز وجل وقد ذكر عدد من أهل العلم أن التبذير ما كان في معصية؛ وأما ما كان في طاعة فإنه لا يعد تبذيرا، إذا كان الإنفاق في طاعة مع مراعاة حقوق كل صاحب حق فإنَّ هذا ليس من التبذير، أعط كل ذي حق حقه ولذلك فإنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجميع ما له ما عتب عليه النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولكن يقال على المرء أن يراعي الحقوق الأخرى فحق أهله حق زوجه حق أولاده وما إلى ذلك إذا راعى ذلك وانفق، فما أنفق في باب الطاعة فلا يعد مسرفا، ولا يعد مبذرا، وإنفاق درهم واحد في محرم من الإسراف والتبذير، لذلك بعض الناس إذا جاء ليرتكب بعض المعاصي فيقول : أنا الحمد لله غني وهذا لا يضرني في راتبي، ولا يضر في ماله، فنقول له ولو كان الأمر كذلك فإنَّ درهما واحدا في حرام في معصية من التبذير، وأن أموالا كثيرة في طاعة الله ليست من التبذير، ولذلك قال أحد الناس لرجل خيرٍ من أهل الطاعة، ومن أهل الإنفاق في سبيل قال له : لا خير في سرف لماذا تسرف؟ تنفق أموالك في أبواب الخير وتظن أن هذا خير؟ لا خير في سرف هو يفهم السرف خطأ، فقال له ولا سرف في خير، فعكسها عليه، ويقول لا خير في سرف قال لا سرف في خير هو في باب الخير فلا يعد من الإسراف.
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء: 26) فكأن المعنى فإنَّ بذرت فإنَّ المبذرين ﴿كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ (الإسراء: 27) والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم لكن أُمرت به الأمة كما في قوله ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ﴾ (الإسراء: 22) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵒﵜ والرسول إمام الموحدين صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة وهو يقتدي بالخليل إبراهيم عليه السلام ويدل على هذا أنه أحيانًا يأتي الخطاب للرسول ويراد به الأمة قوله في الآية ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ (الإسراء: 23) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵒﵜ ووالدا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت لم يكونا موجودين، فالنبي صلى الله عليه وسلم ولد كما هو معلوم وأبوه كان قد مات قبل ولادته وأمه ماتت وهو صغير ومع ذلك خاطبه الله بقوله ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ إذًا المراد به الأمة فهذا من الأدلة على أن الخطاب قد يتوجه إلى النبي والمراد به أمته صلى الله عليه وسلم.
﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 27) ﵝالإسراء : ﵗﵒﵜ كانوا إخوان الشياطين يعني هو مقارن للشيطان مثل الشيطان، فالشيطان عاصي لله سبحانه وتعالى وهذا عاصي لله عز وجل والإخوة تأتي بمعنى الاقتران والموافقة ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (الزخرف: 48) ﵝالزّخرف : ﵘﵔﵜ في التوافق والاقتراب، فكذلك قال ﴿كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ (الإسراء: 27) وكفى بهذا ذمًّا شديدًا للمبذر، أن يكون أخا للشيطان ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 27) فلا تكن مثل الشيطان وتكفر بنعم الله سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات :
يـنـبـغـي للإنـسان أن يـفـعـل مـا يـقـدر عليـه مـن الـخـيـر ويـنـوي فعـل مـا لـم يـقـدر عليه ليـثاب علـى ذلـك. ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ ﵝالإسراء : ﵙﵑﵜ ولـذلك يـجـب عليـه أن يـجـمـع بـيـن أمـريـن: الأمر الأول : الإرادة الصّـادقة، والأمر الثّـاني : الـعـمـل الصّـادق، فإنَّ فاته الـعـمـل وعـجــز عـنـه فلا تـفـوتـه النّـيّـة، ولـذلك كان الـإمـام أحـمـد يـقـول لـإبنه: يا بــنـيّ إنوى الـخيـر؛ وإن لـم تعـمـل بـه؛ فإنـك لا تـزال بـخـيـرٍ مـا نويـت الـخـيـر، لـذلك قــالـوا: "نـيّـة الـمـرء أكـبــر مـن عـمـله" وقـد ورد فيـهــا حديث "نـيّـة الـمـرء خــيرٌ مـن عـمـله"، هو حـديــثٌ ضعـيـفٌ، لـكـن مـعـنـاه صـحـيـحٌ، فـيـنـبـغـي أن تـسـبـق النّـيّـة الـعـبـد بـأن تـكـون سـابـقـةً لـه دافـعـةً لـه، فـإن وفّق لـلـعـمـل بـما نـوى فهــذا خــيـرٌ وإن عــجــز عـن الـعـمل فلا أقـلّ مـن أن يـثـاب عـلى النّـيّـة، مــن بــاب (مـن همّ بـحـــســنةٍ فـلـم يـعـمـلـهـا كـتـبـهـا الله له عنـده حـسـنـةً كــامـلـةٍ).
أنّ النّـعـم فـي الدّنـيا لا يـنـبـغـي أن يسـتـدلّ بـهــا عـلـى رضــا الله تعـالـى لأنّـهــا قــد تـحـصـل لـغيـر الـمـؤمــن وتـكـون عـاقـبـتـها المصير إلـى عـذاب الله، قــال الله: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20) ﵝالإسراء : ﵐﵒﵜ
الإحسان إلى الوالدين فرض لازم واجب، وقد قرن الله شكرهما بشكره لعظيم فضلهما ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ (الإسراء: 23) ﵝالإسراء : ﵓﵒﵜ.
يحرم الإسلام التبذير، والتبذير إنفاق المال في غير حقه قال الله ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا﴾ ﵝالإسراء : ﵖﵒ - ﵗﵒﵜ
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ (الإسراء: 28) ﵝالإسراء : ﵘﵒﵜ
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ قالوا (وإن امتنعت عن إعطاء هؤلاء لعدم وجود ما تعطيهم إياه)، إذًا ما علاقة هذه الآية بالآيات السابقة؟ الآيات السابقة جاء فيها قوله ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء: 26) ﵝالإسراء : ﵖﵒﵜ فماذا لو لم يكن مع الإنسان ما يعطيه؟ فحينئذ سيلجأ إلى الإعراض والامتناع فقال ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ يعني : وإن تعرض
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ (الإسراء: 28) ترجو رزقا من الله يعطيك الله إياه لتعطيهم فحينئذ ماذا تصنع؟ وأنت ليس معك ما تعطيهم إياه ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ (الإسراء: 28) قالوا هنا (قولا لينا سهلا(، مثل أن تدعو ولهم بسعة الرزق أو تعدهم بالعطاء إن رزقك الله مالا كما علمنا الله فقال ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: 263) ﵝالبقرة : ﵓﵖﵒﵜ.
وتأملوا هنا يا أيها الإخوة الكرام قوله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ﴾ (الإسراء: 28) فقوله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ (الإسراء: 28) كناية عن عدم الإيتاء؛ لأنه إذا لم يؤتي فإنه سيلجأ إلى الإعراض وقوله ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ﴾ (الإسراء: 28) هنا جاءت كلمة ﴿ رحمةٖ ﴾ والمراد ابتغاء رزق فلم يقل ابتغاء رزق من ربك ترجوه ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ (الإسراء: 28) فهنا أطلق على الرزق رحمة، وفيه إشارة طرف خفي والعلم عند الله أنك إذا رزقت فإنك ستعطيهم وبذا تنال رحمة الله وهذا مما يسميه أهل البلاغة بأسلوب الإدماج، وأن الحديث جاء عن قضية الرزق ثم أدمج معها أمر أخر وهو أن هذا الرزق سيحملك على الإنفاق فستنال به رحمة الله سبحانه وتعالى قال ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ (الإسراء: 28) وهنا الأصل ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ﴾ (الإسراء: 28) الإعراض في الأصل هل هو من أجل ابتغاء الرحمة أم هو من أجل الفقر؟ هو من أجل الفقر والفقر هو السبب تسبب عنه أنك تطلب من الله أن يرزقك فقوله ﴿ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ (الإسراء: 28) ذكر المسبب في موضع السبب؛ فالسبب هو الفقد أنك فقدت المال فحينئذ طلبت من الله أن يرزقك ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ (الإسراء: 28).
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) ﵝالإسراء : ﵙﵒﵜ قالوا هنا (ولا تمسك يدك عن الإنفاق) هذا معنى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) يعني ممسكة مقبوضة إلى العنق، وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الإنسان الذي لا ينفق ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ (الإسراء: 29) وفيه ذم البخل فلما ذكر الله التبذير ذكر ما يقابله فقال ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ (الإسراء: 29) لأنه إذا قرّب وجعل يده مغلول إلى عنقه كناية عن قبض يده وعدم إنفاقها وعدم بسطها في الإنفاق في سبيل الله ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) ولا تبسطها هذا هو الإسراف، إذا نهانا الله عن البخل ونهانا عن التبذير والآية نظيرتها في ذلك قوله تعالى ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67) ﵝالفرقان : ﵗﵖﵜ فقوله لم ﴿يُسْرِفُوا۟﴾ في معنى قوله ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ﴾ (الإسراء: 29) وقوله ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا۟﴾ في معنى قوله ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ (الإسراء: 29) ومن الأمثال الكامنة في هذه الآية الكريمة كما يذكر بعض علماء علوم القرآن إن خير الأمور الوسط فهناك أمثال كامنة، وتقدم معنا في بعض دروس التفسير أن الأمثال ثلاثة أنواع هناك الأمثال الصريحة والأمثال الكامنة والأمثال المرسلة، فالأمثال الكامنة تستنبط من خلال الآيات فمن الأمثال المعروفة في هذا الباب خير الأمور الوسط مما يستدل على هذا يستدل على ذلك بقوله سبحانه ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) وأيضا قوله ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).
قال الله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 30) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵓﵜ وقبلها قال ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) ﴿مَلُومًا﴾ يلومك الناس على بخلك إن أمسكت يدك عن الإنفاق ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) منقطعا عن الإنفاق لإسرافك فلم تجد ما تنفقه وهذا فيه أن قوله ﴿مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) جعلوه هنا في المختصر جعلوا كلمة ﴿مَلُومًا﴾ متعلقة بالبخل وكلمة ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) متعلقة بالتبذير، لأنه إذا كان بخيلا لامه الناس وإذا كان مبذرا فإنه سيتحسر بعد ذلك بل وسينقطع وهذا هو المراد ب ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) فمحسورا معناه منقطعا، ومنه قوله سبحانه وتعالى ﴿ثُمَّ ٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك: 4) ﵝالمُلۡك : ﵔﵜ كليل منقطع.
قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 30) ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵓﵜ وفيما ذكروه في قوله ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) فيه دلالة على المناسبة بين الفاصلة أو بين آخر الآية وصدر الآية فيأتي الختام بما يناسب افتتاح الآية الكريمة ف ﴿مَلُومًا﴾ لها علاقة بالبخل و ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29) لها علاقة بالتبذير.
﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵓﵜ قالوا خوفا من الفقر مستقبلا، هذا جيد منهم وجميل لأنه قد يقول قائل ما الفرق بين هذه الآية وآية سورة الأنعام؟ كما تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في تفسيرها ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (الأنعام: 151) ﵝالأَنۡعَام : ﵑﵕﵑﵜ قالوا هناك ﴿مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ يعني من فقر واقع لذلك قال ﴿نَرْزُقُكُمْ﴾ طمأنهم الله سبحانه وتعالى على أنفسهم وأما هنا قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ (الإسراء: 31) يعني خشية فقر مستقبلي فطمأنهم على أولادهم الذين سيأتون بإذن الله فقال ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ (الإسراء: 31) فلا تخافوا فرزقهم معهم ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31) ولعله واضح لديكم أن قوله ﴿خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ (الإسراء: 31) وأن قوله في سورة الأنعام ﴿مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ ليس قيدًا للاحتراز، لئلا يقول قائل إن قتل الولد حرام إذا كان خشية الفقر؛ فالجواب هو حرام خشية الفقر وبدون خشية الفقر فقوله هنا ﴿خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ (الإسراء: 31) وقوله ﴿مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ ليس قيدًا للاحتراز وإنما هذا للكشف عن واقع، وقع فيه كثير من الناس، فلذلك نص عليه ولا يعني أن قتل الولد يجوز في حال من الأحوال؛ بل هو محرم بإطلاقٍ كما لا يخفى ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31) وهذا في أن الخطأ يطلق على ذنب الكبير ثم قال ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32) ﵝالإِسۡرَاء : ﵒﵓﵜ قالوا هنا واحذروا الزنا وتجنبوا ما يشجع عليه، من أين أتوا بقولهم وتجنبوا ما يشجع عليه من قول ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟﴾ لأن النهي عن القربان معناه النهي عن كل وسيلة تفضي إلى الوقوع في الزنا، لذلك كل الأبواب التي تفضي إلى الوقوع في الزنا نهانا الله عز وجل عنه قال الله سبحانه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةً﴾ (الإسراء: 32) متناهيا في القبح ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾.
ثم قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵓﵜ فبعد تخصيص عمم، ففي الأول قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ﴾ (الإسراء: 31) ثم بعدها قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ﴾ (الإسراء: 33) وبين الإثنين النهي عن قربان الزنا وذلك أن الزنا يؤدي إلى القتل كثيرًا فقبله ذكر للقتل وبعده ذكر للقتل.
قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33) قالوا هنا (ولا تقتلوا النفس التي عصم الله دمها بإيمان أو أمان)، تأملوا هذا التخصيص ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ﴾ (الإسراء: 33) هل كل نفس؟ النفس التي حرم الله، ما النفس التي حرم الله قتلها؟ قالوا : التي عصم الله دمها، ومن النفس المعصومة؟ قالوا بإيمان أو بأمان،إذًا النفس المعصومة هي النفس المعصومة بإيمان النفس المؤمنة أو بأمان لذلك قالوا : إن النفوس التي عصمت على أنواع ثلاثة أعني غير المسلمة هناك النفس المؤمنة وهذا معنى بإيمان.
ما معنى بأمان؟
1-يدخل فيه العهد : المُعاهَد.
2-ويدخل فيه المستأمن.
3- ويدخل فيه الذمي، لذلك قالوا إنَّ الكفار أو على أربعة أنواع هناك الذمي والمعاهد والمستأمن والحربي فالمراد في قوله ﴿ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33) النفس المعصومة يدخل فيها المعاهد والذمي والمستأمن كما أن النفس المؤمنة معصومة كما هو معلوم ﴿إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33) ما المراد بالحق؟ ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث) ولذلك ذكروها هنا قالوا (إلا إن استحقت القتل بردة أو بزنا بعد إحصان أو بقصاص)، قد يقول قائل من أين أتى أصحاب المختصر بهذا؟ بحديث ابن مسعود (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث).
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33) ما معنى ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا﴾ (الإسراء: 33) قالوا (تسلطا على قاتله)، ما معنى التسلط؟ يعني فله أن يطالب بقتله قصاصا وله العفو دون مقابل، وليس المعنى أنه يتولى ذلك بنفسه كما يحدث من أخذ الثأر ليس هذا هو المراد إذًا ما معنى بقوله ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا﴾ (الإسراء: 33) يعني : له تسلط على نفسه، له أن يقول لولي الأمر أنا أريد قتله أريد القصاص أو يقول أنا أريد الدية أو أنا أعفو عنه، إذًا صار له تسلط على هذا القاتل ﴿فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33) لا يتجاوز الحد الذي أباحه الله له، وما صور التجاوز؟ قالوا هنا في التفسير (بالتمثيل بالقاتل) له أن يقتلك لا يمثل بك قالوا أو بقتله بغير ما قتل به فالأصل أن الجزاء من جنس العمل أو بقتل غير قاتل كما يحدث من ثأر بعض الناس، إذ ينظر إلى أعلى الناس في هذه القبيلة أو في هذا القوم أو في هذه العائلة فيأتي عليه ويقتل مع أنه لا دخل له في هذا الباب.
قال الله سبحانه ﴿فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33) يعني مؤيدا معانا ﴿فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33) لم يذكره هنا على من يعود الضمير في قوله ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33) يحتمل احتمالين ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي الولي ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ﴾ (الإسراء: 33) والثاني أنه للمقتول فإنْ قال قائل ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33) وفي بعض الأحيان نرى أن أولياء القتيل لا يصلون إلى حقهم فكيف يكون ذلك؟ والله قال ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33)؟
يكون منصورا في الآخرة ويكون منصورا بالحجة بأن يظهر أن هذا موسوم بأنه قاتل وأن هؤلاء مظلومون وهذا من النصرة وهو أن يعلم الإنسان أنه مظلوم فهذا من النص لأنَّ المظلوم قريب إلى النصر وأما الظالم فهو قريب من المقت أو أن المراد بذلك الاستيفاء : استيفاء الحقوق بأن ينصره الله باستيفاء حقه أو في الآخرة.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۚ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 34) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵓﵜ
قالوا هنا (مَنْ مات والده من الأطفال إلا بما هو أصلح لك من تنميته وحفظه حتى يبلغ أشده قالوا حتى يبلغ كمال عقله ورشده) ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 34) ما المراد بالعهد؟ العهد الذي بيننا وبين الله وبيننا وبين من العباد يشمل هذا وذاك ﴿إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 34) ما معنى مسئولا؟ قالوا إن الله يسأل معطي العهد يوم القيامة هل وفي به؟ فيثيبه أو لم يفِ به فيعاقبه إذًا هذا هو المراد بالمسؤول، أي مسئولا يوم القيامة، ويمكن أن يقال في الدنيا هذا قول ثاني ﴿إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 34) يطلب الوفاء به، أنت عاهدت عهدا فأنت مسؤول أن تفي به أو يوم القيامة تسأل عن ذلك.
﴿وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (الإسراء: 35) ﵝالإِسۡرَاء : ﵕﵓﵜ ما معنى القسطاس؟ قالوا (الميزان ٱلۡمُسۡتَقِيمِ العدل الذي لا ينقص شيئًا ولا يبخسه ذلك) أي الإيفاء للكيل والوزن خير في الدنيا والآخرة (وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا) ما المراد بالتأويل؟ التأويل العاقبة (وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا) يعني وأحسن عاقبة.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 36) ﵝالإِسۡرَاء : ﵖﵓﵜ ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ يعني : لا تتبع مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ لا تتبعه ولا تتحدث فيه ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36) أسكت عنه لا تتكلم فيه، ففيه ذم القول على الله بغير علم وذم الشهادة بغير علم فقوله ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36) يدخل فيه الفتوى بغير علم والشهادة بغير علم لذلك قالوا (ولا تتبع يا بن آدم ما لا علم لك به فتتبع الظنون بدون أن يكون لديك بينة)
﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 36) وتأمل قوله ﴿كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ﴾ (الإسراء: 36) لم يقل كل هذه، والسمع والبصر والفؤاد جماعة مجموعة والأصل أن يخبر عنها بهذه لأنَّها غير عاقلة هذا هو الأصل لكن قال ﴿كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ﴾ (الإسراء: 36) وهذا يستعمل مع العقلاء لأن هنا قامت مقام السؤال ستسأل والذي يسأل هو العاقل والفؤاد أيضًا فيه القلب والعقل قال الله سبحانه ﴿كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ﴾ (الإسراء: 36) على أن هذا معروف في اللغة أيضًا أنه يؤتى بأولئك مع جمع غير العقلاء كما يؤتى بها مع العقلاء كثيرًا ﴿كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ (الإسراء: 36) تسأل عن سمعك وبصرك وفؤادك وهذا فيه تحذير للإنسان من أن يقول على الله بغير علم ولذلك تقدم معنا في سورة النحل ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116) ﵝالنَّحۡل : ﵖﵑﵑﵜ.
﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: 37) ﵝالإِسۡرَاء : ﵗﵓﵜ
﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (الإسراء: 37) قالوا هنا تكبرا وإختيالا هذا معنى المرح ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: 37) تقدم معنا أيضًا أن قوله مرحا هنا في موضع الحال) ولا تمش في الأرض حال كونك مرحا ) ولكنه هنا لا بد من ذكره بمعنى لا يقول قائل إن الحال فضلة فيقول ولا تمش في الأرض هذا خطأ لو وقف واقف وقرأ ولا تمشي في الأرض ما أفاد معنى صحيحا لأنه ليس هناك نهي عن الماشي في الأرض؛ وإنما المنهي عنه هو المرح في المشي فمع أنه حال من حيث النحو لكنه ليس فضل بحيث يستغنى عنه ﴿أَنَّمَا﴾ المراد بالفضل أن الجملة تكونت بدونه ﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (الإسراء: 37) فعل وفاعل لكن مع ذلك لا بد من وصل الكلام قال الله ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ﴾ (الإسراء: 37) لماذا التكبر وأنت لن تخرق الأرض؟ ﴿وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: 37) وهذا فيه أن على المرء الذي يتكبر أن يراجع نفسه، مهما كنت فأنت ﴿لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾.
﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (الإسراء: 38) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵓﵜ
﴿كُلُّ ذَٰلِكَ﴾ (الإسراء: 38) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵓﵜ أي كل ذلك المتقدم ﴿كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (الإسراء: 38) لذلك قالوا كل ما سبق ذكره ﴿كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (الإسراء: 38) أي : كان السيء منه عند ربك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ممنوع، يدخل في ذلك ماذا؟ ترك الأوامر وفعل النواهي لأنه قد يقول قائل ﴿كَانَ سَيِّئُهُۥ﴾ (الإسراء: 38) الذي مضى أوامر ونواهى فالسيء من جهة الأوامر بالترك وفي جهة النواهي بالفعل والقراءة الأخرى كانت سيئةً يعني هذه من السيئات ارتكاب المعاصي ﴿كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (الإسراء: 38) وفيه أنه يستعمل الكره في أشد المعاصي لذلك هناك فرق بين الكراهة الشرعية، الكراهة التي وردت في الكتاب والسنة وبين الكراهة الأصولية أو الفقهية فالفقهاء يستعملون غالبًا المكروه فيما كان دون الحرام فيقال هذا مكروه ولا يعاقب فاعله، وإنما يكره له فعله فيقال يثاب تاركه ولا يعاقبه فاعله، لكن المكروه هنا في الآية الحرام إذا قد تأتي الكراهة في معنى أشد الحرام والعلم عند الله تعالى.
من فوائد الآيات :
الأدب الرفيع هو رد ذوي القربى بلطف ووعدهم وعدا جميلا بالصلة عند اليسر والاعتذار إليهم بما هو مقبول ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ (الإسراء: 28) ﵝالإِسۡرَاء : ﵘﵒﵜ
الله أرحم بالأولاد من والديهم فنهى الوالدين أن يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر والإملاق وتكفل برزق الجميع ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31) ﵝالإِسۡرَاء : ﵑﵓﵜ
في الآيات دليل على أن الحق في القتل للولي فلا يقتص إلا بإذنه وإن عفا سقط ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا﴾ (الإسراء: 33) ﵝالإِسۡرَاء : ﵓﵓﵜ
من لطف الله ورحمته باليتيم أن أمر أولياءه بحفظه وحفظ ماله وإصلاحه وتنميته حتى يبلغ أشده ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ﴾ (الإسراء: 34) ﵝالإِسۡرَاء : ﵔﵓﵜ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :- فمرحبا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع سورة الإسراء.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 39)
﴿ذَٰلِكَ﴾ أي : ذلك الذي أوضحناه من الأوامر والنواهي ﴿مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ (الإسراء: 39)
وهذا فيه :- أنَّ أوامر الله ونواهيه سبحانه وتعالى من الحكمة؛ وهذا ليس بغريب؛ لأنَّ الله هو الحكيم وكتابه موصوف بالحكمة، فالقرآن حكيم، والرب حكيم سبحانه وتعالى.
وهذا فيه :- أنَّ العبد ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن الحكمة فحقيق به أن يعود إلى تلك الآيات التي ذكرها الله في سورة الإسراء، وأن ينظر إلى تلك الوصايا بعين الاعتبار والاعتناء.