منظومة الزمزمي الدرس الخامس عشر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
:
فما زال الحديث موصولًا بالتعليق على منظومة الزمزمي
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
، وما زلنا مع أسباب النزول، تكلمنا في اللقاءين السابقين عن بعض الأحكام المتصلة بأسباب النزول من تعريفه، وأهميته، وأشهر المصنفات فيه، وبعض القواعد المتصلة به، ولعله كان في ختام الدرس الإشارة إلى أن قضية أسباب النزول ينبغي أن تفهم على وجهها الصحيح؛ لأن بعض الناس علقوا عليها وعولوا عليها تعويلًا في غير موضعه، فزعموا قائلين: إن القرآن نزل لأسباب، وإذا كانت هذه الأسباب قد انقضت، فلتكن الآيات النازلة بسبب هذه الأسباب كذلك منقضية فلا يعول عليها حينئذٍ.
إذًا شبهتهم هي: أن القرآن نزل لأسباب، وهذه الأسباب ذهبت، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فهذه علل للنزول؛ هذه الآية نزلت من أجل قصة كذا، وهذه الآية نزلت من أجل قصة كذا، فمضت القصة، إذًا حينئذٍ لا نعول عليها في أحكامنا المتجددة، ولذلك ينادون بالمقولة المشهورة، وهي مقولة باطلة جائرة ظالمة حينما يقولون: "بتاريخية القرآن الكريم"، وأن القرآن له تاريخ معين نزل فيه ومن أجله، فصلاحه مقتصر على هذا الوقت، ولا يقولون بعمومية هداية القرآن الكريم، وأنه الصالح لكل زمان ومكان.
ويستندون في ذلك إلى قول من قال من أهل العلم: "إن العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ"؛ والذي جرنا إلى ذلك إثارة هذه القاعدة في آخر الدرس الماضي؛ نحن ما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هل العبرة بعموم الألفاظ أم بخصوص الأسباب؟ فهم قالوا: إن أهل العلم اختلفوا؛ منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن العبرة بعموم الألفاظ، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن العبرة بخصوص الأسباب، ونحن نختار -أي هم يختارون- أن العبرة بخصوص الأسباب.
ما الفرق حينما نقول العبرة بعموم الألفاظ؟ يعني أنت تجد أن القرآن الكريم يذكر آيات، وهذه الآيات نزلت لأسباب، لكنه لا يذكر السبب صراحةً، وحينما يأتي باللفظ يأتي بلفظ عام؛ يعني مثلًا في آيات اللعان، نعرف أن آيات اللعان لها أسباب نزول، سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها نزلت في هلال بن أمية رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أو نزلت في عويمر العجلاني رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لكن الله عَزَّ وَجَلَّ لما ذكر الحكم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾1، فلم يقل: وهلال، ولم يقل: وعويمر، وإنما قال: ؛ وهو اسم موصول من صيغ العموم، وقال: ،
ثم ذكر الأحكام على سبيل التعميم.
فالجمهور يقولون إذًا: "العبرة بعموم الألفاظ"؛ بمعنى أن هذا الحكم سارٍ على كل من ينطبق عليه هذا الوصف، فكل رجل رمى امرأته يدخل في هذا الحكم؛ رجل زوج مسلم رمى امرأته وقال امرأته زنت، أو رآها وهي تزني، نقول: تعالَ، أنت معك الحكم الموجود في الآية، هذا معنى "العبرة بعموم الألفاظ"؛ أن اللفظ جاء في القرآن عامًّا ولم يجيء خاصًّا.
هم يقولون: العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ، ويقولون: نحن نستند إلى رأيٍ معروفٍ لدى الأصوليين ولدى الدارسين للقرآن الكريم، فالذي يحتاج إلى بيان شديد هو أنه ليس أحدٌ من أهل العلم الأولين أو السابقين أو المعتد بهم يزعم أن الآية الكريمة خاصةٌ بشخصٍ واحد، لم يقل أحد منهم بذلك، لا ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولا ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بأن العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ؛ لا هذا ولا ذاك يقولون بذلك.
يعني حينما نطالع كتب الأصول، وكتب علوم القرآن وما أشبه ذلك ممن يثيرون هذه المسألة، لا ترى واحدًا منهم يقول: "الآية خاصة بعويمر أو بهلال"، لا يقول أحد ذلك أصلًا.
﴿أَنَّمَا﴾ الفرق أن القائلين بعموم الألفاظ، يقولون: كل من صنع ذلك دخل في الآية من لفظ الآية، يعني لو أن شخصًا لاعن امرأته نقول له: هذا موجود في الآية مباشرة، أما القائلون بأن العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ، يقولون: غير عويمر وغير هلال يدخلون في الآية، ولكن بالقياس على سبب النزول؛ بالقياس، يعني إذا كان هذا في عويمر أو في هلال، فغيرهما يقاس عليهما.
إذًا هم يرون في النهاية أن الحكم عام، لكن الخلاف: هل العمومية أخذت من اللفظ أم أخذت من القياس؟ هذا محل الخلاف.
مرة ثانية: إذًا العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ يقصد أن اللفظ ورد على سبب خاص هو المقصود ابتداءً، فهل بغيره يمكن أن يدخل؟ نعم يمكن أن يدخل، ولكن بالقياس؛ يقاس على اللفظ، أما الذي يقول بعموم الألفاظ فلا يحتاج إلى قياس، بل هو من اللفظ نفسه داخل؛ إذًا آية نزلت في باب واحد من أبواب الإنفاق، هو يقول لك: أي صورة ثانية من صور الإنفاق تقاس عليه، لكن ذاك يقول: من لفظ الآية هي داخلة،ومعنى ذلك أنه لم يقل واحد منهم إن الآية تخص فلانًا فقط، لم يقل أحدٌ منهم هذا الكلام.
إذًا الذين يزعمون الآن قائلين إن العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ معناها أن الحكم قد انقضى وذهب ولا ينبغي تعميمه، فهذا مخالف لإجماع العلماء؛ لأن أهل العلم إذا اختلفوا على قولين، وكان مقتضى القولين شيئًا، وجاء آخر بقول خارج عن القولين بل مضاد للقولين ينقض القولين فهو خارقٌ للإجماع؛ يعني هم لم يختلفوا في هذا الكلام أصلًا، هم يقولون: الكل داخل، ولكن إما إنه داخل من اللفظ أو داخل بالقياس.
مثلًا: آية جاءت في النفقة في الجهاد ﴿وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾2، لو أتيت بأي نفقة من نفقاتنا تدخل من لفظ الآية، أو تقول قياسًا من باب القياس، لكن في النهاية دخلت، فلا تأتي أنت وتقول: "ليست داخلة".
أما الذين يقولون بتاريخية النص القرآني يقولون لك: "لا، هذا حكم نزل لشخص فلان ولا يتجاوزه إلى غيره"، وهذه مشكلة ودأب العلمانيين والمستشرقين والحداثيين في الأعم الشائع؛ أن قراءتهم قراءة انتقائية، وأقصد بذلك أنهم يتتبعون بعض الأقوال ويفهمونها على غير وجهها، ثم يقولون: "هذا في التراث ونحن نأخذ بالتراث"، وهذه نصيبة، هو يأتي لك بقول قد يكون قولًا ضعيفًا أو مرجوحًا عندنا، ثم يقول: "هذا قول بعض العلماء"، أنت قلت إنه قول بعض العلماء، يعني هذا القول هو الذي أعجبك من التراث؟! أنت كنت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كنت تقول نرمي التراث! ثم إنك فوق ذلك لم تفهمه على وجهه، فهم لم يقولوا هذا الكلام.
هذا أول رد نرد به عليهم في القاعدة، وأنا أقول لكم إن هذا الكلام مهم جدًّا، وغالبًا ما يترتب عليه أثر كبير؛ لأنه إذا فُهم على وجهه تقطع مشوارًا طويلًا في الرد على أمثال هؤلاء.
القضية الثانية: نقول إن القرآن الكريم على قسمين:
الأمر الأول : قسم نزل ابتداءً. الأمر الثاني : قسم نزل بسبب.
ونقصد بالقسم الذي نزل ابتداءً
: أي نزل بدون سبب خاص، وله أسباب عامة، وكل القرآن له أسباب عامة منها هداية الناس: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾3. وأكثر القرآن من النوع الأول، وهو ما نزل ابتداءً.
إذًا نقول لهم: تعالوا، أنتم تقولون بتاريخية النص القرآني، طيب، هو أصلًا أغلب القرآن لم ينزل لأسباب خاصة، يعني ليس داخلًا في الموضوع الذي تتحدثون عنه؛ ولذلك يقول لك أحدهم: "أسباب النزول تزيد عن ألف سبب وألفين"، هوّن على نفسك! الأسباب كلما عددتها تجدها...؛ فبعضهم قال أربعمائة وكسر، وبعضهم قال ثلاثمائة وكسر، على أن كثيرًا منها روايات ضعيفة، ونقول: من أصح ما وُجد في ذلك كتاب الشيخ مقبل: "الصحيح من مسند أسباب النزول" ونحو ذلك من الكتابات المعدودة في أسباب النزول.
يعني أسباب النزول إذا ما قيست بعدد آيات القرآن الكريم هي في حقيقة الأمر لا تتجاوز العشر (10%)، بل هي أقل من ذلك بكثير، إذًا الذي نزل ابتداءً هو الأكثر هذا واحد، فلماذا تقول بتاريخيته؟ لا يوجد احتياج لقول ذلك لأنه لم ينزل لسبب معين.
ثانيًا : الذي نزل لسبب، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. ﴿إِلَّا﴾ ترى أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لما عبر بذلك ذكر اللفظ العام؟ ولو أراد الخاص لذكره خاصًّا، فذكره للفظ العام إشارة إلى أنه هو المقصود، وطبعًا عندنا أدلة على ذلك؛ قصة كعب بن عجرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾4، فهل هي خاصة؟ ليست له خاصة بل للناس عامة، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾5، الرجل الذي أصاب قُبلة من امرأة ثم أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل: «
أَلِي هَذِهِ؟" قَالَ: لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي
.
إذًا النصوص نفسها تدل على أن سبب النزول لا يُراد به الخصوص ﴿أَنَّمَا﴾ يُراد به العموم، من الحديث نفسه ومن الأدلة.
زد على ذلك أننا نقول -وهذا مهم جدًّا أيضًا-: إن أسباب النزول بمثابة ظروف الزمان لا العلل، إن أسباب النزول بمنزلة "الظروف" وليست "عللًا"، والتعبير بـ "السبب" لا يُراد به المعنى الاصطلاحي الأصولي، ﴿أَنَّمَا﴾ هو من باب التسامح في العبارة أو من باب المعنى الواسع، ما معنى هذا الكلام؟ يعني سبب النزول معناه "ظرف النزول"، هذا هو الظرف الذي نزلت فيه الآية، لكن ليس هو المعنى الذي يدور مع الآية وجودًا وعدمًا.
كما مثلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾: حينما تقول مثلًا أنت تريد أن تكلم الناس في قضية معينة، لكن قلت: "سنجتمع في يوم كذا من أجل كذا، وهذا الوقت مناسب جدًّا لهذا الموضوع"، أنت اخترت الموعد، فلما جاء الموعد تكلمت في هذا الأمر؛ هل نقول لولا الموعد أو لولا هذا الاجتماع ما كان الكلام سيأتي؟ كان سيأتي ولابد، لكن هذا الاجتماع كان زمنًا للكلام، وهذا من باب التقريب.
وكلام الله جَلَّ وَعَلَا كما يليق بجلاله وجماله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حينما أنزل القرآن الكريم ربط بعضه بظروف معينة وأحوالٍ معينة؛ تقع قصة لعويمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فينزل الله آيات اللعان، أو تقع قصة لفلان مرتبطة بواقع والصحابة متشوفون ليروا الحكم، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لهلال بن أمية رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «
البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ
» [أخرجه البخاري]، وتنزل الآيات، أو يُنزل الله فيَّ ما يُبرئني، وهو ينتظر البراءة وينتظر المخرج، فتنزل الآيات.
لكن في كل الأحوال الآيات نازلة نازلة، سواء وقع هذا السبب لعويمر أم لغيره، وسواء وُجد عويمر أم لم يوجد، فإذًا أسباب النزول هذه ظروف، فلا يصح حينئذٍ أن تقول إنها لما فاتت فات حكمه؛ لأن الحكم باقٍ، ولأن الآية باقية، فالإشكالية قالوا أن السبب كالعلة، والعلة تدور مع الحكم والعلة فاتت إذن الحكم فات؛ هذا كلام باطل.
إذًا هكذا نرد:
الأمر الأول :
العبرة بخصوص الأسباب فهمتموها خطأً.
الأمر الثاني :
من قال إن أكثر القرآن نزل بأسباب؟ بل أكثر القرآن نزل ابتداءً.
الأمر الثالث :
من قال إن أسباب النزول كثيرة؟ بل هي قليلة.
الأمر الرابع :
من قال إن أسباب النزول علل؟ ﴿أَنَّمَا﴾ هي ظروف.
طالب:
...
الشيخ:
معناه علة يعني ماذا؟ يعني لولا السؤال ما نزلت الآية، ولولا الواقعة ما نزلت الآية، هل هو كذلك؟ يعني لو لم يكن هناك سؤال عن الخمر ما كان الله لينزل حكم الخمر؟ أو لو لم يكن هناك سؤال عن المحيض ما كان الله لينزل حكم المحيض؟ بلى كان سينزل، لكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أجابهم بها.
طالب:
بعضهم يقول إذا كان في نفس السبب ..
الشيخ:
وما هو السبب؟
طالب: ....
الشيخ: لا، هذه مسألة أخرى وهي أن الشرع إذا ذكر حِكمًا وهل إذا فاتت حكمةٌ في موضع تفوت في كل موضع؟ يعني هذا الذي تقوله أنت، مثل قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾6
. هل هذه هي العلة الوحيدة لهذا الأمر ولا هذه إحدى الحِكم؟ هذه إحدى الحِكم، ونحن نقول: إذا فاتت حكمة لم يفتِ الحكم؛ لأن الأحكام تُناط بعللها لا بحكمها.
ولذلك جاءت في آيات وأحاديث أخرى مطلقة ولم تقيد بهذا القيد ولم ترتبط بهذا الرابط، ففرق بين أن يستدل بدليل ذُكرت معه حكمة في موضع ولم تُذكر في بعض المواضع، وبين أن تُجعل على أنها علة بحيث يقال بدونها لا اعتداد بالحكم، أليس كذلك، فالحكم عام، ولذلك قال في آية أخرى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَـٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسْتَـْٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِۦ مِنكُمْ ۖ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِۦ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا﴾7
، ذكر هناك علة أخرى، وإذا قلت الطهارة، ولا يزال الناس بحاجة إلى طهارة، إذًا يبقى الحكم بعلته كما هو في الآية الأخرى في نفس السورة وهكذا.
فإذًا لا يصلح مثل هذا اللازم، لكن أكثرهم لا يرتقي لمثل ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ هو يشك أصلا بداية فيرد على النصوص كلًا وجزءً ابتداءً؛ فإذًا هذا مسألة التاريخية التي يزعمونها.
بعد ذلك يقول الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَصَنَّفَ الأَئِمَّةُ الأَسْفَارَا
فِيهِ فَيَمِّمْ نَحْوَهَا اسْتِفْسَارَا
مَا فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ
وَإِنْ بِغَيرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
أَوْ تَابِعِي فَمُرْسَلٌ وَصَحَّتِ
أَشيَا كَمَا لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ
الشرح
بدأ يتكلم عن الروايات المروية في أسباب النزول، فسبب النزول قد يأتي برواية عن صحابي، وقد يأتي بروايةٍ عن تابعي، وقد يأتي بلا إسناد، فالرواية التي ليست بإسناد هي رواية لا قيمة لها ولا اعتداد بها وهي مردودة، فقد نجد ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: "سبب نزول الآية كذا" وليس عنده رواية ولا إسناد، فهذا من قبيل المردود؛ ولذلك نقول: الروايات الواردة في أسباب النزول كثيرة، ولكن أكثرها لا يثبت، وهذا معنى قوله: "
وَإِنْ بِغَيرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
"، والمقصود به المردود.
"
مَا فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ
": يقصد أن الرواية الواردة عن الصحابي في سبب النزول إذا صحت عن الصحابي فهي لها حكم الرفع، يبقى القسم الأول في الروايات الواردة في أسباب النزول الرواية الصحيحة عن الصحابي في سبب النزول، هذه ما حكمها؟ لها حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للرأي فيها، لكن هذا إذا كان سبب النزول صريحًا.
عمومًا نبدأ بهذا -إن شاء الله تعالى- نظرًا لأذان المغرب، فنبدأ بأحكام الروايات الواردة في سبب النزول؛ لأن فيها تفصيلًا كثيرًا -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلى وأعلم.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ — النور: 6 ↩
- آية: ﴿وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — البقرة: 195 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ — الإسراء: 9 ↩
- آية: ﴿وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — البقرة: 196 ↩
- آية: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ — هود: 114 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ — الأحزاب: 59 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَـٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسْتَـْٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِۦ مِنكُمْ ۖ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِۦ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا﴾ — الأحزاب: 53 ↩