مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

منظومة الزمزمي الدرس السادس عشر

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 207 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

العَاشِرُ أَسبَابُ النُّزُولِ

وَصَنَّفَ الأَئِمَّةُ الأَسْفَارَا

فِيهِ فَيَمِّمْ نَحْوَهَا اسْتِفْسَارَا

مَا فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ

وَإِنْ بِغَيرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ

أَوْ تَابِعِي فَمُرْسَلٌ وَصَحَّتِ

أَشيَا كَمَا لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ

وَالسَّعْيِ وَالحِجَابِ مِنْ آيَاتِ

خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ

الشرح

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فما زال الحديث موصولًا بالكلام على منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وما زلنا مع العقد العاشر الذي ذكره الإمام الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، في النوع العاشر من العقد الأول، وهو أسباب النزول.

في الدروس السابقة تحدثنا عن تعريف أسباب النزول، وفوائد أسباب النزول، وبعض القواعد المهمة المتعلقة بأسباب النزول، والشبهة المثارة التي يثيرها كثير من المستشرقين والعلمانيين والحداثيين وأمثالهم من دعوى تاريخية القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم له أسباب، وما دامت الأسباب قد فاتت فكذلك ما يترتب عليه من أحكام يكون قد فات، وقلنا إن هذا كلامٌ باطل، وأسباب النزول في حقيقة الأمر ما هي إلا ظروف وليست عللا، وقلنا هذه قاعدة مهمة جدًا، من يذكرنا ما معناها؟

ما معنى "أسباب النزول ظروف وليست عللا"؟

طالب:

إنها ظروف، أي أن هذا الوقت كان مناسبًا لهذه الأحكام، وليس علة لأن العلة تزول بزوال الحكم..

الشيخ:

تمام، يعني حدث حدث أو سأل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض الصحابة عن سؤال، أو وقعت واقعة فنزلت الآية، لكن لو لم تحدث الحادثة ولم تقع الواقعة، كانت الآية ستنزل أيضًا، إذًا ليس الحكم أو ليست القصة علة للآية، بحيث نقول لو لم يوجد الحكم لم توجد الآية، أو لو لم يوجد الحدث لم توجد الآية، هذا خطأ، ﴿أَنَّمَا﴾ الآية نازلةٌ ولا بد، هذا مهم جدًا؛ لأن الذين يقولون بتاريخية القرآن الكريم يقولون القرآن له تاريخ نزل مرتبطًا بأسباب والأسباب فاتت، نحن نقول القرآن عظيم والقرآن جليل وكل شيء، لكن هذا في وقت وفي آن، نقول هذا كلام باطل.

وأيضا رددنا عليهم بأي شيء ثان.

طالب:

العبرة بعموم اللفظ..

الشيخ:

العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومن قال من أهل العلم إن العبرة بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ، هل قال بقولهم؟ يعني هم يقولون العلماء اختلفوا ونحن نأخذ برأي من الرأيين، هل قال أحد ممن يقول بخصوص الأسباب لا بعموم الألفاظ، هل قال بقولهم؟

طالب:

لا.

الشيخ:

لماذا؟

طالب:

لأنه لا فرق بين الفريقين، من قال العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص السبب، قال هي داخلة في داخل النص يعني بلفظ النص لم تَتجاوزه، أما الآخرون الذين قالوا العبرة بخصوص السبب قالوا هذه الأشياء داخلة في مفهوم النص لا في لفظه..

الشيخ:

أحسنت، يعني الخلاف بين أهل العلم، من قال منهم العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب وهو قول الجمهور، يعني ربنا قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾1، الآية عامة، لأن لفظها عام، الذين قالوا بخصوص الأسباب يقولون إن الآية نازلة لسبب يبقى هذا خاص بالسبب، ولكن غيرها يقاس عليها، فهم أخذوا أيضًا بالعموم لكن لم يأخذوا بالعموم من اللفظ ﴿أَنَّمَا﴾ أخذوه من القياس، أما الآخرون فلا أخذوا لا بالقياس ولا أخذوا باللفظ وهذا فيه إبطال للنصوص الشرعية.

وأيضا الرد الثالث على ذلك ماذا؟

طالب:

أن أكثر القرآن ليس له سبب نزول..

الشيخ:

أحسنت، أن من قال إن أكثر القرآن له أسباب نزول خاصة، لا، أكثر القرآن ليس له أسباب نزول خاصة، ﴿أَنَّمَا﴾ أكثر القرآن نزل ابتداءً، بلا أسباب خاصة، ﴿أَنَّمَا﴾ هو للسبب العام أو للأسباب العامة كالهداية، ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾2.

بعد ذلك تطرق هنا الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تبعًا لأصله لقضية الاحتجاج بأسباب النزول، قال:

وَصَنَّفَ الأَئِمَّةُ الأَسْفَارَا

فِيهِ فَيَمِّمْ نَحْوَهَا اسْتِفْسَارَا

وتكلمنا عن بعض الكتب المصنفة قديما وحديثا في أسباب النزول.

قال:

مَا فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ

وَإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ

أَوْ تَابِعِيْ فَمُرْسَلٌ وَصِحَّتِ

أَشْيَا كَمَالِ لإِفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ

يقول: "

مَا فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ

"، إذًا ما حكم أسباب النزول؟ يعني الآن يشرح حكم الروايات الواردة في سبب النزول، فيقول الرواية الواردة في سبب النزول إما أن تروى عن الصحابي، وإما أن تروى عن التابعي.

إذًا أنا الآن عندي سبب نزول في الآية، ممكن رواية جاءت لي من طريق أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، جاءت لي من طريق ابن عباس، جاءت لي من طريق أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم، إذًا هذه رواية مروية عن من؟ عن صحابي.

أو أن تكون الرواية مروية عن من؟ عن تابعي، قتادة قال في سبب نزول الآية مثلًا، مسروق قال، مجاهد قال، وذكر سبب نزول الآية الكريمة.

فيقول: "

مَا فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ

"، إذًا المروي عن الصحابي في سبب النزول له حكم الرفع.

ما حكم رواية عن الصحابي في باب أسباب النزول؟ لها حكم الرفع، لماذا؟ لأنَّها لا تقال من قبيل الرأي، هذا صحيح، لماذا؟ لأن سبب النزول ليس محلًا للاجتهاد، بمعنى أنت لما تقول حدثت واقعة كذا فنزلت الآية، هذا ليس فيه مجال لأنك تقول رأيك، ﴿أَنَّمَا﴾ أنت تحكي واقعة تقص شيئًا وقع، فقال أهل العلم: قول الصحابي في سبب النزول له حكم الرفع.

لكن هنا قضية مهمة، إن هذا إذا كان سبب نزول صريح؛ لأن ممكن الصحابي يجتهد في إدخال معنى في عموم الآية، يعني الآية يقول نزلت الآية في كذا، وهو لا يقصد أنها سبب النزول الحقيقي، ولكن يقصد أن هذه الواقعة تدخل في عموم الآية الكريمة، فيكون الصحابي ممن استند لقاعدة "العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب"، وهذا يحل لنا كثيرًا من الإشكالات الواردة في تعدد الروايات في أسباب النزول.

يعني عندما تكون جاءت أكثر من رواية عن أكثر من صحابي في سبب النزول، ممكن تكون رواية صريحة، يعني صريحة أن القصة حدثت فأنزل الله الآية، يبقى هذا بالفعل سبب نزول له حكم الرفع، لكن صحابي ذكر شيئًا يدخل في عموم الآية الكريمة، يبقى هذا ليس من قبيل المرفوع، وهذا سنتكلم عنه بعد قليل، الأول قول الصحابي له حكم الرفع في سبب النزول.

"

وَإِنْ بِغَيرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ

"، الرواية المروية عن الصحابي في سبب النزول بدون سند، حكمها الانقطاع.

"

وَإِنْ بِغَيرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ

"، ": إذًا عُلم أن معنى كلامه: ما فيه يروى عن صحابي بسند رفع، هو ما قال كلمة بسند لكننا فهمناها، لأنه قال "

وَإِنْ بِغَيرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ

"، يبقى الرواية المروية في سبب النزول عن الصحابي بسند لها حكم الرفع، وبغير إسناد تكون منقطعة، رواية منقطعة، هكذا سماها.

"

أَوْ تَابِعِي فَمُرْسَلٌ وَصَحَّتِ

"، يعني الرواية المروية عن التابعي بالإسناد يقال لها رواية مرسلة، كما هو معروف كما هو عمومًا في الأحاديث، فقول التابعي "قال رسول الله" أو إضافة التابعي حديثًا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا من قبيل المرسل، كذلك لو أن مجاهدًا مثلًا قال وقع كذا وكذا فأنزل الله الآية، أو قتادة يقول وقع كذا أو عكرمة فأنزل الله الآية، هذا نعتبره رواية مرسلة.

طالب:

يعني الانقطاع هنا ضعف الرواية ؟

الشيخ: نعم هذا ضعف الرواية، لأن الرواية لا تقبل إلا بإسناد، فإذا لم تأت بسندٍ فهي منقطعة.

قال: "

أَوْ تَابِعِي فَمُرْسَلٌ

": طبعًا أصل الكلام، قال: "فإن كان بلا سند فمنقطع لا يلتفت إليه، أو تابعي فمرسل، لأنه ما سقط من الصحابي، فإنَّ كان بلا سند رد"، كذا قال البلقيني.

يعني أنا أقصد كلامي ماذا؟ أصل الكلام كلام السيوطي، ومن قبله كلام البلقيني، فهم قالوا إن كان بسند الصحابي خلاص يكون مرفوع، فإنَّ كان بلا سند فمنقطع لا يلتفت إليه، أو تابعي فمرسل؛ لأنه ما سقط منه الصحابي، طبعًا هي الإشكالية عندنا ليست في سقوط الصحابي لكن ممكن يكون سقط أيضًا خلاف غير الصحابي كما هو معروف.

فإنَّ كان بلا سند رد، فالأول قال فمنقطع، والثاني قال رد، يقول كذا قال البلقيني، ثم قال "ولا أدري" السيوطي يقول لم فرق بين الذي عن الصحابي والذي عن التابعي فقال الأول منقطع وقال في الثاني رد، مع أنَّ الحكم فيهما الانقطاع والرد؛ يعني هنا كلمة الانقطاع تساوي الرد، يمكن أن يقال والله أعلم إن كلام البلقيني يشمل الجميع، إنه يقصد إذا جاء بغير إسناد فهو مردود سواء أكان عن الصحابي أم كان عن التابعي.

خلاصة القول:

أن الرواية عن الصحابة في باب أسباب النزول لها حكم الرفع، لكن هذا كما إذا كان بإسناد ثابت إليهم، فإذا كان هناك ضعف في الإسناد إليهم فحينئذٍ يحكم على الحديث بما هو كما يحكم على الأحاديث، أليست عندنا الأحاديث المرفوعة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كان في الإسناد ضعف يحكم عليه بالضعف؟ نفس الكلام.

إذًا التابعي؟ ما الحكم إذا صحت الرواية عن التابعي في سبب النزول؟ نقول رواية مرسلة، فلو أن الرواية جاءت عن التابعي يقول حدث كذا وكذا فأنزل الله كذا..، يعني مثلًا

عندنا قول الله تعالى: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا3 وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ الآيات، هذا ورد بطريق مرسل عن عكرمة، ورد من عدة طرق مرسلة، لم يرد مرفوعًا إلى الرسول أو لم يرد على ألسنة الصحابة

رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم

.

الأصل أن المرسل يكون ضعيفًا؛ لأن الرواية المرسلة ضعيفة، لكن أهل العلم قبلوا أو كثير منهم قبل المرسلات لا سيما في باب التفسير ولكن راعوا في ذلك ضوابط،

بل منهم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ المرسلات في بعض الاستدلالات بشرط:

أولًا: أن تتعدد المراسيل.

ثانيًا: أن تختلف مخارجها.

وهذان شرطان مهمان؛ إذًا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ المرسل في رواية في باب أسباب النزول أو في التفسير، ومنهم من قبله عمومًا اشترط لذلك شرطين: الأول تعدد المراسيل، يعني يكون المرسل ليس آتيًا من طريق واحد، مثلًا مرسل عن مجاهد وعن قتادة وعن عكرمة، عدة مراسيل.

الثاني: اختلاف المخرج، اختلاف المخرج بمعنى أن هذا الطريق يختلف عن هذا الطريق، بحيث لا يمكن أن يكون الساقط هنا هو الساقط هناك.

إذًا الأمر الأول: أن تتعدد المراسيل، والأمر الثاني أن تختلف المخارج، بمعنى هؤلاء شيوخهم من أهل البصرة، وهؤلاء شيوخهم من أهل مكة، وهؤلاء شيوخهم من أهل المدينة، فأنت تقول لا يمكن أن يكون الساقط هنا من شيوخه هو الساقط هناك من شيوخه، فهؤلاء رووه عن مجموعة وهؤلاء رووه عن مجموعة، فهذا يشعرك أنهم تلقوه عن بعض الصحابة، فحينئذٍ يقبل على هذا الأمر.

إذًا إذا تعددت الرواية المراسيل واختلفت المخارج، وقولنا "اختلفت المخارج" هذا قيد مهم، ولعله يأتي تفصيل له إن شاء الله تعالى في مناسبة تتعلق بقصة الغرانيق، فقصة الغرانيق المشهورة، وجاءت من طرق لكن عددا كبيرًا من أهل العلم حكموا عليها بالوضع، فمحمد بن إسحاق ابن خزيمة قال هي من وضع الزنادقة، وقال عدد من أهل العلم هو كذب، ولكن الحافظ ابن حجر حسن الرواية، وهذا عجيب! لأنه وجد مرسل سعيد بن المسيب رحمه الله قال بسند حسن، لكن أيضًا المرسل هذا ليس فيه..

طبعًا ما قصة الغرانيق؟ إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قرأ آيات سورة النجم بمكة، قالوا نطق الشيطان بقول: "تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى" كثناء على تلك الغرانيق أو تلك الآلهة حتى يعني يجدوا مساغًا لاتباع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن الرواية نفسها هذه التي قبلها ابن حجر

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

ليس أن الرسول هو الذي نطق، لأن في روايات أن الرسول هو الذي نطق بذلك ويقولون إذًا ما يؤمننا أن الرسول حينما يتكلم قد يتكلم الشيطان على لسانه؟ هذا كله باطل.

لكن الكلام إن الشيطان، إنهم سمعوا كلام الشيطان، وتأولوا في ذلك قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾4، الصحيح أن الرواية لا تصح، وأن كلام الحافظ ابن حجر فيها مردود، ولذلك صرح عدد من كبار العلماء بأنها كبوة، وقالوا لكل جواد كبوة، وردوها على الحافظ

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

.

فكان من تعليق العلامة الشيخ الألباني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى على الحافظ وهو يناقشه في قضية الإرسال، يقول: لكن فات الحافظ أنه لا يؤمننا أن هذه المرسلات مرد بعضها إلى بعض، ويشترط لقبول تلك المرسلات أن تختلف المخارج.

يعني أنت الآن تقول المرسل هذا يقوي المرسل هذا، فمن الذي قال إنه يقويه؟! هذا المرسل مرجعه لهذا، يبقى في النهاية بقي الضعيف ضعيفًا، بالضبط لو أنا عندي حديث رواه مائة شخص، لكن اجتمعوا على راو ضعيف هل يصح الحديث؟!

يعني أنت الآن لو ترسم خريطة كما يقولون في المصطلح، أو أنت الآن اجتمع فلان عن فلان وفلان عن فلان، عدد كبير، وفي الآخر اجتمعوا على راو ضعيف، يبقى الحديث يكون ضعيفا، كذلك هنا في مسألة الإرسال.

فبغض النظر، لكن قصدت في مسألة اختلاف المخارج؛ فهذه مهمة في هذا الباب، لا سيما أنها مسألة تتعلق بجناب النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته فالأمر فيعا جد خطير.

طالب:

لكن هنا لو اجتمعوا على راوٍ واحد؛ فهذه متابعات لا شواهد، لأن هذا الواحد هو الذي عليه المدار.

الشيخ:

هو أنا الآن تكلمت يا محمد في المتابعات؟ أنا قلت أولًا: تعدد المراسيل، يعني مرسل قلت عن عكرمة، مرسل عن مجاهد، مرسل عن قتادة، مرسل عن سعيد، وهكذا، يعني الكلام واضح.

طالب:

يعني لن يلتقوا أبدًا على راوٍ واحد يا شيخ؟ لأنك قلت..

الشيخ:

وأنا ما قلت أن يجتمعوا على راوٍ واحد.

هذا بالنسبة لهذه المسألة، ثم بعد ذلك بعض المفسرين...

طالب:

يا شيخ في مسألة المخرج ممكن يكون قصد المراد أن لا تكون المراسيل هذه كانت من طريق واحد، حتى لو اختلف المرسل عن عكرمة أو مجاهد، لا يكون مثلًا من طريق كلهم من طريق ابن إسحاق أو أبي بكر ... مثلًا؟

الشيخ:

لا، هو ظاهر أنه حتى نفسه مع قولهم تعدد المرسل أو تعدد المراسيل، إشارة إلى أنه من أكثر من واحد، لكنهم أقاموا شيئًا آخرًا مقام الذي تقوله، وهو أن بعض العلماء قبل المرسل ولو عن واحد من التابعين إذا كان من المشهورين بالتفسير، أو اعتضد بحديث مرفوع، ويدخل في ذلك ما تلقته الأمة بالقبول؛ لأن باب التفسير يختلف عن غيره، باب التفسير ينقله جيل عن جيل، تفسير القرآن الكريم ينقله جيل عن جيل، ولا سيما ما يتعلق بأسباب النزول، فقد يغني ذلك في بعض الأحيان عن النظر الكبير في شأن الروايات.

فإذا صحت رواية مثلًا في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾5 التي أنا أشرت إليها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، الآن رواية مرسلة، لكن نقل غير واحد من المفسرين الإجماع على أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، وأنه هو الذي نزل فيه قول: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، وتعرفون قصة حينما قال: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر»، ونزل فيه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ﴾6 إلى آخر الآيات الكريمة.

إذًا هذا يقبل أم لا يقبل؟ يقبل؛ لأنه صار عليه الإجماع وتلقته الأمة بالقبول. ومن هنا، صرح عدد من أهل العلم إلى أن باب التفسير يُتعامل معه تعاملًا يختلف عن التعامل مع باب الحديث من كل وجه؛ لأن باب التفسير يدخله كما قلت الشهرة المستفيضة، ليس معنى ذلك غض الطرف عن الروايات والأسانيد، ولكن معناها إذا جاءت بعض الروايات المحتملة ممن يقع منهم الخطأ في علم الحديث، لا لطعنٍ فيهم وإنما لبعض الأوهام التي تلحقهم، كما ضعفوا مثلًا عاصم بن أبي النجود، مع أنه الإمام المقرئ الشهير صاحب القراءة المتواترة، فقالوا في مثل هذه الأبواب يغتفر بعض الشيء ما لا يغتفر في جانب الحديث.

وأنقل لكم كلامًا جيدًا في هذا الباب للخطيب البغدادي

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

، والخطيب البغدادي عمدة في هذا الباب، وكما قالوا إن أهل الحديث أو علماء الحديث المصطلح عالة أو عيال على الخطيب البغدادي.

يقول الخطيب البغدادي

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

في: "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": «

التفسير يتضمن أحكامًا طريقها النقل، فيلزم كتبه ويجب حفظه

»، وهو يقصد بذلك حفظ الآثار، للأسف عندنا زهد الآن في تلقي الآثار في علم التفسير وهذه مشكلة، وكذلك نظيرها في الفقه، لو تذكرون في دراسة الفقه ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن بعض الناس يأتي يدرس الفقه والاهتمام الأكبر أن مذهبًا قال والمذهب الآخر قال، وهذا جيد لا نغض الطرف عن أئمتنا وعن المذاهب والنظر فيها، لكن انظر إلى الآثار التي وردت عن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم، ماذا قال فلان وماذا قال فلان من الصحابة، هذا مهم جدًا في الفهم، وكذلك في التفسير.

يقول بعد ذلك: «

إلا أن العلماء قد احتجوا في التفسير بقومٍ لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ وذلك لسوء حفظهم الحديث وشغلهم بالتفسير، فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود حيث احتج به في القراءات دون المسندات؛ لغلبة علم القرآن عليه، فصرف عنايته إليه

»، ثم أورد بإسناد إلى يحيى بن سعيد: «

تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقون في الحديث

»، ثم ذكر ليث بن أبي سليم معروف إن روايته ضعيفة في الحديث، وجويبر أيضًا معروف روايته معروفة، والضحاك، ومحمد بن السائب، قال: وهؤلاء لا يحمد أمرهم ويكتب التفسير عنهم.

"لست أقصد بذلك غض الطرف عن الأسانيد بإطلاق، ولكن حسن التعامل مع الأسانيد" ولذلك يخطئ بعض الناس حينما يتعامل مع التفسير دون نظر لمن سبقه من أهل العلم، يعني يأتي أحد يجد ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى مرر المسألة، وابن كثير المحرر مرر المسألة، وغيره من أكابر المفسرين والمحدثين استأنسوا واستدلوا بذلك، ويقول ولكن ما قالوا يا هذا لا يصلح ولا حجة فيه لأنَّه جاء من طريق كذا، حتى إن جاء من طريق كذا لكنهم ذكروا هذه الرواية لأنهم يرونها موافقة لسياق الآيات، فهم جعلوها من باب المعضدات، لا من باب المنشئات للأحكام، على أنهم قد يشتدون في بعض الأحوال.

يعني نحن الآن لو جئنا في قصة الغرانيق لماذا نحن وقفنا معها في الدقيق؟ لأن فيها إشكالية مخالفة لظواهر آيات أخرى كثيرة، بل ولأمور قطعية، إذًا نرد الرواية، أحيانًا لا تكون الرواية ظاهر إسنادها الصحة ونقول الرواية شاذة؟ فما بالك بذلك؟ إذًا المسألة تتفاوت، وهذا يجعل أيضًا ممارسة هذا العلم لا بد فيه من نظر السابقين، وكيف صنعوا وكيف تعاملوا.

على كلٍّ، الرواية في سبب النزول لها حكم الرفع إذا صحت عن الصحابي فلها حكم الرفع لا سيما كما قلت إذا جاءت في سياق سبب النزول الصريح، لماذا؟ لأن العلماء اختلفوا في قوله "نزلت في كذا"، هل يدخل في المسند أو لا يدخل في المسند؟

يعني ما حكم قول الصحابي "نزلت في كذا"؟ يقول آية كذا نزلت في كذا، أصل "نزلت في كذا" هذه تحتمل الرفع وتحتمل عدم الرفع، يعني أنت الآن حينما تقول آية من الآيات، وأحد يسألك سؤالًا فتقول "في هذا نزل قول الله"، هو ليس مقصوده أن القصة التي سئلت عنها هي سبب نزول الآية، ولكن أنت تقصد أن الآية عامة تشمل هذا الحكم. فاختلفوا في قولهم "نزلت الآية في كذا" كما نص شيخ الإسلام ابن تيمية

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

في مقدمته في أصول التفسير، فذكر أن البخاري

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

يدخله في المسند، وأن الإمام أحمد لا يدخله في المسند.

إذًا ما حكم قول الصحابي رضي الله تعالى عنه "نزلت الآية في كذا"؟

نقول مذهب الإمام البخاري أنه يدخله في المسند، لماذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هذا؟ الإمام البخاري في صحيحه يذكر معلقات، ولكن لما يأتي يذكر الأحاديث المرفوعة يذكرها بالإسناد، فهو جاء عند الأحاديث والآثار التي فيها "نزلت الآية في كذا" وأتى بالإسناد في صلب الكتاب، فهو أدخلها فيه في المسند احتجاجًا به.

وقد ذهب بعض الناس إلى أن مسلمًا لم يصنع ذلك، لكن هذا فيه نظر، والصحيح أن الإمام مسلمًا لم يخالف البخاري في هذا الباب، وأن البخاري ومسلمًا رحمهما الله تعالى يريان أن قول الصحابي "نزلت الآية في كذا" له حكم الرفع وندخله في المسند، أما الإمام أحمد رحمه الله تعالى ظاهر صنيعه أنه لا يدخله في المسند، وإن كان الإمام أحمد في بعض الأحوال يجعل أقوال الصحابة لها الاعتداد في الحكم المرفوع، بل إن بعضهم يرى أن تفسير الصحابي بإطلاق له حكم الرفع، وهذه القضية الثانية التي تلي ذلك: ما حكم تفسير الصحابي رضي الله تعالى عنه إذًا؟

إذن نحن عرفنا "نزلت الآية في كذا" من قول الصحابي رضي الله تعالى عنه، طيب "فنزلت" أو "فأنزل الله" التي هي أصرح، فهذه لها حكم الرفع.

أُنبه أيضًا هنا أن بعض أو كثيرًا ممن كتب في علوم القرآن يقول إذا قال الصحابي رضي الله تعالى عنه "سبب نزول الآية كذا" فهذا لا شك في دخوله في حكم الرفع، لكن هذا في الحقيقة من حيث الواقع لا يكاد يوجد، يعني أنت حينما تقلب في كتب السنة حتى تقف على رواية واحدة فيها أن الصحابي رضي الله تعالى عنه قال "سبب نزول الآية كذا" لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد، لن تجد الصحابي يقول "سبب نزول" أصلًا.

وصرح بعض المتتبعين لذلك ممن جمعوا الروايات أنه لم يقف على رواية واحدة في ذلك، أن الصحابي رضي الله تعالى عنه يقول "سبب النزول"، كلمة "سبب" لم تكن دارجة، ولعلهم والله أعلم كما قال عمر رضي الله تعالى عنه في ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "منْ سِتْرٍ رَقِيقٍ" يعني أُتينا، يعني الذين طعنوا من المستشرقين وأذنابهم بكلمة "أسباب" هم أصلًا تشبثوا بكلمة "أسباب" وقالوا إنها علة، مع أنها أصلًا لم تدرج على لسان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أصلًا، ﴿أَنَّمَا﴾ "فأنزل الله، فأنزل الله، فنزلت" فقط.

بقي حكم تفسير الصحابي رضي الله تعالى عنه، هل تفسير الصحابي رضي الله تعالى عنه يدخل في المرفوع أو لا يدخل في المرفوع؟

نبدأ بها بإذن الله في الدرس المقبل، هذا والله أعلم، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ — النور: 6 ↩
  2. آية: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ — الإسراء: 9 ↩
  3. آية: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ — المدثر: 11-13 ↩
  4. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — الحج: 52 ↩
  5. آية: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ — المدثر: 11 ↩
  6. آية: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ﴾ — المدثر: 26-27 ↩

دروس مشابهة