مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة التحريم

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 50 من 103 · 32 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

ســــــورة التحريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعدُ، فنواصل بإذن الله تبارك وتعالى القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وننتقل بفضله وتوفيقه إلى التعليق على تفسير سورة التحريم.

التعريف بالسورة

سورة التحريم - مَدنية -

مقاصد السورة

(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ)

الدعوة إلى إقامة البيوت على تعظيم حدود الله وتقديم مرضاته وحده

قال الشيخ حفظه الله

نعم سورة التحريم سورة مدنية، نزلت بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدل على ذلك ما ورد في سبب نزول بعض آياتها كما هو الشأن في صدر السورة الكريمة، إذ نزل هذا فيما وقع من بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقال الله - سبحانه وتعالى - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التحريم: 1)وقد ورد في سبب نزول الآيات الكريمة أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد جاءت تسمية ذلك في بعض الروايات أنّ هذا وقع من عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - حينما خلا النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش - رضي الله عنها - وشرب عندها عسلاً، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على عائشة وكذا على حفصة - رضي الله عنها - فقالتا له: شربت أو أكلت مغافير؟ والمغافير مادة صمغية حلوة من حيث الطعم، لكن رائحتها كريهة، فH0.

قالوا : من مقاصد السورة ( الدعوة إلى إقامة بيوت على تعظيم حدود الله)

· الدعوة إلى إقامة البيوت على تعظيم حدود الله - سبحانه وتعالى - وتقديم مرضاته وحده - سبحانه وتعالى - فهذا من مقاصد السورة الكريمة، ولعلكم بذلك تدركون أنّ هناك رابطاً وثيقاً بين سورة الطلاق وسورة التحريم.

· فإذا كانت سورة الطلاق قد تحدثت عن بعض الأحكام المتعلقة بالطلاق والفراق فإنّ سورة التحريم تدعو إلى إقامة البيوت على أحسن ما يكون. أن تقوم البيوت على الطاعة والامتثال للزوج، وأن تكون تقوى الله سبحانه وتعالى هي الحكم وإذا كانت سورة الطلاق قد أوصت الأزواج بزوجاتهم خيرًا فيما قبل الطلاق وفيما بعده من إعطائهن الحقوق، فإن سورة التحريم فيها دعوة للزوجات إلى أن يتقين الله - عز وجلّ - في أزواجهنّ وضرب لذلك المثل بأفضل الأزواج وهو رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وبأفضل الزوجات وهن أزواج النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -.

· وكذلك من جهة أخرى فإن سورة التحريم لم تقتصر على الزوجين وإنما تحدثت عن عموم الأهل وذلك في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6) وهذا يعني أنّ البيت أو الأسرة ينبغي أن تقوم على الرعاية والمراقبة، وأنّ الرجل في بيته مؤتمنٌ على بيته وعلى رعيته، فعليه أن يقِيَ نفسه وأن يقِيَ أهله هذه النار.نسأل الله السلامة والعافية.

· ومن جهة أخرى لك أن تقول إنّ هذه السورة الكريمة فيها التحذير، فيها التحذير من معصية رب العزة ومعصية رسوله - صلى الله عليه وسلم - ففيها التحذير من الخروج عن موالاة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك جاء في السورة قال - سبحانه وتعالى - ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: 4) فإذا كانت السور السابقة قد حدثتنا عن موالاة الله ورسوله فإنّ هذه السورة أيضًا جهة أخرى تحذرنا من الخروج عن موالاة الله ورسوله.

· ثم ضربت لنا مثلين مثلاً للذين كفروا وتمثل هذا في امرأة نوح وامرأة لوط، فكل واحدة منهما خرجت عن طاعة الله وعن موالاة رسولها؛ وهما نبي الله نوح ونبي الله لوط عليهما السلام وكذلك ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ﴾ آمنوا بامرأة فرعون وهي التي والت الله ورسوله فوالت نبي الله موسى عليه السلام وعادت فرعون، فجعلها الله - سبحانه وتعالى - من القانتين.

تحليل مقارن وربط بين السور

· وهكذا في السورة الكريمة تدور في هذا الفَلَك، ونجد أنّ هناك مناسبة وثيقة بين مُفتتح السورة وختام السورة فإذا كان أول السورة كان فيه التحذير لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنّ آخر السورة فيه ضرب الأمثال بالنساء أيضًا لتقتدي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأة فرعون، ولتحذر كل واحدة منهن أن تكون مثل ما وقع من امرأة نوح وامرأة لوط.

· وفي ذكر امرأة لوط وامرأة نوح عليهما السلام، درس عظيم وهو أنّ من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه فينبغي لهن أن يتقين الله - سبحانه وتعالى - لا أن يلتفتن إلى أنهنّ أزواج نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم- والحمد لله فإن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كنَّ طيبات مباركات. كما سيأتي بيان ذلك بإذن الله تبارك وتعالى في أثناء التفسير نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: 1)افتتح الله - عز وجلّ - هذه السورة الجليلة بالنداء لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بوصف النبوة كما سبق أيضًا في صدر سورة الطلاق، وهذا أيضًا من أوجه المناسبة بين السورتين فهذه مناسبة في الافتتاح، فالسورتان افتتحهما الله - عز وجلّ - افتتحهما الله - عز وجلّ - بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ﴾ (التحريم: 1) ونظيرتهما في ذلك سورة الأحزاب قد افتتحها الله - عز وجلّ - بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ﴾ (الأحزاب: 1).

وهنا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التحريم: 1)هنا قالوا في المختصر (لم تُحَرِّم ما أباح الله لك؛ من الاستمتاع بجاريتك مارية، تبتغي بذلك إرضاء زوجاتك لما غِرْن منها، والله غفور لك، رحيم بك؟!).

سبب نزول الآيات من سورة التحريم

1- وهذا الذي ذكروه مبنيٌ على رواية أيضًا وردت في سبب نزول هذه الآية الكريمة هو سبب ثابت وصحيح، 2-والسبب الآخر ما ذكرته في الكلام على مقاصد السورة الكريمة وهو أنّ ذلك تعلَّق بشرب العسل عند زينب بنت جحش - رضي الله عنها -، وأنّ بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن له أكلتَ مغافير، وهذه الرواية ثابتة في الصحيحين.

فمن حيث الصحة قضية شرب العسل أصح، لكن لا مانع من أن يقال إنّ الآية الكريمة لها أكثر من سبب نزول، ولذلك تُذْكَر هذه الآية فيما تعددت أسبابه فأحياناً ترد عدة أسباب وتكون صحيحة، وتكون هذه الأسباب أسباباً متقاربة في الزمان، فحينئذٍ يقال لا مانع من أن تتعدد الأسباب والنازل واحد : أيّ الذي نزل في ذلك آية واحدة؛ وعلى كل حال فالمراد هُنا أنّ الله - سبحانه وتعالى - يعلم رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: 1) يعني لما تمتنع عن الحلال، قد أحل الله لك شُرْبَ العسل الله - عز وجلّ – وأحلّ الله لك الاستمتاع بجاريتك مارية فلما تمتنع عن ذلك؟ تبتغي مرضاة أزواجك؟ ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التحريم: 1) فهذا من ملاطفة الله - سبحانه وتعالى - وإحسانه إلى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وبيان أنّه - عز وجلّ – غفور رحيم ولا ينبغي أن تُفْهَم الآية خطأً، كما وقع في تفسير بعض المفسرين – كالزمخشري - حينما فهموا أنّ معنى ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: 1)؟ أنّ المراد تحريم الحلال، فالرسُول لا يُحَرِّم الحلال، فالرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -لم يقل أنّ شُرْبَ العسل حرام؛ ولمْ يَقُل - صلى الله عليه وآله وسلم - إنّ إتيان ملك اليمين التي يملكها الإنسان حرام لم يقل ذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ قوله سبحانه وتعالى ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾، يعني لما تمتنع عن الحلال من حيث الفعل؛ لكنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يحل ما حرم الله ولم يُحَرِمْ ما أحلَّ الله - سبحانه وتعالى –

ثمَّ قال الله - عز وجلّ -﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (التحريم: 2) لأنّه - صلى الله عليه وسلم - قال ( والله لا أَعُود )، فالله قال ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ﴾ (التحريم: 2)، وقد استُفيد من هذه الآية الكريمة أنّ من حرَّمَ على نفسه شيئًا فإن عليه كفارة يمين، ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يعود إلى هذا الشيء؛ فلو أنّ شخصاً قال حرمتُ على نفسي كذا فما كفارته؟ كفارته كفارة يمين لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قال ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ﴾ (التحريم: 2) فأطلق على هذا التحريم يميناً، وبناءً عليه فإذا قال الزوج لزوجته أنتِ حرامٌ عليّ فقد ذهب فريق من العلماء إلى أنّ الحكم في ذلك وجوب كفارة يمين عليه، وبعضهم يُفَصِّل فيقول :- إذا قال أنتِ حرامٌ عليّ، ولم يقصد الطلاق، فحينئذٍ تكون هناك كفارة يمين وتختلف المسألة فأحياناً يقصِدُ الطلاق أو يقصد الظِهَار فيكون لهذا حكمه؛ حينئذٍ الحكم اللائق به قد يكون طلاقاً وقد يكون ظهاراً، فإذا لم ينوِ هذا ولا ذاك فحينئذٍ تكون عليه كفارة يمين، قال ﴿وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (التحريم: 2) وقال بعد ذلك ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ﴾ (التحريم: 4) ولذلك قُلتُ إنّ السورة الكريمة من مقاصدها : التحذير من الخروج عن موالاة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وبيان أنّ الله مولى المؤمنين، أنّ الله مولى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.

﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًا﴾ (التحريم: 3) هذا فيه أنه لا بأس أن يُسِرَّ الإنسان إلى من يحب ويأتمنه ببعض أسراره، فالرسول صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى بعض أزواجه حديثًا، وعليه فلا مانع أن يُسِرَ الإنسان ببعض الأسرار إلى بعض الأحباب، وإلى بعض من هو قريبٌ منه سواء أكان هذا زوجاً أم كان غير ذلك ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ﴾ (التحريم: 3) وفقًا لهذه الروايات، فإن حفصة رضي الله عنها أخبرت عائشة - رضي الله عنها - وفي رواية أخرى كما قلتُ إن هذا وقع من حفصة وعائشة وفي بعضها ورد أيضًا ذكر سَوْدَة إلى غير ذلك، فهناك روايات عديدة في ذلك، وعلى كل فحينما ننظر في الأحاديث التي وردت في الباب ونُفَسِر الآيات الكريمة بها سيكون هذا كما تقدمت الإشارة إليه من باب بيان المبهم، كأن نقول إن بعض أزواجه :- المراد بها حفصة أو المراد بها عائشة كذلك في قوله ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4) فالمراد بهما حفصة، عائشة - رضي الله عنهما - فسر ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد سأله عن ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - حتى أنّ ابن عباس ذكر أنّه مَكَثَ سنة، وهو يريد أن يسأل أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - عن هذا السؤال :- مَن المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فلما سأل الفاروق قال له عمر - رضي الله عنه - حفصة وعائشة.

قال الله - عز وجلّ - ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ﴾ (التحريم: 3) فيه الإغضاء عن بعض الهفوات، وعدم الاستقصاء في تتبع العثرات، وهذا شأن الكُرماء ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ (التحريم: 3).

﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4) قالوا هنا في التفسير (حق عليكما أن تتوبا)، يعني أن تتوبا إلى الله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4) فحقٌ عليكما أن تتوبا يعني التوبة متعيِّنَة ولازمة، ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ يعني مالت قلوبكما، مالت إلى محبة ما كرهه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ﴿وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ﴾ (التحريم: 4) يعني أن تتعاونا عليه ﴿وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: 4) إن الله مولاه، وهذا كافٍ لكن مع ذلك عطف الله، فقال ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: 4) وهذا من كرم الله وجوده وإحسانه، ومن كرامة رسوله صلى الله عليه وسلم عند الله أن الله يكرمه، فيجعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه النصرة وفي هذا التأييد.

· قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: 4) يعني أيضًا ظهراء فقوله ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: 4) هنا على وزن : فعيل لكن معنى ظهير :- ظُهَرَاء، أعوان و(فعيل ) قد يأتي يُرَاد به المفرد، ويُراد به الجمع، وهذا في مواضع، وكذلك هناك كلمات قد تُستعمل بمعنى المفرد والمثنى والجمع، وقد مضى معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (ق: 17) [ق: 17]، وقلنا على قول بعض المفسرين : ﴿قَعِيدٌ﴾ أي قعيدان، لكن كلمة قعيد أغنت عن هذا.

﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 5) (عسى ) مِنْ الله مُحَقّقّة ومُتَحَقِّقَّة كما قال كثيرون

وهنا يَرِدُ إشكال كيف ذلك؟ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يطلقهنّ :-

فيُقال إنّ الأمر جاء على التعليق ﴿إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ (التحريم: 5) إذاً عسى : مُحَقّقّة، لكِنْ ﴿إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ (التحريم: 5) وهو لم يطلقهنَّ، فلذلك لم يقع هذا؛ لأنه مُعَلّقٌ ﴿أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 5) والذي نقف عنده من الآية الكريمة قوله - سبحانه وتعالى - ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 5) فإنهم هنا في المختصر قد فسَّروه ( بصائمات )، وهذا أحد الأقوال المشهورة في معنى سائحات، إذاً (سائحات) معناها صائمات. ومنهم من قال: ﴿سَـٰٓئِحَـٰتٍ﴾ (التحريم: 5)، أي مهاجرات فقالوا :- المُراد بالسياحة هنا الهجرة، ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك.

﴿ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ فبدأ بـ﴿ثَيِّبَٰتٍۢ﴾ (التحريم: 5) قالوا :- جبراً لخاطرهن؛ لأن أغلب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كنَّ ثيباتٍ، وعطف الأبكار على الثيبات لأن المرأة لا تكون ثيباً وبكراً في آنٍ واحد. فلذلك كان هُنا تقسيم، ولا يقال إنّها وأو ثمانية على الأرجح أنّ فيها ضعفاً، وإن قال بها بعض العلماء.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6)

هذه آية عظيمة جليلة، فيها بيان مسؤولية ولي الأمر، ومسؤولية الأب ومسؤولية كل شخص تحته رعية ﴿قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6) يقيهم بتعليمهم وتأديبهم وتربيتهم.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التحريم: 7) قالوا هنا في التفسير (ويقال للكافرين يوم القيامة: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين كفروا بالله، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مما كنتم عليه من الكفر والمعاصي، فلن تُقْبَل أعذاركم، ﴿أَنَّمَا﴾ تجزون في هذا اليوم ما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر بالله وتكذيب رسله.)

ولَيسَ في القرآن الكريم نداءٌ من الله - سبحانه وتعالى – لعباده أو للناس بــــــ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (التحريم: 7) إلّا في هذا الموضع، وهو كما قلتُ خاصٌّ بالكافرين الداخلين النار، يعني الذين ماتوا على الكفر فهو وعيدٌ، فهو بيان لعاقبتهم يوم القيامة وجاء أيضًا في سورة الكافرون أو الكافرين ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (الكافرون: 1) فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم ببيان أنّه لا مداهنة ولا مجاملة في الدين. نعم

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• مشروعية الكَفَّارة عن اليمين

• بيان منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه ودفاعه عنه

• من كرم المصطفى صلى الله عليه وسلم مع زوجاته أنه كان لا يستقصي في العتاب فكان يعرض عن بعض الأخطاء إبقاءً للمودة.

• مسؤولية المؤمن عن نفسه وعن أهله.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات :- • مشروعية الكَفَّارة عن اليمين : ﴿قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ﴾ (التحريم: 2).

• بيان منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه ودفاعه عنه : وهذا واضح في الآية ﴿وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: 4).

• من كرم المصطفى صلى الله عليه وسلم مع زوجاته أنه كان لا يستقصي في العتاب فكان يعرض عن بعض الأخطاء إبقاءً للمودة : عليه وعلى آله وسلم ولذلك ما استقصى كريم قط، ما استقصى كريم قط مسؤولية المؤمن عن نفسه وعن أهله : في قوله سبحانه :- ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: 6).

قال الشيخ حفظه الله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ (التحريم: 8) هذا نداء من الله - سبحانه وتعالى - لعباده المؤمنين بالتوبة النصوح، بالأمر بالتوبة النصوح، والأمر بالتوبة قد تكرر في كتاب الله - سبحانه وتعالى - وقد قال الله - عز وجلّ - ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31) [النور: 31].

ومعنى قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التحريم: 8) : أي خالصة أو صادقة، وأصل المادة النصح، وهو يدل على هذا، نصح العسل : إذا خلّصَه من الشمع، وكذلك يقال النصاحة : للخياطة، ومنه المنصحة :- الإبرة التي يستعملها الذي يخيط الأثواب، فمعنى ذلك أنّ التائب يلم شعثه وما تفرق بسبب ذنوبه ويضمُّ نفسه إلى عباد الله الصالحين وقد قال بعضهم :- إنّ التوبة تستلزم أموراً منها، الإقلاع بالأبدان، ومنها الاستغفار باللسان، والعزم على عدم العود بالجنان، ومفارقة سيء الخلان أيّ : أصدقاء السوء؛ بهذا تتحقق التوبة النصوح قال الله - عز وجلّ - ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ﴾ (التحريم: 8) والخزي: بإدخالهم النار، ولذلك قال ( أولو الألباب ) :- ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (آل عمران: 192).

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (التحريم: 9)

﴿وَٱغْلُظْ﴾ وغلظته لا تُنَافي رحمته؛ فإنّه ما أغلظ إلّا بعد البيان وبعد نشر الرحمة بين العالمين كما قال الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) [الأنبياء: 107]؛ لكن هذا مع المعاندين والمستكبرين وقوله هنا ﴿جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ﴾ (التحريم: 9) قالوا: بالسيف؛ ﴿وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ هنا قد يكون هناك إشكال لدى بعض النَّاس حينما يقرأ ﴿وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ لأنّه من المعلوم أنّنّا لا نحاسب الناس؛ إلّا على ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ منهم وأما ما خفي من أمرهم؛ فأمره إلى الله فكيف يكون هناك جهاد للمنافقين!، لذلك قالوا هنا في المختصر في التفسير قالوا :- (جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان وإقامة الحدود) كيف يكون جهاد المنافقين هذا سؤال؟

فالجواب يكون باللسان، يعني بالتقريع والتحذير من العقاب، ومن أليم العذاب فيحذِّرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عاقبتهم السيئة يقول كلاماً عاماً لكنهم يعرفون أنفسهم، وأيضاً إقامة الحدود؛ لأنهم كانوا يرتكبون بعض ما يوجب إقامة الحد، فحينئذٍ يكون هذا من باب جهادهم، قال الله ﴿وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (التحريم: 9).

﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ﴾ (التحريم: 10)، وقوله ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ (التحريم: 10) دِلَالَة على أنّ للزوج ولاية على امرأته، وأن للزوج قوامة، وهي قوامة رعاية، وليست قوامة الشدة.؛ لكنَّ هذا يفيده معنى قوله ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (التحريم: 10) والخيانة هنا :- خيانة العقيدة يعني لم يؤمنا به، لم يؤمنا بهما، ولم يستجيبا لدعوتهما، فخانتهما وقال بعضهم كان هذا بالنميمة التي وقعت منهما، قال ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ (التحريم: 10) فيه تقرير القاعدة العظيمة التي جاءت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسلم: «مَن بطَّأ به عملُه لم يُسرِع به نسبُه» لذلك قالوا هنا في المختصر (فخانتا زوجيهما؛ بما كانتا عليه من الصد عن سبيل الله، ومناصرة أهل الكفر من قومهما، فلم ينفعهما كونهما زوجتين لهذين العبدين الصالحين، ﴿وَقِيلَ﴾ لهما: ادخلا النار من جملة الداخلين فيها من الكفار والفساق)

وهنا تلاحظ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم أن الله عبَّر عنهن بقوله ﴿ٱمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ (التحريم: 10) وقال ﴿وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ﴾ وقال ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ (التحريم: 11)، في صدر السورة قال ﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ﴾ (التحريم: 1) فعبَّر بالأزواج وهنا عبَّر بامرأة، فما السر في ذلك؟ فما السر في ذلك العلم في ذلك أقوال متعددة إذا من أمثلها والعلم عند الله :-

أن لفظ الزوج يُراد به المشاكلة ولذلك قال الله كما تقدم معنا في سورة الصافات ﴿ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ﴾ (الصافات: 22) وقُلنا أنّ الأزواج هناك ليس المراد بهم الأزواج الذين هم عن طريق الزواج المعروف أو المعهود في الدنيا، وإنما المراد القرناء والنظراء، فحينما يذكر الزوج معناه أنّه مقارن للزوجة وهي مقارنة له، مشابهة له، فهي تشابهه، ففي مقام الإيمان زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنات، لذلك عبر بقوله ﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ﴾ (التحريم: 1) وأما هنا فامرأة نوح وامرأة لوط مختلفتان عن نوح ولوط عليهما السلام وكذلك في امرأة فرعون فهي مختلفة كل الاختلاف عن فرعون فناسب هذا والعلم عند الله أن يقال هذا، وقال بعضهم: لأنه في الآخرة سيكون هناك افتراق فامرأة نوح وامرأة لوط لا تكونان زوجتين للنبيين المكرمين، وكذلك الحال في شأن امرأة فرعون والعلم عند الله تبارك وتعالى.

هنا وقفة مع قوله - سبحانه وتعالى - ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (التحريم: 11)

· قوله - سبحانه وتعالى - ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ﴾ (التحريم: 11) فيه أنّ المرأة تبذل ما في وسعها، فبعض النساء ربما تعلَّلن واعتذرن لأنفسهن عن التقصير بسبب سوء أخلاق الأزواج، فيُقَال :- وأين زوجك من فرعون؟ لم يمنع فرعون هذه المرأة الصالحة من أن تستمر على طاعة الله، وأن تكون تقية لله؛ فينبغي للنساء أن يتقين الله، حتى وإن كان أزواجهنّ ليسوا على الصلاح، وليسوا على الهدى.

وكذلك العكس، قد يتعلل الزوج بالتقصير والتفريط بسبب سوء أخلاق زوجته فيقال له وأين أنت؟ من هذه الأسوة؟ فامرأة فرعون كما أنّها أسوة للمؤمنات، فكذلك يَستفِيد من حالها أهل الإيمان من المؤمنين الرجال.

﴿رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ﴾ (التحريم: 11) استفاد بعض العلماء من قولها أنّ الجار قبل الدار، فهي لم تقل (ربي ابن لي بيتا عندك في الجنة) ﴿أَنَّمَا﴾ قالت ﴿ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ﴾ (التحريم: 11) فالجار قبل الدار ﴿وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (التحريم: 11)

﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (التحريم: 12) فهذا مثال طيب ونموذج مبارك لأهل الإيمان، ولا سيما المؤمنات ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ﴾ (التحريم: 12). وأترك لكم سؤالًا للبحث والمدارسة ما السر في الفرق في التعبير القرآني بين هذه الآية ﴿ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (التحريم: 12) وما جاء في قوله - سبحانه وتعالى - ﴿وَٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ (الأنبياء: 91) فقال هناك فنفخنا فيها من روحنا في سورة الأنبياء، وهنا قال ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ فما وجه الفرق بين الآيتين؟ ونسأل الله الإخلاص والقبول. نعم

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• التوبة النصوح سبب لكل خير

• في اقتران جهاد العلم والحجة وجهاد السيف دلالة على أهميتهما وأنه لا غنى عن أحدهما

• القرابة بسبب أو نسب لا تنفع صاحبها يوم القيامة إذا فرّق بينهما الدين

• العفاف والبعد عن الريبة من صفات المؤمنات الصالحات

قال الشيخ حفظه الله

• التوبة النصوح سبب لكل خير ولذلك رتب الله - عز وجلّ - عليها ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ (التحريم: 8).

• في اقتران جهاد العلم والحجة وجهاد السيف دلالة على أهميتهما وأنه لا غنى عن أحدهما : وهذا في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ (التحريم: 9) هناك جهاد بالسيف والسنان، وهناك جهاد بالقلم والبيان أو اللسان.

• القرابة بسبب أو نسب لا تنفع صاحبها يوم القيامة إذا فرّق بينهما الدين : كما دل على ذلك قوله ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (التحريم: 10) ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (التحريم: 11)

• العفاف والبعد عن الريبة من صفات المؤمنات الصالحات :- ولذلك أثنى الله - عز وجلّ - على مريم ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (التحريم: 12). بعد هذا ننتقل بإذن الله تبارك وتعالى إلى تفسير سورة الملك، بعد أن فرغنا من التعليق على سورة التحريم ونسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة