سورة الأنفال — الجزء 4
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
* لكن يلاحظ هنا أن التعبير القرآني جاء هكذا ﴿فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ “ ولم يقل فخانهم “؛ لأن الخيانة صفة مذمومة في كل الأحوال، رب العزة سبحانه وتعالى قال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ وقال ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقال ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ﴾ فأثبت لنفسه مكرا في مقابلة مكر المنافقين، واستهزاء في مقابلة استهزاء المنافقين، وخداعا في مقابلة خداع المنافقين؛
لأن الخداع للمنافق والاستهزاء به والمكر به في مقابلة ما يصنع مما يمتدح به فهي صفة مدح في هذا المقام، وأما الخيانة فهي في كل الأحوال مذمومة؛ لأن الخيانة تكون في مقام الائتمان؛ أنك أمنت غيرك وحينئذ لا يجوز لك أن تخونه؛ لذلك علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)، مع أنه قال (الحرب خدعة)، فسوغ أو أجاز في الحرب الخدعة، ومع ذلك لم يبح الخيانة صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
لذلك جاء التعبير القرآني ﴿فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ “ ولم يقل فخانهم “ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
ثم قرر الله سبحانه وتعالى في آخر هذه السورة الجليلة، السورة الكريمة سورة الأنفال ما يتعلق بقضية الولاء والبراء؛ لأن السورة كما تقدم تتحدث عن الاستسلام لله ولرسوله، وتتحدث عن التبرؤ من حول العبد وقوته إلى حول الله وقوته، ومما يقتضي ذلك أن يحب المؤمن المؤمنين، وأن ينصر المؤمن المؤمنين، وأن يحافظ على مكانتهم وقدرهم، وأن يعادي أهل الشرك؛ فإنَّ هذا دليل صدقه، ودليل حرصه على أوامر ربه، وتعاليم رسوله صلى الله عليه وسلم
لذلك قال الله:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
فهذا فيه إثبات الولاء بينهم، ولذلك قالوا هنا في التفسير: “ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ءامنوا بالله، وصدقوا رسوله، وعملوا بشرعه، وهاجروا من بلد الكفر إلى بلد الإسلام أو إلى مكان يعبدون الله عز وجل فيه آمنين “، فالإنسان يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو من بلد لا يطمئن فيه على دينه إلى بلد يتمكن فيه من إقامة شعائر دينه، وجاهدوا ببذل أموالهم وبذل أنفسهم؛ لإعلاء كلمة الله
“ والذين أنزلوهم في منازلهم “ وهذا معنى ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟﴾ غيرهم، أو المهاجرين حينما آوى الأنصار المهاجرين ومثل ذلك.
فقال: والذين أنزلوهم في منازلهم ونصروهم أولئك -المهاجرون والذين نصروهم -فالآية جمعت بين المهاجرين والأنصار، ولكلٍ فضله، ولكلٍ منزلته عند الله سبحانه وتعالى
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ إذا هذه الآية فيها ثناء على المهاجرين، وثناء على الأنصار رضي الله عنه عنهم
ثم ذكر الله قسما آخر: فقال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟﴾ ما حكم أولئك المؤمنين الذين بقوا في مكة ولم يهاجروا، الذين مكثوا في مكة ولم يهاجروا؟
قال ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾
قالوا هنا في التفسير: والذين آمنوا بالله ولم يهاجروا من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ليس عليكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون أن تنصروهم وتحموهم ﴿وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، وهذا معنى قوله ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ 1. أي: لا يجب عليكم، ولا يتعين عليكم أن تنصروهم وأن تحموهم، أن تقوموا بحمايتهم لم؟ لأنهم لم يهاجروا، إذا من الذي يدافع عنه ومن الذي يحمي ظهره؟ هذا الذي هاجر، أما الذي ترك الهجرة وإن كان مؤمنا ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟﴾،
لكن مع ذلك ﴿وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ﴾ لكن هب أن هذا الذي لم يهاجر استنصرك من أجل الدين، وذلك إذا آذاهم أهل الشرك وأرادوا القضاء عليهم، واستئصال شأفتهم، فضعفوا وجبنوا، فطلبوا من المؤمنين أن ينصروهم، فحينئذ يجب على المؤمنين أن ينصروهم.
إذا في البداية لا يجب على المؤمنين أن يحموهم، لكن إن احتاجوا إلى نصرتهم فحينئذ ينصرونهم بشرطين:
أما الشرط الأول: فأن يكون هذا في الدين، أما إذا كان الاختلاف بينهم وبين المشركين في أمر دنيوي فلا يلزم المؤمنين أن يصنع بهم شيئًا أو أن يصنعوا لهم شيئًا، ولذلك تأمل الآية ﴿وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ يعني أن الإيذاء وصل إليهم بسبب دينهم، واستنصروكم، وطلبوا منكم النصرة، فحينئذ انصروهم.
والشرط الثاني: ﴿إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ﴾ إذا كان بينكم وبين هؤلاء المشركين ميثاق فلا تنقضوا المواثيق.
إذا هذا الذي آمن ولم يهاجر ليس على المؤمنين المهاجرين وليس على الأنصار ليس عليهم أن يحموهم، لكن هذا المؤمن الذي لم يهاجر إذا استضعف، وإذا استذل بسبب دينه فإنَّ هؤلاء ينصرونهم ﴿إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم﴾ مِّيثَٰقٌ
2. ومن أهل العلم من قال في معنى قوله ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ قالوا: المراد بالولاية هنا وهي فيها القراءتان ﴿مِّن وَلَٰيَتِهِ﴾ و﴿مِّن وَلَـٰيَتِهِم﴾ المراد بها: تقسيم الغنائم، فمعنى ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ يعني: لا يلزمكم أن تعطوهم شيئًا من الخمس، أو أن تعطوهم شيئًا من المغانم؛ لأنهم لم يشاركوكم في الهجرة، ولم يشاركوكم في الجهاد.
فيكون نفي الولاية هنا المراد به: نفي ما يتعلق بالغنائم ونحوه، فهذا هو الذي نفاه الله سبحانه وتعالى، وأما الذي أثبته فهو النصرة، بأن يقوموا بنصرتهم وحمايتهم، أو الدفاع عنهم.
﴿مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟﴾ وبعضهم جعل ذلك فيما يتعلق بولاية الميراث، بأنه ليس هناك توارث بسبب ذلك قال الله بعدها:
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾
بعد أن بين الله سبحانه وتعالى ما بين المؤمنين من موالاة وما بين المؤمنين من مناصرة محبة سواء أكانوا مهاجرين أم كانوا أنصارا، بين الله سبحانه وتعالى أن الكفار يجتمعون على الضلال، وأنه يوالي بعضهم بعضا على الكفر.
فقال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ قالوا هنا: يجمعهم الكفر، فيناصر بعضهم بعضا، فلا يواليهم مؤمن، يعني ما لكم وما لهم؟ لا توالوا هؤلاء؛ فإنَّ الكفار يوالي بعضهم بعضا، وأما أنتم فوالوا المؤمنين مثلكم أو أمثالكم.
ثم قال ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾؟ وما معنى الجملة؟
قالوا هنا: إن لم توالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين، إذا ما معنى ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾؟ يعني إلا تفعلوا هذا المذكور، وهو أن الله ذكر أن المؤمنين بينهم ولاء، وأنه يجب أن نوالي المؤمنين، وأن الكافرين بينهم ولاء، ويجب علينا أن نتقي تلك الموالاة وأن نعاديهم.
إذا معنى ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ يعني: إن لم توالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين ﴿تَكُن فِتْنَةٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾* والسؤال هنا ما وجه الفتنة في الأرض؟ كيف تكون هذه الفتنة؟ كيف تكون موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين من أهل الإيمان كيف تكون فتنة؟
قالوا هنا: تكن فتنة للمؤمنين، حيث لم يجدوا من يناصرهم من إخوانهم في الدين، فحينئذ يفتنون في دينهم، ويكون فساد في الأرض عظيم بالصد عن سبيل الله عز وجل، فهذه الآيات تحث على قضية الولاء والبراء وهو أصل كبير كما هو معروف.
ثم قال سبحانه:
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
وقد يقول قائل ما وجه تكرار هذه الآية؟ فالآية هذه قريبة من الآية التي سبقتها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟﴾.
1. فيقال: ليس هذا من قبيل التكرار؛ لأن الآية هنا جاء الإخبار فيها بأمر آخر، وهو إثبات الإيمان الكامل لهم ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وهذا يذكرنا بصدر السورة الكريمة، التي فيها ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ إلى أن قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فهذا عود على بدء، وهذا من المناسبات الظاهرة بين ختام السورة وبين أولها، فربنا لما بَيَّن أن هناك مؤمنين حقًا، بَيَّن هنا بعض صفات أولئك المؤمنين كما بَيَّنها هناك، فيمكن أن تضم تلك الصفات إلى هذه، ثم إنها مترابطة ومتسقة، هذا من جهة.
2. ومن جهة أخرى: فهذه الآية لها مغزى آخر -والعلم عند الله -وهي أن الله لما ذكر العلاقة بين المؤمنين في الأمور الدنيوية وهي أن المؤمن يوالي المؤمن ويناصر المؤمن ويقاسمه في الغنائم وما إلى ذلك، ذكر الله ما يتعلق بثوابهم في الآخرة، ما جزاؤهم في الآخرة؟ فقال ﴿لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمراد بالرزق الكريم: الجنة؛ لذلك قالوا هنا في المختصر: ورزق كريم منه وهو الجنة.
ثم قال الله خاتما هذه السورة الكريمة:
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟﴾ مِن بعد مَن؟ يعني من بعد هؤلاء المؤمنين السابقين ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾؛ لذلك قالوا هنا: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ﴾ إيمان السابقين إلى الإسلام ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، فقوله ﴿مِنۢ بَعْدُ﴾ المضاف إليه محذوف، معناه كما يقولون؛ لذلك جاء مبنيا أعني كلمة ﴿بَعْدُ﴾ على الضم، فيقال:
﴿مِنۢ بَعْدُ﴾ يعني من بعد أولئك المؤمنين السابقين ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ﴾ لهم حقوق وعليهم واجبات، كما أن لكم حقوقا وعليكم واجبات.
ثم قال ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ أيضًا يحثهم على مراعاة الرحم، ومراعاة القرابة، وهذه الآية أصل في معرفة حقوق ذوي الأرحام.
فقال ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ﴾ هنا قالوا في التفسير: وأصحاب القرابة في حكم الله بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى الإرث من التوارث بالإيمان والهجرة الذي كان موجودا سابقا.
وهذا فيه إشارة إلى أن قوله سبحانه ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ آية ناسخة لحكم آخر، وذلك أنه كان يقع بينهم توارث بالحلف والمؤاخاة، فيكون هناك مؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مثلًا فيرث أحدهما الآخر مع أنه ليس قريبه وليس من ذوي رحمه، فكان التوارث ينشأ من هذه المؤاخاة، ينشأ من الحلف، وينشأ من المؤاخاة، فجاءت هذه الآية لتقرر أن الولاء وأن المحبة باقية وأن النصرة باقية، وأما الميراث فهو متعلق بالرحم والقرابة
إذا هناك فرق بين الموالاة التي تقع بين المؤمنين من المناصرة والمحبة وتقسيم الغنائم إذا كانوا في الجهاد معًا وما إلى ذلك، وبين ما يتعلق بالميراث، فالميراث يتعلق به القرابة والرحم، فتكون هذه الآية ناسخة لهذا الأمر والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ قوله ﴿فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾:
4. أو أن يكون مرجع الأمر أو مآل الأمر إليه، والعلم عند الله تعالى.
على أن بعض العلماء قد استدلوا بهذه الآية أو بهذا الجزء من الآية ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ على توريث ذوي الأرحام ويقصدون بذوي الأرحام: القرابات الذين ليس لهم فرض وليسوا من
ذوي العصبات، لا يرثون بالفرض ولا بالتعصيب.
فعندنا في باب الميراث هناك من يرث بالفرض، وهناك من يرث بالتعصيب أو يرث بهما، لكن هناك قرابات ليس لهم فرض مقدر، وليسوا من العصبات الذين H0
1. فبعض العلماء يقولون نعم يرثون ويستدلون بهذه الآية وهي قوله ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ ويقولون الآية عامة، فيدخل فيها أولو الأرحام الذين يرثون بالفرض، ويرثون بالتعصيب، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ يرثون بفرض ولا بتعصيب
2. ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: لا بل هذا منزل على من بين الله فرضه أو بين الله حقه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) فقوله: إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث “، قالوا: إذا ربنا أعطى الحقوق، والحقوق إما فرض وإما تعصيب، وما سواه ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ شيء؛ لأنه ليس داخلا في هذا الباب، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
الأحناف يميلون إلى توريث ذوي الأرحام خلافا لغيرهم من الفقهاء ومع الأحناف الحنابلة، لكن بغض النظر عن ذلك الذي أريد أن أذكره هنا أنه لا ينبغي أن يستدل بقوله ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ﴾ على المصطلح الفقهي الخاص، ﴿أَنَّمَا﴾ إذا استُدِلَّ فيُسْتَدَلُّ بعموم الآية لا أنهم ذوو الأرحام المذكورون في كتب المواريث
ما معنى هذا الكلام؟ قلت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض الناس خطأً في تفسير القرآن أن ينزل مفهوما في القرآن الكريم على مفهوم خاص استعمل في باب ضيق، فهذا خطأ؛
فمثلا: لو أن شخصا قال: باب ذوي الأرحام في علم المواريث، ثم أتى بالآية وفسر بها أن المراد بأولي الأرحام: الذين لا يرثون بالفرض ولا التعصيب: هذا خطأ؛ لأن الآية تتكلم عن عموم الأقارب، وليست خاصة بهذا المصطلح الخاص، فأحيانا يأتي عند الفقهاء مصطلح يخصونه بباب معين من الأبواب التي جاءت في القرآن تعميمها أو التعبير عنها بلفظ عام، والله تعالى أعلم.
4. فضيلة الوفاء بالعهود والمواثيق في شرعة الإسلام وإن عارض ذلك مصلحة بعض المسلمين.
قــال الشيـخ حفظه الله:
1. يجب على المؤمنين ترغيب الأسرى في الإيمان، لذلك أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فيكون في هذا ترغيب لهم في الإيمان بالله والصدق والإخلاص.
2. تضمنت الآيات بشارة للمؤمن باستمرار النصر على المشركين ما داموا آخذين بأسباب النصر المادية والمعنوية؛ ولذلك قال ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالله سبحانه وتعالى ناصر أولياءه
3. إذا لم يكن المسلمون يدا واحدة على أهل الكفر فلن تظهر شوكتهم، وسيحدث بذلك فساد كبير، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾
4. فضيلة الوفاء بالعهود والمواثيق في شرعة الإسلام وإن عارض ذلك مصلحة بعض المسلمين؛ تأمل هذا الكلام وإن عارض ذلك مصلحة بعض المسلمين؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما قال ﴿وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ﴾ استثنى فقال ﴿إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ﴾ فإذا كان بيننا وبين هؤلاء المشركين ميثاق فإننا لا ننقض الميثاق، مع أنَّ المسلمين أو المؤمنين غير المهاجرين يستنصروننا في هذا الباب وهذا كله دليل واضح وبرهان ساطع على أن ديننا بفضل الله سبحانه وتعالى قد حفظ العهود والمواثيق.
وبهذا بفضل الله ومنته نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة الأنفال، لننتقل إلى تفسير سورة براءة ونسأل الله الإعانة
فوائد من هذا الدرس
- فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ
- يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ
- ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
- وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ