سورة الأنفال — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
* وقد جاء في سورة آل عمران قوله سبحانه ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ﴾ [آل عمران: 13] وتقدم هناك أنه لا إشكال بين هذه الآية وتلك الآية؛ لذلك قالوا إنه من جنود الله سبحانه وتعالى في غزوة بدر: العين، فهناك تقليل لهم ويرون أنهم ضعفيهم في قوله سبحانه ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ﴾.
وقلنا على الوجهين: سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن معنى ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾، يرى المؤمنون المشركين ضعفيهم، فأيضا فالمشركون في الحقيقة ثلاثة أضعاف فهذا تقليل، فحينئذ لا إشكال في هذه الآية الكريمة. أو العكس أن المشركين يرون المؤمنين الضعفين، فكيف ذلك وهنا قال ويقللكم في أعينهم؟
فيقال: المشاهد تفاوتت، في البداية قلل الله المؤمنين في أعين المشركين، فماذا كان؟ أقدموا على القتال، فلما أقدموا على القتال وجدوا المسلمين كثرة فحينئذ جَبُنُوا، وما كان بإمكانهم الرجوع، بل لم يكن حينئذ إلا الهزيمة والفتك بهم، لا سيما وأنهم كانوا مؤيدين بالملائكة أيضًا الذين نزلوا بفضل الله سبحانه وتعالى في هذه المعركة المباركة. قال ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾.
* وهنا لفتة في قوله ﴿قَلِيلٗا﴾ في الآيتين: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ وهنا قال ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ فهناك قال ﴿قَلِيلٗا﴾ وهنا قال ﴿قَلِيلٗا﴾؛
1. لكن في قوله قليلا في الأولى يحتمل أن تكون مفعولا ثالثًا أو حالا؛ لأن الرؤيا في الأولى رؤيا منامية، فيمكن أن تفسر بما يقتضي أنها تنصب ثلاثة مفاعيل، ويمكن أن يقال إنها تقتصر على مفعولين كما هو في الرؤية البصرية.
2. وأما في الثانية ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ﴾ لا تكون إلا البصرية، وحينئذ لا تنصب إلا مفعولين فيكون قوله ﴿قَلِيلٗا﴾ حالًا لا غير ذلك، فلا يصلح فيها إلا هذا الوجه، والله أعلم.
ثم قال:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
توجيه للمؤمنين بأن يثبتوا في المعركة وألا يتخاذلوا، ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فيه أن ذكر الله سبحانه وتعالى يُسْتَصْحَبُ في الشدائد، وأن ذكر الله سبيل للفلاح؛ لذلك قالوا هنا: رجاء أن ينيلكم ما تطلبون، ويجنبكم ما تحذرون.
1. إنهم فسروا “ لعل “ هنا بالرجاء، وهو أحد الأقوال في تفسيرها،
2. أو أن نقول إنها للتعليل: لتفلحوا، ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ولذلك قالوا إن الإنسان في الشدائد يذكر من يحبه، فالإنسان في وقت المحنة وفي وقت الكربة يذكر أحب الناس إليه، فإذا ذكرت الله وقت شدتك دل ذلك على عظيم محبته وقد كان الشعراء ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يمتدحون بمثل ذلك، كقول أحدهم:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
يذكر محبوبته مع أنَّ السيف يقطر دما، وما هذا إلا لشدة تعلقه وولهه بها، فكيف إذا كان العباد مستمسكين بحبل الله سبحانه وتعالى، ذاكرين لله جل وعلا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
3. قضاء الله نافذ، وحكمته بالغة، وهي الخير لعباد الله وللأمة كلها.
قــال الشيـخ حفظه الله:
1. الغنائم لله يجعلها حيث شاء بالكيفية التي يريد، فليس لأحد شأن في ذلك؛ وهذا تقرر سابقا في قوله ﴿قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ وهنا قال ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ إلى آخر الآية فهو الذي قسمها سبحانه وتعالى.
2. من أسباب النصر تدبير الله للمؤمنين بما يعينهم على النصر، والصبر، والثبات، والإكثار من ذكر الله فهذا من تدبير الله سبحانه وتعالى للمؤمنين، ومن ذلك ما وقع مما قدره الله عز وجل ﴿إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ﴾ وأيضا ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾كل هذا من تدبير الله.
3. قضاء الله نافذ، وحكمته بالغة، وهي الخير لعباد الله وللأمة كلها؛ لذلك قال ﴿لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾.
قال الله سبحانه:
﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾
هذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة، وكلها جاءت بعد النداء لأهل الإيمان بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فرب العزة أمر المؤمنين بأوامر ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟﴾ هذا هو الأمر الأول الثبات، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والأمر الثاني، ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ وهذا هو الثالث.
ثم نهاهم ﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ثم عاد فأمرهم فقال ﴿وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ثم نهاهم عن مشابهة الكفار ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
إذًا هذا النداء المبارك الذي نادى الله عز وجل به أهل الإيمان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتبعه الله بذكر أوامر ونواهي من شأنها أن تعين المؤمنين وأن تكون سببًا في فلاحهم
وهنا قال ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ولعلكم تذكرون يا أيها الإخوة الكرام أنه قد تقدم أيضًا في صدر السورة أن من مقاصد هذه السورة الجليلة الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاء في السورة ﴿أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ وجاء فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وهنا قال ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟﴾ قالوا هنا لا تختلفوا في الرأي، فإنَّ الاختلاف سبب لضعفكم وجبنكم، وهذا معنى ﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟﴾
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ما معنى الريح؟ الريح هي القوة ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: وتذهب قوتكم، ﴿وَٱصْبِرُوا۟﴾ فالجهاد يحتاج إلى صبر ﴿وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ فهي معية عظيمة خاصة بأولئك الصابرين، معية تأييد، وتوفيق وتسديد.
﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱠ
﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم﴾ هذا نهي عن مشابهة الكفار ﴿ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ﴾
﴿بَطَرًا﴾ أي: كبرا، يريدون البطر، والكبر، ورئاء الناس؛ مراءاة الناس، أنهم تغلبوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وتفاخروا بالأموال، وتفاخروا بالصدقات والنفقات، وبعضهم جعل على نفسه أن ينحر عشرة جزور في كل يوم أو في كل وجبة تطعمها لأولئك المشركين في أثناء الغزوة، فكل ذلك كان بطرا ورئاء الناس.
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ أي: اذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون من نعم الله عليكم أن حَسَّن الشيطان للمشركين أعمالهم، فشجعهم على ملاقاة المسلمين وقتالهم، وهذا ﴿لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، فالشيطان زيَّن لهم أعمالهم، وأوهمهم أنهم قادرون على الفتك بالمسلمين، والقضاء عليهم، واستئصال شأفتهم.
﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ﴾ أي: ناصركم ومجيركم
﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ﴾ والفئتان: الفريقان؛ فريق المؤمنين، وفريق الكافرين ﴿نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ أي: ولى هاربا ﴿وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ﴾ قالوا: إن قوله ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يعني أرى الملائكة التي لا ترونها ولا تشعرون بها، فولى الشيطان هاربا.
2. ﴿أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ﴾ أيضًا أي: أرى النصر والتمكين حليفا، أرى النصر حليفا للمؤمنين، والهزيمة عليكم وتستأصلكم ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾ قالوا: أخاف أن يهلكني الله ﴿وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
1. قال بعض المفسرين: قوله ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ﴾ صدق فيه إبليس الشيطان، وقوله ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾ كذب فيه
2. وقال آخرون: بل إنه قال ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾ لأنه من شدة الأهوال، ومن شدة ما وقع في هذه الغزوة من تأييد للمؤمنين، ونصر وتمكين، ظن إبليس أن هذا هو الوقت الذي أُجِّلَ له حين قال ﴿قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾فظن أن القيامة ستكون، فحينئذ خاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾،
3. أو أن الخوف هنا خوف الهلاك؛ أن تهلكه الملائكة ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾
وقد جاءت بعض الآثار التي تفيد أن الشيطان في هذا اليوم تمثل لهم في صورة رجل من بني مدلج، أنه في صورة سراقة بن مالك رضي الله عنه، وقال لهم أنا مجير لكم أنا ومن معي، ولا تخافوا وما إلى ذلك، فسواء ثبت ذلك، أم كان هذا بخواطر الشيطان لهم بأن الشيطان حليف لهم. وهذه الآثار جاءت من بعض طرق منها من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه عنهما.
﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
قال الله ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ﴾ أي: اذكروا إذ يقول المنافقون ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالوا هنا: وضعفة الإيمان؛ لأن الآية فرقت بين ٱلْمُنَٰفِقُونَ ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
1. فمنهم من قال: هذا للتغير في الوصف مع أنَّ الموصوف واحد؛ فالمراد بهم المنافقون، وتقدم معنا أنه في بعض الأحوال يكون العطف باعتبار التغير في الأوصاف وإن كان الموصوف واحدا، كقوله سبحانه ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ وَٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ﴾ فهذه المعطوفات لموصوف واحد وهو الله سبحانه وتعالى.
2. وبعضهم يقول: بل هناك فرق بين المنافقين وبين الذين في قلوبهم مرض، وهنا قالوا في التفسير: ضعفة الإيمان، فجعلوهم ضعفاء الإيمان، والمنافق الذي يبطن ويظهر الإيمان أو الإسلام ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.
3. أو ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: تشكك وتذبذب، والمنافق القاطع الذي يعلم الحق لكنه عن عمد يتركه، ويظهر خلاف ما يبطن.
﴿غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ﴾ ما المقصود بقوله ﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾؟ أهل الإيمان، هنا المؤمنون: الصحابة، ﴿غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: غرَّ الصحابةَ دينُهم، أي: اغتروا بهذا الدين، ظنوا أن الدين سيقف معهم وأن دينهم سينصرهم، مع أنهم ضعفاء.
وهذا فيه أن المؤمنين كانوا في تمام التوكل على الله سبحانه، أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا واثقين في وعد الله جل وعلا؛ لذلك وقع من المشركين ما وقع، ووقع من هؤلاء الذين في قلوبهم مرض ما وقع حينما رأوا أهل الإيمان، قالوا كيف يثق الصحابة رضي الله عنهم في أنهم سينصرون مع قلة عددهم ومع قلة عتادهم؟ لكنها الثقة في الله والتوكل على الله؛ لذلك قال ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قالوا هنا ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾: عزيز لا يغالبه أحد، وقبلها قالوا: ولن يدرك هؤلاء أن من يعتمد على الله وحده ويثق بما وعد به من النصر، فإنَّ الله ناصره ولن يخذله، والله عزيز لا يغلبه أحد.
*لا نقول إن قوله ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هو الجواب، ﴿أَنَّمَا﴾ هو متعلق بالجواب؛ لأن المعنى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾ فإنَّ الله ناصره، لم؟ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾
ثم قال: ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ﴾ من الذي يتوفى هنا؟ الملائكة، أي: بإذن الله ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ أي: يتوفى الملائكةُ الذين كفروا، ف ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ في موقع المفعول ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ ماذا يصنعون؟ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ﴾ والمعنى: إذا فاتهم عذاب الدنيا فلن يفوتهم عذاب الآخرة، إذا فاتهم عذاب بدر فلن يفوتهم العذاب عند الموت، قال ﴿وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾.
هنا ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ﴾ أين جواب ولو ترى؟ مقدر؛ لذلك قالوا هنا: لو تشاهد ذلك لشاهدت أمرا عظيما، هذا “ ولو “ وهو محذوف كثيرًا، كما تقدم مرارا.
ثم قال الله:
﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾
أي: ليس بذي ظلم للعبيد سبحانه وتعالى؛ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿بِظَلَّٰمٖ﴾ على وزن فَعَّال، لكن المراد هنا: النسبة، أي: بذي ظلم للعبيد، وتقدمت أوجه أخرى في تأويل الآية الكريمة.
﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾
﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: هذا العذاب النازل بهؤلاء الكفار ليس خاصا بهم، وإنما هي عادة الله وسنته في الكافرين المعاندين كآل فرعون والذين من قبلهم
﴿كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
4. الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا تُقدِم عليها الجيوش العظام.
قــال الشيـخ حفظه الله:
1. البطر مرض خطير ينخر في تكوين شخصية الإنسان، ويعجل في تدمير كيان صاحبه؛ قال الله سبحانه ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ نهانا الله سبحانه وتعالى عن البطر، وقد H0.
2. الصبر يعين على تحمل الشدائد والمصاعب، وللصبر منفعة إلهية وهي إعانة الله لمن صبر امتثالا لأمره، وهذا مشاهد في تصرفات الحياة، وليس هناك أعون للعبد بعد الإيمان بالله من الصبر على الشدائد؛ فإنَّ الصبر يستعان به؛ لذلك أمرنا الله بالاستعانة به ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ﴾ [البقرة: 45]، وهنا قال ﴿وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾.
3. التنازع والاختلاف من أسباب انقسام الأمة، وإنذار بالهزيمة والتراجع، وذهاب القوة والنصر، والدولة، قال الله سبحانه وتعالى محذرا من التنازع ﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
4. الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا تُقدِم عليها الجيوش العظام؛ لذلك قال ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ﴾ يعني غرهم إيمانهم؛ فإيمانهم جعلهم واثقين في الله الثقة التامة في أن الله ناصرهم وإن كانوا قلة، وإن كانوا ضعفاء؛ ولذلك قال بعدها ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: ذلك العقاب الشديد، وهو المشار إليه سابقا بقوله ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ذلك العذاب، وذلك العقاب بسبب ﴿بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
قالوا: إذا أنعم على قوم نعمة من عنده لم ينزعها منهم حتى يغيروا أنفسهم من حالها الطيب: من الإيمان، والاستقامة، وشكر النعم إلى حال سيئة: من الكفر بالله ومعصيته وكفران نعمه.
فالآية الكريمة فيها دليل ساطع، وبرهان قاطع على أن النعم تُزَال بمعصية الله والكفر به، فإذا أراد العبد أن تستمر النعمة، وإذا أراد ا أن تستقر النعمة والمنة فعليه أن يؤمن بالله، وأن يشكر الله عز وجل عليها؛ فالنعم إذا شكرت استقرت،وإذا كفرت فرت.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ فإذا غيروا ما بأنفسهم وكفروا وجحدوا وكذبوا فحينئذ تزول تلك النعم
* فإنْ قال قائل: أوليس المشركون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كانوا على الشرك، فما النعمة التي كانوا عليها ثم بدلها الله؟ هم في مبادئ الأمركانوا على الكفر!
قالوا الجواب عن ذلك أن يقال -والعلم عند الله -: أنهم انتقلوا من حال سيئة إلى حالة أسوأ، فقوله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ فالمشركون كانوا على حالة من الضلال والجهل، فلما جاءهم الرسول عليه الصلاة والسلام ازدادوا عنادا، وغيا، وضلالا، وبعدا، وحربا، وسفها، ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾؛ فكان هذا سببًا في تغيير النعم، قال ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ﴾ ﱡ ﱢﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱠ
﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: شأن هؤلاء الكافرين كشأن غيرهم ممن كفر بالله، مثل: آل فرعون، والأمم المكذبة من قبلهم
﴿كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ وتأمل التعبير القرآني ﴿كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ﴾، لم يقل: “ فأهلكهم بذنوبهم “، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم﴾ وهذا أيضًا فيه دلالة على عظمة الله وجلاله، فهو الذي يهلك، وهو الذي يعز، وهو الذي يذل سبحانه وتعالى.
﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ﴾ أي: كل من آل فرعون والأمم من قبلهم كانوا ظالمين، فهذا معنى ﴿وَكُلّٞ﴾ أي: وكلهم أي: من هذه الأمم السابقة ﴿كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ﴾.
﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
وقد سبق معنا قوله ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ والذين كفروا صم بكم لا يعقلون؛ لأنهم لم ينتفعوا بالإيمان، لم ينتفعوا بالآيات، لم ينتفعوا بما رزقهم الله به من سمع، وبصر، وفؤاد؛ فكان حجة عليهم وكانوا بمثابة الفاقدين لها؛ لأنهم لم يستعملوها استعمالا صحيحا.
قال ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: هم مستمرون على الكفر، فأثبت لهم الكفر ونفى عنهم الإيمان، فقوله ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني يستمرون على كفرهم.
﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾
﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ هذا من أوصافهم ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ فهم مشهورون بنقض العهد، ويدخل في ذلك أيضًا جماعات اليهود من أمثال بني قريظة؛ لذلك نصوا عليهم هنا فقالوا: الذين عقدت معهم العهود والمواثيق كبني قريظة، ثم ينقضون ما عاهدتهم عليه في كل مرة.
﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ وأيضا لك أن تقول ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ثم حدثنا الله سبحانه وتعالى عن جماعة اليهود كيف يسلك معهم؟ أو كيف نسلك معهم؟ وكيف نتعامل معهم؟ فقال ﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ ماذا نصنع معهم؟
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ تثقف يعني: تجدهم ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ﴾ يعني: إذا وجدتهم في الحرب
﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نَكِّل بهم أشد تنكيل يجعل من خلفهم يهرب، ويبادر بالذهاب فزعا وقلقا لما يرى من شدة في الضرب، ومن شدة في القتل، والتعذيب، والتنكيل.
قال ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ وهذا فيه أنه ينبغي في مثل هذه الأبواب أن تكون زاجرة للغير، والمعنى: قوموا بما تستطيعون من أمور الجهاد في سبيل الله حتى يكون هذا عبرة للمعتبر، وعظة للمتعظ ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ هذا تعليم من رب العزة للعباد؛ إذا خفتم من قوم خيانة أن يخونوكم وأن ينقضوا العهد، ﴿فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾
ما معنى ﴿فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ﴾؟ قالوا هنا فأعلمهم بطرح عهدهم حتى يستووا معك في العلم بذلك، إذا ما معنى ﴿فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ يعني: اطرح هذا العَقْد والعهد الذي بينك وبينهم، وقل لهم: “ انقطع العهد الذي بيني وبينكم “، فيكونون وأنت على سواء في معرفة أن العهد قد توقف، وذلك عند خوفك من خيانتهم.
إذا علم المؤمنون أن من عقدوا معهم العهد يريدون الغدر والخيانة، فإنَّ المؤمنين يقولون لهم: أن العهد قد انقطع، أن العهد الذي بيننا وبينكم قد انقطع، ﴿فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾ يعني لا يجوز لكم أن تتعجلوا فتنقضوا العهد، إذا كان هذا لخوف خيانة وهذا من كريم شعائر الإسلام وخصال الإسلام، فإنَّ المؤمنين لا يخونون، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)
فهنا قال ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ يعني لا تعاجلهم ولا تباغتهم إذا كان بينك وبينهم عهد، وخشيت من خيانتهم فاطرح عهدهم، وقل لهم احذرونا كما نحذركم، واعلموا أننا قد نقبل عليكم كما تريدون الإقبال علينا، وقد نقاتلكم كما نرى أنكم تريدون قتالنا.
وقوله ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ هذا في حالة الخوف، أما في حالة تيقن الخيانة فلا حاجة إلى إخبارهم.
الآية الكريمة موقعها عند خوف الخيانة، أما إذا استيقنا الخيانة لا نحتاج أن نطرح إليهم العهد وأن نخبرهم، بل حينئذ نرد عليهم؛ لأنه لا عهد لهم حينئذ، ولا ميثاق، ولا حق ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ﴾.
ولذلك جاء في حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه ما يدل على ذلك حينما عقد معاوية رضي الله عنه بينه وبين الروم عهدا، ومع ذلك كان يسير في الروم ينتظر انقضاء العهد حتى يباغتهم، فأخبره عمرو بن عبسة رضي الله عنه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: (من كان بينه وبين قوم عهدًا فلا يحلن عهدًا، أو عقدة، حتى ينقضي الأمد، أو ينبذ إليهم على سواء)، فرجع معاوية رضي الله عنه امتثالا لوصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الله:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟﴾ ما معنى سبقوا؟ يعني فاتوا عقاب الله ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي: لا يفوتونه ولا يفلتون من عقابه، بل هو مدركهم ولاحق بهم.
﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾
﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أمر للمؤمنين بالأخذ بالأسباب.
إذا كانت السورة الكريمة قد حثتنا على التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه، والاستسلام له سبحانه، وطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنَّ السورة الكريمة قد دعتنا إلى الأخذ بالأسباب ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾فالآية الكريمة أصل كبير في الأخذ بالأسباب.
وقوله ﴿مِّن قُوَّةٖ﴾ فسرها الرسول عليه الصلاة والسلام بالرمي، لكن تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث عقبة رضي الله عنه للقوة بالرمي لا يراد به التفسير بالمطابق، وإنما المراد به التفسير بالمثال.
فهو فسر القوة بالرمي، يعني يدخل في القوة الرمي، ولا يمنع أن يدخل في القوة شيء آخر يتقوى به المسلمون؛ لذلك قالوا هنا في التفسير: وأعدوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون ما قدرتم على إعداده من العدد والعدة، كالرمي، فقولهم: كالرمي إشارة إلى أن الرمي أحد الأمثلة الداخلة في معنى القوة، ويدخل في ذلك القوة العلمية، والقوة العملية، وما يتعلق بذلك من أنظمة حديثة تستحدث في باب الأسلحة، وفي الأبواب التي تعين المؤمن على الانتصار.
قال الله ﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ قالوا هنا: وأعدوا لهم ما حبست من الخيل في سبيل الله، فقوله ﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ أي: الخيل المربوطة، فيمكن أن يقال إنها من إضافة الصفة إلى الموصوف، ﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ أي: من الخيل المربوطة في سبيل الله، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).
قال ﴿تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ يعني: تخوفونهم، وهذا فيه أن إرهاب عدو الله لا ضير فيه، ﴿أَنَّمَا﴾ الممنوع إرهاب الآمنين الذين لا ذنب لهم ولا جرم؛ لذلك ما يجري في هذه الأيام من ذكر الإرهاب هذا يحتاج إلى تفصيل، ما المراد به؟ هل المراد به نفي الإرهاب بإطلاق، بحيث أن المجرم السفيه الذي يؤذي خلق الله، والذي يعيث في الأرض فسادا لا يرهب، فهذا لا يقول به منصف.
أما إذا أريد به منع الإرهاب بمعنى منع إيذاء الآمنين الذين لا يؤذون خلق الله، والذين يريدون المعيشة في حياة آمنة، وفي أمان واطمئنان، بينهم وبين الخلق أمان وعهد، فلا شك أن الإسلام يدعو إلى ذلك، وأن الإسلام دين السلام، لكن الأمر يحتاج إلى بيان.
قال الله سبحانه ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾
* اختلف المفسرون في قوله ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ من هؤلاء؟
1. فمن المفسرين من اختار التوقف، قالوا: لأنّّ الله قال ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، إذا لا نتكلم فيهم، وهذا اختاره القرطبي.
2. ومنهم من قال ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يعني على سبيل التعيين، لكن الوصف يمكن يعرف فقالوا: المراد بهم المنافقون، وهذا اختاره ابن جرير، وابن كثير، وغيرهما.
3. ومنهم من قال: بل هم جماعة الجن،
﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فقد نصر الله المؤمنين، وصارت لهم القوة والمنعة.
قال ﴿وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ لأن الجهاد يكون بالبدن ويكون بالمال كما هو معلوم.
ثم قال:
﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾
فتح لباب السلم، ولباب السلام ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ﴾ أي: مالوا له، فبعد أن بيَّن الله سبحانه أنه ينبغي للمؤمنين أن يَتَقَوُّوْا، وأن يأخذوا بالأسباب، فتح لهم أيضًا باب الصلح، لا مانع من الصلح إذا وجدت أسبابه، فقال ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا﴾ أي: مل إليه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
قالوا هنا: “ وإن مالوا إلى الصلح وترك قتالك، فمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول إليه، وعاهدهم “،
1. وقد قال بعض المفسرين: أن هذه الآية منسوخة بآية السيف التي تأمر بالقتال، والصحيح أنها ليست بمنسوخة، فإنَّ الهدنة، والسلم، والصلح لا بأس به إذا وجد ما يقتضيه.
2. وبعض العلماء جمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه وتعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ﴾ قالوا: لا يبتدأ المسلمون غيرهم بالسلم إذا كانوا أقوياء، لكن إذا كانوا ضعفاء فلا حرج في ذلك، وأيضا إذا طلب غيرهم منهم السلام فإنهم يقبلون منه ذلك، ويقبلون منه الصلح، وحينئذ يأخذون بالحذر والحيطة.
من فوائد الآيات
1. من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، كما أنها زجر لمن عملها لئلا يعاودها، وهذا مستفاد من قوله ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، فأنت تشتد على هذا المجترئ على معاصي الله حتى يمتنع غيره، حتى ينزجر غيره، وحتى ينزجر هو من العودة مرة أخرى إلى هذا الذنب، أو إلى هذا الإثم.
2. من أخلاق المؤمنين الوفاء بالعهد مع المعاهدين إلا إن وجدت منهم الخيانة المحققة، ولذلك فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة)، ومن سيم أهل الإسلام الوفاء بالعهود والله قال ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾، وتقدم معنا أحاديث عمرو رضي الله عن عمرو بن عبسة في قصة معاوية رضي الله عنه، إذ H0
3. يجب على المسلمين الاستعداد بكل ما يحقق الإرهاب للعدو، من أصناف الأسلحة، والرأي والسياسة، وهذا داخل في قوله ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾؛ لذلك كون المسلمين يحرصون على القوة، وعلى أن يكونوا أقوياء في رأيهم، وفي سياستهم، وفي أفكارهم، وفي خططهم، وفي إمكاناتهم، هذا مهم جدًا حتى يظهر المؤمنون في مظهر قوي، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقوي شوكة المسلمين.
4. جواز السلم مع العدو إذا كان فيه مصلحة للمسلمين؛ وهذا من أوجه الجمع، بأن يقال أن قوله ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا﴾ محمول على ما إذا كانت هناك فائدة ومصلحة في هذا الصلح، والله تعالى أعلم.
قال الله سبحانه:
﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
بعد أن فتح الله سبحانه وتعالى المجال للصلح بين المسلمين، ومن أراد الصلح معهم، وأن المؤمنين عليهم أن يتوكلوا على الله، بيَّن الله سبحانه أن هؤلاء المتصالحين مع المؤمنين قد يكونون مخادعين، وحينئذ فإنَّ هذا لن يضر عباد الله المؤمنين؛ فإنَّ الله عز وجل كافيهم وناصرهم.
فقال ﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾ قالوا هنا في التفسير: وإن قصدوا بميلهم للصلح وترك القتال أن يخدعوك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لذلك؛ ليستعدوا لقتالك فإنَّ الله كافيك مكرهم وخداعهم، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالله سبحانه قواك بنصره، وقواك بنصر المؤمنين لك ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ﱡﭐ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱠ
ثم قال ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمع الله بين قلوب المؤمنين الذين نصرك بهم بعد أن كانت متفرقة، كما في قوله سبحانه ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا﴾، قال ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ نعم، هذا من فضل الله وكرمه، أن ألف الله بين قلوب الصحابة.
2. وقال آخرون: بل في عموم الصحابة من المهاجرين، والأوس، والخزرج أعني الأنصار.
فألف الله بين الأوس والخزرج من جهة، وألف بين المهاجرين والأنصار من جهة أخرى، فصاروا متآلفين متحابين
﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فالذي يؤلف بين القلوب هو الله سبحانه وتعالى، ونرى الإنسان يبذل مالا كثيرًا من أجل أن يؤلف قلب إنسان فلا يؤلف، ومن أجل أن يميل إليه شخص فلا يميل، لكن الذي يؤلف ويحبب ويقرب هو الله سبحانه وتعالى، فنسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، وأن يرزقنا الهدى والتقى، قال ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
قالوا هنا في التفسير: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي إن الله كافيك شر أعدائك، وكافي المؤمنين معك، فثق بالله واعتمد عليه
1. إذا هم في التفسير هنا مالوا إلى أن قوله ﴿حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى أن معنى الآية أن الله حَسْبُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الله حَسْبُ المؤمنين، فكافي الرسول هو الله، وكافي المؤمنين هو الله، فالله عز وجل يكفي رسوله صلى الله عليه وسلم، ويكفي المؤمنين.
2. وهناك من المفسرين من مال إلى أن المعنى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ﴾، وحَسْبُك أيضًا من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، فيكفيك الله ويكفيك أهل الإيمان.
وهذا القول فيه نظر؛ لأن الحسب في القرآن الكريم جاء في حق الله وحده؛ ولذلك قال الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾ [التوبة: 59] فلما ذكر الإيتاء والإعطاء عطف الرسول على الله، ولما ذكر حسبنا الله لم يذكر إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك عَلَّمنا أن نقول: “ حسبنا الله ونعم الوكيل “، فحسب المؤمنين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
بخلاف التأييد فإنه يعطف المؤمنون كما في قوله ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فأيد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين، لكن في باب الحسب والكفاية فهذا خاص بالله سبحانه وتعالى؛ وبناء عليه فقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يقال أن ﴿وَمَنِ﴾ في قوله ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾ معطوفة على قوله الله، هذا القول فيه ضعف.
إذا فما موقع قوله ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾؟
1. يمكن أن يقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾ أي: حسبك ومن اتبعك الله، فيكون قوله ﴿وَمَنِ﴾ معطوفا على (الكاف) في قوله ﴿حَسْبُكَ﴾، هذا وجه، وحينئذ يكون موقعها: الجر؛ لأنَّها معطوفة على المضاف إليه وهو الكاف في قوله ﴿حَسْبُكَ﴾ أي: حسبك ومن اتبعك الله.
2. أو أن يقال: أن ﴿حَسْبُكَ﴾ الكاف في موضع النصب، يعني في محل نصب، تقديرها بمعنى يكفيك الله ويكفي من اتبعك، فتكون في موضع النصب.
3. أو المعنى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فحسبهم الله، فتكون جملة أخرى ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾ ﴿وَمَنِ﴾ هذا مبتدأ، ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فحسبهم الله.
الشاهد من ذلك كله أن عددا من المحققين ضعفوا القول بأن قوله ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾ معطوف على قوله ﴿ٱللَّهُ﴾؛ لأن الآيات الأخرى تدل على أن الحسب والكفاية لله سبحانه وتعالى وحده، في باب الكفاية تكون مقصورة على الله عز وجل، وقد قال الله ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ﴾ والقراءة الأخرى “ عباده “.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فرب العزة كافي الرسول عليه الصلاة والسلام وكافي المؤمنين، وإذا كان في مقام ذكر المؤمنين ذكر الله أن حسب المؤمنين هو الله، ولم يقرن الرسول به، فقالوا ﴿وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ﴾، ففي مقام ذكر الرسول هل يجعل المؤمنين حسبا للرسول عليه الصلاة والسلام؟ هذا غير مناسب والله أعلم.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾
ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ حثهم على القتال في سبيل الله ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾.
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ﴾ قيد العشرين بقوله ﴿صَـٰبِرُونَ﴾ إذًا يُشْتَرَطُ أن يكون هؤلاء العشرون صابرين، متصفين بصفة الصبر، ولذا إذا قال قائل: قد نجد عشرين من الكافرين يغلبون عشرين من المؤمنين أو يغلبون أكثر! فيقال انتفت عنهم صفة الصبر.
ثم يقال أن هذا ليس المراد به الإخبار وإنما المراد به الأمر، فالمعنى إذا كنتم عشرين فاثبتوا أمام مئتين، إذا هذا الخبر بمعنى الطلب، لكنه نُسِخَ على قول الجمهور، فالآية الكريمة تبين أن المؤمن يجب عليه أن يثبت أمام عشرة، فإذا كان أمامه أكثر من عشرة جاز له الفرار، وأما إذا كانوا عشرة فأقل وجب عليه الثبات، هذا كان في أول الأمر إلى هذا ذهب أكثر المفسرين.
ثم جاء التخفيف بعد:
﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾
فصار المتعين على المؤمن أن يثبت أمام اثنين، فإذا كان أمامه أكثر من اثنين، ثلاثة فما فوق جاز له الفرار، وجاز له ترك القتال، وأما إذا كانوا اثنين أو كان واحدا وجب عليه الثبات، وعدم الفرار.
إذا قوله ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ﴾ وأول الآية ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ﴾ عند جمهور المفسرين يقولون: إن هذه الآية نَسَخَت التي قبلها، والعلم عند الله تعالى، والكلام في ذلك معروف وطويل في باب النسخ.
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ﴾ جاء التقييد بقوله ﴿صَـٰبِرُونَ﴾، ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ قد يقول قائل: المحصلة واحدة، فعشرون أمام مئتين تساوي مئة أمام ألف، فما فائدة ذكر ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا﴾ مع أنها مفهومة من قوله ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ﴾؟
يجاب عن ذلك بأن المراد من هذا والله أعلم: عدم التفريق بين القلة والكثرة، فإذا كانوا عشرين ثبتوا أمام مئتين، وإذا كانوا مائة وهذا عدد كبير فإنهم يثبتون أمام الألف، ثم يقاس على ذلك، وإذا كانوا ألفا يثبتون أمام عشرة آلاف، وما إلى ذلك.
ثم جاء التخفيف أيضًا بهذا المعنى ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾
ومن اللطائف أيضًا في الآية الكريمة أن الله قال ﴿يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ لم يقل بأنهم قوم ضعفاء، أو بأنهم قوم جبناء، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾
*وهنا يأتي السؤال: ما علاقة الفقه بالجهاد؟
يقال: الفقه له علاقة وثيقة بالجهاد، فالمجاهد في سبيل الله ﴿أَنَّمَا﴾ يقوى على الجهاد، ويستمر فيه ويمضي فيه حينما يثق في وعد الله ويعلم أن الدار الآخرة أبقى، وأنها خير وأبقى، وأن الدنيا ذاهبة، وأنه ﴿أَنَّمَا﴾ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ، فهذا يجعله ذا همة عالية، بخلاف الذي يقاتل بلا غرض وبلا هدف، أو يقاتل من أجل دنيا زائلة فهو يخاف عليها، فإذا وجد أنه سيفارقها فإنه يبتعد عما يجعله مفارقا لها، فشتان شتان بين من ينتظر الدار الآخرة وبين من لا ينتظرها، وهذا جاء في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
قال هنا ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ دعوة إلى الصبر أيضًا.
ثم قال:
﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ما معنى ﴿يُثْخِنَ﴾؟ يعني: يُكْثَرَ من القتل فيهم
كما في قوله سبحانه في سورة محمد ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ يعني أوقعتم فيهم الجرح بكثرة ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4]
﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ يعني حتى يكثر القتل فيهم؛ ليدخل الرعب في قلوبهم؛ حتى لا يعودوا إلى قتاله فحينئذ يجدر بالنبي أن يكثر من قتل هؤلاء الأعداء؛ حتى يرتدعوا، وينزجروا، وينزجر من بعدهم.
ثم قال ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ نقل الرازي عن المفسرين الإجماع أو نقل إجماع المفسرين على أن المراد بعرض الدنيا: قبول الفداء، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا﴾ يعني: تريدون قبول الفداء، ولا تقدمونه على القتل ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
هذه الآية الكريمة فيها إشارة إلى ما وقع في نهاية غزوة بدر، حينما من الله عز وجل على المؤمنين، فأسروا من أسروا من المشركين، وحينئذ استشار النبي الأمين صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم ماذا يصنع بهؤلاء الأسارى؟ فأشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يقتلوهم، بأن يقتلوا هؤلاء الأسرى؛ ليكون هذا زجرا وردعا لغيرهم، وليعلم الله عز وجل أنهم يبرؤون من المشركين وأنهم يوالون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى أنه قال “ لِيَعْمَد علي بن أبي طالب إلى عقيل أخيه وليعمد فلان إلى قريبه، كُلٌ يقتل قريبَه من هؤلاء المشركين، حتى لا تكون هناك هوادة للمشركين “ ومال أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الفداء؛ لأنه من الأقارب وبنو الأعمام، ويستفيدون منهم، من هذا الفداء يتقوون به.
فمال الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ما ذهب إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولم يكن في ذلك قرآن، ولم ينزل في ذلك القرآن إلى هذا الوقت، وإنما كان هذا اجتهادا منه صلى الله عليه وسلم، واختيارا للرفق صلى الله عليه وسلم، ولعل هؤلاء يدخلون في دين الله عز وجل.
ثم بعد ذلك نزلت هذه الآيات الكريمة ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾
ولذلك ورد عن عمر رضي الله عنه كما في مسلم أنه قال: “ وافقت ربي في ثلاث في بعض الروايات قال: في أسارى بدر حيث أن القرآن الكريم قال ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ يعني حتى يكثر القتال في هؤلاء ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا﴾ والمراد بعرض الدنيا كما تقدم قبول الفداء “
ولذلك دخل عمر رضي الله عنه على الرسول عليه الصلاة والسلام فوجده يبكي، ووجد أبا بكر رضي الله عنه يبكي وقال ما الذي يبكيكما؟ إن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت، وأخبره الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: إنه عرض علي عذابكم دون هذه الشجرة، وأنزل الله عز وجل قوله ﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
قالوا هنا: لَّوْلَا كِتَٰبٌ ﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ به قضاؤه وقدره أنه أحل لكم الغنائم، وأباح لكم فداء الأسرى لأصابكم عذاب شديد من الله؛ بسبب ما أخذتم من الغنيمة والفداء من الأسرى قبل نزول وحي الله بإباحة ذلك، وتأمل قولهم قبل نزول الوحي من الله بإباحة ذلك، فما وقع منهم كان اجتهادا.
على كل حال الآية الكريمة فيها كلام طويل جدًا، فإنَّ بعض المفسرين والمحققين لا يرون أن ما وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم من اجتهاد كان مجانبا للصواب، بل إن رأي الرسول صلى الله عليه وسلم واجتهاده كان موافقا للحكمة، لكنه لم يكن عالما بما سيقع من أحكام تشريعية بعد ذلك في حكم الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قالوا: أن العتب لم يكن على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك لم يوجه الله الخطاب إليه، وإنما قال ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا﴾ لم يقل تريد عرض الدنيا ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا﴾ ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ولابن القيم كلام في هذا الباب في زاد المعاد، وأيضا للشيخ الصادق عرجون رحمة الله تعالى في كتابه عن السيرة النبوية منهج ورسالة بحث وتحقيق كلام طويل جدًا يصل إلى أوراق كثيرة في تحرير هذه المسألة.
الشاهد من ذلك أن الذي عليه الأكثرون أن هذا جاء في موضع العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّمَا﴾ سلك هذا المسلك باجتهاد منه، ثم جاء الوحي ﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
فلذلك هم سلكوا المسلك الأيسر والأسهل لهم.
ثم إن من تقدير الله سبحانه وتعالى أن بعضا من الأسرى دخل في الإسلام، فحينئذ قدر الله ذلك، وربي قضى، وقدر أن يقع منهم ذلك الذي وقع ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصدر حكما آخر.
لكن هنا مسألة أخرى فمن أراد الاستزادة فلها موضعها كما قلت.
* لكن من المسائل الجيدة في هذا الباب: هنا قوله ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ قد يقول قائل ما معنى ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾؟ أوليس الله يريد الدنيا والآخرة؟ أوليس الله خلق الدنيا قدر الدنيا وقدر الآخرة؟ الجواب: بلى ربنا قدر الدنيا وقدر الآخرة، يقولون لو لم يرد الله عز وجل الدنيا ما جعل هناك دنيا!
فيقال إن معنى ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ أي: والله يؤثر الآخرة، يختار الآخرة، فالإرادة هنا ليس المراد بها المشيئة، ليس المراد بها التقدير؛ لأن الله عز وجل شاء أن تكون هناك دنيا، وشاء أن تكون آخرة، لكن الله آثر الآخرة على الدنيا، وجعل الآخرة خيرا وأبقى فهذا معنى ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ فينبغي لكم أن تريدوا أيضًا أنتم الآخرة، بمعنى أن تؤثروا الآخرة
﴿لَّوْلَا كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ المراد بالكتاب قضاء الله وتقديره.
ثم قال ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾ رفع الله الحرج عنهم؛ لئلا يظن أنهم ممنوعون من أكل شيء من هذه الغنائم، أو مما من الله به عليهم، وإنما قال ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًا طَيِّبًا﴾
﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
4. مفاداة الأسرى أو المن عليهم بإطلاق سراحهم لا يكون إلا بعد توافر الغلبة والسلطان على الأعداء، وإظهار هيبة الدولة في وجه الآخرين.
قــال الشيـخ حفظه الله:
1. في الآيات وعد من الله لعباده المؤمنين بالكفاية والنصرة على الأعداء؛ ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال قبلها ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾.
2. الثبات أمام العدو فرض على المسلمين لا اختيار لهم فيه، ما لم يحدث ما يرخص لهم بخلافه، لأن الله خفف عنهم، وخفف عليهم فقال ﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية الكريمة
3. الله يحب لعباده معالي الأمور ويكره منهم سفسافها؛ ولذلك حثهم على طلب ثواب الآخرة الباقي والدائم؛ وهذا معنى قوله ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ فعليكم أن تختاروا الآخرة وأن تؤثروها.
4. مفاداة الأسرى أو المن عليهم بإطلاق سراحهم لا يكون إلا بعد توافر الغلبة والسلطان على الأعداء، وإظهار هيبة الدولة في وجه الآخرين؛ وهذا معنى قوله ﴿حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ يعني أن تتجهوا إلى المن، وأن تتجهوا إلى الفداء، هذا بعد إظهار القوة وإظهار التمكن، لكن ما وقع من الرسول عليه الصلاة والسلام كان قبل نزول هذه الآية الكريمة، وبيان حكمها؛ ولذلك الذي قرره جماهير أهل العلم أن الإمام مخير في الأسرى بين عدة أمور:
2. وله في الأسرى أن يَمن عليهم ويطلق سراحهم.
3. وله في الأسرى أيضًا أن يفديهم كما في قوله ﴿فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4]
4. وله أن يقتلهم.
فهي أربعة أمور يُخيَّر فيها الإمام بحسب المصلحة، لا بحسب التشهي، وإنما بما تقتضيه المصلحة والعلم عند الله تعالى. ونكمل بإذن الله تعالى في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه، وما زلنا مع آيات سورة الأنفال.
قال الله سبحانه:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
نداء موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يرشده رب العزة وتعالى فيه إلى ما يتعلق بأولئك الأسرى الذين أسروا في غزوة بدر، فإنَّ الله جل وعلا قد أعز المؤمنين ونصرهم، فقتل من المشركين من قتل، وأسر منهم من أسر فماذا يصنع المؤمنون تجاه أولئك الأسرى؟ بيَّن الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ثم إن الله عز وجل في هذه الآيات يوجه الخطاب لهؤلاء المأسورين؛ لأن هؤلاء المأسورين منهم من قال: إننا في الحقيقة مسلمون، لكننا لم نستطع إظهار الإسلام، فكيف يتعامل المسلمون وقد أسروا على أنهم مشركون إذا عاملوهم في الظاهر أو بالظاهر، فإنَّ ظاهرهم أنهم ليسوا على الإسلام، وأنهم في حرب مع المسلمين؛ قاتلوا المسلمين وظاهروا عليهم، فقال الله ﴿قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾.
﴿إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي: قصد الخير ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾ نحن سنأخذ منكم الفداء؛ لأنكم أسرتم وأنتم على الشرك في ظاهر أمركم، فإن كان في قلوبكم خير وآمنتم حقًا وصدقا، فإنَّ الله عز وجل سيعوضكم خيرا، فلا يضركم ما تدفعونه الآن، فإنَّ العوض والخير والخلف سيأتيكم بإذن الله، بل سيجمع الله عز وجل لكم بين الخلف والعطاء، وبين مغفرة الذنوب، وهذا خير إلى خير فقال ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
لكن تأملوا يا أيها الإخوة الكرام هذا الجزاء ﴿إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾، وممن ورد فيه هذا الأمر العباس رضي الله عنه -عم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان أحد المأسورين أو أحد الأسرى في غزوة بدر، وقد طلب بعض الأنصار كما ثبت في البخاري من حديث أنس رضي الله عنه، طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك فداء العباس، وألا يفدي العباس، أو ﴿إِلَّا﴾ يدفع العباس شيئًا وقالوا: “ ائذن لنا فلنترك لابن أختنا فداءه “، يقصدون العباس رضي الله عنه فH0.
ففدى العباس نفسه، بل وفدى عقيل بن أبي طالب أيضًا، وفدى بعض أقاربه، ودفع مالا كثيرًا في ذلك جاء في بعض الروايات أنه عشرون أوقية وفي بعضها أربعون أوقية وما أشبه ذلك مما ورد عنه.
لكنه رضي الله عنه صدق وآمن بالله رب العالمين وحسن إسلامه؛ فلذلك عوضه الله عز وجل الخير الكثير.
لذلك قالوا هنا في المختصر وقد تحقق وعد الله للعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ممن أسلم؛ ولذلك ثبت أيضًا في البخاري أن النبي صلوات الله وتسليماته عليه أتاه مال كثير من البحرين، لم يؤت النبي صلى الله عليه وسلم بمال مثل هذا المال الذي أعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: “ انثروه في المسجد “ وجاء العباس رضي الله عنه؛ ليحمل من هذا المال “، فحمل في ثوبه مالا كثيرًا، ولم يستطع حمله، وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل معه من يعينه، فأبى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لا، وأيضا طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يساعده، فH1.
الشاهد من ذلك أن الله عوضه خيرا كثيرًا عما أنفق أو عما فدى نفسه في غزوة بدر، فكان هذا من عطاء رب العزة سبحانه وتعالى، ومن إحسان الله لمن فدى نفسه، ثم حسن إسلامه بعد ذلك.
وقد جاء أن العباس كان ينتظر الأمر الآخر، فإذا كان قد حمل هذا المال الكثير الذي عجز عن حمله في ثوبه وفي رفعه على عاتقه، فإنه سأل الله الأمر الآخر وهو قوله ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فكان يرجو مغفرة الله سبحانه وتعالى.
﴿إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وهذا فيه أن الإنسان إذا قدم شيئًا ثم احتسبه فإنَّ الله سبحانه وتعالى يعوضه عنه الخير الكثير، وكذلك عندنا القاعدة الأخرى وهي: أن من ترك شيئًا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه.
وأيضا إذا عوقب الإنسان بعقوبة كان مستحقا لها ثم تاب في توبته فإنَّ الله يرزقه من الخير ما يغنيه عما فاته؛ ولذلك يقال لكل عاص: “ اترك معصية الله عز وجل ولا تكسب مالا حراما، ولا تسعى إلى ارتكاب ما هو محرم، فإنَّ في الخير العوض، والخلف، والبركة، والسعة بفضل الله سبحانه وتعالى “
إذا هذا قسم من الأسرى ﴿إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾
فالذي دفعه العباس أقل بكثير مما أخذ، وقد ورد عنه في بعض الروايات أنه عُوِّضَ بعشرين عبدا وفي بعضها بأربعين عبدا، لكل واحد منهم مال يتجر فيه، يعني العباس إذا كان قد دفع عشرين أوقية أو دفع أربعين أوقية على الاختلاف في الروايات، فصار له بعد الإسلام عبيد كثيرون، كل عبد منهم معه مال يتجر فيه ويؤديه إلى العباس رضي الله عنه، فضلا عن المال الذي أخذه من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذا الذي آتاه من مال البحرين
قال الله:
﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱠ
هذا هو القسم الثاني من الأسرى يقصدون يا محمد خيانتك فيما يظهرون لك من القول، فيقولون نحن لن نقاتلك مرة ثانية، ولن نؤلب الناس عليك، ولن نعاديك وما أشبه ذلك، لكنهم كانوا خائنين في ذلك وليسوا صادقين.
﴿فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ قالوا هنا: ﴿فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾، وقد نصرك الله عليهم خانوا الله؛ لأنهم لم يؤمنوا بالله والشرك بالله خيانة، وكذلك تكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاداته خيانة.
﴿فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ يعني نصرك الله عليهم، فكما نصرك الله عليهم في بدر، فإن خانوا واستمروا في الخيانة فسينصرك الله عز وجل عليهم في المواقف الأخرى،