سورة الأنفال — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قال ﴿وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قالوا هنا: وليختبر المؤمنين بما أنعم عليهم من إظهارهم على عدوهم، مع ما هم عليه، أو مع ما هم فيه من قلة العَدَد والعِدَد؛ ليشكروه.
إذا ﴿وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الابتلاء هنا اختبار في باب الشكر، وفي باب الإنعام؛ لأن البلاء يقع بالضراء وبالسراء، فقال ﴿وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا﴾.
*ومن العلماء من قدر، فقال ﴿وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا﴾ فَعَل ما فَعَل، من نصره لكم، وتأييده لكم، قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ﴾
﴿ذَٰلِكُمْ﴾ أي: ذلكم المذكور، من قتل المشركين، ورميهم حتى انهزموا وولوا هاربين، والإنعام على المؤمنين بإظهارهم على عدوهم، هو من الله.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أي: مُضْعِفهم.
ثم قال:
ﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱠ
قالوا هنا: إن تطلبوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون أن يوقع الله عذابه وبأسه على الظالمين المعتدين، فقد أوقع الله عليكم ما طلبتم؛ ذلك أنهم قالوا إن المشركين ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينفروا وقبل أن يخرجوا لمعاضدة أبي سفيان وقفوا عند الكعبة المشرفة وطلبوا من الله عز وجل أن يهلك الظالمين، أن يهلك الأظلم منهم؛ يعني منهم أو من محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينصر الأهدى منهم، فنصر الله الأهدى: وهو رسول الله وأهل الإيمان، وأذل الله الظالمين: وهم أهل الشرك.
وإن كانت الرواية من حيث الثبوت فيها ما فيها، لكن شاهد الآية أو ظاهر الآية يشهد لهذا المعنى؛ فمعنى الاستفتاح: الطلب، يعني أنتم طلبتم الفتح وطلبتم النصرة، وقد نصر الله عز وجل المؤمنين.
﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ﴿وَإِن تَنتَهُوا۟﴾ يعني: تَكُفُّوا عن طلب ذلك، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فربما أمهلكم، لكنكم أنتم الذين طلبتم هذا، وطلبتم العذاب، أو أن يعجل الله لكم العذاب.
﴿وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا﴾، ﴿وَإِن تَعُودُوا۟﴾ أي: إلى طلبه، وإلى قتال المؤمنين ﴿نَعُدْ﴾ بإيقاع العذاب عليكم، وبنصر المؤمنين ﴿وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، وتأمل المعية التي تكرر في هذه السورة المباركة؛ لبيان أن الله عز وجل مع عباده المؤمنين.
ﱡﭐ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﱠ
ثم جاء النداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ والمتأمل في سورة الأنفال، يجد أن فيها ستة نداءات نادى الله فيها المؤمنين في ستة مواضع من هذه السورة المباركة:
1. أولها ما سبق ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾
2. وثانيها هذا الموضع ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾
3. وثالثها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾
4. ورابعها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾
5. وخامسها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾
6. وسادسها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
ﱡﭐ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﱠ
﴿قَالُوا۟ سَمِعْنَا﴾ نسمع الآيات ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماع انتفاع، لا يسمعون سماع تدبر، فهم وإن كانوا يسمعون بالآذان، لكنهم في غفلة عما يسمعون فقال ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
ﱡﭐ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﱠ
﴿ٱلصُّمُّ﴾ الذين لا يسمعون الحق سماع قبول، ﴿ٱلْبُكْمُ﴾ الذين لا ينطقون بالحق وكذلك قال ﴿ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يعني لا يعقلون الحق.
ﱡﭐ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﱠ
﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ أي سماع انتفاع، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ ولو أسمعهم سبحانه وتعالى -على سبيل الفرض -والتقدير: ﴿لَتَوَلَّوا۟﴾ عن الإيمان عنادا ﴿وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾
فحتى مع استيعابهم وإدراكهم، إلا أنهم معرضون عن الحق، لا يستجيبون له.
ثم قال:
ﱡﭐ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﱠ
وهذا معنى شريف وأمر جليل من الرب الكريم، ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إذا دعاكم لما فيه حياتكم، وهذا القيد ليس معناه: أن الرسول لا يُستجاب له إلا إذا دعانا لما يحيينا؛ لأن الرسول لا يدعونا إلا إلى ما فيه حياة لنا.
فهذا لبيان واقع ولا يقال أنه قيد هنا ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وما يدعونا الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فهو فيه حياتنا، حياة القلب وحياة الروح كقوله ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12] والرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا إلى ما فيه المعروف.
*فهذه القيود ليست للاحتراس وإنما لبيان ما يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوتهم وفي أمرهم
قال ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ دعاكم: بأن طلب منكم حتى تجيبوه، وتستجيبوا لطاعته.
أو ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ المعنى الثاني: أن الدعوة معناها النداء، فهذا معنى ثان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ لمَّا دعاكم بأن طلب منكم، ودعاكم تأتي بمعنى ناداكم، وهذا الذي طبقه الرسول عمليا صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي سعيد بن المعلى؛ حينما دعاه وهو يصلي فلم يجبه حتى قضى صلاته،
فقال: إني كنت أصلي، حينما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ أن تجيب؟ ﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ﴾ كنت أصلي، قال ألم يقل الله ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ وهذا فيه معنى لطيف فيما يتعلق بعلوم القرآن الكريم وأصول التفسير؛ أن المعنى المتبادر إلى الذهن في قوله ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إذا طلب منكم الطاعة، ولكن لفظ (دعا) يأتي بمعنى النداء، فأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم بظاهر ما تدل عليه الآية.
وفيه: أن المعاني المتواردة على الآية الكريمة تقبل، إذا لم يكن هناك ما ينفيها أو يبطلها، والله تعالى أعلم، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله في قوله ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] وفي استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم هذه السبعين، مع أنَّ كثيرًا من العلماء يرون أن هذا للتكثير، وأنه وإن استغفر مهما استغفر فإنَّ الله لن يغفر لهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم عمل بظاهر الآية الكريمة، وهذا من كرمه وفضله صلوات الله وتسليماته عليه.
قال الله عز وجل ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ ما يخطر في القلب ﴿وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وهذا أيضًا فيه تقرير ما سبق في مقصد السورة الكريمة، بأن العبد يلجأ إلى الله، وأن يعلم أن الحول والقوة بيد الله سبحانه؛ فهو الذي يقوي العبد، وهو الذي يصرف العبد
قال ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ قالوا: فهو قادر أن يحول بينكم وبين الانقياد للحق إذا أردتموه بعد رفضكم له، فبادروا إليه ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾
وهذا معنى شريف ذكروه هنا؛ قالوا: “ فهو قادر أن يحول بينكم وبين الانقياد للحق إذا أردتموه بعد رفضكم له “، فهذا فيه تحذير من أن يتولى الإنسان أول مرة.
فكأن معنى الآية على هذا القول ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ مباشرةً، لا تترددوا في الاستجابة؛ فإنكم إن ترددتم في الاستجابة عسى أن لا توفقوا إلى الاستجابة بعد ذلك ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾
أنت الآن يسرت لك الطاعة فلا تنصرف عنها؛ لعل الطاعة بعد ذلك تدعى إليها وأنت في كسل، وأنت في هم، وأنت في اشتغال في أمر من أمور الدنيا، وأنت فيما أنت فيه، فحينئذ استثمر فرصتك وأقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى.
ﱡﭐ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﱠ
﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾ ما المراد بالفتنة هنا؟ العذاب، تقدم معنا مرارا أن “ الفتنة “ وردت في القرآن الكريم على أوجه متعددة، هنا قال “ واتقوا فتنة “ يعني عذابًا، ﴿لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ لا تخصهم، وإنما تنالهم وتنال غيرهم، وذلك حين يظهر الظلم فلا يُغَيَّر، فحينئذ يكون العقاب عامًّا.
﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ كما جاء في الحديث في الصحيحين: “ أنهلك وفينا الصالحون؟ “ قال: نعم، إذا كثر الخبث.
5. أمر الله المؤمنين ﴿إِلَّا﴾ يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب.
قــال الشيـخ حفظه الله:
1. من كان الله معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا عدده، وهذه المعية تكون بحسب ما قام به المؤمنون من أعمال الإيمان، ولذلك ذكَّرنا الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ ثم قال ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني ربنا ناصرهم ولو كانوا قلة، ولو كنتم أعني المشركين كثيرين، فإنَّ الله ناصر للمؤمنين، ناصرٌ عباده ولو كانوا قلة.
2. المؤمن مطالب بالأخذ بالأسباب المادية والقيام بالتكليف الذي كلفه الله، ثم يتوكل على الله ويفوض الأمر إليه، أما تحقيق النتائج والأهداف فهو متروك لله عز وجل؛ ولذا قال ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
3. في الآيات دليل على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان والخير إلا عمن لا خير فيه، وهو الذي لا يزكو لديه هذا الإيمان ولا يثمر عنده؛ ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ وأيضا قال ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
4. على العبد أن يكثر من الدعاء “ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلبي إلى طاعتك “؛ فنبينا صلى الله عليه وسلم كان يكثر من هذا “ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك “، ويجدر بالعبد أن يتذكر هذا ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ والأمر كما قال الله ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ [المائدة: 41] وكما قال ﴿وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74] فنسأل الله أن يثبتنا على دينه.
5. أمر الله المؤمنين ﴿إِلَّا﴾ يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب؛ كما في قوله ﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
قــال الشيـخ حفظه الله:
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱠ
تذكير أيضًا بإنعام الله السابق على عباده وعلى هؤلاء الصحب الكرام، تذكير لهم بما سبق إذ كانوا ضعفاء وكانوا قلة، ووقع لهم ما وقع لهم في مكة، ولكن الله سبحانه وتعالى أبدلهم خيرا ويسر لهم أمرهم، فقال ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾.
﴿قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ وهذا في مكة ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾ أي: أن يأخذكم أعداؤكم بسرعة وهذا معنى التخطف؛ أن يأخذه العدو بسرعة ﴿فََٔأوَىٰكُم﴾ أي ضمكم الله عز وجل إلى مأوى تأوون إليه وهو المدينة ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ﴾ في غزوة بدر ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ﴾ ما نتج عن هذه الغزوة من الغنائم ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
ﱡﭐ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱠ
هذا توجيه آخر ونداء آخر لأهل الإيمان، فيه نهي عن الخيانة ﴿لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾وأصل الخيانة: الانتقاص، لا تخونوا الله بانتقاص طاعته، بانتقاص طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، بالتفريط في جنب الله سبحانه، بارتكاب المعصية، أو مخالفة الأمر، فهذه خيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ﴾ أو ما اؤتمنتم عليه من أمانات تتعلق بحق الله، أو بحق المخلوقين، فإنَّ الله قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وH0
الأمانات عامة هنا “ وتخونوا أماناتكم “ يعني لا تخونوا أمانتكم، ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن ما قمتم به خيانة فتكونوا من الخائنين، وبئس هذا أن يقع الإنسان في الخيانة، نسأل الله السلامة.
ولما كانت محبة الأموال والأولاد سببًا لحصول الخيانة من بعض الناس فبعض الناس ينتقص الحقوق بسبب حرصه وشغفه بماله وولده
فحذرنا الله فقال:
ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱠ
لذلك أحسنوا هنا في المختصر لما قالوا: “ لما كانت محبة الأموال والأولاد تدفع العبد إلى الخيانة، أخبر الله أنهما فتنة “، هذا وجه المناسبة.
ما مناسبة ذكر الأموال والأولاد وبيان أنهما فتنة بعد ذكر الخيانة؟ لأن الفتنة بالمال والولد تؤدي إلى الوقوع في الخيانة. قال ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ﱡﭐ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﱠ
ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذا نداء آخر﴿إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذكر الله هنا بعض ثمرات التقوى، فقال ﴿إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ والثاني: قال ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
ما معنى ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾؟ قالوا هنا: ما تفرقون به بين الحق والباطل، فلا يلتبسان عليكم، ولذلك من ثمرات تقوى الله: حصول العلم النافع؛ فالإنسان إذا اتقى الله جل وعلا رزقه الله العلم النافع الذي يبصر به الحق، ويميز به بين الحق والباطل، وهذا كقوله سبحانه وتعالى ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، على أحد الوجهين في تفسير الآية، كما تقدم في سورة البقرة، وكذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِۦ﴾ [الحديد: 28]، فالنور الذي يمشي به المتقون هو الفرقان الذي يفرقون به بين الحق والباطل، فهذا من ثمرات تقوى الله.
ولذلك طالب العلم حري به أن يتقي الله جل وعلا، وألا يغيب عنه هذا الأمر العظيم وهو تقوى الله.
قال ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ ومن فضله العظيم جنته التي أعدها للمتقين من عباده، نسأل الله الكريم من فضله.
ثم قال:
ﱡﭐ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉﲊ ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﱠ
تذكير بحدث وقع سابقا ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ يعني اذكر يا رسول الله إذ مكر بك الذين كفروا وأرادوا قتلك، أو أرادوا ما أرادوا منك حينما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة إلى المدينة.
فقال ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ يعني حين تمالأ عليك المشركون ليكيدوا لك، قال ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ قالوا: أي بحبسك، فمعنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي بالحبس أو معناه الإثخان بالجراح، فقولهم الإثبات هنا معناه: الحبس أو الإثخان بالجراح.
﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ تربصوا به وأرادوا أن يقتلوه كقتلة رجل واحد، فحينئذ يفترق دمه صلى الله عليه وسلم بين القبائل ويضيع، فحينئذ لا تقدر أو لا يقدر أقاربه عليه صلوات الله وتسليماته عليه.
﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ يطردوك ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾
فهذه الآية الكريمة فيها تذكير بما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم، حين سلَّمه الله من أذى المشركين حينما أرادوا قتله صلى الله عليه وسلم، أو إلحاق الضُرِّ به، وأخرجه رب العزة سبحانه وتعالى من بين ظهرانيهم، ونجا النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجر من مكة إلى المدينة وهو سالم بفضل الله سبحانه وتعالى.
* بعض العلماء من أجل هذا استثنى هذه الآية من مدنية سورة الأنفال؛ فقالوا أن سورة الأنفال مدنية باستثناء هذه الآية؛ قالوا لم؟ قالوا لأن هذه الآية تتحدث عن الهجرة، وهذا وقع قبل الهجرة وأنتم تقولون أن المدني معناه ما نزل بعد الهجرة، والآية تتكلم عما وقع من حين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر من مكة إلى المدينة.
ولكن هذا القول فيه نظر؛ لأن الآية تتحدث عن تذكير بأمر سبق، فالآية تقول ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ﴾ يعني: اذكر إذ يمكر بك، فالآية نزلت بعد الهجرة، لكنها تذكر بما سبق فهذا لا يخرجها عن كونها مدنية كما هو المحرر والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ﱡﭐ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﱠ
ثم قال ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا﴾ أي قالوا عنادا للحق وترفعا عليه ﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾ أي: سمعنا مثل هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، أين سمعوا؟ ولم لا يستطيعون الإتيان بمثله؟ لكنها المكابرة والعناد.
يقولون ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ﴾ لو نشاء قول مثل هذا القرآن لقلناه.
﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا﴾ فمفعول ﴿نَشَآءُ﴾ مقدر دل عليه السياق؛ لأنَّه جاء في سياق الشرط، “ قول مثل هذا القرآن لقلناه “
﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾) إن) هنا بمعنى (ما) لدخولها على الاستثناء أو لورود الاستثناء معها، أي: ما هذا القرآن الذي سمعناه إلا أكاذيب الأولين، نؤمن به ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ هذا معنى أكاذيب الأولين، فالأساطير المراد بها: الأكاذيب والترهات والخرافات، معاذ الله
قال الله سبحانه وتعالى:
ﱡﭐ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﱠ
وقد قال هذا النضر بن الحارث، فقد قال هذا الكلام الباطل، أو أبو جهل، قالوا مثل هذا ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ إن كان هذا القرآن ﴿هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ الذي ترتضيه وتقضي بأحقيته ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي لإهلاكنا ﴿أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي بعذاب شديد.
وهذا من مبالغتهم في الجحود والإنكار، وكان الحري بهم أن يقولوا “ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هَـٰذَا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فاهدنا إليه، فدلنا عليه، فاشرح صدرنا له “، لكنها المكابرة والعناد
ثم قال جل وعلا:
ﱡﭐ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﱠ
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي ليعذب أمتك سواء من كان منهم من أمة الاستجابة، أم من أمة الدعوة؛ لأن أمة النبي صلى الله عليه وسلم حينما ترد يراد بها أحد معنيين: إما أمة الدعوة وإما أمة الإجابة.
أمة الدعوة: هي عموم من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن بلغته دعوة الرسول فهو من أمة الدعوة، وأمة الإجابة: الذين استجابوا للرسول صلى وسلم وآمنوا به
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ قالوا هنا: بعذاب يستأصلهم؛ لأنه قد يرد راد ويقول: أوليس العذاب قد أصابهم كما أصيبوا بالجوع والقحط وما إلى ذلك. فيقال: لكن هذا العذاب ليس عذابا مستأصلا لهم، وإنما هو عذاب مؤقت. إذا ما العذاب المنفي هنا؟ هو العذاب الاستئصالي، الذي يستأصلهم في قطع دابرهم.
قال ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فذكر الله هنا أمانين من العذاب:
الأمان الأول: وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، فقد جعل الله وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم سببًا في رفع العذاب عنهم.
والأمان الثاني استغفارهم، قال ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فإذا استغفروا فإنَّ الله عز وجل لا يعذبهم ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ثم قال:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱠ
* ولذلك هذه الآية مع الآية التي قبلها يرد فيهما إشكال أو يرد إشكال في فهمهما؛ لأنّّ الله قال: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فنفى التعذيب عنهم، ثم قال ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ والمعنى أنهم يستحقون التعذيب فكيف هذا؟ كيف الجمع بين الآيتين؟
فللعلماء في ذلك أوجه متعددة:
(1) فمنهم من قال أن معنى قوله سبحانه ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي لو استغفروا فالجملة الحالية هنا باعتبار لو استغفروا، فالمعنى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ لو استغفروا، ثم قال ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: وليس هناك أمان لهم، فالرسول خرج من بين ظهرانيهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم انتقل من مكة إلى المدينة فذهب الأمان الأول لمشركي قريش، والأمان الثاني وهو الاستغفار وهم لا يستغفرون، ولذلك فحينئذ يستحقون التعذيب ويستحقون الهزيمة، فنصر الله المؤمنين وقضى عليهم وأهلك صناديد قريش، إذا ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني: لو استغفروا لكنهم لم يقع منهم استغفار
(2) الوجه الثاني أن قوله ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وفيهم من يستغفر الله، وهم المستضعفون من أهل الإيمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر من مكة إلى المدينة بقي في مكة المكرمة بعض المستضعفين من المؤمنين الذين يستغفرون الله، فكأن المعنى أو كأن معنى الآية الكريمة قريب من قوله سبحانه وتعالى ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 25]، يعني أن هناك طائفة مؤمنة مستغفرة توجد بين ظهراني المشركين؛ فمن أجل وجودهم بينهم لم يهلكهم الله الهلاك المستأصل لهم.
ثم قال ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ عند خروج المستضعفين من بينهم، فالرسول خرج وكذا المستضعفون هاجروا كما أمروا بالهجرة بعد ذلك، كما هو معلوم، كما مضى معنا أيضًا في سورة النساء ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية الكريمة
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
(3) وبعض المفسرين قال ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هذا لمشركي قريش، فالمعنى: أن المشركين يقع منهم استغفار أحيانًا فهذا الاستغفار ينفعهم في الدنيا، فيكون المعنى أن استغفار المشركين ينفعهم في الدنيا بأن الله سبحانه وتعالى لا يهلكهم هلاكا يستأصلهم، لكن يهزمون في المعارك وما إلى ذلك، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: فيكون الاستغفار هنا مانعا من العذاب الدنيوي، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ فيما يتعلق بأمر الآخرة
(4) ووجه آخر -والعلم عند الله -أن معنى الاستغفار هنا الإيمان، أي ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني: وهم يؤمنون، أي: ومنهم من يدخل في الإسلام، وأن معنى ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: ومالهم ﴿إِلَّا﴾ يعذب الله أولئك المصرين على الكفر والعناد، فيكون المراد بالتعذيب هناك طائفة، وهي التي أصرت على الكفر والتكذيب والعناد، ولم تحرص على الإيمان، بخلاف من قدر الله له الإيمان، الله يؤخرهم ويمهلهم ولا يعجل العقوبة لهم؛ لأن هناك من يدخل الإيمان من هؤلاء المشركين والكافرين والعلم عند الله.
* والقول الأول اختارها عدد من المحققين كالطبري رحمة الله ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي لو استغفروا لكنهم لم يستغفروا وخرج الرسول من بين ظهرانيهم حينئذ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
5. في الآيات فضيلة الاستغفار وبركته وأنه من موانع وقوع العذاب.
قــال الشيـخ حفظه الله:
1. الشكر نعمة عظيمة يزيد بها فضل الله تعالى وينقص عند إغفالها؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ﴾ إلى أن قال ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
2. للأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين ما ثبتوا عليها وتخلقوا بها، وهي دليل نزاهة النفس واعتدال أعمالها؛ قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
4. في الآيات بيان سفه عقول المعرضين؛ لأنهم لم يقولوا “ ٱللَّهُمَّ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هَـٰذَا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فاهدنا إليك “؛ وإنما قالوا كما قال الله ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
5. في الآيات فضيلة الاستغفار وبركته وأنه من موانع وقوع العذاب؛ وذلك في قوله ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
فنسأل الله أن يجعلنا من المستغفرين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونقف عند هذا الحد، ونسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فنواصل بفضل الله وتوفيقه دروس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة الأنفال، ونسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق.
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱠ
تقدم يا أيها الإخوة الكرام في اللقاء الأخير: وجه الصلة ودفع الإشكال بين الآيتين، قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وقوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ وذكرنا أن للعلماء في ذلك أربعة أوجه، أو أربعة أقوال.
وهنا قال الله سبحانه ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ قالوا هنا: أي شيء يمنع من عذابهم؟ ما الذي يمنع عذابهم؟ ما الذي ثبت لهم لينتفي عنهم العذاب؟ ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾، والمعنى: أنهم قد ارتكبوا ما يوجب عذابهم من منعهم الناس ﴿عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن﴾ يطوفوا به أو يصلوا فيه.
ولذلك على التأويلات السابقة يمكن أن يقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ وليس لهم أمان، فإنَّ الله عز وجل قد ذكر في الآية السابقة أمانين: أما الأمان الأول: فهو وجود الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم بمكة المكرمة، وقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة، فلم لا يعذب أولئك المشركون، أعني مشركي مكة، وقد استمروا على عدوانهم وشركهم، وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من بين ظهرانيهم.
والأمان الثاني: وهو الاستغفار، ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وهم لم يستغفروا الله عز وجل فلذلك قد استوجبوا مقت الله وغضبه.
فقال ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ أو أن المراد بالتعذيب هنا: التعذيب في الآخرة على الوجه الآخر.
﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ أي: يصدون الناس، وهذا على أن الفعل (صدَّ) هنا متعد، فالمراد به: صد غيره صدا، فالمعنى يصدون الناس عن المسجد الحرام، ولماذا يتجه الناس إلى المسجد الحرام؟ يتجهون إلى المسجد الحرام للصلاة فيه، وللطواف حوله، فهم يصدون الناس عن الطواف بالبيت، ويصدون الناس عن الصلاة فيه، وعن رفع شعائر الدين، فلم لا يعذبون وهم يحاربون دين الله سبحانه ويحاربون أولياءه.
ثم قال ﴿وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ﴾ أي: وما كان هؤلاء المشركون أولياء الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أولياء الله سبحانه وأحباؤه هم المتقون، كما قال عز وجل في الآية الأخرى ﴿أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62 -63]، فقوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾ تفسير لأولياء الله، وهو في معنى هذه الآية الكريمة ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
وقد ذكروا هنا في المختصر: وما كان المشركون أولياء الله، فليس أولياء الله إلا المتقون؛ تأمل “ فليس أولياء الله إلا المتقون “، بهذا الأسلوب الذي فيه حصر؛ لأن الأسلوب القرآني جاء هكذا ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ﴾ بالنفي و “ إلا “ فقوله ﴿إِنۡ﴾ يعني (ما)، أي: ما أولياؤه إلا المتقون، فهذا حصر وقصر لبيان أن المتقين هم أولياء الله عز وجل لا غيرهم.
وهنا قوله ﴿وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ﴾ فيه أن الضمير يعود على الله سبحانه وتعالى، وهناك آخر: وهو أن الضمير يعود على أقرب مذكور، وأقرب مذكور هنا هو (المسجد الحرام)، فيكون المعنى: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟﴾ أولياء المسجد الحرام، ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ﴾ أي: إن أولياء المسجد الحرام ﴿إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
*ولا إشكال بين القولين فهما متلازمان؛ ولذلك قال ابن عطية في ذلك: كل ذلك جيد؛ للدلالة على أن بين القولين تلازما.
﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قالوا هنا: ولكن أكثر المشركين لا يعلمون حين ادعوا أنهم أولياؤه وهم ليسوا بأوليائه، هذا فيه: أنهم جعلوا الضمير في قوله ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يعود على المشركين، وهذا ما عليه جمهور المفسرين.
وهناك من قال: يعود على المتقين، فالمتقي لا يجزم لنفسه بالولاية. لكن الذي عليه الأشهر والأكثر ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: أكثر المشركين لا يعلمون، لا يعلمون أن أولياء الله هم أهل التقوى.
* فإنْ قال قائل: ما وجه قوله ولكن أكثرهم، لم يقل ولكنهم فهل هناك جماعة من المشركين يعلمون الحق ويعلمون أن أولياء الله هم المتقون؟
يقال: نعم، لكنهم يمتنعون عن اتباع الحق بسبب المكابرة والحرص على الرياسة والجاه وما إلى ذلك، وتقليد دهماء الناس وما إلى ذلك، فقال ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال:
ﱡﭐ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱠ
قالوا هنا: وما كان صلاة المشركين عند المسجد الحرام إلا صفيرا وتصفيقا، إذًا الضمير في قوله ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾ يعود على المشركين، وهو يرجح أيضًا أن الضمير في قوله ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعود على المشركين فالسياق كله في الحديث عنهم، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾ ومعروف أن توحيد مرجع الضمائر أولى من تفريقها.
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ﴾ وهو المسجد الحرام المذكور في الآية السابقة ﴿إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ قالوا هنا: إلا صفيرا وتصفيقا إذا ما معنى (المكاء)؟ الصفير، وما معنى (التصدية)؟ التصفيق لذلك قالوا المكاء: التصويت بالفم؛ لذلك عبروا عنه هنا بقولهم إلا صفيرا، والتصدية: التصفيق باليد ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾.
* وهنا أورد بعض العلماء سؤالا: وهو هل الصفير، أو هل المكاء والتصدية صلاة؟
فأجاب عدد منهم وقالوا: ليس بصلاة، قالوا: إذًا فما معنى قوله ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾؟
المعنى: أنهم جعلوا مكانَ الصلاةِ المكاءَ والتصديةَ، فكأنها صلاة بالنسبة لهم، فالذي يدع الصلاة ويصد عن الصلاة ويجعل في موضعها المكاء والتصدية كأنه جعل المكاء والتصدية صلاة، وإن لم تكن صلاة، وبهذا يزول الإشكال، إذ قال بعض المفسرين: أنه لا يعرف للمشركين صلاة في السابق، أو صلاة قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقال: إن هذا معناه في حكم الصلاة وليس صلاة حقيقية، أو أنهم كانوا يحدثون شيئًا من اللغط، فكانت صلاتهم مثل ما يجري منهم من بعض العبادات التي ليست قائمة على شرع، ليست قائمة على دليل أو حجة، ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾.
وبناء عليه فيمكن أن نقول: إن هذا من قبيل المشاكلة، يعني الشكل صلاة، ولكنها في الحقيقة ليست صلاة؛ فهي مشاكلة تقديرية، أو أنهم كانوا يستغرقون الوقت ويجعلون الوقت الذي يقوم فيه المسلمون بالصلاة مغمورا بالمكاء والتصدية، فيكون للمسلمين وقت يصلون فيه، وهم في المقابلة يقع منهم ما يقع من المكاء والتصدية.
فتوعدهم الله فقال ﴿فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قالوا هنا: فذوقوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون العذاب بالقتل والأسر يوم بدر.
إذًا فسَّرُوا العذاب هنا بالعذاب الدنيوي الذي وقع لهم في بدر من القتل والأسر، وهو مناسب لما دلت عليه الآيات بعد ذلك ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ إلى ما جاء بعد ذلك من ذكر قصة بدر وما وقع فيها.
قال الله سبحانه ﴿فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفركم فالباء سببية.
ثم قال:
ﱡﭐ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱠ
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ بين الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء الكفار ينفقون الأموال الطائلة من أجل الصد عن سبيل الله، أي: لمنع الناس عن دين الله سبحانه وتعالى، فسبيل الله دينه.
﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: لن يتحقق لهم مطلوبهم، سينفقون نفقات لكنها بائسة غير مفيدة، لا يربحون ولا يستفيدون، ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ ندامة.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ أي: بانتصار المؤمنين عليهم؛ إذ ينصر الله المؤمنين ويخذل أولئك الكافرين.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ وهنا قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟﴾ بوضع الظاهر في موضع المضمر، فلم يقل: “ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ثم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ “، وإنما أعاد التصريح بقوله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟﴾ بالاسم الموصول؛ ببيان أن حشرهم إلى جهنم سببه الكفر بالله رب العالمين، فهم حشروا إلى جهنم بسبب كفرهم.
ﱡﭐ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﱠ
﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾، ﴿لِيَمِيزَ﴾ ماذا يميز؟ معناه: فَرْز، أي: ليكون هناك فَرْزٌ وتمحيص ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾؛ فهذا تعليل؛ لذلك قالوا هنا في التفسير: يساق هؤلاء الذين ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله إلى نار جهنم؛ ليفصل الله فريق الكفار الخبيث عن فريق المؤمنين الطيب، إذا يميز معناه: يفصل، ويفرز، ويفرق، ﴿وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾.
قوله ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ هذا التمييز ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون؟
1. من أهل العلم من قال: في الآخرة. 2. ومنهم من قال: في الدنيا.
قال الله سبحانه ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14]، فقوله ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ فيه دلالة على التمييز يوم القيامة، “ من كان يعبد شيئًا فليتبعه “، فهذا من أوجه التمييز بين الناس يوم القيامة، وكذلك ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 28] فقوله ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ يعني: ميزنا، فهو في معنى قوله ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾.
وأما التمييز في الدنيا فأيضا هذا ظاهر؛ لأنه من فوائد الابتلاء التمحيص، كما قال الله ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]؛ لذلك فالآية تحتمل هذا وذاك.
ثم قال الله ﴿فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ﴾ هذا ختام التمييز، يكون في الآخرة بأن ينجي الله المؤمنين ويهلك الكافرين ويدخلهم النار، ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾.
ثم قال:
ﱡﭐ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﱠ
من رحمة الله سبحانه وإحسانه، أنه مع الترهيب يذكر الترغيب، ومع الوعيد يذكر الوعد، فيفتح لهم باب التوبة.
﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟﴾ أي: إن يكفوا عن كفرهم وصدهم عن سبيل الله، واعتدائهم على دين الله، وعلى أهل الإيمان، ﴿إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فقوله ﴿إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ يشهد له قوله أو من معانيه قوله صلى الله عليه وسلم: “ الإسلام يهدم ما قبله “، وفي لفظ: “ يجب ما قبله “، فمن أسلم لله رب العالمين، غفر الله عز وجل ما سلف من ذنوبه.
﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: من ذنوبهم ﴿وَإِن يَعُودُوا۟﴾ يعودوا إلى الكفر، أو يستمروا في الكفر، فقوله ﴿يَعُودُوا۟﴾ يشمل الاستمرار، أو إن يدخلوا ثم يخرجوا منه مرة ثانية.
* لئلا يقول قائل إن الله قال ﴿وَإِن يَعُودُوا۟﴾ فهل معنى قوله ﴿وَإِن يَعُودُوا۟﴾ لدلالة على أنهم سيدخلون في الإسلام؟ ليس بلازم، فقوله ﴿وَإِن يَعُودُوا۟﴾ يدخل في معناه: وإن يستمروا على ما هم عليه.
﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ﴾ قالوا أي: فقد سبقت سنة الله في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على كفرهم عاجلهم بالعقوبة، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
ثم قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﱠ
﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقاتلوهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون حتى لا تكون فتنة.
ما المراد بالفتنة هنا في هذه الآية الكريمة؟ قالوا هنا: حتى لا يكون شرك ولا صد للمسلمين عن دين الله، ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: حتى لا يشاع الكفر والشرك بين الناس، والصد عن سبيل الله؛ لأنه إذا ترك المؤمنون قَتْلَ هؤلاء وقتال هؤلاء، عاث هؤلاء في الأرض فسادا وانتشر الكفر، وصار الإيمان ضعيفا؛ فقال الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ﴾ أي: خالصا لله سبحانه وتعالى، ومن المراد بالدين بعضهم فسر الدين بالطاعة أي: تكون الطاعة كلها لله، أي: مصروفة لله، يخلص العباد فيها لله عز وجل.
﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مطلع على أعمالهم.
ﱡﭐ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﱠ
﴿وَإِن تَوَلَّوْا۟﴾ أي: انصرفوا عما أمروا به من الانتهاء عن الكفر والصد عن سبيل الله، ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ﴾ أي: أيقنوا ﴿أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ﴾ ناصركم عليهم ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ قالوا: نِعْمَ المولى لمن والاه، ونعم الناصر لمن نصره، فمن والاه فاز، ومن نصره انتصر.
5. من كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عدوا له فلا عز له.
قــال الشيـخ حفظه الله:
1. الصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلوه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة؛ لذلك قال ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾، فجاء بهذا الاستفهام الذي يفيد الإنكار، فهؤلاء استحقوا العذاب، فلماذا لا يعذبون؟وهم يصدون الناس عن المسجد الحرام.
2. عمارة المسجد الحرام وولايته شرف لا يستحقه إلا أولياء الله المتقون؛ قال الله ﴿وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
3. في الآيات إنذار للكافرين بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم أموالهم في الباطل على طائل، وسوف تصيبهم الحسرة وشدة الندامة، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
4. دعوة الله تعالى للكافرين للتوبة والإيمان دعوة مفتوحة لهم، على الرغم من استمرار عنادهم؛ ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾.
5. من كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عدوا له فلا عز له؛ قال ﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾
قال الله سبحانه:
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ
بين الله سبحانه وبحمده في هذه الآية الكريمة كيفية تقسيم الغنائم التي أشار إليها في أول السورة، فأول السورة المباركة أعني سورة الأنفال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وتقدم هناك أن المراد بالأنفال: الغنائم، ولم يبين رب العزة سبحانه وتعالى كيف تقسم الغنائم تقسيما مفصلا؟، وإنما بين في أول السورة الكريمة أنه ينبغي للمؤمن أن يستسلم لأمر الله عز وجل.
لذلك تقدم معنا يا أيها الإخوة الكرام أن من مقاصد سورة الأنفال: الاستسلام لأوامر الله سبحانه، والتبرأ من حول الإنسان وقوته، وأن يتجه الإنسان إلى حول الله وقوته.
وهنا جاء البيان الشافي لكيفية تقسيم الغنائم وقال هنا ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟﴾، وهنا مناسبة لفظية، فالآية التي قبلها ﴿وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ فجاء عطف ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟﴾ على قوله ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ﴾، وبعدها ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟﴾ هذه مناسبة ظاهرة.
وأيضا لأن هذا مترتب على القتال؛ فمن حيث المعنى بعد أن قال ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ﴾ يمكن أن يقال وحتى يرزقكم الله عز وجل الغنائم، فجاء بيان الغنائم، فذكر الغنائم يدل على أنها من مقاصد الجهاد في سبيله سبحانه وتعالى.
﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ قالوا هنا: واعلموا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون أن ما أخذتم من شيء من الكفار قهرا في الجهاد في سبيل الله.
إذًا قوله ﴿غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ أي: غنمتم من شيء من الكفار قهرا؛ ولذلك فرق العلماء بين (الغنائم) وبين (الفيء)، كما تقدم بيانه قبل ذلك في سورة الحشر.
قال ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾.
﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ أي: فحكمه أن لله خمسا، فيمكن أن يقال إن قوله سبحانه ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ خبر لمبتدأ مقدر أي: فحكمه أن لله خمسا.
﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ إذا بيَّن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن خمس الغنائم يوزع هذا التوزيع الخماسي: لله ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ فهناك سهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهناك سهم لذي القربى، وهناك سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، هذه الأسهم الخمس تمثل خمس الغنائم.
وأما أربعة أخماس الغنائم: فكما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه يعطى للرَّاجِل سهم، ويعط للرَّاكِب ثلاثة أسهم؛ له سهم ولفرسه سهمان، فبهذا توزع الغنائم وتقسم.
وقوله هنا ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ﴾ ذكر أولا ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ لم يقل: “ فخمسه لله وللرسول “ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾، ثم عطف عليه الباقي، وذِكْرُ الله هنا المراد به: التعظيم، وأن هذا حق لا ينبغي التفريط فيه، وإلا فإنَّ الله جل وعلا غني عن عباده، وهو الذي يُعطي العباد ولا ينتفع منهم بشيء سبحانه وتعالى.
وأما سهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقد.
وقالوا: يُوَزَّعُ خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصالح المسلمين؛ ولذلك قالوا هنا: قسم لله ورسوله يصرف في المصارف العامة للمسلمين.
وقال بعضهم: يأخذه ولي الأمر في حاجاته، ثم بعد ذلك ما بقي منه يوزع في حقوق المسلمين، أو في مصارف المسلمين العامة، فيوضع في المصالح العامة التي تفيد المسلمين عمومًا.
قال ﴿وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ ما المراد بقوله ﴿وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾؟ المراد بقوله لذي القربى أي: لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله هنا ﴿وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ يختلف عن قول ﴿وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ في مواضع أخرى؛ فإنَّ المراد بها في المواضع الأخرى: أقارب الشخص نفسه؛ أقارب الإنسان بأن يُعطى الإنسان زكاته وصدقته لأقاربه، والزكاة لها ضوابطها فيما يتعلق بالأقارب فيما لا يكون أصلا له أو فرعا، كما هو معروف.
الشاهد من ذلك: أن قوله ولذي القربى هنا المراد بها: ولذي القربى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالوا هنا: وقسم لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب، وتقدم معنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ المُطَّلِب يختلف عن عبد المُطَّلِبِ فإنَّ المُطَّلِب عَمُّه، والرسول قال ﴿أَنَّمَا﴾ بنو هاشم وبنو المُطَّلِب واحد أو سواء، فقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تشمل الاثنين، تشمل بني هاشم وبني المُطَّلِب الذين دخلوا معه في الشعب صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وذلك لأنهم أيضًا لا يأخذون من الصدقات، لا يأخذون من الزكاة؛ ولذلك أهل البيت لا يأخذون شيئًا من الصدقات، يحرم عليهم أن يأخذوا شيئًا من زكاة المال، عوضهم الله سبحانه وتعالى عن ذلك بأن يكون لهم نصيب في الغنائم.
قال ﴿وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ هناك قسم لليتامى، وقسم للمساكين، وقسم لابن السبيل.
﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد أن مرت بنا السورة وذكرت لنا مواقف كثيرة تبين لنا وجوب الاستسلام لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، جاء هنا في السورة الكريمة بيان تقسيم الغنائم.
قال ﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ ما المراد بيوم الفرقان؟ هو يوم بدر ﴿وَقِيلَ﴾ له يوم الفرقان؛ لأنه فرق رب العزة فيه بين الحق والباطل.
قال ﴿يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾ جمع المؤمنين مع جمع الكافرين.
وقوله ﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾ في يوم بدر، قالوا ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ من آيات القرآن، ويدخل أيضًا في قوله ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ من المدد والنصر والتأييد الذي أيد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الملائكة، والسكينة وما إلى ذلك. قال ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﱠ
تتحدث هذه الآيات الكريمة عن بعض مواقف غزوة بدر؛ لتدلل لنا على عظيم قدرة الله، وعلى كريم صنعه بخلقه، أو بعباد الصالحين من المؤمنين من أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين.
﴿إِذْ أَنتُم﴾ أي: اذكروا إذ أنتم، يعني حين كنتم ﴿بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا﴾ ما معنى العدوة الدنيا؟ يعني بالجانب القريب مما يلي المدينة، قالوا: بالجانب الأدنى من الوادي مما يلي المدينة إذا هذا معنى ﴿بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا﴾، القريبة
﴿وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ﴾ أي: بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة.
﴿وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ ما المراد بالركب؟ عير أبي سفيان، والعير في مكان أسفل منكم مما يلي ساحل البحر الأحمر، قالوا: وهذا المكان بهذه الطريقة لا يؤذن بنصر المؤمنين، وإنما يؤذن بتمكن الكافرين؛ لأنهم في جانب قريب إليهم من جهة مكة، وكذلك العير قد فلتت ونجت، فأنى للمؤمنين أن ينتصروا حينئذ، فالواقع يبين أنه لن تكون لهم غلبة إلا إذا كان بتأييد من الله سبحانه وتعالى، فجاء التنصيص على هذا التأييد.
قال ﴿وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ﴾أي: لو تواعدتم أنتم والمشركون على أن تلتقوا في بدر لخالف بعضكم بعضا، ما كان هناك اتفاق على الموعد، ووقع تخالف، لكن الله سبحانه وفق وقدر أن تجتمعوا على هذا بتقدير.
﴿وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ﴾ قالوا: ليتم أمرا كان مفعولا، إذًا ما معنى ﴿لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ﴾؟ يعني ليُتمَّ الله، فالقضاء هنا بمعنى: الإتمام أو التمام، وهو نصر المؤمنين وخذلان الكافرين وإعزاز دينه وإذلال الشرك.
﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍ﴾ أي: ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليه بنصر المؤمنين عليهم مع قلة عددهم وعدتهم، ويعيش من عاش عن بينة وحجة ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فالله عز وجل قدر اللقاء، فنصر عباده المؤمنين، وخذل أولئك من المشركين.
ثم قال الله مبينا بعض جنوده وبعض تأييداته التي نصر بها عباده في هذه الغزوة المباركة:
ﱡﭐ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﱠ
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ اذكر يا رسول الله من نعم الله عليك وعلى المؤمنين إذ أراك الله المشركين في منامك قليلي العدد، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رؤيا في منامه، رأى فيها المشركين وهم عدد قليل، فأخبر المؤمنين بذلك.
فحينئذ اطمئن المؤمنون وعلموا أن الأمر بفضل الله يسير؛ فحينئذ قويت عزائمهم على الاستمرار فيما هم فيه، فمن الله عز وجل عليهم بالثبات.
فقال ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ تضعف العزائم حينما يرى الإنسان أنه مستضعف أمام جيش جرار كبير.
قال ﴿وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾ ولم يقل: “ ولكنه سلم “ ولو قال لعُلم أن الضمير يعود على الله، لكن جاء التصريح به هنا ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾، وفيه التلذذ بذكر الله سبحانه، وفيه التذكير بأن الذي سلم هو الله سبحانه، ثم قال ﴿إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾.
ﱡﭐ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﱠ
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ أي: اذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون إذ يريكموهم، إذ يريكم الله المشركين، ما معنى ﴿يُرِيكُمُوهُمْ﴾؟ أن يُرِيَ الله سبحانه وتعالى المؤمنينَ المشركينَ، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ قالوا هنا: واذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون إذ يريكم الله المشركين حين التقيتم بهم قليلا، هذه الرؤيا ليست رؤيا منامية، وإنما هي رؤيا في اليقظة.
إذًا هناك رؤيا رآها الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه، وهناك رؤية رأوها في الواقع وقت القتال ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ ترون المشركين قليلا، فهذا يجرؤكم عليهم، ويجعلكم تقدمون ولا تحجمون، مع أنه في واقع الأمر عدد المشركين ثلاثة أضعاف عدد المؤمنين، لكن رأى المؤمنون المشركين قلة؛ فحينئذ اعتنوا بالأمر وقويت عزائمهم، وقذفت السكينة في قلوبهم.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ﴾ وأيضا يقللكم في أعين المشركين، أنتم في الأصل قليلون، لكن أيضًا يقللكم في أعينهم.
وهنا قد يأتي السؤال ما فائدة هذا الأمر؟ معروف أن الفائدة في أن يرى المؤمنون الكافرين أو المشركين قلة أن تقوى عزائم المؤمنين، وأن يقدموا على القتال في سبيل الله، لكن ما فائدة أن يرى المشركون المؤمنين قلة؟
1. فائدة ذلك ﴿إِلَّا﴾ يرجعوا وألا يفروا؛ لأن الله قضى أن يكون في هذا اليوم العزَّة، وأن يكون هذا اليوم يوم الفرقان، فلو تخاذلوا وهربوا وفلتوا ما تحقق النور، هذا من شيء.
2. ومن طريق آخر: ﴿إِلَّا﴾ يُتمِّمُوا أمر الاستعداد، فأنت حينما ترى أن الذي أمامك ضعيف، وأن الذي أمامك قليل فإنك لا تنشط النشاط الذي يكون لمن كان أقوى، لمن كان أكثر، فحينئذ يقدر المؤمن، يقدر المؤمنون على الفتك بهم بفضل الله سبحانه وتعالى.
هنا في التفسير: “ فيتقدمون لقتالكم، ويقللكم في أعينهم فيتقدمون لقتالكم ولا يفكرون في الرجوع “، أيضًا ويزاد على ذلك ولا يستعدون لكم استعدادا تاما وكاملا.
وتأمل التعبير القرآني ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ فعبر بالقليل؛ لأن الأصل في هذا الأمر أن المشركين كانوا كثرة، فقال ﴿قَلِيلٗا﴾، ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ﴾ لأنكم في الأصل قلة، ومع ذلك قال ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾ فجاء التعبير هكذا ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾، ﴿لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾.
وعلى ذلك فقوله ﴿لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، جاء في الآيات السابقة ﴿وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ وهنا قال ﴿لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ولنا أن نقول: هذا ليس من باب التأكيد، ولكن كل بحسب سياقه، فهناك ﴿وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ بنصر المؤمنين وخذلان المشركين، وهنا ﴿لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ بتقوية عزيمة المؤمنين على مباشرة القتال، وكذلك بعدم استعداد المشركين الاستعداد التام لمقاتلة المؤمنين.