مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الأنفال — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 303 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فمرحبا بكم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى التعليق على تفسير سورة الأنفال، مستعينين بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال أصحاب المختـصر:

التعريف بالسورة

سورة الأنفال: سورة مدنية

مقاصد السورة

من مقاصد السورة: الامتنان على المؤمنين بنصر الله لهم في بدر وبيان سنن النصر والهزيمة

قــال الشيـخ حفظه الله:

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا: “ سورة الأنفال مدنية “، فسورة الأنفال إحدى السور المدنية التي نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة النبوية.

ومدنية سورة الأنفال موضع إجماع، فأهل العلم متفقون على أن سورة الأنفال سورة مدنية وذلك أن السورة الكريمة نزلت بعد غزوة بدر؛ ولذلك فإنَّ السورة الكريمة حدثتنا عن غزوة بدر، وعن بعض ما وقع فيها، وعن اختلاف الصحابة أو بعض منهم jفي شأن الغنائم وتقسيمها.

قواعد وسنن مستفادة

وأما قولهم: “ من مقاصد السورة الامتنان على المؤمنين بنصر الله لهم في بدر، وبيان سنن النصر والهزيمة “؛ أما الامتنان على المؤمنين بنصر الله لهم في بدر فهذا واضح؛ وذلك أن الله d قال في هذه السورة ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال أيضًا ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في تذكير المسلمين بما امتن الله عز وجل به عليهم في غزوة بدر، بل من أول السورة ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.

تحليل مقارن وربط بين السور

فالسورة تتحدث من البداية عن معركة بدر وهذا اليوم العظيم الذي سماه الله بيوم الفرقان، فلذلك من مقاصد هذه السورة الجليلة الكريمة: بيان منه الله c على الصحب الكرام إذ أيدهم في هذه الغزوة مع أنهم كانوا قليلين وكانوا أذلة وكانوا ضعفاء، إلا أن الله b مكن لهم ونصرهم وأيدهم.

فأيدهم بالملائكة وأيدهم بجنده ومن الجنود التي أيدهم الله عز وجل بها جند العين، كما سيأتي التنبيه عليه بإذن الله تبارك وتعالى ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ وقال أيضًا ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ﴾.

فامتن الله عز وجل على الصحب الكرام بما وقع لهم في هذه الغزوة ليعلموا إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وليعلموا هذه الحقيقة الكبرى ﴿وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

قالوا: “ وبيان سنن النصر والهزيمة “، ومعنى ذلك أن السورة الكريمة أصَّلَت وقعَّدَت لسنن النصر والتمكين، هذه السنن التي لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحابي أحدا ولا تجامل أحدا، بيَّنها الله c في سورة الأنفال؛ فبين الله عز وجل في صدر السورة الكريمة، بيَّن أوصاف أولئك الذين ينصرهم الله عز وجل وهم المؤمنون كاملو الإيمان، قال الله في شأنهم ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾

فإذا أرادت الأمة أن تنتصر، وأن يكون لها التمكين، وأن يكون لها السؤدد والريادة والقيادة، فإنَّ عليها أن تتحلى بتلك الأوصاف التي هي عوامل النصر والتمكين.

ولذلك فالسورة بوضوح وجلاء وضَّحَت لنا سبل النصر والتمكين، سواء أكانت سبلا تتعلق بالجانب المعنوي من طاعة الله c، ومن تقوى الله عز وجل والتوكل على الله، أم كانت تتعلق بالأمور المادية التي أمرنا بها:

(1) ففي السورة الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فالاستعداد وأخذ العتاد والقوة هذا مما دعتنا إليه هذه السورة الكريمة.

(2) كذلك بين الله عز وجل في هذه السورة الكريمة أنه لا ينبغي للمجاهدين إذا كانوا في ساحات المعارك أن يفروا؛ فإن الفرار يؤدي إلى الهزيمة ويؤدي إلى الجبن والهلع والخوف والفزع الذي يقع لبقية الجيش المسلم؛ لذلك قال الله منبها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ إلى آخر الآيات الكريمة

كذلك في هذه السورة الكريمة أمرنا الله b بالثبات أيضًا، وكذلك بين لنا أن هناك أشياء تثبت المؤمنين وتكون عونا على النصر والتمكين، وأن هناك أمورا تؤدي إلى الفشل؛ لذلك قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآيات الكريمة، كل هذه الآيات تتحدث عن وسائل النصر والتمكين أو عوامل النصر والتمكين سواء أكانت عوامل حسية مادية، أم كانت عوامل معنوية تتعلق بالثقة في الله b.

﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يعني وصل الأمر بثقة المؤمنين في الله جل وعلا وفي نصر الله لهم، بأن هؤلاء المنافقين تعجبوا من حالهم وقالوا ﴿غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ﴾ وهذا ليس من الاغترار، وإنما هي الثقة في الله جل وعلا وفي وعد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

إذًا السورة الكريمة فيها دعوة صريحة لتتعلم الأمة كيف تنتصر، وهذا متمم لما جاء قبل ذلك في السور التي قبلها؛ فإذا كانت السور التي سبقتها تحدثت عن قضية التوحيد، والثبات على التوحيد، واجتماع الناس على التوحيد وما إلى ذلك، وبعد ذلك جاءت سورة الأعراف، فتحدثت عن أحوال الأمم السابقة، وأن الأمم السابقة أهلكها الله عز وجل لما كذبت أنبياء الله ورسله، وأن الله أيد المؤمنين فذكر الله في هذه السورة بعض العوامل التي يُؤيَّد بها المؤمنون من الله b.

لكن الناظر أيضًا في هذه السورة الجليلة يمكنه -والعلم عند الله -أن يقف على مقصد كلي نستطيع أن نقول: أنه المقصد الأم الذي تدور حوله السورة الكريمة، وهو ما مال إليه بعض العلماء المحررين في هذا المقام كالبقاعي وغيره، وهو أن السورة الكريمة فيها الدعوة إلى تبرئة الإنسان أو الناس أنفسهم من الحول والقوة، وأن يلجؤوا بحولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته؛

فالسورة الكريمة فيها أن الإنسان يتبرأ من حوله ومن قوته، وأن يلجأ إلى حول الله وقوته، وأن يعتقد أن كل شيء يقع ﴿أَنَّمَا﴾ هو بتقدير الله سبحانه وتعالى، لذلك تستطيع أن تقول: أن السورة الكريمة سورة الدعوة إلى التوكل على الله عز وجل، سورة الدعوة إلى الاستسلام لأمر الله c، وأن من استسلم لأمر الله، وأن من جعل حوله وقوته بيد الله c، فإنَّ الله ناصره وممكن له، ويشهد لذلك:

1. تسمية السورة بسورة الأنفال.

2. وأيضا بِدْءُ السورة بما بدأت به، إذ قال الله في صدر السورة ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ قد يظن ظانّ أن السورة في بدايتها تحدثت عن طريقة تقسيم الغنائم وهي “ الأنفال “، والأمر ليس كذلك، فإنَّ الله ذكر في أولها السؤال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ﴾ لأن هناك خلافا أو اختلافا وقع بين بعض الصحابة j، وذلك أن أصحاب النبي

g كانوا على أقسام، أو كانوا على طوائف؛

(1) فمنهم طائفة أحاطت برسول الله g تنصره، وتقف إلى جواره لئلا يتسلط عدو من الأعداء عليه أو لئلا يصاب بأذى g.

(2) ومن الصحابة جماعة وقفت وتصدت للجيش المشرك، فتصدت له وقامت بمحاربته بل وبمتابعته حينما فر فتابعته ولم تتركه.

(3) وهناك طائفة من الصحابة j كانوا يحمون الجيش المسلم، وتمكن هؤلاء من حمل السلاح أو من حمل الغنائم، وما تركه هؤلاء الأعداء.

فاستمسك الذين أخذوا هذه الغنائم بأنهم الذين جمعوها، واستمسك الآخرون بأنهم الذين فعلوا وكروا وأنهم صنعوا وصنعوا، واستمسك الآخرون بأنهم كانوا في حماية رسول الله gوأنهم لم يشاركوا مع الآخرين ليس هذا من تقصير منهم، وإنما دفاعا منهم H0

خلاصة وتثبيت الفكرة

فأنزل الله الآيات الكريمة ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ ولم يقل الله أو لم يبين الله في الآية الكريمة كيف تقسم الغنائم؟ بل إننا وجدنا أن تقسيم الأنفال -والأنفال هي الغنائم -، لم يبين الله b كيفية تقسيمها إلا بعد مضي آيات، قال بعد ذلك بآيات كثيرة -كما سيأتي إن شاء الله تعالى -﴿۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهي في الآية الحادية والأربعين، يعني هذا جاء متأخرا ليس من أول السورة الكريمة، بعد ذلك بين الله كيف تقسم الغنائم؟

إذًا المقصود ليس فقط بيان كيفية تقسيم الغنائم، ولا بيان أسباب النصر والتمكين فحسب، وإنما بيان أعظم أسباب النصر والتمكين وهو أن يتبرأ الإنسان من حوله وقوته وأن يلجأ إلى حول الله وقوته، كأن الله يقول لهم “ يا معشر الصحابة يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون الذي نصركم، من الذي أهلك عدوكم؟ ﴿إِلَّا﴾ تتذكرون ضعفكم؟ ﴿إِلَّا﴾ تتذكرون ذُلَّكم؟ إن الله هو الذي أعطاكم وهو الذي أنعم عليكم فردوا الأمر إليه، فهو الذي يقسمها لا أنتم، وهو الذي يحكم لا أنتم “

فقال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ يعني فوضوا الأمر لله وفوضوا أمركم لله سبحانه وتعالى وارضوا بحكم رسول الله g، فإذا رضيتم بحكم رسول الله g فأبشروا فأنتم على الخير والهدى؛

3. فلذلك جاءت السورة الكريمة لتعلم المؤمن كيف أنه في كل أحواله يجعل الحكم لله c، يستسلم لله في حكمه، ولذلك بعد ذلك جاءت الآيات الكريمة لتذكرهم بالموقف الأول، وهو موقف الخروج، كما سيأتي التفصيل فيه بإذن الله تعالى في التعليق على الصفحة الأولى، حينما وقع منهم اختلاف أيضًا أو كراهية كثير منهم j أن يكون هناك حرب وقتال، وإنما أرادوا الأخف والأيسر، فأرادوا العير ولم يريدوا النفير، لم يريدوا أن يكون هناك حرب أو أن يكون هناك قتال، ﴿أَنَّمَا﴾ أرادوا أن يحصلوا على العير بما هي محملة به من متاع دون أن يدخلوا في حرب أو قتال مع المشركين، لكن الله b أراد لهم ذات الشوكة وأراد لهم القتال؛ حتى ينتصروا وحتى يعز الله الإسلام والمسلمين.

فكانت هناك كراهية ومع ذلك كان في ذلك الخير؛ فلذلك أيضًا لا تقع منكم كراهية في تقسيم الغنائم، فيكره بعضكم أن ينال أحد من الصحابة ما ينال، وإنما يقول هذا تقسيم الله عز وجل فلتقسم كما ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ c.

4. ثم تمضي السورة الكريمة نجد مثلًا في السورة الكريمة ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ فهذا فيه أيضًا التوكل على الله c واللجوء إلى الله b، وأن الحول والقوة بيد الله c ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ففيه أيضًا أن يتبرأ الإنسان من حوله وقوته، وأن يلجأ إلى حول الله وقوته.

5. ولذلك في سورة الأنفال آية أيضًا عجيبة وجليلة وسيأتي تفصيلها بإذن الله في موضعها، لكن نلفت الانتباه أو الأنظار إليها وهي قوله سبحانه ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ فتأمل الآية ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ من الذي سدد؟ ومن الذي أوصل السيف أو أوصل هذا الذي رماه وحصبهم به رسول الله g؟ فوصل إلى أعينهم، وقال: “ شاهت الوجوه “، من الذي صنع؟ من الذي قدر هذا؟ إنه الله c ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

6. فالسورة الكريمة تقرر هذا المعنى؛ ولذلك جاء في السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ وجاء في السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ إلى غير ذلك من آيات كريمة مضت السورة الكريمة في بيانها، ومنها الآية التي تقدم ذكرها ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ففيه إشارة إلى أن مبنى النصر والتمكين يكون على التوكل على ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وأن المؤمن دأبه الاستسلام في وقت النصر وفي وقت الهزيمة، في بداية الحرب وفي نهاية الحرب وفي أثناء الحرب، في حالة سلمه وفي حالة حربه، في حالة ذهابه في حالة إيابه، في كل أحواله هو مستسلم لله منقاد لشرع الله جل وعلا حيثما وُجِّه فإنه يتوجه بفضل الله c.

يمكننا أن نقول -والله أعلم -أن هذا هو المقصد البارز، ولا يمنع أن تتعدد المقاصد كما تقدم بيانه مرارًا، فيكون من مقاصد السورة الكريمة: بيان هذا المعنى، وبيان أسباب أو عوامل النصر والتمكين سواء أكانت حسية أم كانت معنوية، والعلم عند الله f.

قــال الشيـخ حفظه الله:

يؤكد ما قررته سابقا من أن مقصود سورة الأنفال على ما قرره عدد من العلماء: التبرأ من الحول والقوة إلا بإذن الله c، هو القوي المتين، وأننا نلجأ إلى حوله وقوتهc فنقول كما علمنا الرسول g: “ لا حول ولا قوة إلا بالله “، وهذا يحمل المرء على التوكل، يدلك على هذا أيضًا تكرار الحديث عن التوكل في السورة الكريمة، صفات المؤمنين هنا قال الله ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

وبعد ذلك أيضًا قال الله c في شأن صفات أهل الإيمان، قال ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وقال أيضًا ﴿وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال أيضًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فكل هذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يستمسك بتوكله على الله b وثقته في وعده c

قال الله b:

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱠ

السؤال يحتمل معنيين:

2. وإما أن يكون السؤال المراد به استفسارٌ عن الإجابة.

فأنت قد تسأل غيرك فتقول: أسأل فلانا؛ يعني تسأله، تطلب منه عطاءً، وقد يكون سؤالك المراد به: أنك تسأله عن شيء تريد الجواب عنه، فهنا قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ﴾، فهل المراد أنهم طلبوا منه الأنفال؟ أم أن المراد: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ﴾ يعني عن حكم الأنفال كيف تقسم؟ الثاني أقرب -والله أعلم -لتعديته بـ “ عن “.

-وأما إذا كنت تريد أن تسأله عن شيء تقول سألتك عن كذا، سألتك عن حال فلان، وحال فلان.

فهنا قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ﴾ ما قال: “ يسألونك الأنفال “ إذًا السؤال هو استفسار، وهو السؤال عن حكم تقسيم الأنفال.

وقوله ﴿ٱلْأَنفَالِ﴾ قالوا هنا: عن الغنائم، الأنفال: جمع نفل، والمراد بالأنفال الغنائم، وأصل المادة تدل على الزيادة، ومنه النافلة، فالنافلة زيادة عن الفريضة، فقيل للأنفال أنفال لأنَّها زيادة اختص الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم

فإنَّ الغنائم أحلت لهذه الأمة ولم تحل للأمم من قبلها، فكانت هناك نار تحرق هذه الغنائم، وأما أمة نبينا صلى الله عليه وسلم فأحلت لها الغنائم كما جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم: “ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ومنها وأحلت لي الغنائم “ فهذا من تيسير الله وفضله وإحسانه لذلك قيل لها الأنفال، وهي الغنائم، أي: المال المأخوذ من الكفار قهرا بقتال وإيجاف خيل وركاب؛ ليفرق بينه وبين الفيء الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الحشر، كما تقدم بيانه في التعليق على تفسيرها هناك

قال هنا ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ ولم يقل “ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هي لله والرسول “ لئلا يُظن أن الحديث عن أنفال معينة، وهي الأنفال التي عليها المسلمون بعد غزوة بدر وإنما قال ﴿قُلِ ٱلْأَنفَالُ﴾ بصفة عامة، فهذا حكم الغنائم بصفة عامة ﴿قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ أي حكمها إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم

وفي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنَّ الرسول لا يحكم حكما مجردا بعيدا عن حكم الله سبحانه وتعالى، فيه دلالة على تشريف النبي صلى الله عليه وسلم، وأن حكمه لا يخالف حكم الله عز وجل

﴿قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فيه دعوة إلى ما ينفعهم، وإلى ما هو أولى وأنفع وأجدى، يعني: إذا كنتم تسألون عن الأنفال فاعلموا أن ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فسيصل لكل واحد منكم حقه دون بخس ودون نقص، ولكن الذي عليكم أن تحققوه وأن تحرصوا عليه ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

فهذه ثلاثة:

1. ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾، إذا أمر بتقوى الله عز وجل، فهذا طريق النصر وطريق التمكين وطريق الثبات

2. ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ دعوة إلى التآلف وإلى الاجتماع، ولذلك بعد ذلك قال ﴿وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فإذا أرادت الأمة أن تنتصر فإنها ينبغي لها أن تتقي الله عز وجل وأن تجتمع ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ﴿وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

وأصل كلمة “ البين “ وتقدم مثل ذلك في سورة الأنعام، تأتي بمعنى الوصل، بمعنى الوصال، وبمعنى الفرقة، فتأتي بالمعنيين، ويحتمل هنا المعنيين:

-فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الأحوال التي تحقق لكم الألفة فالمراد هنا تحقيقها.

فبحسب التقدير يكون المعنى، أو بحسب التفسير يكون المعنى والله أعلم.

﴿وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ بأن تراعوا الأسباب التي تكون سببًا في الألفة بينكم، وأن تتركوا كل سبب يؤدي إلى الاختلاف والفرقة الحاصلة بينكم

3. قال ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ دعوة عامة إلى طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وبإمكانك أن تقرأ السورة وأن تعيد النظر فإنك ستجد الأمر بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مما تكرر في السورة الكريمة، وهذا يدلك على أن هناك علاقة وثيقة بين طاعة الله ورسوله وبين تحصيل التبرأ من حول العبد وقوته إلى حول الله وقوته؛ لأن الذي يدعو العبد إلى ذلك طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾، إلى غير ذلك من آيات سيأتي بيانها بإذن الله تعالى في موضعها

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ هنا قالوا: “ الغنائم لله ورسوله، وحكمها لله ولرسوله في التصرف والتوزيع، فما عليكم إلا الانقياد والاستسلام، فاتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون “ تأملوا قولهم “ فما عليكم إلا الانقياد والاستسلام “ لأن هذا مقصود السورة، هذا هو المراد.

فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وأصلحوا ما بينكم من التقاطع والتدابر، بالتواد، والتواصل، وحسن الخلق، والعفو، والزموا طاعة الله وطاعة رسوله إن كنتم مؤمنين حقًا.

*وقوله ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، هنا قد يسأل سائل ويقول: أوليست كلمة “ إن “ تأتي غالبًا مع غير المتحقق مع المشكوك فيه، مع أنَّ إيمان هؤلاء الأصحاب ثابت فإيمانهم ثابت وإيمانهم راجح وغالب ومع ذلك جاء التعبير معهم بقوله ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، مع أنهم مؤمنون رضي الله عنه عنهم؟ “

فيجاب عن ذلك:

1. بأن بعض العلماء جعل “ إن “ بمعنى (إذ) فيكون المعنى: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ يعني أنكم مؤمنون وإذا كنتم مؤمنين فما ينبغي للمؤمن أن يخالف الله وأن يخالف رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

2. أو أن يقال إن هذا الأسلوب أسلوب مشهور يقصد به التهييج، كأنك تقول لرجل كريم وأنت تعلم كرمه: “ إن كنت كريما فأعط فلانا “ وأنت لا تشك في كرمه، وإنما تقول له ذلك من باب تهييجه، ومن باب شحذ همته وتقوية عزيمته، فكذلك قوله ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وأنتم مؤمنون، فلا ينبغي لكم إلا أن تكونوا مطيعين لله ومطيعين لرسوله صلى الله عليه وسلم.

3. وأيضًا يقال إنّ ﴿إِن﴾ وإن كانت ترد غالبًا في المشكوك فيه أو في الواقع قليلا، فلا يمنع أن تستعمل أحيانًا في المتيقن، فهذا أيضًا وارد في اللغة، بل وارد في الكتاب العزيز، كقول الله سبحانه وتعالى ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27]، ومن المعلوم أن دخولهم دخول متحقق، ورب العزة سبحانه وتعالى قد قضى به،

إذًا هذه أجوبة أو هذه ثلاثة أجوبة يمكن أن يجاب بها عما يرد في قوله إن كنتم مؤمنين

ثم قال:

ﱡﭐ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱠ

هذه خمسة أوصاف:

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ هذه واحدة ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ هذه الصفة الثانية، ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ هذه الثالثة، ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ هذه الرابعة، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ هذه الخامسة، ولك أن تقول إن هذه الصفات الخمس عوامل للنصر والثبات والتمكين، فإذا أرادت أمة من الأمم من الأمم أن تتمكن وأن تنتصر فإنَّ عليها أن تراعي هذه الأوصاف التي ذكرها الله سبحانه وتعالى

قال ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ والمراد بقوله ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي كاملو الإيمان، لئلا يقول قائل: إذا وقع عند أحد اختلال أو ضعف أو خلل في القيام بإحدى هذه الصفات، هل معنى ذلك أنه يخرج من الإيمان كليةً؟ الجواب: لا، ﴿أَنَّمَا﴾ الكلام هنا عن كمال الإيمان، ولذلك بعدها قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ يعني إيمانا حقًا، والمراد بالأحقية هنا: أي الإيمان التام الكامل.

فقال ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قالوا هنا في التفسير: خافت قلوبهم فانساقت قلوبهم وأبدانهم للطاعة.

هذا جليل وجميل؛ فسروا الوجل بالخوف لكنهم قالوا: “ خافت قلوبهم فانساقت قلوبهم وأبدانهم للطاعة “ ولذلك هناك خوف محمود، وخوف مذموم؛ فالخوف المحمود شرعا هو الخوف الذي يبعث العبد على لزوم الطاعة وعلى اجتناب المعصية، لكن بعض الناس قد يحمله الخوف على ترك الطاعة، فيقول: “ أنا أخاف الموت وأذكر الموت في كل وقت وفي كل آن، فلا أقدر على القيام للصلاة، ولا أقدر على قراءة، ولا على مباشرة الأعمال المطلوبة مني “، هذا تقصير، وهذا ليس بمحمود، ﴿أَنَّمَا﴾ الخوف المحمود: هو الخوف الذي يبعث العبد على طاعة الله سبحانه وتعالى وعلى ترك معصيته.

فقالوا هنا ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

* أيضًا قد يرد هنا إشكال في مسألة وجل القلب عند ذكر الله سبحانه وتعالى؛ لأنه قد جاء قوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، فحينئذ يقول قائل: القلب عند ذكر الله يوجل أم يطمئن؟ فالله عز وجل في هذه الآية قال ﴿إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت، وهناك قال ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ فيه أن القلوب تطمئن بذكر الله سبحانه وتعالى.

1. فبعض بعض العلماء أجاب عن ذلك: بأن هذه مراحل للقلب، فالقلب عند ذكر الله بدايةً يوجل ويخاف، ثم بعد هذا الوجل يطمئن القلب بهذه السكينة التي يقذفها الله عز وجل في قلب العبد، كما قال الله سبحانه ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ [الزمر: 23]، فبداية تقشعر وهذا الخوف، ثم بعد ذلك تكون هناك الليونة.

2. ولك أن تقول أيضًا -والعلم عند الله -أن الموضوع مختلف؛ فهنا ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي خوفا من الله، من الوقوع في معصيته، أو من خوف عقابه، وأما في قوله ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، فالمراد بالاطمئنان هنا: اليقين فيما أخبر الله به، فهم يصدقون بما أخبر الله عز وجل به، وهذا معنى اطمئنان القلب؛ لذلك المؤمن يختلف عن الشاكّ أو عن المنافق أو عن الكافر، فالكافر: إذا سمع آيات الله لم يثق في هذه الآيات التي سمعها، ولم تكن لديه طمأنينة له، أما المؤمن: إذا سمع آيات الله جل وعلا، أو إذا سمع ذكر الله فإنه يطمئن ويستيقن وعنده له يقين وتصديق، فهذا معنى الطمأنينة، وفي الوقت ذاته يخاف من أن يُعاقب بسبب تقصيره وتفريطه، فحينئذ لا إشكال في الوصفين والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ وهذا وصف جاء تكراره في القرآن في مواضع كثيرة وفيه دلالة على زيادة الإيمان، وإذا كان الإيمان يزيد فإنَّ الإيمان ينقص، كما هو متقرر عند جماهير أهل السنة، ولذلك استدل العلماء بقوله ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ على أن الإيمان يزيد وينقص.

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13] وقال ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى ۗ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76].

فقال ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ وهذا فيه أن المؤمن يزداد عند تلاوة القرآن، لم؟ لأنه يعلم علما جديدا، والعلم من الإيمان، فيزداد إيمانا، أو يعمل بما سمع فيزداد إيمانا أو يزداد يقينا وهذا من زيادة الإيمان، فهذا له طرق متعددة.

﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾ ولذلك ربنا قال ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124].

قال ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وهذه من الصفات التي كما تقدم نستطيع أن نقول أنها من المَحَكِّ في السورة الكريمة أو من المقاصد العامة في السورة الكريمة وهو مقصد التوكل على الله سبحانه وتعالى واللجوء إليه.

﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وأنت إذا تأملت التوكل -كما تقدم التنبيه عليه مرارا -فإنك تجد الدعوة إليه والأمر به والحث عليه يجيء بتقديم ما حقه التأخير، فقال ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ولم يقل “ ويتوكلون على ربهم “ للدلالة على أن التوكل يكون على الله وحده، وسيأتي تقريره في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وما المراد بالعطف؟ وعلى ما عطف؟ كما سيأتي تقريره حينها بإذن الله تعالى في آخر السورة الكريمة

قال الله جل وعلا ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ فهذه صفة من صفات هؤلاء المؤمنين، يقيمون الصلاة: يحافظون عليها ويؤدونها، مراعين شروطها وأركانها وخشوعها، كما قال الله ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

قال ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ قالوا هنا في التفسير: ومما رزقناهم يخرجون النفقات الواجبة والمستحبة؛ لأن بعض المفسرين قال: النفقة هنا في الآية على الزكاة؛ قالوا لأن عطف الزكاة على الصلاة في القرآن كثير، فإذا ذكر الإنفاق مما رزقنا الله فيراد به: الزكاة لأنه معطوف على إقامة الصلاة.

ومنهم من يعمم فيقول: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ من زكاة وغيرها مما يفتح الله عز وجل لهم وعليهم.

ﱡﭐ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱠ

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ جعلنا الله منهم بمنه وكرمه ﴿لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

﴿لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ﴾ قالوا هنا: منازل عالية عند ربهم ومغفرة لذنوبهم، إذا تأملت تجد أن هذه الآية شبيهة بما جاء في آخر السورة الكريمة أيضًا، وهذا من العلاقة بين المطلع والمقطع في السورة الكريمة، كما سيأتي التنبيه عليها أيضًا في ختام السورة.

ثم قال:

ﱡﭐ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﱠ

اختلف المفسرون في “ الكاف “ هنا في قوله “ كما “ المراد بها، وبم تتعلق؟ ولهم في ذلك أقوال كثيرة تربو على عشرة أقوال:

لكن من الأقوال التي ذكروها وهو قول راجح في المسألة -والله أعلم -أن الكاف هنا للتشبيه، وأنها شبهت شيئًا بشيء، أو شبهت حالة بحالة، أو واقعة بواقعة أخرى، وأنت إذا تأملت ما تقدم ذكره في المقدمة عن السورة الكريمة استبان لك الأمر فإنَّ الصحب الكرام وقع منهم شيء من الكراهية، أو وقع من بعضهم شيء من الكراهية في بداية الأمر حينما علموا أنه لا بد من الحرب والقتال، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انتدب بعض الصحب الكرام للقاء العير الذي كان مع أبي سفيان، والمراد بالعير: الإبل المحملة بالمتاع، وأنهم حينئذ لن يتعرضوا لقتال فكان الأمر بالنسبة لهم سهلا، لكنهم فوجئوا بأن أبا سفيان قد أعد العدة لذلك ونجت عير أبي سفيان

وقد جاء جماعة من المشركين مع أبي سفيان لمقاتلة المسلمين بلغوا ألف رجل ولم يكن من الصحب الكرام وقتئذ إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، كما جاءت بذلك الروايات والأخبار الصحيحة، فحينئذ وقع ما وقع، كيف نختار القتال؟ وكيف يكون هناك قتال وعددنا قليل؟ وعتادنا قليل، مع أنَّ الله عز وجل وعدهم أن لهم إحدى الطائفتين، فإذا فاتت طائفة فلا بد أن تكون الطائفة الأخرى، وقد بين مسبقا أنهم منصورون، ولذلك قال ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ففاتت طائفة، إذًا معنى ذلك أن الطائفة الثانية -وهي النفير -ستتحقق لكم.

والمراد بالنفير هنا -النفير جاء من كلمة نفرة -يعني من استنفرهم أبو سفيان وجاؤوا للقتال، يعني معناه الجيش الذي جاء لمحاربة المسلمين فالله ناصركم عليهم حتما؛ لأن الله وعدكم بذلك، فوقع هنا كُرْهٌ ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾.

بداية الآية ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ يعني خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق وخرج لملاقاة هؤلاء ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ﴾ يكرهون هذا، ويكرهون القتال.

﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ﴾ ما المراد بالحق هنا؟ القتال، ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ يعني تبين أنه لازمٌ، انتهت القضية، مسألة عير أبي سفيان فلتت منه، إذًا ليس أمامهم إلا القتال، وإلا النفير،﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ﴾ كأن كلا منهم يساق إلى موته وإلى حتف أنفه ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ وهم يرون الموت أمامهم، مع أنَّ الله وعدهم بالنصر،

ﱡﭐ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﱠ

فقال ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ما المراد بالطائفتين؟ العير أو النفير، فات العير بقي النفير وهو أعز.

قال ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ تودون ﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ﴾، ما المراد بغير ذات الشوكة؟ العير، أنتم تريدون أن العير يكون لكم، ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ﴾، بالقضاء على هذا النفير ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فوقعت هذه الكراهية من بعض الصحابة.

فرب العزة يقول: وقع منكم هذا، ووقع منكم هذا أيضًا بعد ذلك عند تقسيم الغنائم، حينما رأت طائفة منكم أنها الأحق بالغنيمة؛ هي التي جمعت الغنائم، والأخرى تقول: نحن أحق؛ نحن الذين حافظنا على رسول الله ودافعنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخرون يقولون: نحن الذين قاتلنا وباشرنا وفعلنا، نحن الذين حمينا الظهر، فوقع الاختلاف، هذه الكراهة مثل تلك الكراهة.

فقال ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، فنستطيع أن نقول أن ما بعد الكاف هنا هو المشبه به، وأن ما وقع سابقا هو المشبه، فما وقع لاحقا -وهو الاختلاف في تقسيم الغنائم -مشابه لما وقع سابقا عند بداية الخروج.

فالله يقول كما أن الله يسر لكم الأمر في البداية، فلا تختلفوا في النهاية ولا تكرهوا تقسيم الله فإنَّ تقسيم الله هو الخير لكم فاستجيبوا له واستسلموا، فكما سلمكم الله غنمتم، فاقبلوا تلك الغنائم فإنها وإن كانت قليلة فإنها في الحقيقة كثيرة؛ لأنَّها مباركة من الرب الكريم العظيم سبحانه وتعالى

فقال ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾

قالوا هنا في التفسير: كما أن الله سبحانه انتزع منكم قسمة الغنائم بعد اختلافكم في قسمتها وتنازعكم فيها وجعلها إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، كذلك أمرك ربك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول بالخروج من المدينة.

اضطروا هنا في المختصر أن يقولوا “ كما أن الله “ ثم قالوا “ كذلك أمرك ربك “ وكان بالإمكان أن يقال -والعلم عند الله -: “ انتزع الله منكم قسمة الغنائم كما أمرك ربك مباشرة “؛ ليكون المعروف أن هذا هو المشبه السابق، وأن المذكور هنا: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ هو المشبه به كما هو المعروف في أن ما يلي الكاف يكون المشبه به والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال بعد ذلك، قالوا هنا: واذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون المجادلون إذ يعدكم الله أنه سيكون لكم الظفر بإحدى طائفتي المشركين، وهي إما العير وما تحمله من أموال فتأخذونه غنيمة، وإما النفير، فتقاتلونهم، وتنصرون عليهم، وتحبون أنتم أن تظفروا بالعير بسهولة الاستيلاء عليها ويسره دون قتال، ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ﴾ بأمركم بالقتال؛ لتقتلوا صناديد المشركين، وتأسر كثيرًا منهم؛ حتى تظهر قوة الإسلام، قال ﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾

4. إرادة تحقيق النصر الإلهي للمؤمنين لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

قــال الشيـخ حفظه الله:

1. ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه لأن الإيمان يزيد وينقص، وهذا واضح في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا﴾

2. الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إن وضح وبان فليس إلا الانقياد والإذعان؛ لذلك قال ﴿يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ يعني لا وجه له حينئذ، ﴿أَنَّمَا﴾ الجدال يكون قبل التبيّن، أما إذا تبين فلا وجه له؛ ولذلك الشخص الذي يجادل آخر إذا استبان له الحق، فحينئذ إذا استمر في جداله تحول إلى جدال مذموم وإلى مراء، ينبغي له توقيه وتركه

3. أمر قسمة الغنائم متروك للرسول صلى الله عليه وسلم، والأحكام مرجعها إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا إلى غيرهما؛ لذلك قال ﴿قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾

4. إرادة تحقيق النصر الإلهي لإحقاق الحق وإبطال الباطل؛ لذلك قال ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾

قــال الشيـخ حفظه الله: قال الله سبحانه:

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱠ

هذه آيات جليلة، حدثنا الله سبحانه وتعالى فيها عما وقع في غزوة بدر، هذه الغزوة العظيمة المباركة التي فرق الله عز وجل فيها بين الحق والباطل، والتي نصر الله فيها المؤمنين وأعز أهل الإيمان وأهلك الله فيها صناديد قريش.

قال الله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ اذكروا يوم بدر حين طلبتم الغوث من الله بالنصر على عدوكم، هذا معنى الاستغاثة، والاستغاثة: طلب التخليص من الشدة، فالإنسان إذا كان في شدة وفي كرب كبير فإنه يستغيث بالله، يطلب الغوث

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ومعروف ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من استغاثته بربه، ومن مناشدته ربه، حتى إنه سقط رداؤه صلى الله عليه وسلم، وقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “ كفاك مناشدُتُك ربَّك “؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، حينما H0.

فقال الله ﴿فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قالوا هنا: متتابعين، يتبع بعضهم بعضًا، والقراءة الأخرى “ مردَفِين “ : متبوعين، فهذا يدل على أن الألف يتبعه غيره، وأن هناك تتابع في نزول الملائكة.

وبهذا يزول الإشكال مع آية سورة آل عمران التي قال الله عز وجل فيها: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 124 -125]؛

فيقال أن بداية الإمداد كان بهذا العدد، بالألف، ثم بعد ذلك لم يزل الإمداد من الله سبحانه وتعالى؛ بدليل قوله “ مردفين “، فهناك تتابع من الملائكة، وقد شهدت الملائكة هذه الغزوة، بل جاءت الأحاديث تدل على أنها باشرت القتال في هذه الغزوة، وكان هذا من بركات تلك الغزوة المباركة، غزوة بدر.

قال الله ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ﴾ قالوا: وما جعل الله الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم؛ لأنه قد وقع بين المفسرين خلاف، هل الإمداد بالملائكة كان لتكثير العدد فقط؟ أم أن الملائكة باشرت القتال؟ وقد دلت أحاديث على ذلك، أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم بيانه في بعض المواضع في التفسير.

قال الله ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بالمناسبة هذه الآيات الكريمة قريبة من آيات سورة آل عمران، ولذلك سورة الأنفال لها صلة وثيقة بسورة آل عمران؛ حتى في المقصود فسورة آل عمران من مقاصدها العظيمة كما تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تقرير قضية التوحيد والثبات على التوحيد، ومما يثبت العبد على التوحيد أن يكون متوكلا على الله تمام التوكل، فهناك اقتران بين قضية التوكل وبين قضية التوحيد، فهذا مناسب لما بين السورتين الكريمتين.

قال الله ﴿وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ لترتبط القلوب به عز وجل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ولذلك قالوا هنا: وليس النصر بكثرة العَدد وتوافر العِدد، وإنما النصر من عند الله سبحانه، إن الله عزيز في ملكه لا يغالبه أحد، حكيم في شرعه وقدره.

ﱡﭐ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱠ

ثم قال ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ﴾ اذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون إذ يلقي الله النعاس عليكم، ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ﴾ والنعاس هو أول النوم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يثقل، فبداية النوم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يثقل يقال له “ نعاس “

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ﴾ والقراءة الأخرى ﴿يَغْشَاكُمُ﴾، ﴿أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ وهنا قالوا: أمنا مما حصل لكم من الخوف من عدوكم، والفرق بين “ الأمن “ و “ الأمنة “ : أن الأمنة تكون مع وجود الخوف، فكان الخوف يلاحقكم، وحينئذ جعل الله هذا النعاس أمنة مع وجود الخوف.

قال ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ وهذا النعاس هنا نعاس محمود؛ لأنه نعاس يزيل عن الإنسان الغم والكرب والخوف والقلق، فهو من فضل الله وإنعامه على عبده، بخلاف النعاس الذي ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان في حالة الطاعة فيصده عن الطاعة، فلا يدري ماذا قرأ ولا ماذا صلّى فإنَّ هذا مذموم، ولذلك النعاس يتفاوت باختلاف الحال كما تدل عليه المقامات والأدلة.

قال ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ هذا فيه أن ماء السماء مطهِّر، ولذلك يُستدَلُّ به على أن ماء السماء ماء طَهُور، كما قال ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وإن من معاني الطَّهُور: المُطَهِّر لغيره، فهو طاهر في نفسه، ومطهر لغيره.

﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ﴾ قالوا هنا: من الأحداث، وليزيل عنكم وساوس الشيطان، هذا معنى ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾

إذًا ﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ﴾ أي: ليطهركم من الأحداث، ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ أي: وليزيل عنكم وساوس الشيطان، فهذا معنى “ الرجز “؛ فرجز الشيطان: وساوس الشيطان، وأيضا يدخل في الرجز: تخويف الشيطان لكم، فمعنى رجز الشيطان: وساوس الشيطان، وتخويفاته لأهل الإيمان، وأصل المادة كما سبق بمعنى الاضطراب، فالشيطان يجعل الإنسان في حالة اضطراب وقلق.

قال ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾ وليُثَبِّت به قلوبكم لتَثْبُت أبدانكم عند اللقاء، فيكون هناك تثبيت للقلوب، تثبيت الأبدان وتثبيت للأقدام ومن تثبيت الأقدام بتلبيد الأرض الرملية حتى لا تسيخ فيها الأقدام، ومن المعلوم أن نزول المطر على هذه الأرض الرملية مما يقوي المؤمن في ساحة المعارك وفي ساحة القتال.

قال الله بعدها:

ﱡﭐ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﱠ

﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ إذًا من حكم نزول الملائكة: تثبيت المؤمنين، فالمؤمنون حين رأوا الملائكة كان هذا عامل تثبيت لهم لكثرتهم فيما بينهم، ولأنهم يعلمون أنهم مؤيدون من الله القوي المتين سبحانه وتعالى.

﴿فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ﴾ وهذا مما نصر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم كما H1.

قال ﴿سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ فاضربوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون أعناق الكافرين ليموتوا واضربوا مفاصلهم وأطرافهم يتعطلوا عن قتالكم، فقال هنا ﴿فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ﴾:

1. بعض العلماء قال “ فوق “ هنا للتأكيد، ولذلك بعضهم يقول عنها صلة وهي التي يعبر عنها بزائدة فيقولون صلة، لأن المعنى “ اضربوا الأعناق “.

2. وبعضهم يقول فوق العنق: الرأس، الهامات، فمعنى ﴿فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ﴾ يعني: اضربوا الرؤوس.

3. أو إن المعنى: الضرب فوقيةً، وهو الضرب من فوق، فاقضوا عليهم من جهة الفوقية، الفوق.

ثم قال ﴿وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ 1. بقية الأطراف، 2. ومنهم من خص البنان بالأصابع، 3. وآخرون -وهم كثيرون -يقولون إن المراد به: عموم الأطراف.

قالوا هنا: وأطرافهم؛ يتعطلوا عن قتالكم.

ﱡﭐ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﱠ

﴿ذَٰلِكَ﴾، أي: ذلك الواقع بالكفار من القتل وضرب الأطراف سببه، إذا الباء هنا باء سببية،﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ فيكون ذلك الواقع لهم من هذا القتل من هذا الضرب، سببه ﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: أنهم خالفوا الله ورسوله فلم يأتمروا بما أمروا به، ولم ينتهوا عما نهوا عنه.

﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ يعني جعل نفسه في شِقّ، وجعل ربه سبحانه وتعالى في حد آخر وهذه هي المشاقة.

ﱡﭐ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﱠ

﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ أي ذلكم العذاب المذكور ﴿فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ هذا عذاب معجل بهذا الإهلاك، وبهذا الضرب فذوقوه، وهناك العذاب الآخر، وهو عذاب النار، ﴿وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾.

﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ وهنا توجه الخطاب إلى الكفار ﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ تأمل قبلها ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ ثم يتوجه الخطاب إلى هؤلاء الكفار ﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ ولم يقل “ وإن لكم عذاب النار “ أو “ وإن لهم “ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ الكفر عليهم.

ثم قال:

ﱡﭐ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﱠ

ما معنى ﴿إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا﴾؟ قالوا هنا: إذا قابلتم المشركين في القتال متقاربين، إذا ما معنى ﴿زَحْفًا﴾؟ يعني: زاحفين، يعني: وهم يسيرون زحفا، والزحف دلالة على كثرة العدو؛ لأن العدو حينما يكثر فإنه يسير ببطء، فيكون في السير أقرب إلى الزحف، فلذلك قيل له “ زحف “، فمعنى ﴿زَحْفًا﴾ يعني: زاحفين نحوكم، وأصل الزحف: انبعاث يكون من جر الرجل.

قال ﴿إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ النهي عن تولي الأدبار، وهو التولي أو الفرار عند الزحف، أو يوم الزحف، ولذلك H0.

قال ﴿إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾ ثم استثنى فقال:

ﱡﭐ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﱠ

﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ﴾ فهذا عذر، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ إذا كان متحرفا لقتال، ما معنى ﴿مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ﴾؟ قالوا هنا: ومن يولهم ظهره فارًا منهم، غير منعطف لقتالهم بأن يريهم الفَرَّ مكيدةً منه، وهو يريد الكرّ عليهم، بمعنى: يريهم أنه يرجع وأنه يتقهقر، ثم بعد ذلك ينقض عليهم، ويكر عليهم، فيكون هذا أقسى عليهم وأشد، فيكون هذا الفرار ليس مقصودا لذاته، وإنما هو مراد منه إعادة الكرة عليهم بعد إعادة الحساب، وتنظيم الصفوف، وما إلى ذلك، فهذا معنى ﴿مُتَحَرِّفًا﴾: من أجل القتال وليس من أجل الفراق.

﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ هذه الحالة الثانية، قالوا هنا: أو غير منضم إلى جماعة من المسلمين حاضرة يستنجد بها، كأن تكون هذه الطائفة ضعيفة ولا تقوى وسيحدث هناك ضرر أكبر، فينضم إلى فئة أخرى مؤمنة، حتى تقوى ويستطيعوا بفضل الله تحقيق الأهداف المرجوة، فهذا معنى ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ يعني منضما، من التحيز والانضمام.

﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ﴾ ﴿وَقِيلَ﴾ لها فئة؛ لرجوع بعضهم إلى بعض في التعاضد والتناصر، وأصل المادة: مادة “ فاء “ تدل على معنى الرجوع.

﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ يعني: إذا تولى لغير هذين السببين ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾.

4. في الآيات تعليم المؤمنين قواعد القتال الحربية، ومنها طاعة الله والرسول والثبات أمام الأعداء والصبر عند اللقاء.

قــال الشيـخ حفظه الله:

1. في الآيات اعتناء الله العظيم بحال عباده المؤمنين، وتيسير الأسباب التي بها ثَبُت إيمانهم، وثَبُتَت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية؛ ولذلك جاء في الآيات “ إذ “، “ إذ “، “ إذ “ : “ اذكروا " " اذكروا نعم الله عز وجل عليكم ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾، ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾، كل هذا من نعم الله سبحانه وتعالى وإحسانه على عباده المؤمنين.

2. أن النصر بيد الله ومن عنده سبحانه، وهو ليس بكثرة عَدَد ولا عِدَد مع أهمية هذا الإعداد؛ إذًا الإنسان يستعد ويأخذ العدة، ولذلك في السورة ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ولكن عليه أن يعلم ﴿وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

3. الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر؛ قال الله عز وجل ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾، وجاء في الحديث كما تقدم “ اجتنبوا السبعة الموبقات ومنها التولي يوم الزحف “

4. في الآيات تعليم المؤمنين قواعد القتال الحربية، ومنها طاعة الله والرسول والثبات أمام الأعداء والصبر عند اللقاء؛ ولذلك تقدم أنه من مقاصد السورة الكريمة بيان السنن في النصر والتمكين، فبين الله عز وجل أن من ذلك: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك كان من أسباب هزيمة هؤلاء أنهم شاقوا الله ورسوله، فمن أطاع الله ورسوله نصره الله، ومن عصا الله ورسوله خذله الله سبحانه وتعالى، الثبات أمام الاعداء ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ﴾، والصبر عند اللقاء.

قــال الشيـخ حفظه الله:

قال الله سبحانه

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱠ

قالوا هنا في المختصر: فلم تقتلوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون يوم بدر المشركين بحولكم وقوتكم، ولكن الله أعانكم على ذلك، إذا ما معنى ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾؟

هنا نفي وإثبات؛ نفى القتل، وأثبت القتل فكيف الجمع؟ فيقال ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي بحولكم وقوتكم ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بحوله وقوته، فالذي نفاه الله عز وجل: هو أن يكون القتل بحول الناس وقوتهم، والذي أثبته الله هو قتل المشركين بحول الله وقوته، فهو الذي أمدكم، وهو الذي أعانكم، وهو الذي سددكم

قال ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ أيضًا هنا قال ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ فنفى الرمي، ثم قال ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ فأثبت الرمي، فكيف نفاه ثم أثبته؟ قالوا هنا في التفسير: وما رميت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي المشركين حين رميتهم، ولكن الله هو الذي رماهم حين أوصل رميتك إليهم.

إذًا ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ إذا أنت رميت رميًا، لكن الرمي المنفي: هو أن يصل إلى المقصود، وأن يسدد فيه بقدرة الإنسان، ﴿أَنَّمَا﴾ هو أخذ بالسبب، والذي سدد، والذي جعلها تصيب هذا وتقتل هذا أو تشوه وجه هذا كما H1.

فقال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ إذًا أثبت الرمي؛ لأنه باشر الرمي، ونفى الرمي، وهو أن يكون الرمي هو الذي أحدث ما أحدث بدون إذن الله، ﴿أَنَّمَا﴾ وقع ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى ومشيئته.

* وهناك من قدر تقديرا فقالوا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ أي بالرعب يوم بدر في قلوب هؤلاء ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ بما رميت به، إذ حصبتهم، إذًا هو حصبهم، لكن من الذي قذف الرعب في قلوب أولئك من هذه الرمية؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى في وجوههم الحصباء وقال “ شاهت الوجوه، شاهت الوجوه “ فأصابها الله، أو فأصاب الله عز وجل قلوبهم بما أصابها به من الرعب، وكذا وجوههم، فتم النصر والتمكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ وهذا فيه أن العبد يباشر الأسباب، ولكن كل شيء مقدر قدره الله سبحانه وتعالى، فلا يقع شيء في الكون إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى، والعبد له من ذلك الفعل والكسب ومباشرة الأسباب.

دروس مشابهة