مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة التوبة — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 307 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سورة التوبة: سورة مدنية

مقاصد السورة

من مقاصد السورة: البراءة من المشركين والمنافقين وجهادهم وفتح باب التوبة للتائبين

قال الشيخ حفظه الله:

سورة التوبة، ويقال لها سورة براءة، ولها أسماء أخرى كالفاضحة؛ فهي السورة الفاضحة التي فضحت المنافقين، وهتكت أستارهم، وكشفت أسرارهم.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا: سورة التوبة مدنية، وهذا بالاتفاق؛ فأجمع أهل التفسير على أن سورة براءة أو سورة التوبة سورة مدنية، بل قد جاء عن البراء رضي الله عنه: “ آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]، وآخر سورة نزلت سورة براءة “ وفي بعضها “ كاملة سورة براءة “.

فسورة براءة إحدى السور التي قيل أنها آخر سورة نزلت من القرآن وإن لم تكن آخر سورة فهي من أواخر سور القرآن نزولا وذلك أن سورة براءة نزلت في غزوة تبوك أو نزل كثير من آياتها في غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضا فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بسورة براءة أو بصدر سورة براءة عليًّا بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ليعلم الناس بها في الحجة التي حجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه في العام التاسع من الهجرة قبل حجة الوداع التي حجها الرسول صلى الله عليه وسلم في العام العاشر من الهجرة.

وذلك أن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه -والحديث في البخاري وفي غيره من كتب السنة -أرسل أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليحج العام التاسع، وأمره أن يأمر بعض الناس -ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه -كما جاء في بعض الروايات: أن ينادوا في الناس: (﴿إِلَّا﴾ يطوف بالبيت عريان، وألا يحج بعد العام مشرك)

فلذلك حج أبو بكر الصديق في السنة التاسعة، وحج معه بعض الصحابة، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عليًّا بن أبي طالب أن يؤذن في الناس، وأن يعلمهم بصدر سورة براءة، فجهر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مكة بهذه الآيات المباركة من سورة براءة التي هي براءة من الشرك والمشركين.

وهذا كله يدل على مدنية السورة بل وعلى تأخرها كثيرًا عن غيرها من سور القرآن والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قالوا من مقاصد السورة: البراءة من المشركين والمنافقين، وجهادهم، وفتح باب التوبة للتائبين.

تلاحظون أنهم ذكروا في المقاصد ثلاثة أمور:

فذكروا البراءة من المشركين والمنافقين.

وذكروا ما يتعلق بالجهاد.

وذكروا ما يتعلق بفتح باب التوبة للتائبين.

وقد أحسنوا فيما ذكروا فإنَّ السورة الكريمة إذا تأملها المتأمل وجد أنها تدعو إلى هذه المقاصد الثلاثة وأن بينها ترابطا وثيقا ومن أجل هذا سميت بسورة التوبة وبسورة براءة.

فإذا نظرنا إلى دعوتها إلى التوبة يقال لها التوبة وإذا نظرنا إلى تصريحها بالبراءة من صدرها وبدايتها ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ فإنها تدعونا إلى البراءة من الشرك والمشركين، ومن المعلوم أن البراءة من الشرك والمشركين المراد منها دعوة المشركين إلى الإقلاع عن الشرك، وإلى التوبة إلى الله عز وجل، فتكون البراءة سببًا في تحصيل التوبة، وتكون التوبة مسببة عن البراءة، فإذا قيل لها توبة، فباعتبار المسبب الذي ينتج عن البراءة قيل لها توبة، ﴿وَقِيلَ﴾ لها براءة باعتبار البدء لأن بدء المراد في هذه السورة الكريمة هو البراءة من الشرك والمشركين.

ومما تقدم في دروس سابقة، أننا نتعرف على مقاصد السور من عدة جهات منها افتتاح السورة، وهنا افتتاح السورة واضح جدًا وهو ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾

تحليل مقارن وربط بين السور

بل إن سورة براءة تختلف عن غيرها من سور القرآن الكريم، حيث أنها السورة الوحيدة التي ليس فيها بسملة في بدئها وإنما أولها ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ ولقد ورد في ترك البسملة في صدر سورة براءة كلام كثير وطويل فمنهم من يرى أن ذلك وقع من عثمان رضي الله عنه حينما رأى أن قصة التوبة أو أن قصة هذه السورة شبيهة بقصة سورة الأنفال وأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي ولم يبين موقع السورتين أهما سورتان أم سورة؟ فماذا صنع عثمان؟ ضم هذه السورة إلى تلك السورة ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم وجاء هذا في رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما عند الترمذي وغيره وبعض العلماء حسن تلك الرواية أو صححها، والأقرب أنها رواية منكرة لا تثبت والعلم عند الله تبارك وتعالى وأن ترك البسملة في هذه السورة توقيفي وليس اجتهاديا من عثمان رضي الله عنه، حينئذ يتأتى ما وجه ذلك؟

اختلفوا في هذا الباب فمن العلماء من قال:

لتنزيلها بالسيف لِسِتٍ مبسملة.....................................

كما ذكر الشاطبي فقالوا لأنَّها فيها آية السيف وقالوا أن آية السيف هي قوله ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ وقال آخرون ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾ إلى آخر الآية هذه يقال لها آية السيف أي الآية التي دعت إلى المسايفة وإلى المحاربة إلى مقاتلة المشركين بعد أن كان المؤمنون مأمورين بالعفو والصفح والهجر الجميل وما إلى ذلك.

وقال آخرون: هناك سور أخرى دعت إلى الجهاد أيضًا ودعت إلى القتال في سبيل الله فليس هذا كافيا في أن تترك البسملة في أولها.

وقال آخرون بل لأن أولها والعلم عند الله رفع الأمان عن المشركين لأن الله في أولها قال ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ ومن المعروف لدى العرب أنه عند رفع الأمان لا يتأتى معه ذكر الرحمة والبسملة فيها بسم الله الرحمن الرحيم.

فالسورة الكريمة في افتتاحها ترفع الأمان عن هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهود أو كادوا ينقضون العهود فلم يكن مناسبا لذلك أن تأتي معها البسملة والعلم عند الله تبارك وتعالى

على أننا نقول والعلم عند الله أن السورة الكريمة مع أنها خلت من البسملة في بدايتها إلا أن الله ختمها بما يدل على رحمته فقال في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ فذكر رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم ورأفته.

وهذا جليل عظيم أن يكون أول السورة وأن يكون في آخر السورة الإشارة إلى الرأفة والرحمة لكن ذكر ﴿بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ للدلالة على أنه ينبغي لهم أن يسعدوا بالإيمان حتى ينالوا تلك الرحمة العظيمة، وإن كانت رحمة الرسول أيضًا عامة كما قال الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

الشاهد من ذلك أنه مما قيل في هذا الباب أن السورة الكريمة فيها براءة، وفيها كذلك رفع للأمان، وأما قول من قال لم تفتح بالبسملة؛ لأن السورة حوت كثيرًا من الوعيد والتهديد، فهذا وحده ليس بكاف لأن هناك سورا كثيرة من القرآن فيها وعيد وفيها تهديد ومع ذلك افتتحت بالبسملة.

بل عندنا سورة الهمزة ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ وسورة المطففين ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ وفي أولها بسم الله الرحمن الرحيم، لكن هذا في مقام تعليم المؤمنين ارفعوا الأمان عن هؤلاء، فالمقام مقام براءة، والبراءة تحتاج إلى صراحة فلذلك افتتحها الله بقوله ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ ويوضح لك أن البراءة مقصد واضح وجلي في سورة براءة.

على أن كثيرًا من المحققين من علماء التفسير واللغة اختاروا أن كلمة ﴿بَرَآءَة ٞ﴾ خبر لمبتدأ مقدر فيكون “ هذه براءة “، هذه السورة كلها، هذه السورة براءة من الله ورسوله، فهذا عنوان السورة هذه براءة.

وإلا فمن المفسرين من جعلوا براءة مبتدأ وقالوا ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ هي الخبر.

ترجيح وتقوية الموقف

والأقرب أن تكون ﴿بَرَآءَة ٞ﴾ خبر، “ هذه براءة “؛ لأن البراءة كان شيئًا جديدا يخبر به، بمعنى أن المخبر عنه أو المبتدأ يكون معروفا، وأما المخبر به وهو الشيء الذي يحتاج الإنسان إلى إفادته أو معرفته هو الذي يكون خبرا وهو البراءة؛ فلذلك قال براءة يعني: “ هذه بَرَآءَةٌ ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ “.

إذا تأملنا السورة الكريمة نجد أن: سورة براءة سورة مفاصلة بين المؤمنين وبين الكافرين والمشركين والمنافقين؛ لذلك من أصلح السور أو من أكثر السور التي تعرضت للمفاصلة بين المؤمنين وغيرهم من أهل الشرك ومن أهل النفاق ومن أهل الكتاب سورة براءة، حوت هذا كله، وبأسلوب واضح وجلي، وفيه شيء من التهديد، وفيه شيء من الوعيد، وفيها دعوة صريحة إلى تلك البراءة وإلى هذه المفاصلة.

لذلك وجدنا في السورة ﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ﴾ في الآية الثالثة، في الآية الأولى ﴿بَرَآءَة ٞ﴾ وفي الثالثة ﴿أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ﴾ ثم تأتي الآيات الكريمة تشجع، وتدعو إلى الجهاد في سبيل الله وهذا، من التبرؤ من المشركين ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.

ثم يأتي الاستفهام التعجبي الذي فيه إنكار ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ﴾ وبعده “ كيف “، وهنا تقدير أي: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ، يعني هذا أيضًا فيه تقرير كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ في الآية الثانية؟ فيه تقدير دلت عليه الآية الأولى كما سيأتي بإذن الله.

﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ ثم قال سبحانه ﴿وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ﴾ بعد ﴿أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًا﴾ و ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾.

ثم تمضي الآيات الكريمة وتأتي آية عظيمة جدًا وآية فيها -كما قالوا -شيء مما ينبغي للمؤمن أن يتيقظ له، وهو قوله سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ﴾ آية فيها مفاصلة، حتى مع أقرب الأقربين؛ لذلك قال الألوسي: “ هذه الآية أشد آية نعت على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله بلطفه “، المسألة فيها مفاصلة، أنت توالي الله ورسوله، وتعادي أهل الشرك والمشركين، ثم قال ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾

مفاصلة، براءة، أمر بالجهاد في سبيل الله ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾

وبعد ذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ﴾ وبعدها ﴿إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وبعده ﴿ٱنفِرُوا۟ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الواضحة في هذا الباب، بل تجد في السورة الكريمة أوصافا للمشركين والمنافقين لا تجدها في غير هذه السورة الكريمة، فقال الله في السورة صريحة ﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ هذا في صراحة وفي وضوح وجلاء، وقال أيضًا في شأن المنافقين ﴿فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ فقال في المنافقين أنهم رجس.

وقال في المشركين ﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ في هذه الصراحة وبهذه القوة لأن الأمر يحتاج إلى تمييز، وأن يعتز المؤمن بإيمانه، كما أن السورة الكريمة فيها دعوة صريحة إلى الجهاد، كما قرأنا في هذه الآيات واستمعنا إليها، “ قاتلوا “، “ وجاهدوا “، إلى غير ذلك مما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذا الباب، كما أن فيها ذكرا لغزوة تبوك، هذه الغزوة التي هي “ ذات العسرة “، حينما كان المسلمون في شدة، وفي قحط وفي جدب وفي صيف، وفي حرارة شديدة، وسفر شديد وبعيد إلى الروم، ومع ذلك أمرهم الله سبحانه وتعالى بهذا الجهاد، وبهذه الغزوة المباركة التي كان فيها الخير والبركة على المؤمنين بفضل الله سبحانه وتعالى، فهي سورة براءة وسورة الجهاد في ذكر هذه الغزوة المباركة، وكذلك هي سورة التوبة.

وأيضا مما يقال في البراءة: البراءة من المنافقين، وإذا كانت البراءة من المنافقين تتأتى بالمفاصلة وتتأتى بمجاهدة المشركين، فتتأتى أيضًا بفضح المنافقين، لذلك فإنَّ السورة فضحت المنافقين “ ومنهم “، ومنهم، ومنهم، ومنهم.

حتى كادت تسميهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ﴾ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ بل وليس هذا فقط ذكر الله أيضًا المنافقين، فقال فيمن هم من الأعراب، فقال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ﴾ وقال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ ومنهم، ومنهم، ومنهم، بينت أصنافهم، وبينت أوصافهم، كل هذا في هذه السورة الجليلة.

ثم إن السورة الكريمة سورة التوبة فتحت باب التوبة للتائبين، مع هذا كله تفتح باب التوبة، مما يشهد لذلك ختام السورة ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، مما يشهد بذلك ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾.

السورة الكريمة بينت بعض الأخطاء التي وقعت من بعض الناس لتصححها، ولتأمرهم بالتوبة؛ لذلك ذكرت لنا ما وقع من الثلاثة، وما وقع من الله عز وجل عليهم، وإذا وقعت المفاصلة، ووقع الهجر لمسلم تخلف عن غزوة وكان معتذرا ببعض المعاذير، ومع ذلك أمرنا بمفاصلته وأمرنا بهجره حتى يتوب إلى الله، فكيف بغيره؟ ولذلك قال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.

فهي سورة تدعو إلى التوبة توبة الجميع؛ لذلك فإنَّ الباب مفتوح لمن تاب إلى الله سبحانه وتعالى من المؤمنين، ومن غيرهم؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى يفتح باب التوبة لعباده، وهذا من فضله وكرمه عز وجل.

خلاصة القول في ذلك: أن المتأمل في السورة من ابتدائها أو من افتتاحها ومن أولها إلى نهايتها يجد أنها تدور حول هذا الفلك وحول هذه المقاصد براءة ومفاصلة ودعوة إلى الجهاد ودعوة إلى التوبة من الأخطاء التي يقع فيها الناس سواء أكان هذا من المنافقين، أم كان من المشركين، أم كان من بعض عصاة المؤمنين، أو ما وقع فيه بعض الصحابة رضي الله عنه عنهم، كل ذلك بينته السورة، وسيتضح الأمر أكثر وأكثر في أثناء التفسير بفضل الله تبارك وتعالى.

قال الله سبحانه:

﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾

هذه السورة الكريمة افتتحها الله عز وجل بهذه الجملة الخبرية ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ﴾ وهي في هذا مشابهة للسورة التي قبلها وهي سورة الأنفال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ قد تقدم معنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ هناك افتتاحات متعددة لسور القرآن الكريم تبلغ عشرة أنواع فمن أوجه المناسبة بين سورتي الأنفال والتوبة:

أن افتتاحهما متفق في كون الافتتاح بجملة خبرية لفظا ومعنى، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: فالرواية التي وردت في قصة عثمان رضي الله عنه تؤذن بأن مجيء سورة التوبة بعد سورة الأنفال من أجل الشبه بين القصتين، ومع عدم ثبوت هذه الرواية إلا أن هذا الكلام صحيح؛ فإنَّ المتأمل في السورتين يجد تناسبا كبيرا بين السورتين، مع أنَّ سورة الأنفال تحدثت عن غزوة بدر، ومع أن سورة البراءة أو التوبة تحدثت عن غزوة تبوك، وفرق كبير بين الغزوتين فبدر في الثانية من الهجرة، وتبوك في التاسعة من الهجرة، لكن المقصد واحد وهو: إعزاز الإيمان أو إعزاز المؤمنين وبيان ضلال المشركين والقضاء على الشرك، لكن أيضًا المتأمل في ذلك يجد أن الله في سورة براءة ماذا قال في سورة التوبة؟ ذكر بشأن الهجرة ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ﴾ والهجرة مهدت لما بعدها من غزوة بدر، فهذا يعني أن أحداث السيرة بينها ترابط وثيق.

وأيضا في صدر سورة براءة قال الله سبحانه ﴿أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فهذا تذكير أيضًا بالمشاهد السابقة وبالأحداث السابقة، فهذا من الاتفاق بين السورتين الكريمتين.

ثم إنك إذا نظرت في آخر سورة الأنفال مما تقدم معنا تجد أن رب العزة في آخر سورة الأنفال حدثنا عن الولاء والبراء، وقال في شأن هذه القضية ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73]، وجاءت سورة براءة لتقرر عقيدة الولاء والبراء؛ ولذلك نحن إذ نقول أن مقصود السورة الكريمة البراءة من المشركين والمنافقين، ما معنى البراءة من المشركين والمنافقين؟ معناه تحقيق عقيدة الولاء والبراء.

لذلك فإنَّ البقاعي رحمة الله قال: ومقصودها -أي مقصود سورة التوبة -معاداة من أعرض عما دعت إليه السور الماضية، من اتباع الداعي إلى الله تعالى في توحيده واتباع ما يرضيه وموالاة من أقبل عليه فجعل مقصود السورة: معاداة وموالاة، البراء والولاء، وهذا موجود في السورة الكريمة بأجلى ما يكون وهو مقرر في سورة الأنفال

أيضًا نعود قال الله سبحانه ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ على العهد متعلقا بالمسلمين فقال ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم﴾ أنتم فالعهد عهد لكم، والبراءة من الله؛ للدلالة على عظمة تلك البراءة، وأنها براءة مهمة، وأن لها شأنا وخطرا، وينبغي للمسلمين أن يكونوا متيقظين في الأخذ بهذه البراءة.

قال ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ قالوا هنا: هذه براءة من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وإعلان بنهاية العهود التي عاهدتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون عليها المشركين في جزيرة العرب، باعتبار أن هذه العهود كانت بينهم وبين المشركين في جزيرة العرب،

قال:

﴿فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾

فسيحوا، قالوا: فسيروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون في الأرض مدة أربعة أشهر آمنين، ولا عهد لكم بعدها، ولا أمان، وأيقنوا أنكم لن تفلتوا من عذاب الله، ما معنى ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ﴾؟ يعني لن تفلتوا من عذاب الله ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾.

قالوا هنا وتأمل ما قالوا: ويشمل هذا من نقضوا ومن كان عهدهم مطلقا غير مؤقت، وأما من له عهد مؤقت ولو كان أكثر من أربعة أشهر فإنه يتم له عهده إلى مدته. ما معنى هذا الكلام؟ نحن أمام المشركين على أنواع:

فهناك مشركون نقضوا فهؤلاء لا عهد لهم ولا ميثاق.

وهناك مشركون العهد الذي بيننا وبينهم أقل من أربعة أشهر، أو العهد الذي بيننا وبينهم عهد مطلق غير مؤقت أو أن يكون العهد مؤقتا بوقت ولو كان بأكثر من أربعة أشهر، فالعهد الذي لا ينقض ولا يؤقت ما كان مؤقتا من قبله، بمعنى: إذا كان هناك عقد بين المسلمين وبين المشركين وكان هذا العهد لمدة سنة أو لمدة سنتين فهو مؤقت، ولم يحدث منهم نقض للعهد مظاهرة علينا، كما قال الله عز وجل بعدها ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾ أي: أوفوا لهم بالعهد إلى انقضاء المدة، وأما الذي عهده عهد مطلق فإنه له بماذا؟ بأربعة أشهر.

ولذلك قال هنا: يشمل هذا من نقضوا عهدهم، ومن كان عهدهم مطلقا غير مؤقت، وأما من له عهد مؤقت ولو كان أكثر من أربعة أشهر فإنه يتم له عهده إلى مدته. لذلك لا إشكال بين هذه الآية وبين الآية التي جاءت بعد ذلك وهي الآية الرابعة ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا﴾.

وهذا أقرب ما يقال في تفسير تلك الآيات؛ لذلك لما ذكر ابن كثير هذا القول قال: وهذا أحسن الأقوال وأقواها، التفريق بين من له عهد مؤقت، ومن كان بينه وبين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإنه لا ينقض هذا العهد حتى يقضى له أمده أو حتى يقضي أمده فإذا قضي الأمد انتهى حينئذ هذا العهد وانتهى هذا التوقيت.

قال الله سبحانه وتعالى بعدها:

﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱠ

﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ﴾ أي وإعلام، الأذان معناه: الإعلام ﴿مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ﴾ ولذلك فإنَّ عليًّا بن أبي طالب رضي الله عنه عنه نادى في الناس وقرأ آيات سورة براءة في يوم الحج الأكبر، جاء في بعض الروايات أنه في يوم النحر وفي بعضها في يوم عرفة، والأقرب أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر كما دلت على ذلك أدلة متعددة.

قال ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ﴾ أي أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُۥ كذلك

فالمعنى ورسوله بريء فقوله ﴿وَرَسُولُهُۥۚ﴾ رسوله: مبتدأ، وخبره: كذلك،أو بريء.

وتعرفون أن كثيرًا من علماء اللغة أو النحو يذكرون أن سبب تصنيف النحو والكتابة في هذا العلم: الذي وقع من بعض الناس في قراءته لهذه الآية حين قرأ ﴿أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ﴾ فجعل الله بريئا من رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا شك في بطلأنه، فحينئذ قالوا لا بد من هذا العلم؛ حتى يعرفون المفعول من الفاعل ويعرف المنصوب من المجرور إلى غير ذلك وحتى لو لم تصح تلك القصة بأسانيد إلا أن المعنى صحيح وأن النحو يعصم من الزلل ومن الوقوع في الخلل.

قال الله سبحانه ﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ تأمل ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ وهي سورة التوبة وهذا من افتتاح السورة فيه دلالة على مقصود السورة ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وهذا فيه تهكم بهم لأن الأصل في البشارة أن تكون بما يسر.

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا﴾ لم ينقصوكم شيئًا في العهد ﴿وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾

لم يعاونوا غيرهم عليكم ﴿فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾ وتأمل قوله ﴿إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾ إذا له مدة مؤقتة

أما إذا لم يكن له مدة مؤقتة فتوقيتها أربعة أشهر قال الله سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾

﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ ما معنى الأشهر الحرم هنا؟ ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾، قالوا هنا: فإذا انتهت الأشهر الحرم التي أمَّنتم فيها أعدائكم، إذا ما المراد بالأشهر الحرم؟ هي الأشهر الحرم التي أمنتم فيها الأعداء، وهي الأربعة أشهر التي قال الله فيها ﴿فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾.

والتي بدأت كما عليه كثير من المحققين بيوم النحر، فإذًا بدايتها من يوم النحر من العاشر من شهر ذي الحجة، فيدخل في ذلك المحرم، ويدخل في ذلك صفر، ويدخل في ذلك ربيع الأول، والثاني، وبناء عليه: فهذه الأشهر الحرم ليست هي الأشهر الحرم المعروفة التي جاء ذكرها بعد ذلك في قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾

الأشهر الحرم الأخرى المذكورة في قول ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ﴾ وهي شهر الله المحرم، و شهر رجب، و شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة، هذه الأشهر الحرم الأربعة المعروفة، وأما الأربعة هنا، أو الأشهر الحرم في الآية فالمراد بها هذه الأشهر الأربعة التي يوقف فيها القتال ويُؤَمَّنون فيها، ثم بعد ذلك لكم أن تقاتلوهم، وهذا هو القول المرجح ويشهد له سياق الآيات

* خلافا لمن ذهب إلى غير ذلك لأن بعض المفسرين فسروا الأشهر الحرم هنا بالأشهر الحرم هناك فيما جاء بعده في قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾

قال ﴿فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ قالوا هنا: ترصدوا لهم طرقهم ﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ﴾ ويشهد بهذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله عز وجل).

قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وكما لا يخفى عليكم يا أيها الإخوة الكرام فقد مر من قبله أن الكفار على أنواع:

فالكفار منهم الكافر المعاهد: الذي بيننا وبينهم عهد فإننا لا ننقض عهدا إذا كان يفي بالعهد فإننا لا ننقض عهده.

وهناك المستأمن: الذي دخل بعقد أمان منا، وهو ما جاء بعد في قوله

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾

لذلك إذا قيل لنا استدل من القرآن الكريم على تأمين لبعض الكفار وعلى دخول الكافر بتأشيرة أمان وأن ذلك جائز وسائغ في الشريعة يستدل بهذه الآية ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾.

وهناك الذمي: الذي له ذمة فهذا أيضًا لا يقاتل.

وهناك الحربي: فهو المتحدث عنه ممن بيننا وبينه حرب، أو ليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة ولا أمان.

ولذلك قالوا هنا في التفسير: “ وإن دخل ﴿أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ “ تأملوا “ مباح الدم والمال “، إذًا الكلام عن من؟ عن مباح الدم والمال الذي لك أن تقتله لكنك أمنته، فحينئذ لا تقتله قال ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾ وهذا فيه أن القرآن كلام الله لأن معنى ﴿حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾ ما المراد من قوله ﴿حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾ حتى يسمع القرآن؛ لذلك يوصف القرآن بأنه كلام الله سبحانه وتعالى.

﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا فيه أن هؤلاء الكفار لو سمعوا القرآن حق السماع واستمعوا له لدخل كثير منهم في دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾؛ ولذلك المطلوب ﴿إِلَّا﴾ يحال بين القرآن وبين الناس، وإنما أن يترك الإسلام ليعرض ما لديه؛ فإنه إذا عرض ما لديه بوجه حق وبدون تشويش عليه كان الخير والبركة ودخل الناس ﴿فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، وهذا من معاني قوله ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

قال ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ قالوا: لا يعلمون حقائق هذا الدين، فإذا علموها من سماع قراءة القرآن ربما اهتدوا.

من فوائد الآيات:

في الآيات دليل واضح على حرص الإسلام على تسوية العلاقات الخارجية مع الأعداء على أساس من السلم والأمن والتفاهم.

الإسلام يقدر العهود، ويوجب الوفاء بها، ويجعل حفظها نابعا من الإيمان، وملازما لتقوى الله تعالى.

أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة دليل على الإسلام، وأنهما يعصمان الدم والمال، ويوجبان لمن يؤديهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بحق الإسلام، كارتكاب ما يوجب القتل؛ من قتل النفس البريئة، وزنا الزاني المحصن، والردة إلى الكفر بعد الإيمان.

مشروعية الأمان أي جواز تأمين الحربي إذا طلبه من المسلمين؛ ليسمع ما يدل على صحة الإسلام، وفي هذا سماحة وتكريم في معاملة الكفار، ودليل على إيثار السلم.

قــال الشيـخ حفظه الله:

في الآيات دليل واضح على حرص الإسلام على تسوية العلاقات الخارجية مع الأعداء على أساس من السلم والأمن والتفاهم. وهذا واضح، ولذلك السورة الكريمة إحدى السور التي تحدثت عن الأحوال السياسية في التعامل الداخلي والخارجي، ومن ذلك ما قال الله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ ومن التقوى أن تراعوا هذا الشيء، وألا تخالفوه.

الإسلام يقدر العهود، ويوجب الوفاء بها، ويجعل حفظها نابعا من الإيمان، وملازما لتقوى الله تعالى. ويشهد له ما سبق.

أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة دليل على الإسلام، وأنهما يعصمان الدم والمال، ويوجبان لمن يؤديهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بحق الإسلام، ولذلك قال ﴿فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ﴾، وسيأتينا بعد ذلك فإخوانكم في الدين ﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ قال ﴿فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قالوا: إلا بحق الإسلام، كارتكاب ما يوجب القتل؛ من قتل النفس البريئة، وزنا الزاني المحصن، والردة إلى الكفر بعد الإيمان. وهذا ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) وذكر هذه الثلاثة حديث ابن مسعود عند الشيخين.

مشروعية الأمان أي جواز تأمين الحربي إذا طلبه من المسلمين؛ ليسمع ما يدل على صحة الإسلام، وفي هذا سماحة وتكريم في معاملة الكفار، ودليل على إيثار السلم. قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا فيه أنك إذا أدخلته بأمان فكذلك فليخرج بأمان، لا تقل له اسمع القرآن ها أنت قد سمعت إما وإما لا ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾ وهذا من الإسلام وفضله.

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ قالوا هنا في التفسير: لا يصح أن يكون للمشركين بالله عهد وأمان عند الله وعند رسوله.

فإذا فسروا هذا الاستفهام بالنفي: لا يكون للمشركين عهد

وبعضهم أنه للاستبعاد والإنكار، استبعاد أن ﴿يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ﴾ وذلك أن هؤلاء لما هم عليه من شرك يشتهرون بنقض العهد، فكيف ينتظرون من الله أن يكون لهم عهد عنده وعند رسوله صلى الله عليه وسلم؟

فإذا الآية تبين شيئين: تبين أن هؤلاء المشركين من أوصافهم نقض العهود، ومن ثم فكيف ينتظر أن يكون لهم ﴿عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ﴾ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ثم استثنى الله فقال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.

* فإنْ قال قائل أوليس كان لهؤلاء عهد في البداية؟ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن قوله ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ﴾ أنها نفي للعهد، مع أنه وجدت بعض العهود!

فقالوا أن المراد: هذا نفي أو إنكار استمرار هذه العهود، يعني أننا رضينا منهم بالعهد وقبلناه، لكننا نعلم لشركهم أنهم لن يبقوا، لن يوفوا بتلك العهود، وأن النقض ديدنهم وأن عدم الوفاء دأبهم، فالمعنى ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، يعني: كيف يدومون على ذلك، هم لا يدومون على هذا العهد، ومن ثم فلا ينتظرون أن يكون لهم ﴿عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ﴾، وحينئذ فلا إشكال والعلم عند الله.

قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ قالوا هنا: عند المسجد الحرام في صلح الحديبية، يعني قريبا من مكة، حينما وقع صلح الحديبية، ووقع العهد، لكن أيضًا قاموا هم بنقض العهد بعد ذلك، وهو ما سيذكر بعد ذلك في قوله ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: بدأوكم بالقتال، فما كان منهم إلا نقض العهد.

قال الله بعدها ﴿فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ﴾ أيضًا نحن لا نبدأ بنقض العهد، وإنما كما جاء معنا قبل في سورة الأنفال ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: 58] فحينئذ نطرح هذا العهد ونبين لهم، وإلا فالأصل الوفاء بتلك العهود إذا كانت قائمة ﴿فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾

﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱠ

ثم قال ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ﴾ قالوا هنا تقدير، أي: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ﴾ ﴿وَإِن يَظْهَرُوا۟﴾ يعني والحال أنهم إن يظهروا ﴿عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ إذا هؤلاء المشركون كيف تنتظرون منهم الوفاء بالعهود ومن أوصافهم كذا وكذا؟ وهذه الأوصاف من شأنها أن تحمل صاحبها على الغدر، وعدم الوفاء ﴿وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ﴾ أي يظفروا بكم ﴿لَا يَرْقُبُوا۟﴾ أي لا يراعوا ﴿فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.

قالوا هنا في التفسير: لا يراعوا فيكم الله ولا قرابة ولا عهدا. ففسروا الإلّ: بالله والقرابة وهما قولان في معنى الإلّ؛ فلذلك ذكروا هنا في المختصر هذين القولين فأحيانا في المختصر لا يقتصرون على قول واحد فهنا جمعوا بين القولين في معنى الإلّ إذا عندنا “ إلا ولا ذمة “ الذمة العهد وأما إلا:

فقيل أنه الله ولذلك قالوا جاء من (إلّ) يعني جاء من الله يعني هذا جاء بوحي من الله سبحانه، فقالوا: “ لا يرقبوا فيكم إلا “ يعني: لا يرقبوا فيكم الله.

والقول الثاني: لا يرقبوا فيكم قرابة فالإلّ: وهي القرابة.

وبعضهم قال: إلّا هي العهد.

وبعضهم قال: إلّا هي الحلف.

ففيها أربعة أقوال لكن أظهرها أن المراد بالإلّ هو القرابة لذلك قال ابن كثير: وهو الأظهر، وعليه الأكثر وقد تقدم تفصيله، وذلك في تحفة الأريب في الكلام على كلمة الإل.

قال ﴿لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ هذا فيه كناية عن إهدار الحقوق والحرمات، يعني لا يراعون حقًا ولا حرمة. الذي لا يراعي حق الله ولا يراعي حق القرابة ولا يراعي حق العهد فماذا ينتظر منه؟

ثم قال ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ هذا كناية عن عدم الإخلاص، وعدم الصدق ﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ تأبى قلوبهم دلالة على خبث النوايا، وخبث الطوايا، فمن جمع هذه الأوصاف لا ينتظر منه إلا نقض العهد.

﴿ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

لتأكيد هذا المعنى وتوطيده قال ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ﴾

﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

﴿فَإِن تَابُوا۟﴾ أيضًا فتح باب التوبة تأملوا سورة التوبة في أولها ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ ﴿فَإِن تَابُوا۟﴾ وهنا ﴿فَإِن تَابُوا۟﴾ لتقرير هذا الأصل ﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

بعض العلماء استدل بهذه الآية على كفر تارك الصلاة، والمراد به: كفر تارك الصلاة المتكاسل، وإلا فإنَّ الجاحد لا خلاف في كفره، وإنما الخلاف في تارك الصلاة المتكاسل:

فجمهور الفقهاء على أنه مرتكب لكبيرة وليس بكافر.

وذهب بعض العلماء من الحنابلة إلى كفره أقصد من الفقهاء.

وأما الآثار عن السلف ففيها كلام يشعر بهذا التكفير، الشاهد من ذلك أنه مستدل بقوله ﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ قالوا إذا لم يقم الصلاة فليس أخا لنا في الدين، وعكر بعضهم، فقالوا فماذا تقولون في إيتاء الزكاة؟ فإنه إذا ترك الزكاة فإنه عند الجماهير لا يكفر، ومع ذلك قال ﴿وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ ففيها كلام طويل معروف في الفقه.

قال﴿وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

﴿وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾

قالوا هنا: وإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على ترك القتال مدة معلومة عهودَهم ومواثيقَهم. إذا فسروا الأيمان بماذا؟ بالعهود والمواثيق ﴿وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ﴾ يعني انتقصوكم، انتقصوا الدين، وطعنوا في الدين؛ ولذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية على كفر من سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو انتقص دين الله عز وجل وأن حقه القتل؛ لأنّّ الله قال: ﴿فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ﴾ ومن كفرهم في دين الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.

قالوا هنا ﴿فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ﴾ قالوا: فهم أئمة الكفر وقادته، ولا عهود لهم، ولا مواثيق، وهذا معنى ﴿لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ﴾ يعني: لا أيمان يحافظ عليها لهم، لا يحافظون على أيمان.

والقراءة الأخرى ﴿إِنَّهُمۡ لَآ إِيمَانَ لَهُمۡ﴾ ليس لهم إيمان ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.

﴿أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

قال بعضهم: هذا للإنكار، لماذا لا ﴿تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ﴾؟

أو أن المراد به وهو وجيه أن المراد به هنا: الحث والتحضيض ﴿أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ﴾ ما يمنعكم من قتال هؤلاء مع هذه الأوصاف الخبيثة التي جمعوها؟ ﴿نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ﴾ صلى الله عليه وسلم كما وقع منهم.

ولذلك قالوا هنا في اجتماعهم في دار الندوة لإخراج الرسول من مكة ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قالوا: بدأوكم بالقتال، ومن ذلك حينما نقضوا العهد، حينما أعانوا بكرًا (حلفاء قريش) على خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من المعروف في صلح الحديبية، كان هناك حلفاء للرسول وسلم، وهناك حلفاء لقريش، فلا ينبغي الغدر بالحلفاء، وقد وقع من بكرٍ ما وقع تجاه خزاعة، فكان هذا نقضا من قريش للعهد، ولذلك كان فتح مكة ردا على هذا الغدر، وعلى هذا النقض.

قال ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ولذلك قالوا في ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فيه إشارة إلى قولهم أن البادئ أظلم؛ لأنهم لما بدأوا كانوا أظلم، فحينئذ تكون الكرة عليهم، والعلم عند الله تعالى.

من فوائد الآيات:

دلت الآيات على أن قتال المشركين الناكثين للعهد كان لأسباب كثيرة أهمها نقضهم للعهد.

في الآيات دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه.

استدل بعض العلماء بقوله تعالى ﴿وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ﴾ على وجوب قتل كل من طعن في الدين عامدا مستهزئا به.

في الآيات دلالة على أن المؤمن الذي يخشى الله وحده يجب أن يكون أشجع الناس وأجرأهم على القتال.

قــال الشيـخ حفظه الله:

دلت الآيات على أن قتال المشركين الناكثين للعهد كان لأسباب كثيرة أهمها نقضهم للعهد. لذلك قال الله ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ فلذلك يقاتلون؛ لأنهم ينقضون العهود، ولأنهم متصفون بهذه الأوصاف الخسيسة.

في الآيات دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه. وذلك في قوله ﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ وإن كان الأصرح في هذا الذي ذكروه من الفائدة ما تقدم في قوله ﴿فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ﴾ فهو أصرح في قضية القتال لكن هنا يستدل به في مسألة الأخوة في الدين، أو الخروج من الدين، والعلم عند الله، وإن كان بينهما ترابط، لكن معروف أن هناك فرقا بين المقاتلة والقتل؛ فليس كل من يُقَاتَل يُقْتَل، وليس كل من يُقْتَل يُحكم عليه بالكفر، فهي مسائل ثلاث: هناك قتال، وهناك قتل، وهناك حكم بالكفر، وتفصيل ذلك في محله من كتب الفقه.

استدل بعض العلماء بقوله تعالى ﴿وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ﴾ على وجوب قتل كل من طعن في الدين عامدا مستهزئا به. وذلك من قوله ﴿وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ﴾.

في الآيات دلالة على أن المؤمن الذي يخشى الله وحده يجب أن يكون أشجع الناس وأجرأهم على القتال. لذلك قال ﴿أَلَا تُقَـٰتِلُونَ﴾ ثم قال ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ فالذي يخشى الله سبحانه وتعالى يجاهد في سبيله ولا يخاف في الله لومة لائم.

قال الله سبحانه:

﴿رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾

يبين الله سبحانه وتعالى بعض ثمرات القتال في سبيله، لماذا دعانا إلى القتال في سبيله؟ لعدة أهداف وأغراض نبيلة منها ما ذكره الله في هذا الموضع.

فقال ﴿قَـٰتِلُوهُمْ﴾ أي قاتلوا هؤلاء المشركين، ماذا يكون من وراء هذا القتال؟ ﴿يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ لذلك جاء هذا جوابا في جواب الأمر فجاء مجزوما ﴿يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وتأمل كلمة ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ فالله قادر على أن يعذبهم دون أن يكون للمؤمنين في ذلك مدخل، ودون أن يكون للمؤمنين في ذلك فعل، لكن الله سبحانه يريد أن يشارك المؤمنون في هذا الأمر فقال: ﴿يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ يبرئ داء صدور قوم مؤمنين لم يشهدوا القتال بما حصل لعدوهم من القتل والأسر والهزيمة ونصر المؤمنين عليهم، فيشفى صدر المؤمن حينما يرى العزة للمؤمنين، وحين يرى هلاك المشركين.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ يكون في قلب المؤمن غيظ على هؤلاء المشركين المحادين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدر الله عز وجل أن يقتل هذا المشرك على يد هذا المؤمن، فإنَّ الله يذهب غيظه، فهذا من حكم مشروعية القتال في سبيله.

قال ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ ثم فتح الله باب التوبة فقال ﴿وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ يتوب ﴿ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾، قالوا هنا: على ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من هؤلاء المعاندين إن تابوا، كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

ثم قال:

﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱠ

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ “ أم “ هنا هي المنقطعة بمعنى “ بل “ أي: بل أحسبتم؟ قالوا: وهذا الاستفهام للإنكار، ولك أن تقول: وللعتاب.

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟﴾ أي تتركوا بلا ابتلاء بلا أمر بالقتال بلا أمر بالامتحان ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟﴾؟ لذلك قالوا هنا: أظننتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون أن يترككم الله دون ابتلاء، كما قال الله ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2] لا بد من الابتلاء والامتحان، ومنه الابتلاء بهذا القتال، أو الجهاد.

قال ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ تأمل ستبتلون حتى يعلم الله علما ظاهرا للعباد تأملوا كلامهم ستبتلون حتى يعلم الله علما ظاهرا للعباد

تقدم معنا مرارا أن الآيات التي على هذا النحو ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ﴾ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [محمد: 31]، ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ﴾ [البقرة: 143] يقول قائل أوليس الله يعلم ذلك قبل وقوعه؟ نقول بلى يعلم سبحانه، إذا ما معنى العلم هنا؟ نقول ظهور هذا العلم؛ فإنَّ الله لا يحاسب على ما سبق في علمه، وإنما على ما وقع من خلقه مما ظهر مما هو عالم به سابقا سبحانه وتعالى، فيقال هذا علم يترتب عليه الجزاء

قال ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ ما معنى ﴿وَلِيجَةً﴾؟ قالوا: بطانة من الكفار يوالونهم، وهذا فيه بيان التحذير من موالاة المشركين. قال الله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

ثم قال

﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ﴾

ما كان أي ما ينبغي ﴿لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ﴾ بالعبادة وأنواع الطاعة لأن بعض المشركين رأوا أن لهم فضلا وأن مثلهم لا ينبغي أن يتعرض لقتله، لم؟ لأنهم يعمرون مساجد الله لكنها ليست عمارة حقيقية، ﴿أَنَّمَا﴾ هي قائمة على البكاء والتصدية، قائمة على الصد عن سبيل الله، قائمة على السخرية، على عدم الإيمان.

والقراءة الأخرى ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ﴾ فالكلام عن المسجد الحرام، فهم ليسوا عمارا لمسجد الله الحرام، بل هم صدوا الناس عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]

﴿شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ﴾ أي مقرين على أنفسهم بالكفر، بما يظهرونه منه، فعلامات الكفر واضحة من المكاء، والتصدية، والسخرية، والاستهزاء بالمؤمنين، وصدهم عن سبيل الله.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ﴾ لا فائدة من هذه الأعمال فهي باطلة وهذا فيه أن الشرك بالله من أعظم محبطات الأعمال كما قال الله ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88] وقال ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]

ثم قال ﴿وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ﴾

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ﴾ من الذي يستحق أن يعمر مساجد الله؟﴿مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾ أي يرجى لهؤلاء أن يكونوا مهتدين وقد قالوا أنّ “ عسى “ من الله متحققة فهؤلاء من المهتدين بفضله سبحانه وتعالى

إذًا عمار المسجد الحرام أو عمار مساجد الله هم المؤمنون بالله وباليوم الآخر، وهم الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ﴾، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

ثم قال الله سبحانه:

﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

هذه الآية أيضًا فيها رد على ما زعمه بعض أهل الشرك: حينما رأوا أنهم أفضل من المؤمنين؛ لأنهم عمار للمسجد الحرام، ولأنهم سقاة الحجاج، فإنَّ لهم السقاية، وإن لهم ما لهم من أمور المسجد الحرام، فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذا كله لا قيمة له ولا وزن إذا لم يكن صاحبه على الإيمان، إذا لم يكن صاحبه مؤمنا فما فائدة هذه الأعمال؟ فإنَّ الأعمال تذهب سدى وتذهب هباء منثورا إذا لم يكن صاحبها مؤمنا بالله عز وجل.

على أنه قد ورد في صحيح مسلم حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه رواية في سبب نزول هذه الآية وهي: أنه اجتمع مجموعة جماعة من الصحابة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: “ ما أبالي ﴿إِلَّا﴾ أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج “، وقال آخر: “ إلا عمارة المسجد الحرام “، وقال آخر “ بل إن الجهاد أفضل من ذلك كله “ فسمعهم عمر رضي الله عنه وقال: “ ترفعون أصواتكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قضى رسول الله صلاته دخلت عليه واستفتيته في ذلك “ فأنزل الله قوله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ﴾

فإنَّ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن هذا رد على فهم خاطئ، أو على فهم وقع فيه بعض الصحابة رضي الله عنهم من ظنهم أن عمارة المسجد الحرام أو أن السقاية أفضل من الجهاد في سبيل الله فيكون في هذه الآية فائدة جليلة وهي: أن الأعمال الصالحة تتفاضل، فالأعمال الصالحة ليست على درجة واحدة وإنما بعضها أفضل من بعض؛ ولذلك قالوا: ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر، وإنما الفقيه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين؛ لذلك من البديهي الذي يحتاج إلى سعة أفق، وإلى اتساع في العلم والفقه، أن يتعرف الإنسان على فضائل الأعمال، وأن يعرف درجة كل عمل، فإذا تزاحمت المصالح قدم أعلاها مصلحة، وهذا من الفقه.

فإنَّ الإنسان قد تتزاحم أمامه الأعمال أو تتزاحم عنده المصالح، فإذا كان فطنا قدم الأعلى أجرا ومنزلة وفضلا، ومن ذلك تقديم ما نفعه متعد على ما نفعه قاصر إلى غير ذلك، والجهاد في سبيل الله نفعه عام وليس نفعا قاصرا كما هو معروف.

قال هنا ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ تلاحظون أن المقارنة هنا أو أن التشبيه هنا المراد به: النفي، نفي المساواة ﴿۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ يعني هذا لا يستوي مع هذا لذلك بعدها قال ﴿لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ﴾ فالمراد هنا بهذا التشبيه: النفي والسلب، وليس الإثبات أن هذا لا يشابه هذا، أو ليس هذا مثيلا لهذا، ولا مناظرا له

الشاهد أن قوله ﴿كَمَنْ ءَامَنَ﴾ الحديث عن الأشخاص كمن آمن وأما ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ “ حديث عن الأعمال، لذلك قالوا هنا في التقدير: أجعلتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون القائمين على سقاية الحاج وعلى عمارة المسجد الحرام، لماذا قالوا “ القائمين على سقاية الحاج “؟ لأن الله بعدها قال ﴿كَمَنْ ءَامَنَ﴾ فالأصل أن يقارن العمل بالعمل وأن يقارن الشخص بالشخص فلما قال هنا ﴿كَمَنْ ءَامَنَ﴾ إذًا أجعلتم الذي يسقي الحاج ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ أي القائمين على سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ.

ولذلك جاء في بعض القراءات ﴿۞أَجَعَلۡتُمۡ سُقَاة ٱلۡحَآجِّ وَعَمَرَة ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ فالكلام عن الأشخاص أنفسهم ﴿كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾.

وهناك تقدير آخر إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بالقراءة التي قرأ بها الأكثرون ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ﴾ يمكن أن يقدر: كإيمان مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ﴿وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وجهاد من جاهد في سبيل الله ﴿لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ﴾.

وقوله ﴿كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ للدلالة على أن الأعمال وإن بدت صالحة عالية نافعة فإنها لا تكون ذات منزلة إلا إذا كانت صادرة عن مؤمن بالله سبحانه وتعالى؛ لذلك قدم على الجهاد الإيمان كمن ﴿كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾.

ثم قال:

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾

﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ فدرجتهم أعظم وأجل؛

إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الساقي للحجاج، وأن عامر المسجد الحرام مؤمن، فأيضا المؤمن بالله واليوم الآخر والمجاهد أفضل، ويكون ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ على بابها في أفعل التفضيل.

وأما إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن ﴿سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ صدرت من كافر، فقوله ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ يمكن أن يقال أنها مسلوبة التفضيل على معنى: أنه لا فضل لمن سقى الحجاج وعمر المسجد الحرام، فيما يكون من ثواب أخروي صحيح، أنه قد ينتفع بعض الانتفاع في الجزاء الدنيوي، وأما الآخرة فهي خاصة بأهل الإيمان كما قال ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 35] ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾.

ثم بين كيف يكون فوزهم ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾.

من فوائد الآيات:

في الآيات دلالة على محبة الله لعباده المؤمنين واعتنائه بأحوالهم، حتى أنه جعل من جملة المقاصد الشرعية شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم.

شرع الله الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم؛ وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين الله من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان.

عمار المساجد الحقيقيون هم من وصفوا بالإيمان الصادق وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أمَّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير.

الجهاد والإيمان بالله أفضل من ﴿سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ بدرجات كثيرة، لأن الإيمان أصل الدين وأما الجهاد في سبيل الله فهو ذروة سنام الدين.

قــال الشيـخ حفظه الله:

دروس مشابهة