سورة القدر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس التفسير وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى تفسير سورة القدر هذه السورة المباركة تسمى بسورة القدر والحديث فيها عن فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال الله سبحانه ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾2 (القدر: 1). ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾3 (القدر: 2). ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾4 (القدر: 3). ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾5 (القدر: 4). ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾6 (القدر: 5). هذه السورة المباركة تسمى بسورة القدر وسماها بعضهم بسورة ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).
باسم الآية الأولى منها ومقصودها بيان فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وأنها الليلة التي حظيت بهذا الشرف العظيم وهو نزول القرآن الكريم جملة واحدة أو أول نزول القرآن الكريم كان في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وهذه السورة المباركة إحدى السور المختلف فيها من حيث القول بمكيتها أو مدنيتها فقد تقدَّم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام أنَّ هناك سورًا كثيرة اتفق العلماء على أنها مكية نزلت قبل الهجرة وهناك سور اتفق العلماء على أنها مدنية نزلت بعد الهجرة وهناك سور مختلف فيها قيل بمكيتها ﴿وَقِيلَ﴾ بمدنيتها، ومن بينها سورة القدر لذلك ربما وجدنا في بعض المصاحف ما يقال عنه أنها سورة مكية، وفي بعضها سورة مدنية لأنَّ وضع كلمة مكية أو مدنية اجتهاد من العلماء وليس نصًّا. والمسألة محتملة والعلم عند الله تبارك وتعالى.
وقد جاءت بحسب الترتيب المصحفي بعد سورة العلق وسورة العلق صدرها أول ما نزل من القرآن كما عرفنا في اللقائين السابقين ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾7 (العلق: 1-2). فعرفنا هناك أن أول الآيات التي نزلت على قلب رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، هي الآيات الخمس من سورة العلق ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ نزلت هذه الآيات ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). فهذا من التناسب بين سورتي العلق والقدر، ومن العلماء من نسب إلى الأكثرين القول بمكيتها، ومنهم من نسب إلى الأكثرين القول بمدنيتها والعلم عند الله تبارك وتعالى على أن اعتكاف الرسول «صلى الله عليه وسلم»، والتماسه ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ كان في المدينة النبوية بعد هجرة النبي محمد صلوات الله وتسليماته عليه كما لا يخفى قال الله سبحانه ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).
قوله إنا أنزلناه على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله أنزلناه يعود على القرآن الكريم. وقال بعضهم: إنه يعود على القرآن اتفاقًا والمعنى أنه باتفاق أهل العلم، أن الضمير يعود على القرآن والأصل أن يعود الضمير على مذكور فأنت في كلامك العادي إذا أردت أن تذكر الضمير فإنَّك تصرح أولًا ثم تضمر بعد ذلك فتقول مثلًا جاء محمد ثم تقول وسافر وفعل فأسألك وأقول من الذي سافر، ومن الذي فعل تقول لي محمد الذي أخبرتك عنه أنه قد جاء فأنت تصرّح ابتداءً ثم بعد ذلك تضمر وهنا في أول آية قال إنا أنزلناه دون أن يعود الضمير على مذكور فهي أول آية.
لكن عرف ذلك لأنَّ القرآن معهود في الذهن فالقرآن الكريم فيه آيات كثيرة تتحدث عن نزول القرآن الكريم فحين نقرأ إنا أنزلناه هذا المنزل العظيم الكريم ما هو القرآن الكريم أو أنه يعود على ما ذكر في قوله ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: 1-2). إنا أنزلناه، أنزلنا هذا المذكور في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فالمراد به القرآن الكريم. وقد جاء التصريح به في سورة الدخان حمٓ وَٱلْكِتَٰبِ ﴿ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ أيضًا ليس فيه التصريح بأنه القرآن.
لكن عليه الاتفاق. لكن قوله والكتاب المبين المراد به القرآن عند الجمهور فكأنَّه أقسم بالقرآن على أن القرآن منزل من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. وقال الله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾8 (البقرة: 185). هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). أنزلنا القرآن في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وهنا يأتي إشكال ما هذا الإشكال من المعلوم. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام أن القرآن الكريم نزل مفرقًا نزل منجمًا والله سبحانه وتعالى قال.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًا﴾. وقال ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا﴾ فمعروف لديكم، أن القرآن الكريم ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ مراحل وأن هناك القرآن المكي وهناك المدني وهناك ما نزل قبل الهجرة وهناك ما نزل بعد الهجرة فكيف والله قال ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).
فهل القرآن الكريم نزل كله في ليلة واحدة من المعروف أنَّ القرآن نزل مفرقًا في 23 سنة فما معنى ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). وورد في الجواب عن ذلك وجهان مشهوران ذكرهما العلماء في الجواب عن ذلك الجواب الأول أن معنى قوله سبحانه إنا أنزلناه، أي: أنزلنا أوله في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إذن معنى قوله إنا أنزلناه أي: أول ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ﴾ القرآن كان في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
والمراد به صدر سورة العلق فقوله: سبحانه ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: 1-2). الآيات الخمس نزلت على قلب الرسول «صلى الله عليه وسلم» في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من شهر رمضان. وهذا أيضًا كما في قول ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185). وفي قول ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ﴾ والليلة المباركة هي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إذًا أول آيات نزلت من القرآن كانت في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ هذا هو. المعنى الأول والمعنى الثاني أن القرآن الكريم له نزولان القرآن الكريم له نزولان.
أما النزول الأول فهو نزول القرآن جملة واحدة فالقرآن نزل جملة واحدة أُخذت نسخة من اللوح المحفوظ فوضعت في مكان يقال له: بيت العزة من السماء الدنيا ثم نزل القرآن مفرقًا بعد ذلك. وقد ثبت ذلك عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد ثبت عن ابن عباس أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا.
وهذا معناه أن القرآن له نزولان نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا ثم نزل مفرقًا على قلب رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، بحسب الأحداث والوقائع. وهذا معنى آخر في الآية الكريمة إذًا قوله إنا أنزلناه، يعني: أنزلناه جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). وقوله: في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ اختلف أهل العلم في سبب تسمية ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بليلة القدر.
فقالوا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: ليلة الشرف فمعنى ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). يقال فلان ذو قدر ما معنى أن فلانًا ذو قدر، أي: أن فلانًا ذو شرف وذو مكانة وذو منزلة فسُمِّيَت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بليلة القدر لأنَّها ليلة ذات شرف وذات مكانة. ولذلك هي ليلة مباركة كما وصفها الله سبحانه وتعالى فهي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: ليلة الشرف وجاءت كلمة القدر معرفة، وكأن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ صارت علمًا بالغلبة على هذه الليلة فإذا أطلقت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لم تنصرف إلا إلى هذه الليلة فهناك ليال كثيرة لها شرف ولها مكانة لكننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ انصرفت إلى هذه الليلة التي أنزل الله عز وجل فيها القرآن فقيل لها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لأنَّها ليلة شرف وليلة مكانة لأنَّ الله جل وعلا اصطفاها وجعلها الزمان الذي نزل فيه أول ما نزل من القرآن الكريم ونزل فيها القرآن الكريم جملة واحدة كما سمعتم والمعنى الثاني أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ سُمِّيَت بليلة القدر لأنَّها ليلة التقدير ففي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يقدر الله جل وعلا التقدير الحولي لأنَّ القدر على مراتب كما ذكر أهل العلم.
ومن ذلك التقدير الحولي ففي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ كما قال الله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾9 (الدخان: 4). فقالوا يقدر الله جل وعلا مقادير السنة في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ففي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يقدر ما سيكون في الحول كله من مقادير فمعنى ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، يعني: ليلة التقدير تقدر فيها الأعمال أعمال تُقدَّر فيها الأرزاق وما إلى ذلك مما قدره الله جل وعلا والمعنى الثالث أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قيل لها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لأنَّ مادة قدر تأتي بمعنى الضيق، ومنه قوله، ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ﴾ أي: ومن ضيق عليه رزقه، ومنه قوله يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ أي: ويضيق.
فقالوا: لأنَّ هذه الليلة يكثر فيها نزول الملائكة حتى تضيق السماء بكثرة الملائكة فلكثرة الملائكة في هذه الليلة سُمِّيَت بليلة القدر من كثرة نزول الملائكة. وقد وردت أحاديث عن النبي «صلى الله عليه وسلم»، تدل على كثرة عدد الملائكة الذين ينزلون في هذه الليلة المباركة العظيمة ويمكن أن يُقال: إنَّ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ سُمِّيَت بذلك لهذه الأسباب الثلاثة فهي ليلة الشرف وهي ليلة التقدير وهي الليلة التي يكثر فيها نزول الملائكة بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).
والذي عليه جمهور العلماء أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في شهر رمضان ويشهد لذلك الجمع بين هذه الآية وقوله: سبحانه ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185). فقوله: إنا أنزلناه، الضمير يعود على القرآن كما جاء مصرّحًا به في سورة البقرة وليلة القدر في شهر رمضان بدليل الآية الأخرى إذًا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في شهر رمضان لأنَّ بعض العلماء قالوا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في شهر شعبان ﴿وَقِيلَ﴾ في مواضع أخرى.
وهذه أقوال شاذة والذي عليه جمهور العلماء أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في شهر رمضان ثم أنه مختلف أيضًا هل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ باقية. فقال بعضهم: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ كانت على عهد النبي «صلى الله عليه وسلم» ثم انتهت والذي عليه الأكثرون، أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليلة باقية ثم اختلفوا في وقتها من شهر رمضان والذي عليه الأكثرون أيضًا أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان وأنه يرتجى أن تكون في الأوتار منها وربما كانت شفعية.
لكن الأحاديث تدل على أنها في الأغلب تأتي وترية كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، التمسوها «فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»، وفي بعض الروايات في السبع الأواخر، وفي بعضها في الوتر منها فأرجى الأوقات لليلة القدر أن تكون في الأوتار من العشر الأواخر من شهر رمضان وأرجى الأوتار ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، لكنه لا يلزم أن تكون ليلة السابع والعشرين فقد ورد أنها كانت ليلة الحادي والعشرين وورد أنها كانت ليلة الثالث والعشرين، وورد أنها كانت ليلة الرابع والعشرين إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة في هذا الأمر.
وقد تقدم الحديث عن ذلك في مقامات متعددة في بعض دروس شهر رمضان قال ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). ثم قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2). وما أدراك يقال له: أسلوب تفخيم وما أدراك. فهذا الاستفهام يراد به التفخيم. وقد قال عدد من أهل التفسير ما قال الله فيه ما أدراك فقد أعلمه وما قال فيه وما يدريك لم يعلمه، أي: أن الله جل وعلا إذا قال وما أدراك فإنَّه يفسر بعد ذلك المسؤول عنه وإذا قال وما يدريك لا يأتي بيان هذا المسؤول عنه ويمكن أن يُقال: إنَّ هذا أمر أغلبي لأنَّ له بعض الاستثناءات فتكون هذه الكلية مما لها استثناءات.
وقد تقدم مثل ذلك في قوله ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ﴾10 (عبس: 3). في تفسير سورة عبس هنا قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2). ثم شرح وبين. فقال: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). إذًا بين رب العزة سبحانه فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بعد ذلك وما أدراك فأنت تسأل عن شيء تقول ما أدراك كذا ما أدراك ما كذا تفخيمًا لها فرب العزة قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2). ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2). وهنا صرح مرة أخرى بليلة القدر مع أنَّه ذكرها مصرحًا بها في الآية الأولى فلم يقل ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).
وما أدراك ما هي وما أدراك ما هي كان سيعلم، أن وما هي يعود على ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لكنه صرح بها مرة أخرى. فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2). فأعادها مرة أخرى تعظيمًا لشأنها. فهذا يقال له: من وضع الظاهر في موضع الضمير، يعني: أنه جاء مصرّحًا به مع أنَّه يمكن أن يأتي ضميرًا فصرح به تنويهًا بشأنه وبيانًا لرفعة قدر هذه الليلة ولأنها ليلة يستلذ بذكرها.
فإنَّ الشيء إذا كان رفيع المقام فإنَّك تعيد ذكره مرة بعد المرة تنويهًا بشأنه وتشريفًا لذكره ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2). ثم قال ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). وأيضًا هذا جاء مصرّحًا به في موضع الضمير فلم يقل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2). هي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ أعاد مرة أخرى الاسم ظاهرًا. فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إذًا ما جاءت الآيات هكذا ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). وما أدراك ما هي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ لا قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 2).
﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فكررها مرة ثالثة أيضًا. فقال: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). فجاء ذكر ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ مرة أخرى مصرحًا بها ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). هذه الليلة المباركة ليلة التقدير وليلة الشرف والليلة التي يكثر فيها نزول الملائكة على الأوجه الثلاثة في تفسير القدر كما تقدم خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ والذي عليه كثير من أهل التفسير أن معنى قوله سبحانه ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3).
أن العمل في ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ﴾ العمل في ألف شهر ليس فيها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، يعني: أنك إذا عملت في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. فإنَّ العمل في هذه الليلة خير من العمل في 1000 شهر لا يكون فيه ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وهذا يدل على أن الأعمال تتفاضل بتفاضل الأزمنة حينا. ولذلك هناك فقه من الفقه الكبير وهو فقه التفاضل في الثواب فالأعمال تتفاضل ربما تفاضلت الأعمال باعتبار الزمان، وربما تفاضلت باعتبار المكان كما جاءت الأحاديث عن النبي «صلى الله عليه وسلم» في فضل الصلاة في المسجد الحرام وأنها بمئة ألف صلاة فيما سواه.
فهذا المسجد الحرام الصلاة فيه بمئة ألف صلاة. فهذا من فضل المكان فقد يفضل العمل غيره بفضل الزمان أو بفضل المكان أو بفضل تعدي العمل، ومنفعته للغير أو الاحتياج إليه إلى غير ذلك مما هو معروف في هذا الأمر.. فقال: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ﴾ ولم يقل ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ﴾ العمل في 80 سنة أو في 83 سنة لم يذكر هذا مع أنَّ الألف شهر يمكن أن يحسب بالسنوات والأعوام.
لكن ذكر الألف مشهور في التكثير فالمراد ذكر الكثرة وذكر الكثرة يناسبه ذكر الألف فأنت تقول هذا أكثر من 1000 وتقصد بذلك أنه كثير جدًا. فقال: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). ولم يقل تعدل ألف شهر ﴿أَنَّمَا﴾ قال خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ولم يحدّ لذلك حدًّا. فهذا معناه أنها تربو على العمل في ألف شهر بما يفتح الله جل وعلا ويمن على عباده.
وقد قال كثيرون إن الله سبحانه وبحمده من لطفه وكرمه وإحسانه إلى الأمة المحمدية عوضها عن تقاصر أعمارها بهذه الأعمال المتفاضلة في هذه الأزمنة المباركة. ومنها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ففي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يصل العبد فيها إلى درجات عالية يعوض فيها ما تناقص من عمره أو ما كان من عمره فأعمار أمة الرسول كما جاء في الحديث «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» فالإنسان إذا منَّ الله عليه فأدرك 20 ليلة في 20 سنة من ليالي القدر لأنَّ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لا تتكرر أكثر من مرة في العام كما عليه الجمهور عامة أهل العلم. وبناءً عليه فإذا من الله عليه ب 20 سنة أو ب 30 أو ب 40 فكل ليلة من هذه الليالي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
فهذا من الكرم العظيم والعلم عند الله تبارك وتعالى وإذا كان قد جاء عن النبي «صلى الله عليه وسلم»، خيركم من طال عمره وحسن عمله. فإنَّ طول العمر فيه منقبة، وفيه مضرة لأنَّ الإنسان كلما طال الوقت عليه كان هذا أعون له في أن يستمر على الطاعة، وكان أكثر إقلاقًا له من أن ينكص على عقبيه. ولذلك الإنسان يعيش بين أمرين.
وهذا يتأتى في حق الإنسان في شهر رمضان فالإنسان كلما أشرف رمضان على الانتهاء فهو بين أمرين يريد أن يطول رمضان ليزداد من الطاعة وربما فكر في أن ينتهي رمضان ليكون ما حصله من الخير قد مضى له وأن لا يتحول من الطاعة إلى العصيان. وهذا من تيسير الله جل وعلا لعباده إذا ضُيِّق في الوقت أو وُسِّع.
فإنَّ الإنسان في كل الأحوال يحتسب في هذا ويحتسب في ذاك فإذا ضيق عليه استحضر وإذا وسع عليه استحضر والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). العمل فيها خير من العمل في ألف شهر وأنت إذا استحضرت فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، وما جاء في الأحاديث الواردة عنه تجد أن أكثر ما ورد في فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ورد في قيام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فالنبي «صلى الله عليه وسلم» قال «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وهذا يفسر به إحياء ليالي رمضان وإحياء العشر من أنه «صلى الله عليه وسلم»، كان إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله «صلى الله عليه وسلم»، وشد المئزر وجد صلى الله عليه وآله وسلم فقوله: أحيا ليله، أفضل ما يكون من إحياء الليل في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بقيام الليل هذا هو.
المعنى الأشهر وبعض العلماء وسع الدائرة. فقال: في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يستحب للإنسان أن يكثر من سائر الأعمال الصالحة حتى يتم له بذلك المشاركة في صنوف أبواب الخير فتكون هذه الأعمال أفضل من أعمالها أو من العمل بها في الأوقات الأخرى التي ليس فيها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فبعضهم حينئذ يحاول في ليالي رمضان أو في ليالي العشر أن يتصدق بصدقة وأن يزور مريضًا وأن يصل رحمه وأن يفعل أبوابًا كثيرة من الخير ليحصل تلك الأبواب.
وإلى هذا ذهب فريق ولعل الأقرب والعلم عند الله أن المراد في إحياء ليالي العشر. ومنها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أن يكون بقيام الليل وما كان من مقتضيات قيام الليل ويدخل في ذلك قراءة القرآن والدعاء والذكر ولزوم المسجد. فهذا أولى ما يكون في ليالي العشر. ولذلك إذا قال قائل هل الأولى في حقي في ليالي العشر أن أعتكف في المسجد وأن أصلي وأقرأ القرآن أم أن أخرج من أجل عيادة المرضى، ومن أجل الصدقات أقول الأول أرجح وأولى لأنه فعل رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، إذ كان يعتكف في العشر الأواخر من شهر رمضان.
فهذا أقرب، والعلم عند الله. وأما النهار فواسع فبإمكانه، أن يفعل ما تيسر له من الطاعات والعلم عند الله تبارك وتعالى على أن الصلاة لا يربو عليها عمل من الأعمال فالصلاة خير موضوع، وفي الصلاة الذكر، وفي الصلاة الدعاء، وفي الصلاة الاستغفار، وفي الصلاة الانكسار والخضوع للملك القدير سبحانه جل وعلا قال ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3).
ومن المعلوم أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ تكون خفية على قول الأكثرين من أهل العلم فالنبي «صلى الله عليه وسلم» حين تلاحى رجلان كما في الصحيحين قال خرجت لأخبركم بها ثم أُنسيتها وعسى أن يكون خيرًا فبعد أن خرج الرسول ليخبرهم بتوقيتها انسي «صلى الله عليه وسلم»، وقت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال وعسى أن يكون خيرًا قالوا، ومن حكم إخفاء ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أن يجتهد الناس فالشيء إذا كان معلنًا ومعلومًا ربما وقع شيء من القصور والتكاسل. وأما إذا كان هناك إخفاء لليلة ففي كل ليلة من العشر يلتمس كثير من الناس إصابة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لعل الله سبحانه وتعالى يصيبهم برحماتها وفضائلها كما لا يخفى عليكم.
ولذلك ورد «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ» رضي الله عنه من يقم الحول يصب ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، يعني: الإنسان الذي يقوم العام له سيصيب ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إنسان له نصيب من قيام الليل في كل العام هذا سيكون له نصيب من ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وكذلك من قام شهر رمضان كله سيكون له نصيب من ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ثم بعد ذلك يكون الفتح بما يفتح الله جل وعلا ويمن، ولا يمنع من ذلك، أن يزداد الإنسان من العبادة والطاعة أو من الصلاة في الليالي العشر وأن يخصها بمزيد من الاجتهاد.
فهذا صنيع رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ولا حرج فيه ألبتة. بل كان هذا من هديه «صلى الله عليه وسلم»، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة قال الله تنزل الملائكة والروح فيها ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4). تنزل الملائكة هذا من فضائل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أن الملائكة تتنزل. والمراد بالتنزل هنا تنزل الملائكة بالرحمات وبالدعوات لعباد الله الصالحين تنزل الملائكة والروح فيها والروح على قول الجمهور هو جبريل عليه السلام ويكون هذا من قبيل عطف الخاص بعد العام فجبريل من الملائكة.
لكن خص بالذكر بعد الملائكة من باب ماذا من باب عطف الخاص على العام تنويهًا بشأنه، ومن أمثلته في القرآن الكريم ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾11 (الرحمن: 68). والرمان من الفاكهة. فهذا يقال له: من قبيل عطف الخاص على العام تنويهًا بشأن هذا الخاص ولعله من حكم وصف جبريل بأنه الروح لأنه نزل بالروح فجبريل نزل بالوحي والوحي روح يحيي الله جل وعلا به القلوب ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾12 (الشورى: 52).
﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ﴾، ولا الإيمان تَنَزَّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ﴿وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ فنزول الملائكة بإذن ربهم المنعم على عباده لذلك قال بإذن ربهم الرب المربي المنعم المتفضل سبحانه جل وعلا على عباده بإذن ربهم. ولذلك لما طلب النبي «صلى الله عليه وسلم» من جبريل عليه السلام كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له. وقال لجبريل ما يمنعك، أن تزورنا أكثر مما تزورنا فأنزل الله قوله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾13 (مريم: 64).
﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4). فهي تتنزل من كل أمر أي: من كل أمر قدره الله. ولذلك كما تقدم قيل أنه في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ كما قال الله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (الدخان: 4) فيُفصَّل التقدير العام أو التقدير الحولي في هذه الليلة وبعضهم جعل من بمعنى التعليل أي: تَنَزَّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ﴿وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن﴾ أجل كل أمر أي: من أجل كل أمر قدره الله سبحانه وتعالى وبعضهم جعلها متعلقة بالآية بعدها أي: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَـٰمٌ﴾، فالله جعل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ سلامًا من كل أمر أي: من كل أمر مؤذ.
وهذا القول ضعيف لأنَّ الأقرب أن قوله من كل أمر يتعلق بما قبله لا بما بعده وقوله: ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ (القدر: 5). جملة مستقلة قال ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4). ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ (القدر: 5). سلام هي أصل الجملة هي سلام هي سلام، هذه أصل الجملة أو هذا أصل الجملة هي سلام. لكن الله قال: سلام هي، فهي المبتدأ وسلام الخبر وعلماء البلاغة يقولون تقدم ما حقه التأخير يفيد الحصر ففرق بين، أن تقول هي سلام هي سلام.
وقد تكون غير سلام. لكن حينما قال سلام هي أفادت معنى الحصر والقصر: ما هي إلا سلام هذا اسمه أسلوب الحصر لتقديم ما حقه التأخير كقوله سبحانه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فرق بين، أن تقول نعبدك ونستعينك فأنت تقول نعبدك. لكن هل تعبد غير الله هل تستعين بغير الله أنت ما أفاد كلامك معنى الحصر. لكن حينما تقول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يعني: لا نعبد إلا الله وإياك نستعين، يعني: لا نستعين إلا بالله كذلك معنى قوله سلام هي، يعني: ما هي إلا سلام هي ليلة سلام ليلة تسليم ليلة سلامة من الأذى، ومن الإضرار.
فإنْ قال قائل: قد يقع في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ بعض المصائب، فقد يُبتلى بعض الناس في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فيقال هذه من الابتلاءات الداخلة في قوله من كل أمر ولكن هي سلام، يعني: الملائكة تنزل بالسلام أو ما هي إلا لأهل الإيمان لأنَّ ابتلاءات الدنيا في حقيقة الأمر للمؤمنين لا تنافي السلامة فالمؤمن وإن ابتُلي فهو في سلامة لأنَّ الابتلاء يسلمه الله به من العذاب سلام هي من حيث هي، وإن وقع شيء لآخر أو لرجل أو لإنسان.
فهذا لتعلقه به ومن حيث سلامتها فهي سلامة عامة والله أعلم قال ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ (القدر: 5). لم يقل لنا بداية ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر لنا وقت النهاية لأنَّ الليل يدخل مع المغرب فبداية ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ مع غروب الشمس. ولذلك من صلى المغرب وصلى العشاء في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قالوا فله نصيب فله نصيب من ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فله نصيب من ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وبعضهم استدل بما جاء عن النبي «صلى الله عليه وسلم»، كما عند البخاري من صلى العشاء في جماعة من صلى العشاء في جماعة فكأنَّما قام نصف الليل فصلاة العشاء جماعة كأن صاحبها يحظى بنصيب من قيام الليل.
فقالوا من صلى صلاة العشاء أو صلى صلاة المغرب من ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فله نصيب فإذا تطوع بما يسَّر الله له كان خيرًا إلى خير. لكن الآية أفادتنا معنًى زائدًا وهو قوله سبحانه حتى مطلع الفجر قالوا وما جاء بعد حتى يدخل فيها. فقالوا معنى قوله حتى مطلع الفجر أي: حتى طلوع الفجر فذهب كثير من أهل العلم إلى أن صلاة الفجر من ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ تدخل أيضًا في فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فليلة القدر لا تنقطع إلى الفجر وإنَّما يدخل معها صلاة الفجر إلى هذا ذهب فريقٌ كبير من أهل العلم والعلم عند الله تبارك وتعالى.
يا أيها الإخوة الكرام، هذه سورة جليلة تدلنا على فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وأنت إذا نظرت إلى أول آية في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ تجدها ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ (القدر: 1). فالله جل وعلا لتعظيم القرآن وتشريف القرآن أنزله في هذه الليلة المباركة ليدلك هذا على عظمة القرآن، وعلى جلال القرآن وفضل المتمسك بالقرآن. جعلنا الله من أهل القرآن العاملين به بمنه وكرمه ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 1 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 2 ↩
- آية: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 3 ↩
- آية: ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 4 ↩
- آية: ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 5 ↩
- آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 1-2 ↩
- آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
- آية: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 4 ↩
- آية: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 3 ↩
- آية: ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 68 ↩
- آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 52 ↩
- آية: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 64 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)