مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النحل — الجزء 5

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 336 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101)

هذه الآية فيها دليل على ثبوت النّسخ، وأنّ النّسخ واقعٌ في الشّريعة، ولا حرج في ذلك ولا ضير؛ وإن كانت أمثلة النّسخ قليلة؛ وليست كثيرة كما ذهب بعضهم؛بل إنّ الّذي تحرّر في آيات النّسخ أنّها آيات يسيرة جدّاً، وتفصيل ذلك في علوم القرآن كما هو معلوم.

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) هذه جملة معترضة لأنّ جواب إذا ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101) فأصل الكلام : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ﴾ قالوا إنّما أنت مفتر؛ لكن جاءت في الوسط جملة معترضة ما معنى جملة معترضة؟ يعني : اعترضت الكلام هنا (إذا بدّلنا ) فعل الشّرط جواب الشّرط ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ﴾ (النحل: 101) بين الفعل وجوابه أو الشّرط وجوابه يأتي كلام فيقال له (جملة معترضة ) وهذه الجملة المعترضة؛ ليس المراد بها أنّها بعيدة عن الكلام؛ وإنّما لها موقعٌ خاصّ ودلالة خاصّة كما تقدّم معنا في قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) [سورة النحل:57] فقلنا هناك إنّها معترضة هنا قال ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) ليقطع عليهم الشّبهة، لماذا يعترضون على الرّسول؟ فقبل أن تقولوا ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (النحل: 58) أما تأمّلتم أنّ الّذي أنزل أولاً وأنّ الّذي أنزل آخراً وأنّ الّذي بدّل آية مكان آية هو الله فالكلام كلامي والقول والآيات من عندي ففيما الاعتراض فقوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) يعني : لا وجه أولاً لأنّ الله أعلم بما يُنزِّل فهو أعلم بما يصلح حال العباد، وبما قال في الآية الأولى، وبما قال ونسخ في الآية الثّانية فهو يعلم كلّ شيء .

﴿قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ﴾ (النحل: 101) فإذا وقفنا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (مفتر) وأصل الكلام (مفتر) يعني كاذب تدّعي زورًا وتختلق على الله ومعاذ الله فالرّسول ‰ ما تقوّل على الله، ولا قال كذباً قال الله سبحانه ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (النحل: 60) والحقيقة أنّ النّسخ لا إشكال فيه، وتقدّم في بعض المناسبات أنّ النّسخ راجع إلى المصالح فربّ العزّة سبحانه ينسخ هذا الحكم بغيره أو هذه الآية بغيرها؛ لأنه عليم بما يصلح أمر العباد فقدّر هذا ابتداء، وقدّر هذا على سبيل الدّوام، وضربنا لذلك مثالًا بالطّبيب الّذي يذهب إليه المريض فيصف له الدّواء ثمّ يقول له (عأودني بعد أسبوعين مثلاً فيعاوده المريض وقد تحسنت حالته فيقول له كيف أنت؟ فيقول أفضل بكثير والحمد لله فيغيّر له بعض أنواع الأدوية أو الدّواء فيغيّر بعض الأصناف، وربّما قلّل النّسبة وما أشبه ذلك، ولا يدّعي أحد أنّ الطّبيب كان جاهلًا بما كتب أو بما سيكتب أو بما يكتب؛ وإنّما يقال هذا لعلمه بما يصلحه في هذه الحال في حالة مرضه، وفي حالة تحسن حالته والعلم عند الله فالله ß يخاطب العباد بما يناسبهم ويصلح شؤونهم فهناك تدرّجٌ في التّشريع، وهناك ما يكون مناسبًا لهم؛ ثمّ بعد ذلك ينسخه الله ثمّ هناك باب الابتلاء إلى غير ذلك من حكمٍ ومقاصد النّسخ.

﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) ما معنى ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) هنا؟ قال بعضهم : أي كلّهم لا يعلمون، فالأكثر بـ معنى : الكلّ أو المراد أكثرهم على بابها فيقول بعضهم إذًا ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (النحل: 60) إذاً وغيرهم غير الأكثريّة هل يعلمون؟ يقال نعم يعلمون لكنّهم لا يتّبعون لِمَ؟ تلبيسًا.

يعني : هم يقولون ذلك على سبيل التلبيس هم يعلمون أنّ هذا ليس افتراء، ويعلمون أنّه من عند الله لكن مع ذلك من باب التّلبيس يزعمون أنّ الرّسول ‰ قد افترى على الله قال الله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ (النحل: 62)

﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رسول الله نزّل هذا - وهذه الآيات - روح القدس ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) فهذه الآية من تتمّة الرّدّ عليهم؛ إذًا عندنا ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64) فالرّدّ أنّ الله أعلم بما ينزل وأنّ الله هو الّذي أنزل ذلك عن طريق جبريل، والمراد بروح القدس جبريل عليه السلام وقد قال ابن عطيّة ولا خلاف في ذلك، فالمراد (بروح القدس) جبريل، (وروحٌ مقدّسة ) : مطهّرة ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾ (النحل: 102) وتأمّل التّعبير القرآنيّ وقال له ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ : فالمتوقّع أن يقول : ﴿نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن﴾ ربّي، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ : ﴿نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن﴾ ربّي لكن قال ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾ (النحل: 102) بقي على أسلوب الخطّاب لم يتحوّل الكلام؛ فالأصل أن يقول : ﴿نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن﴾ ربّي لكن يقول ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66) أيضًا تنويهًا بشأن النبي ﷺ، وليضيفه إليه فقال له ﴿وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (النحل: 65) على سبيل المخاطبة تلطّفًا به وتكرّماً؛ وكأنّه يقول : وإن أعرضوا عنك فلا تلتفت فيكفيك أنّ الله سبحانه يشهد لك بأنّه ربّك ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الإسراء: 105) فالقرآن نزل بالحقّ كما قال الله ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الإسراء: 105) [سورة الإسراء:105]. ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الإسراء: 105) فالمؤمنون يثبتون ولا يضرّهم ما في القرآن من آيات منسوخة ﴿لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) نعم

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

العمل الصّالح المقرون بالإيمان يجعل الحياة طيّبة : ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: 68)

الطّريق إلى السّلامة من شرّ الشّيطان والالتجاء إلى الله والاستعاذة به من شرّه : قال الله ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 200) وقال أيضًا سبحانه ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 200) [سورة الأعراف:200].

على المؤمنين أن يجعلوا القرآن أمامهم فيطلبوه ويتخلّق بأخلاقه ويستضيئ بنوره فبذلك تستقيم أمورهم الدّينيّة والدّنيويّة : ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 200) وهو من أعظم الأعمال الصّالحة الّتي يرشد إليها المسلم وعليه أن يتربّى عليه.

نسخ الأحكام واقعٌ في القرآن زمن الوحي لحكمة، وهي مراعاة المصالح والحوادث وتبدّل الأحوال البشريّة : قال الله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101)

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 69)

﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (النحل: 70) نحن نعلم يا رسول الله أنّهم يزعمون، ويدّعون زورًا وكذبًا أنّ بشرًا يعلمك هذا القرآن، وإنّك تردّد ما علمك إياه، وأنّ هذا القرآن ليس من عند الله هكذا يزعمون وهذا باطل من القول وزور.

وتأمّل قوله ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (النحل: 70) دون أن يقول (ولقد علمنا) إنّما ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (النحل: 71) للدّلالة على وأيضا قال ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (النحل: 72) للدّلالة على أنّ هذا القول متكرّر منهم، فهم يدّعون هذا.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (النحل: 73) أي : إنسان، وقد زعم بعضهم أنّ النبي ﷺ قد علّمه (نجّارٌ روميّ) أو (حدّاد روميّ) فواعجباً لهم هذا القرآن الّذي أعجز العرب بفصاحته وبيانه.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (النحل: 73) ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ لا يدرك فصاحة العرب، ولا بيان العرب؛ فلماذا عجزوا عن الإتيان بمثله؟ بل عن الإتيان بسورة من مثله ﴿فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 74)

والعجيب لو كان هذا البشر هو الّذي علّم الرّسول ‰ فلماذا لا يفتخر بنفسه؟ ويقول يا محمد أسكت - انسب العلم إليّ أنا معلّمك -، وأنا الّذي أرشدتك إلى هذا، إنّ كلّ واحد في مثل هذا المقام يفتخر بأنّ له تلميذًا كمحمّد أو بأنّه الّذي علّمه لو كان كذلك لكن أين هو؟ أين هذا المعلّم؟ لماذا لم يزعم ويدّعي لنفسه هذا؟

قال ﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 75) أي : لغة من يزعمون أنّه يعلّمه ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) فأنّى لهذا الأعجمي أن يعلم الرّسول ‘ ليأتي بهذا، ومن حكمة الله سبحانه أن جعل الرّسول ‰ أمّيّاً لا يقرأ ولا يكتب، ولذلك قال ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48) [سورة العنكبوت:48] والرّسول ‰ قد عرفه أهله وقومه وعرفوا أنّه ‘ لم يدّعي ذلك قبل النّبوّة فهل فجأة في لحظة يدّعي أنّه يوحى إليه، ويسترسل في بيان ما أوحي إليه، ويتلو تلك الآيات، أين المجالس الّتي كان يجلسها؟ وأين التّعلّم الّذي كان يتعلّمه؟ وأين الحوارات السّابقة له قبل النّبوّة؟ وأين؟ أين شيء من ذلك؟ أين هذا الّذي يدّعون.

ثمّ قال ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النحل: 77) الآفة : أنّهم لا يؤمنون بآيات الله - لا يرغبون في الإيمان - فمثل هؤلاء ماذا ينتظر منهم؟ يريدون أن يجدوا لأنفسهم مخرجًا فالمخرج هو الطّعن فيك ولذلك قال الله ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: 33) [سورة الأنعام:33] جحودهم بآيات الله هو الّذي جعلهم يقولون فيك ما قالوا وإلّا فإنّهم لا يخفى عليهم أنّك الصّادق الأمين، وإنّك صلوات الله وتسليماته عليه لم يكن ليكذب، من كان يذر الكذب ويتركه في كلامه مع النّاس هل سيذهب ويكذب على الله ؟

﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78) ما معنى لا يهديهم الله؟ يعني : لا يوفّقهم لذلك قالوا هنا في المختصر (لا يوفّقهم الله للهدأية ما داموا مصرين على ذلك) إذًا إذا سأل سائل وقال ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) كيف والله يهدي جميع النّاس ويبيّن لهم الطّريق؟

يقال الهداية المنفيّة : هنا هداية التّوفيق؛ فإنْ قال قائل وهناك من لم يكن مؤمنًا بآيات الله ثمّ آمن فكيف هذا؟ فيقال ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 79) ما داموا مصرّين على ذلك، فهذا في شأن المصرّ قال الله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ (النحل: 80)

﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81)

﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 82) هؤلاء هم الّذين يفترون الكذب؛ فهذا في بيان حال أولئك الّذين قالوا للرّسول﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (النحل: 58) ما السّبب؟ لأنّهم لا يؤمنون بآيات الله، وهؤلاء غير موفقين فلا تلتفت إلى إجابتهم غير الموفقة فغير موفّقٍ صدرت عنه إجابة غير موفّقة ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (النحل: 81) المستمرون على الكذب هذه عادتهم الّتي اعتادوا عليها؛ فليس بغريب عنهم ولا عليهم أن يصدر عنهم الكذب فهذا دأبهم وهذا ديدنهم.

﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (النحل: 83)

﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النحل: 84) تحذيرٌ من الرّدّة - من الارتداد عن الدّين - يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن حافظ على إيمانك فقد أنعم الله عليك بنعمة الإيمان؛ فاشكر الله عليها ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النحل: 84) لكن هناك استثناء وهو استثناء المكره؛ لأنّ المكره قد أجبر على هذا؛ فلا يؤاخذ في حالة إكراهه وإجباره، والرّبّ لطيف عفو رؤوف رحيم.

﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ (النحل: 85) أي : أكره على الارتداد على النّطق بكلمة الكفر شريطة أن يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان، ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 86) أي : موقنٌ بالإيمان - موقن بحقيقة الإيمان - فقلبه منعقد ومقرّ بأنّه لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله ‘ وقد نزلت هذه الآية كما جاء في بعض الرّوايات في حقّ عمّار ابن ياسر ƒ فعمّار حينما أوذي وأكره على أن ينطق كلمة الكفر فنطق بها وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، وجاء إلى الرّسول ‰ وأخبره، وأنّه لمّا سأل عن حاله ((قال عمار : بشرٍ، يكره الّذي صنع)) فأخبر الرّسول ‘ بما وقع من الكفّار معه، وما اضطرّ إليه فقال : (كيف تجد قلبك؟ فقال : أجدني مطمئن الإيمان، فقال له : إن عادوا فعد) وقد صحّح إسناده بعض العلماء كالحافظ ابن كثير ¬.

قال ﴿وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 87)

بعض العلماء يجعل أنّ الخبر لقوله ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النحل: 84) ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) دلّ عليه قوله ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89) فيكون هناك تقدير، ومنهم من جعل قوله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) هو الخبر.

قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) ولكن من كان منفسح الصّدر بالكفر فاختاره على الإيمان وتكلّم به طائعاً فهذا مرتدٌّ عن الإسلام، إذًا النّطق بكلمة الكفر رخصة يتعامل بها في مواضعها في حقّ المكره؛ وأمّا غير المكره فلا ينطق بكلمة الكفر؛ فلا ينطق بكلمة الكفر؛ لأنّه إذا نطق بكلمة الكفر فهذا خروجٌ منه عن دينه والأصل ألّا يطعن الإنسان في دينه ﴿وَلَآ أَن﴾ يسبّ دينه؛ فإنّ سبّ الدين خروج من هذا الدّين نسأل الله السّلامة.

يستثنى من ذلك من ذكره الله هنا ﴿وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (النحل: 87) نسأل الله السّلامة، وإذا كان الإكراه على كلمة الكفر يرخص النّطق بكلمة الكفر فالنّطق بما دونها أيسر وأسهل في التّرخّص؛ إذا كان الإكراه يرخّص للمرء أن ينطق بكلمة الكفر فإذا حمل على أن يقول كلمة أخرى دون الكفر فهذا أيضًا يرخّص فيه. وبعض العلماء قال : من قدر على الصّبر وصبر وامتنع فهذا خير وأفضل؛ فهذا أفضل وخيرٌ في أن يثبت على ما هو عليه؛ ولو ابتلي في ذلك، ولو قتل صبرًا على ما هو عليه فكان هذا أفضل، قال الله سبحانه ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91)، وهذا فيه أيضًا -والعلم عند الله- أنّ للنّفس قدرًا عند النّاس الّذي خلق النّفوس فنفسك الّتي بين جنبيك تحافظ عليها، ويترخّص في النّطق بكلمة الكفر؛ وربّما كان طعنًا في ذات الله سبحانه، وفي حقّ الله وجنابه يترخّص في ذلك من أجل الحفّاظ على نفسك من أجل إلّا تقتل؛ فانظر رحمك الله كيف أنّ الله رخّص لك في أن تطعن فيه، وأنت مكره من أجل أن تحافظ على نفسك فالله في تعظيم محارم الله وفي تعظيم حدود الله ، ولذلك من الضّروريّات الخمس أو السّتّ كما يقول العلماء الحفاظ على النّفوس وأيضا حفظ الدّين.

قال الله ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92)

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) وذلك الارتداد الّذي وقع منهم - ذلك الارتداد عن الإسلام - الّذي يوجب الغضب والمقت من الله بسبب أنّه استحبّ الحياة الدّنيا على الآخرة ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) أي : على الكفر.

﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95)

﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 96) فلم يستفيدوا منها مع أنّها نعمٌ أنعم الله بها عليهم ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97).

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98)

﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) أي : حقًّا ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 100)

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101)

﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) هذا إخبارٌ عن أمر آخر؛ لذلك جاء بـ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) فهنا للتّراخي في الرّتبة لحديث آخر ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) ما معنى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ (النحل: 57) أي : من بعد ما عذّبهم المشركون، وامتحنوهم في دينهم. فالمراد بالفتنة هنا : الامتحان والتّعذيب ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 104) ما عذّبوا وامتحنوا في دينهم، أو حملوا على النّطق بكلمة الكفر فتكون هذه الآية مناسبة للآية الّتي فيها ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91)

فمن الفتنة : أنّهم حملوهم على أن يقولوا كلمة الكفر إجبارًا لهم وإكراهًا فهاجروا بعد ذلك وخلّي سبيلهم ﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 59) ﴿مِنۢ بَعْدِهَا﴾ (النحل: 110) : من بعد هذه الفتنة ومن هذا التّعذيب، ومن بعد هذا الامتحان ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 105) وهناك القراءة الأخرى وهي متواترة ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فتكون الآية الكريمة للدّلالة على سعة رحمة الله والمعنى ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أنفسهم أو فتنوا غيرهم لكنّهم تابوا ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106) من بعد الفتنة الّتي فتنوها لأنفسهم أو لغيرهم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ (البروج: 10) وربّي يفتح الأبواب لمن تاب إليه كما قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ﴾ (البروج: 10) [سورة البروج:10].

قال الشيخ حفظه الله

نعم من فوائد الآيات

التّرخيص للمكره بالنّطق بالكفر ظاهرًا مع اطمئنان القلب بالإيمان : قال الله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 107) وقد استدلّ كثير من الأئمّة بذلك على أنّ قول المكره (لاغ) فمن قال كلمة وهو مكره ألغيت عليه ولم يثبت حكمها، ومن ذلك الإكراه على الطّلاق مثلًا، وما أشبه ذلك، وبعضهم الحق بذلك الأفعال فقالوا : أفعال المكره أيضًا لاغية ومنهم من فرّق بين الأقوال والأفعال، ومحلّ ذلك في دراسة الأصول والفقه حينما يدرس علماء الأصول ما يتعلّق بالأهليّة وموانعها.

المرتدّون استوجبوا غضب الله وعذابه لأنهم ﴿ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ وحرموا من هداية الله ﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ وسمعهم وأبصارهم وجعلوا من الغافلين عمّا يراد به من العذاب الشّديد يوم القيامة : ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95) ومن غفلتهم عن الآخرة غفلتهم عن العذاب، وغفلتهم عمّا سيلحقهم نسأل الله السّلامة.

كتب الله المغفرة والرّحمة للّذين آمنوا وهاجروا ﴿مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟﴾ وصبروا على الجهاد : قال الله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101).

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (النحل: 108) اذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول الكريم ﴿فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 74) وهذا يوم القيامة، هذه المجادلة تكون يوم القيامة ﴿فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 74) وتأمّل قوله ﴿فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 74) فالنّفس تجادل عن النّفس ذاتها؛ وكأنّ المراد بالنّفس : الإنسان يجادل عن نفسه لذلك قالوا هنا في المختصر (يوم يأتي كلّ إنسان يحاجّ عن نفسه) فالمعنى يأتي كلّ إنسان يحاجّ عن ذاته يدافع عن نفسه.

﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (النحل: 109) في شدّة هذا الموقف ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 110) ولذلك الجزاء في الآخرة هو الجزاء الأوفى، والجزاء التّامّ، والإنسان إن جوزي في الدّنيا، وفي الآخرة لذلك عبّر عنه بالجزاء الأوفى وجاء ﴿۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: 111) وكما قال الله ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112) فهذا من أسرار التّعبير بقوله ﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 75) والأصل : توفّى كلّ نفس جزاء ما عملت؛ فالإنسان فجزاء ما عمل فلذلك ﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 75) عبّر بالعمل والمراد به المسبّب عن العمل، وهو الجزاء، وهذا فيه إشارة إلى أنّ الجزاء مواز للعمل وكأنّ الجزاء هو العمل - لا تغيير فيه ولا تبديل - وهذا من الأدلة الواضحة الجليّة على القاعدة الشّهيرة أنّ الجزاء من جنس العمل ولذلك قالوا من جنس العمل ليس من عين العمل؛ لا يجازى بالعمل نفسه؛ إنّما بجزائه لكن مع ذلك عبّر بالجزاء وكأنّه العمل للدّلالة على تمام عدله ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (النحل: 113) وذلك كمال عدله.

ثمّ قال ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل: 114)

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 115) ما المراد بهذه القرية؟ الجمهور : على أنّ المراد (بالقرية ) : مكّة قالوا يشهد لذلك الأوصاف الّتي ذكرها الله، وهي أوصاف تنطبق على أهل مكّة، والرّسول المرسل إليهم هو نبيّنا ‘، وقد عزى ابن الجوزيّ هذا القول إلى الجمهور؛ فالجمهور يقول أنّهم : أهل مكّة وهو ما اعتمدوه هنا إذ قالوا ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 115) وهي مكّة.

2-وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ هذا ضَرْبُ مثلٍ؛ وليس المراد به مكّة؛ لأنّه ضرب مثل (لمكّة ) بمعنى ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116) يضرب الله المثل ليعتبر أهل مكّة؛ فإذًا القرية تكون غير هؤلاء، ولا مانع أن يراد بها مكّة فيضرب الله المثل بحالهم يقول لهم : انظروا إلى أنفسكم، وإلى ما جرى لكم ووقع ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 115) وأصل الكلام : وضرب الله قرية مثلاً؛ فالقرية المفعول الأول؛ لكنّه أخّر للتّشويق إليه ﴿مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 117) فحينئذ تترقّب النّفس ما هذا المثل المضروب؟ ومن جهة أخرى ليتعلّق بها ما بعد ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 118) وهذا وصفٌ للقرية لا للمثل فهذا من أسباب تأخّر كلمة قرية ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 119) وصفها الله بأنّها ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 119) هي آمنة وهذا الموقع العظيم الّذي كانت عليه ولا تزال موجودٌ - المسجد الحرام - ﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ (قريش: 4) قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ (قريش: 4) كما قال أيضًا الّذي ﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ (قريش: 4) [سورة قريش:4]

﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ (قريش: 4) من معاني مطمئنّة :

1-لا تنزعج -غير منزعجة - ولذلك قالوا هنا في المختصر (آمنة لا يخاف أهلها مستقرّة ).

ومن معاني الاطمئنان : الاستقرار فهم في حالة استقرار.

﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120)أي : هنيئًا سهلًا من كلّ مكان، والنّاس يأتون إلى هذا البلد المبارك من كلّ حدب وصوبٍ كما قال الله ﴿وَقَالُوٓا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: 57) ولذلك قال الله أيضًا ﴿وَقَالُوٓا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: 57) [سورة القصص:57].

قال ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 121) هؤلاء الّذين رزقهم الله الأمن والاستقرار، والرزق الوفير الحسن الرّغد ما الّذي كان ينتظر منهم؟ المنتظر منهم أن يشكروا نعمة الله، وأن يؤمنوا بالله وبرسوله ‘ لكنّهم كفروا بأنعم الله فهذه الآية الكريمة لمن كفر بنعمة الله، وجحد آيات الله وكما تقدّم يا أيها الإخوة الكرام فسورة النّحل سورة النّعم تتحدّث عن نعم الله سبحانه وعنّ حال النّاس مع هذه النّعم فهذا مثلٌ لتلك القرية الكافرة الّتي جحدت بآيات الله وكفرت بأنعم الله، وتأمّل قوله ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النحل: 122) و(أنعم) على وزن (أفعل) وهو من جموع القلّة فلم يقل : فكفرت بنعم الله؛ فإذا كانت هذه القرية كفرت بأنعم الله ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 123) فعبّر عن ذلك بنعم قليلة فإذا كان جزاء كفر بنعم قليلة أن يذيقه ﴿ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ﴾ فكيف بمن يكفر بالنّعم الكثيرة فمن معاني ذلك أنّ الكفر بنعمة الله - ولو قلّت - سبب في الهلاك؛ مع أّنّ نعم الله لا تعدّ ولا تحصى بل إنّه على التّحقيق : ما من نعمة ينعم بها عليك إلّا وفي داخل النّعمة نعم، ولعلّ هذا من أسرار قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 124) فالنّعمة الّتي يظنّها الإنسان نعمة واحدة هي على التّحقيق نعمٌ كثيرة يعلم الإنسان بعضها، ويخفى عليه بعضها؛ وربّما ظهر له شيء من ذلك بعد حين ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125) ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ (النحل: 126) أي : بسبب الكفر فهذا لبيان السّبب ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ (النحل: 126) أي : بسبب الكفر ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل: 127) فأمّا القول ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128) وكأنّ : الجوع لباسٌ يلبس؛ وكأنّ الخوف لباس يلبس بعد أن كانوا في طعام، وفي رزق وفير، وفي آمن وأمان تبدّل الحال {ﱧ ﱨ ﱩ} أيضًا جاءت الباء السّببيّة بسبب صنعهم.

{ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ} الجمهور : على أنّ المراد بالرّسول محمّد ‘ وعلى أنّ المراد بالقرية مكّة، وهو قول الجمهور كما تقدّم ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 115) لما ضرب الله لنا هذا المثل لنتّعظ فنأكل الحلال الطّيب، ونشكر نعمة الله، والنّبيّ ‘ حينما دعا عليهم على أهل مكّة بأن يسلّط الله عليهم الجدب، وأن يجعلها عليهم سنين كسنّي يوسف فابتلوا بالجوع وأصيبوا بالقحط والجدب، حتّى صاروا يأكلون العظام ويأكلون الميتة، وصار أحدهم من شدّة ما يرى ما بينه وبين السّماء على هيئة الدّخان من شدّة ما هم فيه حتّى ناشدوا رسول الله ‘ وناشدوه الرّحم أن يدعو الله بتفريج الكربة عنهم.

قال الله {ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ} أذكّر أنّ من مقاصد السّورة العظيمة التّذكير بنعمة الله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) إن كنتم تعبدونه حقًّا لا تشركون به .

ثمّ قال ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) المراد بذلك : أنّ الحلال كثير؛ فالحلال كثير، والمحرّم قليل، ولذلك جاء حصر الحرام ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ (المؤمنون: 66) كذا وكذا لأنّ القليل يمكن حصره؛ وأمّا الكثير فلا انحصار له فلمّا كان الحلال كثيرًا ترك؛ وأمّا الحرام فلأنّه محدود بيّنه الله سبحانه على سبيل التّفصيل {ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎﲏ} والمراد (بالميتة ) : ما مات دون ذكاة شرعية كما هو معلوم.

قال { ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎﲏ} قالوا هنا في المختصر في التّفسير (وما ذبحه قربانًا لغير الله)، وعبّر عنه بقوله { ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎﲏ} لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند الذّبح، وهم يدعون ويتقرّبون بهذه الذّبائح للأصنام فيرفعون أصواتهم بأنّها مذبوحة على اسم (اللّات أو العزّى) أو ما أشبه ذلك.

{ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ} يعني : أنّه يجوز أكل الميتة، وأكل ما حرّم عند الضّرورة؛ فالضّرورات تبيح المحظورات، والضّرورات تقدّر بقدرها { ﲐ ﲑ } ما معنى ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161) قالوا هنا في المختصر (فمن ألجأته الضّرورة إلى أكل المذكورات فأكل منها غير راغب في المحرّم لذاته) إذًا ما معنى { ﲒ ﲓ }؟ يعني : (غير راغب في الحرام لذاته)؛ فالمعنى أنّه لا يرغب في الحرام من أجل الحرام، لا يرغب في الميتة من أجلها؛ إنّما هو يأكلها، وغير راغب فيها؛ إنّما ألجأته إلى ذلك؛ هذا معنى : { ﲒ ﲓ } أي : غير طالبٍ للحرام، ولا طالبٍ للتّلذّذ بأكله.

{ ﲔ ﲕ} قالوا في المختصر (ولا متجأوزٍ لحدّ الحاجة ) إذًا ما معنى { ﲔ ﲕ}

1-يعني : لا يتجاوز ما يحتاج إليه.

2-وبعضهم قال : ما يسدّ الرمق.

3- وبعضهم قال { ﲔ ﲕ} يعني : يتجاوز غيره من الحلال إلى الحرام فالمعنى { ﲔ ﲕ} يعني : لم يلجأ إلى الحرام مع وجود الحلال؛ وإنّما لجأ إلى الحرام لعدم وجود غيره من الحلال.

وبعضهم : جعل { ﲒ ﲓ } أي : غير باغ على الإمام { ﲔ ﲕ} على الأمة بقطع طريقٍ.

والأول أشهر وهو قول الجمهور وهو أعمّ؛ فالمراد بـ { ﲒ ﲓ } أي : بطلب الحرام تلذّذًا { ﲔ ﲕ} أي : بتجاوز ما يضطرّ إليه /أو بتجاوز الحدّ بأن لا يأكل إلا ما يحتاج إليه. {ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ}.

{ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ}

يحذرنا الله سبحانه من أن نقول عليه بغير علم، وأنّ الحلال والحرام لا ينبغي الكلام فيهما إلّا بدليل وحجّة؛ وإلّا كان الإنسان مفتريًا على الله الكذب {ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ} فهذا كذبٌ واللّسان هو الّذي قال ذلك ادّعاءً، والمعنى : قولوا ذلك بالدّليل؛ فإذا لم يكن بدليل فهو كذبٌ على الله {ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ} أي : هذا شيءٌ حلال، وهذا شيءٌ حرام { ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ} أي : لا يفوزون بمطلوبٍ، لا يفوز أحدهم بمطلوب، ولا يحصل عليه، ولا ينجو من المرهوب ﴿وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 12-13) ولذلك قال أبو نظرة : لم أَخَفِ الفُتيا إلى يوميّ هذا منذ أن قرأت هذه الآية؛ فالإنسان حينما يقرأ هذه الآية ممّا يدلّ على الوعيد الشّديد لمن أفتى بغير علم يعلم أنّ الجرأة في هذا الباب خطيرة، ولذلك كان كثيرون من أئمّتنا الكرام يخاف أحدهم من الفتيّا ويفرح إذا أسندت إلى غيره، ويجيب في أكثر الأحوال الله أعلم فنسأل الله العفو والعافية وأن يرزقنا السّداد فيما نقول ونفعل، قال الله ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65)

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ (الطور: 30) هذا جزاؤهم متاع قليل ﴿وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 82) هذا المتاع في الدّنيا، ولهم عذاب أليم نسأل الله السّلامة في الآخرة.

قال الله ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 160-161)

{ ﲹ ﲺ ﲻ } على اليهود خاصّة ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: 64) هذا كما تقدّم معنا في التفسير يقال له (باب الإحالة ) يعني : أن تأتي آية، وتحيل على آية أخرى فقوله { ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ } هذا المعنى : أنّ الله بيّن في موضع آخر أنّه حرّم على اليهود كذا وكذا فأحالت الآية على موضع الآخر، والموضع الآخر ما جاء في سورة الأنعام ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾ (الأنعام: 146) [سورة الأنعام:146]. وهذا فيه دليل على أنّ آية سورة النّحل نزلت بعد آية سورة الأنعام، ولذا قيل إنّ سورة النّحل نزلت بعد سورة الأنعام.

قال الله ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 160-161)وبسبب الظّلم حرّم عليهم ذلك كما قال الله ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: 160-161) [سورة النساء:160-161]. نسأل الله السّلامة.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

الجزاء من جنس العمل فإنّ أهل القرية لما بطروا النّعمة؛ بدّلوا بنقيضها، وهو محقها وسلبها ووقعوا في الجوع بعد الشّبع وفي الخوف والهلع بعد الأمن والاطمئنان وفي قلّة موارد العيش بعد الكفاية : قال الله ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل: 114)

وجوب الإيمان بالله وبالرسل وعبادة الله وحده وشكره على نعمه وآلائه الكثيرة، وأنّ العذاب الإلهي لاحق بكلّ من كفر بالله وعصاه وجحد نعمة الله عليه : قال الله {ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ}

الله تعالى لم يحرّم علينا إلّا الخبائث تفضّلًا منه وصيانة عن كلّ مستقذر : {ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎﲏ }إلى آخر الآية الكريمة.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه {ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ} إنّه الرّبّ الغفور الرّحيم الّذي يفتح الأبواب لعباده ليتوبوا إليه : ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الأنعام: 143)

أيّها الرّسول الكريم { ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ} المراد بالسّوء : السّيّئات المعاصي { ﱇ} المراد بالجهالة : الجهل بالعاقبة، ويدخل في ذلك من عصى الله، لذلك قالوا (كلّ من عصى اللّه فهو جاهل)؛ فليس المراد بذلك أنّ الّذي تقبل توبته هو من عصى اللّه جاهلًا بدون علمٍ؛ وأمّا من علم فلا تقبل توبته هذا ليس مرادًا؛ فإنّ الله يقبل توبة العبد إذا تاب إليه وهو يعلم أنّها معصية لكن استذلّه الشّيطان ووسوس إليه كما قال الله﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 17) [سورة النساء:17].وتقدّم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنّ الجهالة تطلق ويراد بها : ما ينافي العلم وتطلق ويراد بها ما ينافي العمل بالعلم فمن عصى الله سبحانه فله نصيبٌ من هذا الجهل؛ لأنّه جهل العاقبة ووسوس الشّيطان فأضلّه.

قال {ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ} فالمطلوب منهم أن يتوبوا، وأن يصلحوا فهذا مراد التّوبة والإصلاح ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) كرّر قوله ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) توكيدًا وتشريفًا ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) من بعد ماذا؟ ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) من بعد التّوبة، وما تقدّمها من أعمال السّوء فبعض العلماء يقول ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) بعض العلماء يقول ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 76) أي: -من بعد السّيّئات، وبعضهم يقول : من بعد التّوبة؛ والأقرب أنّها تشمل الأمرين، لذلك عبّر البقاعيّ فقال : بعدها التّوبة وما تقدّمها من أعمال السّوء ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26)

﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) في ختام السّورة يذكر الله لنا هذا الأنموذج الكريم وهذا المثل الرّائع في شأن إبراهيم عليه السلام فهو والد الأنبياء ومن أمر الرّسول ‰ بأن يقتدي به فهو دعا إلى التّوحيد وهو إمامهم ‰ ولذلك كان نبيّنا ‘ يقول في أذكار الصّباح (أصبحنا وأصبح الملك لله) وكان يقول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم (أصبحنا على فطرة الإسلام وعلى كلمة الإخلاص وعلى دين نبيّنا محمّد ‘ وعلى ملّة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين) وكذلك في المساء (أمسينا)؛ فالشّاهد من ذلك أنّ ملّة إبراهيم هي التّوحيد فجاء التّذكير بذلك؛ ولأنّ إبراهيم أيضًا أنموذج الشّكر لنعمة الله.

﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120) قالوا هنا في المختصر (جامعًا لخصال الخير) فالمراد بالأمّة : الجامع لخصال الخير، وهو أحد المعاني وأحد الأوجه الّتي وردت عليها كلمة (أمّة ) في القرآن : الجامع لخصال الخير، وبعضهم يقول : ﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ (قريش: 4) يعني : بمثابة الأمّ، لذلك قال لسارة ((إنّه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك)) أي : في هذا المقام حينما دخلت على الملك الظّالم بمصر قال لها هذا فكان موحّدًا إمامًا ‰ {ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ} ملازمًا للطّاعة { ﱛ} مائلًا عن الشّرك إلى التّوحيد مستقيمًا عليه {ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ * ﱡ ﱢﱣ} يشكر نعم الله وهذا بخلاف ما كان عليه حال تلك القرية الّتي كفرت بأنعم الله فذكر إبراهيم كمثال على الشّاكر لنعم الله وقال هنا {ﱡ ﱢﱣ} أيضًا لم يقل : لنعمه قال (لأنعمه) قالوا : لأنه إذا كان لا يخلّ بشكر النّعمة القليلة، فهو لا يخلّ أيضًا بشكر النّعمة الكثيرة فهو في كلّ أحواله شاكر.

(اجتباه) : اصطفاه للنّبوّة والخلّة ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (النور: 39) وهو صراط الإسلام دين الإسلام القويم.

{ﱪ ﱫ ﱬ ﱭﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ} حسنة الدنيا: النبوة، والثناء الحسن، والولد الصالح وهذا منهم كلام جليل، فالمراد بحسنة الدنيا : يدخل فيها النبوة، والثناء الحسن كما قال ﴿وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْءَاخِرِينَ﴾ (الشعراء: 84) [سورة الشعراء:84].، ولذلك نحن في كل صلواتنا نذكر إبراهيم اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم { ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ} في زمرة الصّالحين ‰ وكفى بالصّالحين شرفًا أن يكون معهم الخليل إبراهيم عليه السلام وأن يكونوا رفقاء له عليه الصّلاة والسلام.

ثمّ قال الله {ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ}

ﱵ ﱶ ﱷ} : هذا أيضًا للتّراخي الرتبي؛ فالمراد به ذكر كلامٍ آخر، ولذا تكرّر في السّورة ( - ثمّ - ثمّ ) يعني نخبرك أيضًا بخبر آخر {ﱵ ﱶ ﱷ} أي : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرّسول {ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼﱽ} كن على ملّته، وهذا فيه ردٌّ على مزاعم المشركين، ومزاعم اليهود؛ فاليهود يدّعون أنّه كان يهوديًّا، والمشركون يزعمون أنّه كان مشركًا فبيّن الله أنّ ملّته هي التّوحيد، وهذا ما جاء به الرّسول ‰ كما قال الله ﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67) قال {ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ} لتقرير هذا المعنى وتأكيده وإلّا فقد تقدّم {ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ}.

{ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ}

{ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉﲊ} وهم اليهود { ﲄ ﲅ } يعني : فرض عليهم تعظيم هذا اليوم، فمعنى { ﲄ } بمعنى فرض، وما معنى { ﲄ ﲅ } يعني : تعظيم السّبت صار فرضًا عليهم حينما وقع منهم الاختلاف فضلّوا عن يوم الجمعة لذلك قال الرّسول ‘ في حقّ الجمعة ((ثمّ هذا يومهم الّذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا اللّه إليه)) فهدى اللّه الأمّة المحمّديّة ليوم الجمعة وضلّ عنه اليهود والنصارى فلليهود السّبت وللنّصارى بعد الغد يعني الأحد.

قال الله {ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉﲊ} فأمروا بالتفرغ فيه للعبادة {ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ}

ثمّ قال {ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ}

ختم الله تلك السّورة المباركة بهذه الوصايا الجليلة بأن يدعو الإنسان إلى دين الله وهو في دعوته يسلك هذه المسالك، وهذه الأساليب { ﲚ ﲛ ﲜﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﲢ } فهذه ثلاثة أنواع :-

النّوع الأول والأسلوب الأول الحكمة قالوا : هذا مع من يعرف الحقّ، ويعمل به فما إن يسمع الحقّ يستجب له، ولا يترك هذا الحقّ فلذلك هذا يخاطب بالحكمة، يخاطب بها العقلاء الّذين إذا عرفوا الحقّ اتّبعوه.

والموعظة : الّذي ربّما خالفت نفسه الحقّ، واتّبع الهوى واتّبع الشّهوات فيحتاج إلى تذكير وإلى موعظة وإلى ترغيب وترهيب فلذلك قال ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) وتأمّل هنا وصف الموعظة بالحسنة وهذا فيه : أنّ بعض النّاس يعظ؛ لكن ليس بطريقة حسنة؛ فالمطلوب منه أنّ يعظ وأن تكون موعظته حسنة.

﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) لم يقل : وجادلهم (بالحسن) إنّما ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) فلتكن المجادلة بالّتي هي أحسن قالوا : هذا مع المعاند، وهذا مع المخالف ولذلك قال الله {ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍﱎ}.

إذًا علّمنا الله كيف نتعامل مع النّاس على اختلاف طرائقهم، وأنواعهم فيستعمل مع بعض الحكمة ومع بعض الموعظة الحسنة، ومع بعض الجدال بالّتي أحسن وقد يختلف الأمر باختلاف المقامات، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص قال الله {ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ} فهو أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ، عن دين الإسلام وهو أعلم بالمهتدين إليه والمعنى : ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ إنّما عليك أن تبلّغ.

{ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ}

قد لا يستجيب بعض النّاس لدعوتك؛ بل يبارزك العداء فحينئذٍ ماذا تصنع؟ {ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ } فوجه الصّلة بين هذه الآية، والآيات السّابقة : أنّ الآيات السّابقة بيّنت لنا كيف يكون البيان؟ وكيف تكون الدّعوة؟ وفي بعض الأحوال تكون المعارضة والمنأوأة ويكون هناك الاعتداء فحينئذ علّمنا الله كيف نسلك أيضًا فقال {ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ}

﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) فلم تعاقبوا { ﲹ ﲺ ﲻ} يعني: هو أفضل من المعاقبة، فيكون هذا من باب العفو والصّفح وهو أفضل كما قال الله ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) [سورة الشورى:43]. وقد جاء ما يدلّ على أنّ هذا يتعلّق به أمور وحكمٍ كما لو كان المراد به : الإصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ فقال ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (النحل: 60) ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنّه قال ((نصبر ولا نعاقب، نصبر ولا نعاقب)) وقد ورد في سبب نزول الآية الكريمة : أنّها نزلت في شأن قتلى أحدٍ حينما أصيب المسلمون بما أصيبوا به في غزوة أحدٍ؛ فأصيب من الأنصار أربعة وستون وأصيب من المهاجرين ستّة، قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (لا قريش بعد اليوم) فقال النبي ﷺ كفّوا عنهم إلّا عن أربعة ذكرهم الرّسول ‰ فأنزل الله الآيات {ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ}

وجاء في بعض الرّوايات أنّ هذا كان يوم فتح مكّة ففي بعض روايات ما يدلّ على أنّ ذلك كان بعد موقعة أحدٍ، وأنّ هذا القول قالوه، وفي بعضها أنّ هذا : قيل يوم فتح مكّة فأنزل الله الآية الكريمة وفي بعضها أنّ الرّسول ‰ أراد الزّيادة في مقابل قتل حمزة رضي الله ï عن سبعين، على كلّ وردت روايات عديدة في هذا الباب، وصحّحها كثير من أهل العلم وهذا ربّما استفيد منه أنّ هذه الآيات مدنيّة، لذلك بعض العلماء قالوا إنّ قوله {ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ} إلى آخر السّورة هذه الآيات الثّلاث مدنيّة، وبعضهم اقتصر على الآيتين {ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ} {ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ }

بعضهم اقتصر على قوله { ﲯ ﲰ} بل قال ابن عطيّة أطبق أهل التّفسير أنّ هذه الآية مدنيّة نزلت في شأن التّمثيل بحمزة يوم أحد فتكون هذه الآية أو هذه الآيات مستثناة من السّورة والسّورة كلها مكّيّة لكنّها ألحقت بها في هذا المقام للدّلالة على أنّ المقامات تتفاوت فهناك من يكفيه البيان وهناك من يلجأ معه إلى المعاقبة وهناك باب آخر، باب الصّبر -والعلم عند الله-.

وذهب بعض العلماء: إلى أنّ هذه الآيات مكّيّة لكن ما ذكر في هذه الآيات أو في هذه الأسباب من باب ذكر المثال؛ فالمعنى ماذا يقال في حقّ قتل أحدٍ؟ يقال أيضًا { ﲯ ﲰ} فيكون هذا من باب المثال الّذي ينطبق على تلك الآيات المكّيّة، واختار بعض العلماء كابن الحصّار كما حكاه عنه السّيوطي القول بتكرّر النّزول بمعنى أنّ الآيات مكّيّة، وتكرّر نزولها في المدينة تذكيرًا بهذا الحكم {ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ} فهذا حاصل ما يقال في هذه المسألة وإن كان الجمهور على آيات مستثناة من مكّيّة السّورة وأنّها مدنيّة -والعلم عند الله-ï نعم.

قال الله بعد ذلك {ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ}

{ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ} هذا فيه أنّ الإنسان حينما يصبر فالّذي يصبّره هو الله ، وعليه أن يستعين بالله حتّى يصبّره الله والصّبر بابه عظيم، وبابه واسع؛ فالصّبر يكون في كلّ الأبواب صبر على الطّاعة والصّبر على المعصية والصّبر على المحن والابتلاءات، ومن ذلك الصّبر على طلب العلم، وعلى الحفظ وعلى العبادة وعلى كلّ أبواب الخير؛ فالإنسان إذا تذكّر قول الرّسول ‰ ((حفّت الجنّة بالمكاره وحفّت النّار بالشّهوات)) علم أنّ الباب يحتاج إلى صبر وقد وعد الله الصّابرين فقال ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 23-24) وقال ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 23-24) وقال ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 23-24) [سورة الرعد:23-24]. فنسأل الله أن يجعلنا من الصّابرين.

قال ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 23-24) لا ﴿تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا﴾ يمكر بك أولئك فالله كافيك شرّهم ثمّ قال الله خاتمًا السّورة بهذا الملمح الجميل {ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ} فالله معهم ومن كان الله معه فلا يخاف من أحدٍ ولا يضرّه شيء {ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ} قال بعض العلماء مع الّذين اتّقوا : المعاصي {ﳒ ﳓ ﳔ} بفعل الطّاعات فيكون قوله {ﳑ} من باب التّخلية وقوله {ﳒ ﳓ ﳔ} من باب التّحلية فلذلك قدّم {ﳐ ﳑ} لأنّ التّخلية قبل التّحلية جعلنا الله من المتّقين وجعلنا من المحسنين بمنّه وكرمه.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

اقتضت رحمة الله أن يقبل توبة عباده الّذين يعملون السّوء من الكفر والمعاصي ثمّ يتوبون ويصلحون أعمالهم فيغفر الله لهم : قال الله {ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ}

يحسن بالمسلم أن يتّخذ إبراهيم عليه السلام قدوة له : قال الله {ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ}فالرّسول مأمور باتّباعه ونحن مأمورون باتّباعه كما أنّنا مأمورون باتّباع نبيّنا محمّد ‘

على الدّعاة إلى دين الله اتّباع هذه الطّرق الثّلاث الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالّتي هي أحسن : قال الله سبحانه {ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﲢ}

العقاب يكون بالمثل دون زيادة فالمظلوم منهيّ عن الزّيادة في عقوبة الظّالم :قال الله {ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ} وكما قال الله ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92) هكذا يا أيها الإخوة الكرام نجد أنّ سورة النّحل تتحدّث عن نعم الله سبحانه وأجلّ تلك النّعم الإيمان بالله سبحان.

فنسأل اللّه أن يجعلنا من المؤمنين وأن يجعلنا من الشّاكرين وأن يجعلنا من المتّقين المحسنين

وأن يوفّقنا هذا والله أعلم، وصلى اللّه على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا

والحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

دروس مشابهة