مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النحل — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 335 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) وتقينا أذى البرد والحرّ والهلع والخوف، وما إلى ذلك فلله الحمد والمنّة على ما أنعم علينا من نعم لا تعدّ ولا تحصى ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101) قالوا هنا في المختصر (استقرارًا وراحة) ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3) قال ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 4) يعني : يخفّ عليكم حملها؛ فهناك فرقٌ بين البيوت المصنوعة من الأحجار ونحوها الّتي هي ثابتة، وبين البيوت المتحرّكة كالخيام فقوله ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 4) أي : يخفّ عليكم حملها ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النحل: 5) يعني : في ترحالكم وسفركم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: 6) في الإقامة أي : يسهل نصبها وقت نزولكم.

ثمّ قال ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7) أي من أصواف الأنعام ﴿وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 8)

والأوبار : جمع وبر، وقد ذكروا أنّ الوبر للإبل : كالصّوف للغنم لذلك قالوا هنا في التّفسير (وجعل لكم من أصواف الغنم) فجعلوا الأصواف عائدة إلى الغنم ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: 9) قالوا (وأوبار الإبل وأشعار المعز ) إذًا هي ثلاثة فقوله ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7) هذا للغنم ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (النحل: 10) للإبل ﴿يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 11) للمعز قال ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 12)

وقوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (النحل: 13) قالوا في المختصر (أثاثا لبيوتكم وأكسية وأغطية تتمتعون بها إلى زمان محدّد) وهذا معنى ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 14) قوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (النحل: 13) قال بعضهم : هو المتاع /أو المراد بالأثاث : المال أو الثّياب واختار ابن كثير العموم فهذا كلّه يدخل في معنى الأثاث، لذلك يستفيدون من الأصواف والأوبار والأشعار فقد تبيعونها فتكسبون منها الأموال، وتتجرون فيها وقد تتّخذون منها الثّياب، وقد تتّخذونها في صنع السّكن أو الخيام وما إلى ذلك ثمّ قال: ﴿وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 15)

﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16) قالوا في المختصر (من الأشجار والأبنية ما تستظلون به من الحرّ) ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) : أسرابا ومغارات وكهوفا تستترون فيها عن البرد والحرّ والعدوّ قال ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18) قالوا في المختصر (وجعل لكم قمصانًا وثياباً من القطن وغيره) وهذا معنى قوله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النحل: 19) القمصان تقيكم الحرّ قالوا هنا في المختصر (تدفع عنكم الحرّ والبرد ) من أين أتوا بالبرد؟، وهنا قال ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: 20) قال بعضهم :- هو أسلوب اكتفاء؛ فلمّا ذكر الحرّ عرف مقابله وهو البرد؛ وإن لم يذكره كقول : ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ (ق: 20) [سورة ق:20]. والمراد به : يوم الوعد والوعيد، فأحياناً يذكر شيء، ويحذف مقابله، ويقال عنه أسلوب الاكتفاء، وقالوا : لأنّه لمّا ذكر الحرّ فاستغني به عن ذكر البرد؛ لأنّنا نحتاج إلى القمصان أكثر في البرد؛ وأمّا في الحرّ فالأمر أخف فإذا كان قد أنعم علينا في وقت الحرّ فإنه يتركنا في وقت البرد.

ومن العلماء من قال : بل ذكر الحرّ هنا السّرابيل الّتي تقيّ الحرّ لأنّه ذكر ما يقينا من البرد في أوّل السّورة في قوله ﴿أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النحل: 21) لذلك قال بعضهم : ما ذكر في أوّل السّورة الحديث عن أصول النّعم، لذلك هناك حدّثنا عن الأكل وعن الشّراب الأساسيات ثمّ هنا حدّثنا عن بعض الكمالات من الأثاث والمتاع فذكر هناك أصول النّعم، وذكر هنا كمال النّعم وتمامها والعلم عند الله فلذلك قال هنا ﴿إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 22) وذكر هناك ما يقينا البرد، ولذلك قالوا : البرد أشد، ولذلك هم يقولون الحرّ أذى والبرد بؤس، لذلك إذا قيل للفقير أيّهما أشد عليك؟ قال البرد لأنّه في وقت البرد يكون الافتضاح؛ وأمّا الحرٌّ فقد يتحمّله، ولذلك البرد القارص الشّديد قد يقتل النّاس بخلاف الحرّ فإنّه قلّ ما يحدث ذلك والعلم عند الله قال الله سبحانه ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18) المراد بها الدّروع الّتي تقيكم بأس بعضكم في الحرب، فلا ينفذ السّلاح إلى أجسامكم.

﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (النحل: 23) أي مثل أو كما أنعم الله به عليكم من النّعم السّابقة يكمل نعمه أو يكمّل نعمه عليكم رجاء أن تنقادوا له وحده، وهذا معنى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: 24) رجاء أن تسلموا فالمراد به الاستسلام لله سبحانه وتعالى.

قال الله سبحانه ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) إن أعرضوا عن الإيمان والتّصديق فليس عليك إلا البلاغ ﴿قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 26) ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) وتأمّلوا نعمة الله ومن قبل ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 28) ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (النحل: 29) لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ مقصود السّورة الحديث عن نعم الله الّتي لا تعدّ ولا تحصى.

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 30) ومن نعمة الله إرسال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وإنزال القرآن ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 31) :-

1-أكثرهم الكافرون، ومنهم من يعرف الحقّ ولا يتبعه.

2-وبعضهم قال : كلهم هم الكافرون الّذين ينكرون، كلهم كافرون (فأكثر) بمعنى الجميع، وأكثرهم الجاحدون لنعمه سبحانه.

3-أو أنّ الضّمير في قوله ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 31) أي : أكثر النّاس، وبعض النّاس يؤمن بالله ربّ العالمين.

قال الله ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32)

يذكّرنا الله بحال النّاس يوم القيامة ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 33) اذكر يا رسول الله ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المرسلات: 35-36)

وهو رسولها الّذي أُرسل إليها ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المرسلات: 35-36) كما قال الله ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المرسلات: 35-36) [سورة المرسلات:35-36]. ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) قالوا في المختصر (ولا يرجعون إلى الدنيا ليعملوا ما يرضي عنهم ربهم) ولذلك قال الله ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24). ولذلك لمّا وقع زلزال بالكوفة قال ابن مسعود رضي الله عنه ((إنّ ربّكم يريد أن يعتبكم فاعتبوه )) يعني يريد أن يزيل غضبه عنكم فأرضوه بالتّوبة إليه واستعمال رضاه أو ما يرضيه سبحانه وتعالى.

قال ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (النحل: 34)

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 35) عاينوا العذاب ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) يمهلون أو يؤخّرون.

﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (النحل: 37)

﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 38) إذا رأى الّذين أشركوا شركاءهم من كانوا يشركون بهم في الدّنيا ويعبدونهم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ أو مع الله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) والمعنى هم الّذين أضلونا ولذلك قالوا هنا في المختصر (قالوا ذلك ليحملوهم أوزارهم فأنطق الله معبوداتهم ) تلك الآلهة الباطلة كما قال الله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: 40)

﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) أي ردّوا عليهم ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42) لماذا عبدتمونا من دونه؟ لا والله لا شريك له هكذا يردّ هؤلاء الشّركاء.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)

﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) هناك فرقٌ بين قوله ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) وقوله ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) لأنّ الفاعل في قوله ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41) يعود على الشّركاء أي :- ألقى الشّركاء إلى مَن عبدوهم القول ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 42)؛ وأمّا ﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44) أي :-استسلم المشركون في هذا الوقت - وقت ﴿إِلَّا﴾ ينفع النّدم - ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 45)

أي : ذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من ادّعاء أنّ أصنامهم تشفع لهم عند الله، وفي قوله سبحانه فيما سبق في الآية ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (النحل: 46) وقبلها في قوله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32)

أي :لا يسمح لهم بالإذن ولا يؤذن لهم بأن يسترضوا الله؛ لأنّ الوقت قد فات وقال هنا - ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: 45) نعم.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات.

دلّت الآيات على جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كلّ حال ومنها استخدامها في البيوت والأثاث : قال الله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 47) فيدلّ على جواز الانتفاع بها، واستدلّ بها عدد من أهل العلم على طهارتها؛ ولذلك فرّقوا بين الجلد وبين الوبر والشّعر فقالوا : الجلد يحتاج إلى دباغ؛ وأمّا هذه فإنّها على الطّهارة لأنّها ذكرت في موضع الامتنان فأفادت الحلّ والطّهارة.

كثرة النّعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشّكر والثّناء بها على الله تعالى : لذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (النحل: 23) ثمّ قال الله أيضًا ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 27) يعني : كان حقيقا بهم أن يشكروا الله لا أن يكفروا الله سبحانه وتعالى

الشّهيد الّذي يشهد على كلّ أمة هو أزكى الشّهداء وأعدلهم وهم الرّسل الّذين إذا شهدوا تمّ الحكم على أقوامهم : وذلك في قوله ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 32)

في قوله تعالى ﱫ ﱬ ﱭﱮ } دليل على اتّخاذ العباد عدّة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء : قال الله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ﴾ (النحل: 48) أسأل اللّه أن يعلّمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علّمنا وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى.

ونسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يفرّج الكرب عن المسلمين في غزّة، وأن ينصرهم نصرًا مؤزراً

وأن يرفع عنهم البلاء، وأن يحفظ بلادنا، وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى.

وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا.

والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

المجلس الثاني والثامنون

قال الشيخ حفظه الله

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين أمّا بعد فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس التّعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة النّحل

قال الله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 49)

﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: 101) تقدّم معنا أنّ هذا الفعل (صدّ) :

1-يحتمل أن يكون فعلاً لازمًا فيكون بمعنى الإعراض فمعنى قوله ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160) أي أعرضوا عن سبيل الله.

2-ويحتمل أن يراد به التّعدّي، أي :-صدّوا غيرهم كقوله ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160) [سورة النساء:160]. فيكون المعنى ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160) أي :- صدّوا غيرهم، وهذا المعنى الثّاني هو المراد هنا، وهو أنّ المراد (بالصّدّ) هنا :- صدّ الغير عن سبيل الله بدليل قوله في آخر الآية ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3).

فعرفنا أنّهم لم يكتفوا بالإعراض عن سبيل الله؛ بل كانوا يغرون غيرهم ويصدّون عن الصّراط المستقيم وقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) إن قال قائل :-الأصل أنّ الإنسان يعذّب العذاب الّذي أذنبه أو ما يستحقّه من عذاب دون زيادة فكيف ذكر الله تلك الزّيادة؟

فيقال قد بيّن الله سببها في قوله ﴿۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (النحل: 51) فهذا راجع إلى عملهم أيضًا فالمعنى : ﴿زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ﴾ أي فوق عذاب الكفر فهم لهم عذاب الكفر، ولهم عذاب الصّدّ عن سبيل الله فكلّ ذلك ممّا جنته أيديهم، ولم يظلمهم ربّي شيئًا، وقد تقدّم معنا نظير ذلك في قوله ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) لذلك لا تعارض بين هذه الآيات وبين قوله تعالى ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) [سورة الإسراء:15]. فالأصل أنّ الإنسان يتحمّل وزر نفسه، ومن أضّلّ فإنّه يتحمّل وزر ضلاله ووزر إضلاله.

قال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 3)لذلك قالوا هنا في المختصر في المختصر (زدناهم عذابًا بسبب فسادهم وإفسادهم ) واستفدنا كلمة (إفسادهم) من قوله ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 4) لأنّ يفسدون فعلها (أفسد) بخلاف الفعل (فسد) فإنّ الفعل المضارع منه (يفسد) فلمّا قال الله ﴿۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ (النحل: 51) أي :- أنّهم (أفسدوا) لم يفسدوا فقط وإنّما فسدوا وأفسدوا.

قالوا في المختصر (بإضلالهم لغيرهم على العذاب الّذي استحقّ لكفرهم) ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) [سورة النحل:88] وجاء التّعريف للعذاب لأنّه معهود، ولعلّه المذكور سابقًا في قوله ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ (النحل: 35) فهذا عذاب الكفّار وعذاب المشركين ويزداد عليهم العذاب بسبب إفسادهم وإضلالهم.

ثمّ قال الله سبحانه ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89)

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) أي:- اذكر يا رسول الله يوم نبعث ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91) وهذا الشّهيد المراد به:- الرّسول فيبعث الله ﴿فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ هذا الرّسول كما كان مرسلًا إليهم في الدّنيا فإنّه يكون شهيدًا عليهم يوم القيامة؛ فإذا أنكرت أمّته، أو أنكر فريق منهم رسالته ودعوته وأنّه بلّغ؛ فإنّ أمة محمّد ‘ تشهد له بأنّه بلّغ كما جاء في قوله سبحانه ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92) وكما جاء في حديث النبي ﷺ في مجيء نوح ’ وسؤال قومه ((هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذيرٍ! فيقال له من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمته ‘))

قال سبحانه ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) أي :-الرّسول ‘ يجعله الله شهيدًا على هؤلاء المشركين الّذين أشركوا بالله وكذبّوا بالصّادق رسول الله ‘ والأصل أنّ شهادة الرّسول شهادة عامّة لكن هؤلاء في قوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) لأنّ المقام مقام تهديد وتحذير لهم فليس المراد بذلك تخصيص شهادة الرّسول ‘؛ فإنّ شهادة الرّسول ‘ عامّة للرّسل جميعًا وعلى الأمم كلّها.

لكنّ قوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) أيّ :-على هؤلاء المكذّبين تهديدًا لهم وتحذيرًا من أن يستمروا على كفرهم وشركهم، وفي قوله ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95) فكلّ رسول أرسله الله كان من جنس قومه فهو من جنسهم دعاهم إلى الله سبحانه فمنهم ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بهذا الرّسول، ومنهم من كفر.

ولم يقيّد هنا في حقّ الرّسول وإنّما قال ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) لم يقل من أنفسهم؛ لأنّ الرّسول ‘ شهادته كما تقدّم عامّة، وكذلك في باب الدّعوة؛ فإنّ دعوته عامّة وما في قوله ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164) [سورة آل عمران:164] تقدّم أنّ قوله ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164) وصفٌ كاشفٌ وليس قيّدا للاحتراز فلا يستفاد منه أنّ دعوة الرّسول ‘ خاصّة؛بل إنّ دعوته عامّة كما دلّت على ذلك آيات وأحاديث قال الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158) [سورة الأعراف:158] وقال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28) [سورة سبأ:28].

قال الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158) قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28) المراد بالكتاب : القرآن الكريم وقوله ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 96) قد يسأل سائل فيقول : هل معنى ذلك أنّ القرآن فيه بيان كلّ شيء؟

فيقال إنّ هذا العموم المستفاد من قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) عموم عرفيّ بمعنى أنّه في عرفنا حينما ينزل كتاب من الكتب الموحى بها من عند الله ربّ العالمين إلى رسول من الرّسل فإنّنا ننتظر منه ماذا؟ ننتظر منه ما فيه صلاحنا ما فيه هدايتنا وإرشادنا في أمور ديننا فيما يقربنا إلى ربّنا لا ننتظر من الرّسول أن يخبرنا عمّا نأكل وعمّا نشرب وعمّا نلبس وعمّا نذهب ونأتي وما إلى ذلك من الأمور الدّنيويّة الصّرفة أو المحضة فإذًا علم بالعرف والسّياق أنّ القرآن حينما يقول ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158) يعني : ممّا يحتاج إليه النّاس لصلاح دينهم، وبناءً عليه فلا يلزم أن يقال أنّه ليس في القرآن كلّ التّفاصيل من الأمور الّتي تتعلّق بدنيا النّاس.

فيقال : هذا ليس مرادًا، وسياق الآيات الكريمة يشهد لهذا المعنى؛ فإنّ الكتب المنزّلة أنزلها الله لهذا المقصد وهو صلاح دين النّاس وهدايته على أنّه أيضًا في القرآن الكريم قواعد كلّيّة وأصول جامعة يستفاد منها في كلّ الأبواب حتّى في الأبواب الدّنيويّة فإنّ الله أرشدنا إلى عمومات كقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98).

فإذًا نستفيد من هذه الآية مثلاً أنّنا نسأل في مجال الطّبّ أهل التخصّص من الأطبّاء وفي مجال الهندسة أهل التّخصّص من المهندسين وما إلى ذلك فيكون القرآن الكريم قد أرسل قواعد والأصول الجامعة الّتي تشمل صلاح أحوال النّاس في دينهم ومعاشهم ومعادهم وصدق الله إذ قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158) وتبيانًا : مبيّنًا لكلّ شيء، وتبيان هذا مصدر، وقد ذكر بعضهم أنّه لا يعرف مصدرٌ بهذه الصّيغة (تبيان) : (تفعال) إلّا في هذه الكلمة، وفي الكلمة (تلقاء)، بخلاف الأسماء فهناك أسماء على هذا الوزن؛ لكنّ هذا من باب فجيء به على سبيل على سبيل المبالغة قال الله سبحانه ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158) لذلك قالوا هنا في المختصر في المختصر (لتبيين كلّ ما يحتاج إلى تبيين من الحلال والحرام والثّواب والعقاب وغير ذلك) ممّا ينتظر من بيان الأنبياء والمرسلين ومما يحيه الله إلى الخلق قال الله سبحانه ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99).

ثمّ قال ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 100)

هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات في أبواب الخير وترك الشّرّ، ولذلك بعض العلماء جعلها أجمع آية في القرآن الكريم، ويمكن أن نخصّها فنقول :- أجمع آية في جلب المصالح ودرء المفاسد أو في الدّعوة إلى ما فيه صلاح والتّحذير ممّا فيه فساد؛ لأنّ قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) شمل كلّ الأوامر ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) شمل كلّ النّواهي فالآية على ذلك من أجمع الآيات - إن لم تكن أجمع الآيات في الأوامر والنّواهي - وهي قد ذكرت هذه الأوامر والنّواهي على سبيل الإيجاز.

فلذلك هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) يضرب بها المثل في الإيجاز بالقصر في أن تكون آية شملت معاني كثيرة لا تعدّ ولا تحصى فمن أمثل ومن أظهر هذه الأمثلة هذه الآية الكريمة في آية جامعة في بابها، وقد ورد عن بعض الصّحابة كعبد الله بن مسعود ƒ يفيد هذا المعنى وأنّها آية جامعة ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) لذلك فيها الحثّ على المصالح كلها، وفيها التّحذير من المفاسد كلّها، ومع وجازتها إلا أنّ فيها إطناباً، ولذلك باب الإيجاز والإطناب كما تقدّم بابٌ نسبّيٌ فمن حيث أنّها شملت كلّ الأوامر وشملت كلّ النّواهي آية موجزة، ومن حيث أنّها لم تقتصر على العدل؛ وإنّما ذكرت معه الإحسان وذكرت معه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 104) مع أنّ إيتاء ذي القربى داخلٌ في العدل والإحسان؛ فيكون من باب عطف الخاصّ على العمد هذا إطناب زيادة في المعنى.

وكذلك ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) والبغي أيضًا داخلٌ فيما قبله فيكون هذا من باب عطف الخاصّ على العامّ؛ فيكون فيها من هذا الباب، ولذلك إذا سئلنا فقيل هاتوا لنا مثالًا لآية جمعت بين الإيجاز والإطناب؛ فيمكن أن يمثّل بهذه الآية -والعلم عند الله- ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 105)

وقوله ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106) فسّره كثيرٌ من العلماء : بالفريضة - بالواجب - فمعنى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 107) يعني : يأمر بالفرض؛ فالمراد (بالعدل) : ما كان فرضًا وواجبًا ولازمًا؛ وأمّا الإحسان فهو على قول الجمهور المراد به : المندوب.

إذًا ربّ العزّة ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 107) وهو الفرض الواجب؛ فيدخل فيه كلّ الواجبات والفرائض سواء أكانت أموراً عقدية أم كانت أموراً شرعيّة عمليّة وكذلك في جميع الأبواب بل حتّى أيضًا في الأبواب الّتي تتعلّق أيضًا في الأبواب الّتي تتعلّق بالخلق.

فمعنى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (النحل: 108) بأن تؤدّي الواجبات من حقّ الله سبحانه وحقّ الخلق؛ وأمّا الإحسان ففي باب المندوبات كأن تتصدّق كأن تحسن وتزيد في الإحسان.

المراد ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (النحل: 109) أن يأخذ الإنسان ما له وأن يعطي ما عليه؛ وأمّا الإحسان هذا هو العدل؛ وأمّا الإحسان فهو :- أن يأخذ الإنسان أقلّ ممّا له وأن يعطي أكثر ممّا عليه.

إذًا ما الفرق بين العدل الإحسان؟ يقال العدل : أن تأخذ ما لك وأن تعطي ما عليك

وأمّا الإحسان فأن تأخذ أقلّ ممّا لك، وأن تعطي أكثر ممّا عليك.

وهذا فيه أنّ المندوب مأمورٌ به على القول المرجّح عند علماء الأصول؛ فالمندوب هو المستحبّ وهو مأمورٌ به؛ لكنّه أمر ليس على سبيل الحتم والإلزام ولذلك قوله ‰ (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة ) فالمراد بقوله (لأمرتهم) يعني : لأمرتهم أمر إلزام وإلّا فإنّه مأمورٌ به من حيث أنّه مندوب إليه، وقد دعي المسلم إليه استحبابًا لا وجوبا ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 110) وربّ العزّة عبّر بالعدل، ولم يعبّر بالمساواة والتّعبير (بالعدل) أجمل وأجلّ وأعظم وأدلّ؛ وذلك لأنّ المساواة ليست عدلًا في كلّ الأحوال فقد تكون المساواة ظلمًا إذا كانت مساواة فيما ينبغي التّفريق بينه فلذلك عبّر الله بقوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (النحل: 109) ولم يعبّر بقوله المسأواة فقد يكون التّفاوت هو العدل إذا اقتضى الأمر ذلك.

فمثلًا : إذا كان لديّ عاملان أحدهما يعمل أكثر من الآخر فالعدل يقتضي أن أعطي الّذي يعمل أكثر -أن أعطيه أجرًا أكثر - وهكذا فهذا هو العدل، ولذلك حينما نقول :إنّ الإسلام دين المسأواة فالأفضل منه أن نقول : إنّ الإسلام دين العدل فهذا أجلّ في الدّلالة والله تعالى أعلم.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (النحل: 108) لذلك هم هنا قالوا في المختصر (يأمر عباده بالعدل بأن يؤدّي العبد حقوق الله وحقوق العباد) فهذا داخل في معنى العدل وألّا يفضّل أحداً على أحد في الحكم إلّا بحقٍّ يوجب ذلك التّفضيل، ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ التّعبير جاء بماذا؟ بالعدل.

إذًا إذا قيل هل المسأواة في كلّ الأبواب؟ الجواب المطلوب هو العدل فيفرّق فيما أراد الشّرع التّفريق فيه، ويساوي فيما أراد الشّرع المساواة فيه.

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) وأمّا الإحسان قالوا في المختصر (ويأمر بالإحسان بأن يتفضّل العبد بما لا يلزمه كالإنفاق تطوّعًا والعفو عن الظّالم ) فهذا يقال له :إحسان إذًا الإحسان : هو التّفضّل؛ الإحسان هو التّفضّل ولذلك قالوا : إنّه في باب النّدب، في باب المستحبّات فتعطي أكثر ممّا عليك /أو تعطي ما لا يلزمك ابتداءً، فهذا يقال له يقال له إحسان.

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) خصّ إيتاء ذي القربى بالذّكر مع أنّ إيتاء ذي القربى : منه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب فهو داخل في العدل والإحسان فإذا كان حقّ هذا القريب لازمًا هو في العدل، وإذا كان من باب الاستحباب النّدب فهو داخل في الإحسان ومع ذلك خصّه الله بالذّكر تنويهًا بشأنه ولأنّه كما ذكر بعضهم -والعلم عند الله- كثير من النّاس يغفل عن حقّ القريب وينظر إلى البعيد؛ فاعتاد بعض النّاس أن يغضّوا الطّرف عمّن هو قريب لهم، وأن يلتفتوا إلى مَن هو بعيد عنهم؛ وكأنّهم يظنّون بذلك أنّهم يطرقون أبواب الخير، ويصلون إلى أعظم القربات والدّرجات؛ وليس الأمر كذلك فإنّه في الأصل أن يبدأ الإنسان بالأقرب فالأقرب فقال ﴿۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: 111).

وهذا في جانب المنهيّات قال ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112) قالوا هنا في المختصر (عن كلّ ما قبح قولًا كفحش القول أو فعلاً كالزنا)؛ إذًا ما المراد بالفحشاء؟ ما قبح قولا أو فعلاً ما قبح قولا أو فعلاً هذه هي الفحشاء. والمنكر قالوا في المختصر (ما ينكره الشّرع)، وبعضهم يقول : ما ينكره الشّرع والفطرة السّليمة والعقل المستنير، فشيء مستنكر ينكره العاقل، ولا يقرّه الشّرع فيقال له منكر ويدخل فيه جميع المعاصي؛ لأنّ المعصية وإن قبلها بعض النّاس بعقولهم فإنّ الشّرع لم يقبلها والضّابط المعوّل عليه هو الشّرع.

فقال ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) خصّ البغي : وهو التّعدّي على الآخرين، وظلم الآخرين خصّه بالذّكر مع أنّه داخل في المنكر أيضًا للدّلالة على خطر شأنه؛ ولأنّ كثيرًا من النّاس يتجهون إليه فيسهل على كثير من النّاس البغي مع أنّ البغي من المعاصي الّتي تعجّل عقوبتها فيعاقب في الدّنيا قبل الآخرة.

قال ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (النحل: 113) يعظكم ربّ العزّة يعظكم بهذه المواعظ بما أمركم به وما نهاكم عنه ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل: 114) والأصل :- أنّ الوعظ ما يلين القلب من الكلام يقال هذه موعظة؛ فالمراد بالموعظة : ما يلين القلب من الكلام ولأنّ من امتثل الأمر واجتنب النّهي لان قلبه لأنه ممتثل لأمر الله سمّي هذا بالوعظ؛ لأنّه قد يقول قائل : نعرف أنّ الوعظ يظهر في باب التّرغيب والتّرهيب لكن هنا الآية أين التّرغيب فيها والتّرهيب؟ إنّما الآية فيها أمر ونهي!!

فيقال : الأمر يحتاج إلى امتثال، والنّهي يحتاج إلى امتثال؛ فالأمر امتثال بالفعل، والنّهي امتثال بالتّرك بأن يترك الإنسان المنهيّ عنه، هذا إذا فعله الإنسان فقد وعظ حقاً، ولذلك جاء الوعظ في معنى الأمر وذلك في قوله سبحانه في سورة النّساء ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: 66) [سورة النساء:66] ما معنى ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: 66)؟ يعني : ما يؤمرون به وقريب من ذلك أيضًا ما مضى معنا في سورة النّساء ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (النساء: 58) [سورة النساء:58]. وأول الآية كما لا يخفى حديث عن الأوامر ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (النساء: 58) قال الله ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 115).

ثمّ قال ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116)

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 30)هذا من باب ذكر بعض الأوامر فهو ذكر الخاصّ بعد العامّ فقوله ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (النحل: 30) هذا من العدل أن تفي بالعهد الّذي عاهدته، ويدخل في هذا العهد عهود الله والعهود مع الخلق فإذا عاهدت الله فأوفي بعهدك، وإذا عاهدت الخلق فأوفي بعهدك أيضًا ﴿مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 117) يعني : بعد تأكيدها وتغليظها وذلك بالحلف لأنّك إذا حلفت فقد وكّدت اليمين فقال ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 118) والإيمان ذكرت بعد العهود لأّنّها من أوثق العهود فأنت حينما تعاهد شخصًا وتؤكّد له ذلك باليمين فهذا من أوكد العهود والمواثيق قال ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 119) يعني: شهيدًا عليكم بالوفاء؛ كأن قلت ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (القصص: 28) /أو قلت (كفى بالله وكيلًا /أو كفى بالله شهيدًا /أو كفى بالله حسيبًا) إلى غير ذلك ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 119) وجعلتم معناها :صيرتم قال ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120) لا يخفى عليه شيء .

﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 121)

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النحل: 122) يحذرنا الله من نقض العهود والمواثيق، ومن ذلك أيضًا التقاعس في الطّاعة؛ لأنّ الطّاعة عهد بين العبد والرّبّ فأنت حينما تطيع ربّك تعاهد الله على أن تكون عبدًا له تمتثل أمره وتجتنب نهيه وكذلك بقيّة العهود مع الخلق.

فقال ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 123) أي : قالوا هنا في المختصر في المختصر (لا تكونوا بنقض العهود سفهاء خفاف العقول مثل امرأة حمقاء) فقولهم (مثل) هذا استفيد من قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 124) لذلك الآية جاءت على سبيل التّشبيه فأسلوب التّشبيه ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125) أداة التّشبيه الكاف قالوا (مثل امرأة حمقاء تعبت في غزل صوفها أو قطنها وأحكمت غزله ثمّ نقضته وجعلته محلولًا كما كان قبل غزله فتعبت في غزله ونقضه ولم تحصل على مطلوب) لو أنّها من أول الأمر لم تصنع شيئًا ما كان ثمّة تعب سوى أنّها لم تقدم على الخير؛ لكن امرأة أجهدت نفسها أتعبت نفسها، واستعملت غزلها، وصنعت ما صنعت بعد إحكام هذا الغزل صنعت منه ثوبًا أو ما أشبه ذلك ثمّ هي نفسها بعد تعبها تنقض هذا الغزل؛ فلا يقال عنها إلّا أنّها امرأة حمقاء وكذلك من يعاهد الله ثمّ ينقض العهد فهذا أحمق وسفيه نسأل الله السّلامة.

ويستفاد من هذه الآية : أنّه ينبغي للعبد أن يثبت على طاعة الله وألّا ينقض العهد وأن يستمرّ على ما يرضي الله قال سبحانه ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 123) والغزل هنا : المراد به (المغزول)؛ فالمصدر هنا بمعنى : اسم مفعول (أي المغزول).

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النحل: 122) يعني : أنقاضاً فأصل المادّة يدلّ على نقض الشّيء ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ (النحل: 126) قالوا هنا في المختصر في المختصر (تصيّرون أيمانكم خديعة يخدع بعضكم بعضًا بها) يعني : أنّه من وسائل نقض العهد : أنّه يتّخذ اليمين وسيلة للخداع؛ لأنّه من شأن الطّرف الآخر إذا علم أنّك أقسمت له باليمين أن يصدّقك فيأمن جانبك فتكون الخديعة منك له فهذا محرم لأنّك وكّدت له باليمين؛ ولأنّك عاهدته ثمّ نقضت هذا العهد فقوله ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (النحل: 127) هذا تحذير ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ (النحل: 126) أي : دخلاً ومنكرًا بينكم وخديعة، لذلك فسّروه هنا بالخديعة ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ (النحل: 126) قالوا في المختصر (يخدع بعضكم بعضًا بسبب هذه الأيمان) وهذا في الحقيقة دأب المنافقين فهم كما قال الله ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 16) [سورة المجادلة :16].

قال ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 16) هنا قالوا في التّفسير (لتكون أمّتكم أكثر وأقوى من أمّة أعدائكم ) فجعلوا الأمة الأولى : هي أمّتهم - أمة هؤلاء المتّخذين والنّاقضين للعهد -.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128) يعني : تفعلون ذلك وتتخذون الأيمان دخلا بينكم من أجل أن تكونوا أقوى من غيركم، وهذا لا يليق لأنّ القوّة لا يحصل عليها بالخديعة ولا يحصل عليها بالغشّ، ونقض العهد ومن أهل العلم من لم يقيّد ذلك بهذا؛ لأنّ الله أتى بكلمة { ﲢ } منكّرة لذلك في الطّبعة الجديدة في المختصر قالوا (من أجل أن أمة أكثر وأقوى من أمة أخرى) بإطلاق (من أجل أن أمة أكثر وأقوى من أمة أخرى) فيكون المعنى على هذا التّفسير هو أوجه (في الطّبعة الجديدة ) : إنكم تنقضون العهد وتتخذون الأيمان وسيلة إلى ذلك وخديعة حينما تجدون غير هؤلاء الّذين اتّفقتم معهم أكثر وأقوى فتميلون إليهم، وتتركون من اتّفقتم معهم خداعاً بسبب الأكثريّة الّتي لديهم فالمعنى على ذلك : إذا عاهدتم قوماً فاثبتوا على عهدكم ولا تنقضوا العهد، ولا تلتفتوا إلى أكثريّة موجودة عند غيرهم؛ لأنّ المعوّل عليه إنكم إذا عاهدتم فأوفوا بتلك العهود.

وهذا فيه :- أنّه للمرء أن يفي بعهده وألّا يلتفت بعد العهد إلى آخرٍ لم يعاهده ممّن هو أقوى أو أكثر

2-وبعض العلماء جعل قوله ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 16) أنّ المراد بذلك أمة الشّرك بمعنى :- أنّ هؤلاء يميلون إلى المشركين؛ لأنّهم أكثر من أهل التّوحيد، وما كان ينبغي لكم ذلك لأنّ هذه القلّة (قلّة مؤمنة ) وهي حقيقة بالوفاء لها والاستمرار معها، والسّير على منوالها واقتفاء أثرها ونصرتها { ﲨ ﲩ ﲪ ﲫﲬ} يختبركم الله بالوفاء بالعهود؛ فالوفاء بالعهود عبادة، والعبد يختبر به أيثبت أم لا؟

ثمّ قال ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) وتقدّم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنّه من أسباب وجود يوم القيامة أنّ فيه بيان ما اختلف فيه النّاس ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) [سورة النحل:39].

قال ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ﴾ (النحل: 39) ما المراد بالأمّة الواحدة؟ المراد بها : أمّة واحدة على الدّين أي على الحقّ - أي : على التّوحيد - أي : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً متّفقة على التّوحيد كقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99) [سورة يونس:99] فالآية تدلّ على ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن﴾ يجعل النّاس كلهم على الإيمان؛ لكنّ ربّي قدّر وقضى أن يكون هناك المؤمن، وهناك الكافر وهناك البرّ وهناك الفاجر لذلك قال بعدها ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) [سورة النحل:93]. نعم

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

للكفّار ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ عذابٌ مضاعف بسبب إفسادهم في الدّنيا بالكفر والمعصية : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (النحل: 49)

لا تخلو الأرض من أهل الصّلاح والعلم وهم أئمّة الهدى خلفاء الأنبياء والعلماء حفظة شرائع الأنبياء : ولذلك قال ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) فالأصل أنّهم الرّسل وأيضا اتّباع الرّسل لذلك اتّباع النّبيّ محمّد ‘ يكونون شهداء على الأمم السّابقة.

حدّدت هذه الآيات دعائم المجتمع المسلم في الحياة الخاصّة والعامّة للفرد والجماعة والدّولة : وهذا واضح فالدعائم العامّة امتثال للأوامر واجتناب النّواهي ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95) ثمّ بيّنت ما يتعلّق بالأمّة عمومًا ﴿مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 117) وقال ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92)

النّهي عن الرّشوة وأخذ الأموال على نقض العهد قال سبحانه ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92) [سورة النحل:92] لأنّ كلمة أربي يدخل فيها الكثرة والكثرة يتعلّق بها الكثرة في المال بأن تكون هذه الأمة أغنى فمن أجل ذلك تتّبعونها، وتنقضون العهد وتنكثون الأيمان ونسأل الله السّلامة.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93)

﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) قالوا في المختصر أي :- (ولا تصيّروا أيمانكم ) ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95) أي خديعة ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95) وأصل المادّة يدلّ على معنى الفساد، ولذلك يقال : فلان دخيل ليس أصيلاً فهو تسلّل ليفسد الأصل وليدخل عليه فلذلك قال ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 96) وسيلة للخديعة ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) فتسقط وتزلّ وتزلق هذه القدم ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98) بعد أن كانت ثابتة وبعد أن كانت على الهدى وقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98) فيه : نعيٌ على هؤلاء الّذين يتركون الحقّ بعد معرفته ويحيدون عنه بعد الدّخول فيه.

﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) وتذوق ما يسوؤكم من عذابٍ ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 100) قالوا هنا في المختصر في المختصر (بسبب ضلالكم عن سبيل الله وإضلالكم غيركم عنها) فهذا فيه أنّ قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) يشمل المعنيين :-

لأنّ صددتم يحتمل أيضًا :- أنّ المراد بها هنا الإعراض يعني : بما أعرضتم عن سبيل الله.

أو بما صددتم غيركم.

ويحتمل أنها تشمل المعنيين فإذًا ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) أعرضتم وصددتم غيركم عن سبيل الله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103).

ثمّ قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 104)

تحذير من أن تغرّكم الدّنيا، تحذير من الاغترار بالدّنيا؛ لأنّ هذه الأيمان الّتي تنقض - هذه العهود الّتي تترك - ولا يوفى بها هذه الأيمان المؤكّدة الّتي تٌنقض ما السّبب في ذلك؟

الرّكون إلى الدّنيا كما تقدّم في الآيات السّابقة ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: 92) [سورة النحل:92]. فلذلك حذّرنا ربّ العزّة سبحانه من الاغترار بالمتاع الدّنيويّ الزّائل.

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) اتّقوا الله وحافظوا على عهد الله ولا تنقضوه وقوله هنا ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 94) هنا وصفٌ كاشفٌ كما تقدّم غير مرّة في مثل ذلك، تقدّم الكلام على ذلك غير مرّة أنّ هذا يقال له وصفٌ كاشفٌ لم؟

لأنّ ما ينافي عهد الله لا يكون إلّا قليلا من رام الدّنيا وترك الآخرة لا يكون الثّمن الّذي ينتظره إلّا القليل حتّى وإن ظنّ أنّه كثير فقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 93) ليس فيه أنّه إذا كان ثمنًا كبيرًا فأقبلوا عليه وانقضوا عهد الله؛ وإنّما المعنى : بيان أنّ هذا العرض عرضٌ قليل مهما ظنّ الإنسان أنّه كثير فهو في جانب عهد الله، وفي جانب الآخرة قليل كما قال ﴿وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ﴾ (البقرة: 41) [سورة البقرة :41]. فهذا ليس قيدًا للاحتراز وإنّما هو وصفٌ كاشف.

﴿وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ﴾ (البقرة: 41) ما عند ﴿ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ممّا تنالونه من هذا العوض القليل ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 95)

ثمّ جاء تقرير ذلك والتدليل عليه لأنّه قد يقول قائل وما وجه الخيريّة؟ لماذا ما عند الله خير ممّا يعطاه هذا على نقض عهده؟

فالجواب ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 96) هذا من دلائل أنّ ما عند الله خير؛ فالجملة بمثابة التّعليل لما سبق وتقريره ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) يذهب، ما عندكم من مال ولذّاتٍ ونعمٍ ونعيمٍ ينفد ينقضي ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ (النحل: 98) : دائم مستمرّ لا ينقطع، وفيه :-أنّ الجنّة لا تفنى يعني يمكن أن يستفاد من ذلك أنّ الجنّة لا تفنى؛ لأنّ ما عند الله باق، فهي ثواب الله سبحانه وثواب الله مقيم دائم ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) يتفضّل ربّي سبحانه فيكرم الصّابرين، ويعطيهم ﴿أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ قالوا هنا في المختصر (بأحسن ما كانوا يعملون من الطّاعات فنجزيهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة ).

وتقدّم أنّ بعض العلماء يرى أنّ الآية تحمل على أنّ العبد يجزى أحسن الأعمال فيكافئ بالعمل الأفضل فإذا عمل عملًا مباحًا، وعملا مستحبًّا كوفيء على العمل المستحبّ وربّما كوفيء على المباح بما يناظر المستحبّ إكراماً له وتفضّلًا فيجازى بأحسن الأعمال ممّا عمل، فإذا كان هناك حسن وأحسن يجازي بالأحسن وهذا من إكرام الله لعباده.

ثمّ قال ﴿إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: 100)

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101) دعوةٌ إلى العمل الصّالح، دعوة إلى الإيمان والعمل الصّالح ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102) لأنّ الأنثى كالذّكر في التّكاليف إلّا ما ورد الدّليل بالتّفصيل والتّخصيص.

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103) وهذا لا بد منه لأنّ العمل الصّالح بلا إيمانٍ لا يكون صالحًا في الحقيقة ولا يتقبّله الله، قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 104)

قال أكثر المفسّرين :- أي في الدّنيا والحياة الطّيّبة قالوا هنا في المختصر (حياة طيّبة بالرّضا بقضاء اللّه وبالقناعة والتّوفيق للطّاعات) إذًا ما المراد بالحياة الطّيّبة؟

الحياة الطّيّبة :-تشمل كلّ ما تطيب به حياة الإنسان في الدّنيا، ومنه دعوات الصّالحين.﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ (البقرة: 201) [سورة البقرة :201]. فالمراد بها حسنة الدّنيا,

فإن قال قائلٌ :ربّما ابتلي المؤمن في الدّنيا؛بل إنّ الأصل أن يبتلى المؤمن، وأن يبتلى النّاس وقد يصاب بجوع وهمٍّ وكربٍ وغير ذلك؛ لكنّه لا يسلب الرّضا بقضاء الله ـ

وهذا من أعظم ما يطيب به العيش فشتّان بين عبد رزق أموالاً طائلة، وهو ساخطٌ على قدر الله، وبين آخر ليس معه إلّا القليل؛ إلّا إنّه راضٍ بقضاء الله سبحانه، وعنده القناعة فهذا الّذي عنده الرّضا والقناعة أحسن حالًا وأطيب معيشة.

قال ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 105) قالوا في المختصر (ولنجزينهم في الآخرة ثواب أعمالهم) ولعلّكم تذكرون ما تقرّر سابقًا أنّ الله سبحانه وتعالى حينما يذكر الجزاء على الأعمال ففي كثير من الأحوال يذكر الجزاء الدّنيويّ والجزاء الأخروّي، ومن ذلك هذه الآية الكريمة فهنا قال ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (النحل: 105) وتقدّم معنا قريباً مثل ذلك أيضًا في هذه السّورة الجليلة.

ثمّ قال ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106) ذكر قراءة القرآن بعد ما سبق يمكن أن يقال من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ فبعد أن ذكر العمل الصّالح ذكر نوعًا من أنواع الأعمال الصّالحة؛ بل من أمثلها وأفضلها وهو قراءة القرآن الكريم ففيه أنّ قراءة القرآن الكريم من أفضل الأعمال الصّالحة

﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106)

المراد بقوله ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (النحل: 107) كما قالوا هنا في المختصر (فإذا أردت قراءة القرآن) وعلم ذلك من فعل النبي ﷺ، وأيضا من واقع الأمر، والمقصود من هذه الاستعاذة؛ فإنّ المقصود من الاستعاذة بالله أن يتحصّن الإنسان قبل القراءة من الشّيطان الرّجيم؛ فلذلك تكون هذه الاستعاذة مشروعة قبل القراءة وهكذا كان يصنع الرّسول ‰ فيستعيذ قبل قراءته ‘ إذا فهمنا أنّ معنى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: 6) يعني : فإذا أردت القراءة وهذا كقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: 6) [سورة المائدة :6] فالمراد بقول كقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: 6) إذا أردتم القيام فيعرف هذا من السّياق ومن الدّلائل الخارجيّة أيضًا ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106)

إذًا أحياناً يعبّر بالفعل ويراد به : إرادة الفعل وهذا مثال لذلك، على أنّه في قوله سبحانه في سورة القيامة ﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾ (القيامة: 18) [سورة القيامة :18] ليس المراد : فإذا أردنا القراءة؛ إنّما المراد ﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ﴾ (القيامة: 18) يعني : فإذا قرأناه يعني : تمّم القراءة وأدّاها المراد بذلك أن يتبع القراءة إلى نهاية القراءة، وليس الشّروع في القراءة بل بإنهائها فالفعل مراد لذاته وليس المراد به الإرادة

إذًا هذا بحسب السّياق -والعلم عند الله-ï قال ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106) هذا ممّا يشرع للمسلم أن يأتي به قبل قراءته، وهناك آداب ينبغي لقارئ القرآن أن يتحلّى بها، وقد صنّف العلماء في ذلك رسائل نفيسة وكتبًا جليلة (كتاب التّبيان في آداب حملة القرآن) للنّوويّ ¬ تعالى وغيره ممّا صنف العلماء في هذا الباب.

قال ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106) الطريد من رحمة الله المطرود الملعون (فالرجيم) بمعنى : المرجوم.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (النحل: 108)

﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (النحل: 109) أي : الشّيطان ليس له سلطان، وليس له تسلّط ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 110) أو ليس له حجّة فالسّلطان نفسّرها بتفسيرين :-

1- الوجه الأول : ليس له حجّة على الّذين آمنوا.

لكن هنا قد يعترض بأنّه ليس له حجّة على الّذين آمنوا ولا على غير الّذين آمنوا؟!

فيقال: إنّ احتجاجه على غير الّذين آمنوا بمعنى : الشّبهة إذا ﴿۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: 111) يعني : أي احتجاج ولا وجه عند الّذين آمنوا فهم لا يقبلون كلامه؛ وأمّا غير المؤمنين فإنّهم قد يقبلون كلامه بما يشوّش عليهم، فيكون كلامه كأنّه حجّة وهو في الحقيقة شبهة.

2-والمعنى المشهور ليس له تسلّطٌ على الّذين آمنوا فإنْ قال قائل : كيف وقد يتسلّط الشّيطان على المؤمن والمؤمن قد يعصي ربّه ، ولا يخلو المؤمن من ذنبٍ فيقال ﴿۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: 111) يعني : تسلّطٌ واستحواذ بحيث يمنعه من التّوبة وأمّا المؤمن وإن تسلّط عليه الشّيطان فإنّه كما قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201) [سورة الأعراف:201]. فهو ليس تسلّطًا كاملاً ولا تامًّا ولا دائمًا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201)

وتأمّل قوله ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112) بعد قوله ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ (ق: 20) هناك مناسبة قد يقول قائل ما علاقة ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ (النحل: 113) لأنّ الحديث قبل ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًا طَيِّبًا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل: 114)

1-فهذا له علاقة بالحديث عن الشّيطان.

2- ثمّ أيضًا أمرنا بالاستعاذة لِمَ؟ لأنّ الاستعاذة توكّلٌ؛ فكأنّ الله يقول : فإذا قرأت القرآن فتوكّلوا على الله بالاستعاذة به فإنّكم إذا استعذتم به فإنّ الشّيطان لا يتسلّط عليكم إذ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فهذا هو المراد.

ثمّ قال ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 115)

﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116) سلطانه : أي تسلّطه بالوساوس ﴿مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: 117) يتّخذونه وليًّا ويطيعونه في إغواءاته ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 118) ﴿هُم بِهِۦ﴾ (النحل: 100) على من يعود الضّمير في قوله (به) ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 118)؟

1-هناك من يرى من المفسّرين أنّ الضّمير يعود على ربّ العزّة سبحانه فيكون المعنى : (والذين هم بالله)؛ فالمعنى أنّ الشّيطان له تسلّط بالوساوس والإغواءات على من يتولّاه، وعلى الذين هم بالله مشركون؛ فالمشركون هم الّذين يتسلّط عليهم الشّيطان الرّجيم فيكون الضّمير عائدًا على الله . وهذا القول الّذي فيه أنّ الضّمير يعود على الله قال به عدد من المفسّرين الكبار كابن جرير الطّبريّ والقرطبيّ وغيرهما.

2-وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ومن المفسّرين من قالوا :بل إنّ الضّمير يعود على الشّيطان لأنّ الضّمائر السّابقة تعود على الشّيطان وهو ما رجّحوه هنا أو مالوا إليه في المختصر وتكون الباء هنا بمعنى السّبب فيكون المعنى : (والذين هم بسببه مشركون) فما معنى (به)؟ أي:- بسبب إغواءاته مشركون؛ فتكون عائدة على الشّيطان – أي الّذين هم بسبب إغوائه مشركون بالله .

ويرجّح هذا:- أنّ القول باتّحاد الضّمائر أولى من القول بتفريقها.

3-على أنّه يقال -والعلم عند الله- أنّ هذا الخلاف في حقيقة الأمر قريبٌ؛ لأنّنا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنّ الباء هنا بمعنى السّبب، والضّمير يعود على الشّيطان فسيبقى أنّ قوله سبحانه ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 119) مشركون بمن؟ بالله فيكون المعنى ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (النحل: 118) بالله؛ لكنّ الأوّلين لم يقدّروا (بالله) بعد كلمة مشركون، وجعلوا (به) يتعلّق بقوله المشركون؛ وأمّا هؤلاء جعلوا (به) أي : بسببه مشركون أي مشركون بالله سبحانه وتعالى فعلى كلٍّ الأمر في ذلك يسير وقريب.

وفيه أنّ الشّيطان الرّجيم يغوي ويضلّ ويوسوس لهؤلاء ويوقعهم في الشّرك بالله وأنّ من أشرك بالله فقد وقع في حبائل الشّيطان فيستمرّ على ذلك إلا أن يهديه الله سبحانه.

قال بعدها ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120)

﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160) هنا ذكرٌ لشبهة أوردها بعض أهل الشّرك؛ وكأن العلاقة والله أعلم ذكرٌ لبعض وساوس الشّيطان؛ فالشّيطان يوسوس، ومن هذه الوساوس إلقاء الشّبهات ومن ذلك ما يلقيه إلى المشركين فيما يتعلّق بالقرآن الكريم.

﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ (النساء: 160) ذهب الجمهور من المفسّرين إلى أن التّبديل بمعنى النّسخ والنّسخ كما تقدّم : هو رفع حكم ثابت بخطاب شرعيّ آخر متراخي عنه لولاه لكان الأول باقيًا؛ فيرفع حكماً شرعيّاً ثبت بدليل - بخطاب آخر - متراخ عنه يعني (متأخّر عنه) لا يكون معه؛ إنّما يكون متراخيًا عنه. لذلك يشترط في النّسخ تأخّر النّاسخ عن المنسوخ وإلّا لكان من قبيل التّخصيص، (لولاه لكان الأول باقيًا ) : يعني : كان الحكم الأول باقيًا ومستمرّاً؛ فلمّا جاء النّسخ فتوقّف العمل بالحكم الأول.

دروس مشابهة