مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الرحمن جزء 9 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 37 من 61 · 20 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الرحمن. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾2 (الرحمن: 62). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾3 (الرحمن: 63). ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 65). ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾4 (الرحمن: 66). ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 67). إلى آخر الآيات الكريمة تقدَّم يا أيها الإخوة الكرام، إن رب العزة سبحانه وتعالى، وعد من يخافون مقامه بقوله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾5 (الرحمن: 46). فقال بعض المفسّرين: إن الذي يخاف مقام ربه قد وعده الله بأربع جنان هاتان الجنتان اللتان ذُكرتا.

أولًا ثم الجنتان اللتان ذكرتا بعد وهما المذكورتان في قوله ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 62). فيكون لهم جنتان وجنتان جنتان من ذهب آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وجنتان من فضة «آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا» كما جاء في حديث أبي موسى رضي الله عنه عند الشيخين وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلِ الْجَنَّتَانِ الْأُولَيَانِ لِلْمُقَرَّبِينَ فَهِيَ لِلْثُلَّةِ أَوْ لِلْفَرِيقِ الْأَعْلَى وَأَمَّا الْجَنَّتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 62).

فَهُمَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ لأنَّ أهل الجنة منهم المقربون، ومنهم أصحاب اليمين، وفي كل خير. لكن المقربين أعلى منزلة وأسمى مكانة عند الله سبحانه وتعالى، فلهم من النعيم ما هو أجل وأعظم. وقد عملوا في الدنيا ما هو أجل وأعظم وأكثر من طاعة الله سبحانه وتعالى، ويكون هذا كالتقسيم الوارد في سورة الواقعة ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾6 (الواقعة: 10-11).

وذكر أصحاب الميمنة. فقالوا: هذا فريق هذا فريق ويشهد لهذا أن أوصاف الجنتين السابقتين أعلى من أوصاف الجنتين اللاحقتين ويشهد لذلك أيضًا التعبير بقوله، ومن دونهما. فإنَّ دون تأتي بمعنى أقل كما في قول ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾7 (النساء: 48) ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾، يعني: ما هو أقل من ذلك لمن يشاء. فقال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن: 62).

﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 69). بأي عجائب ربكما وآلاء ربكما ونعم ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ يا معشر الثقلين ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64)، يعني: من أوصاف الجنتين لأنَّهما ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64). وتجد أن كلمة ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64). كلمة واحدة جاءت بالمثنى وهي آية مستقلة، يعني: مدهامتان آية كاملة وهي على تقدير مبتدأ، يعني: هما ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64). فهذا فيه أن الكلمة الواحدة قد تقع آية. لكن هذا يُعرف من خلال السياق من الآيات الكريمة ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64).

والمدهام المائل إلى السواد قالوا ذلك، أن الأشجار حينما تكون خضراء يانعة في الخُضرة أو في الاخضرار فإنَّها تميل بخضرتها إلى السواد الشيء حينما ينضج ويكون شديد الخضرة يميل إلى السواد هذا يُسمَّى ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64). فهذا يدل على أن الجنتين قد أينعت ثمارهما كأبلغ ما يكون ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ (الرحمن: 64). لكن هناك ربنا قال في الجنتين ذوات أفنان ذوات أفنان أغصان أو ذوات أنواع من صنوف الخيرات فهناك كان أبلغ في بيان قدر الجنتين ومكانة الجنتين ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 71).

﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (الرحمن: 66). أي: عينان فوارتان فيستغنون بهاتين العينين عن الحاجة إلى شيء خارج عن الجنتين ففي الجنتين هاتان العينان. فقال: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (الرحمن: 66). والنضخة الشيء الفوار، يعني: أنها تفور. لكن تجريان أعلى أيضًا كما قال كثيرون فالجريان يدل على الكثرة التي هي غير محصورة ولكن النضخ أعلى من النضح فعندنا نضح ونضخ وجري أعلاها الجري ثم النضخ ثم النضح.

ثم قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 67). ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾8 (الرحمن: 68). لكن هناك قال في الجنتين: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، فعمَّم: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ فَٰكِهَةٍ زَوْجَانِ. لكن هنا قال ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (الرحمن: 68). فيهما فاكهة أي: فاكهة كثيرة فالتنكير هنا للتكثير فاكهة ونخل ورمان وذكر النخيل وخصه بالذكر اهتمامًا به لأنَّ النخل يجني من الثمار ما يجني ويجني من التمر ما يجني قال ورمان وهي من جنس الفاكهة لكنَّها خصت بالذكر تنويهًا بمكانة الرمان لأنَّ الرمان في الحقيقة فيه الفاكهة أو التفكه، وفيه غذاء، وفيه كذلك دواء فيجمع بين هذه الأنواع كلها.

فقال: ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (الرحمن: 68). فالتخصيص بعد التعميم تنويه بالشرف والمكانة ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 69). أكل وشراب فالعينان نضاختان والفاكهة والنخل والرمان كل هذا متاح. إذن بقي النساء بقي الحور العين. فقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ﴾9 (الرحمن: 70). وجمع هنا في وصفهما وصفين، ذكر وصفي خيرات حسان وخيرات جمع خيرة. والمراد بها: كما قال كثيرون، يعني: خيرات في الأخلاق وحسان أي: في الوجوه، يعني: جمعنا بين جمال الباطن وجمال الظاهر ممكن واحدة تلاقيها جميلة جدًّا تقول تُوضع في الواجهة كما يقال.

لكن أخلاقها تُبعدك وراء الشمس أخلاقها متعبة جدًّا فلا تدري أتقبل عليها أم تدبر عنه إذًا رآها أعجبت وإذا سمع عن أخلاقها أسأت. لكن ربنا أثنى على جمال الباطن وجمال الظاهر خيرات، يعني: أخلاقها غاية في الخير أخلاق جميلة لأنَّها طائعة لزوجها لا تعصيه، ولا تخالفه، ولا يرى منها إلا ما يسره ويثلج صدره، وأيضًا حسان أحسن ما يكون في الجمال فجمعت بين جمال الباطن وجمال الظاهر جمال معنوي وجمال حسي فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَ تُكَذِّبَانَ ﴿حُورٌ مَّقْصُورَٰتٌ فِى ٱلْخِيَامِ﴾10 (الرحمن: 72).

فهن حور والحور شديدة الجمال ويقول بعضهم أصل المادة الحور يدل على بياض أو على سواد في بياض. وذلك لأنَّ أجمل ما يكون في المرأة، أن يكون سواد عينها واضحًا جدًّا في بياضها فجمعت بين الوصفين، بين جمال الوجه وبياضه وبين السواد الموجود في العين في بياضها. وهذا معنى الحور على قول كثير من أهل التفسير أو أن الحور بمعنى البيض كما قال بعضهم: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَٰتٌ فِى ٱلْخِيَامِ﴾ (الرحمن: 72).

مقصورات، يعني: محبوسة أصل القصر الحبس. والمقصود هنا، يعني: أنها مقصورة في الخيام أي: في خيمتها التي هي من اللؤلؤة في بيتها في قصرها لا تخرج، لماذا؟

لأن الكريمة الشريفة لا تحتاج إلى خروج. ولذلك تجد لك ذا بنت زوات ده بنت ملوك ده أول ما تنزل الأرض لك عم ما بتنزلش لو مر في السد. لكن الثانية خرّاجة واللاّجة عمّالة تجري الجبهين وهناك ما من أحد يقوم على أمورها فالمعنى أنها لا تحتاج إلى الخروج أصلًا فهي مقصورة لعدم حاجتها إلى الخروج. وقال بعض المفسّرين لا يمنع ذلك أنها تخرج أحيانًا على سبيل التنزه كذا قال عدد من المفسّرين.

لكن المعنى أنها في الأصل باقية في خيمتها، وفيه معنى آخر وهو استغناؤها بزوجها عن غيره، يعني: ليست محتاجة أن تنظر لأحد آخر هي مكتفية به. لكن أيضًا بعض العلماء قالوا الوصف الأول فيهن قاصرات الطرف. لكن هنا مقصورات وقاصر اسم فاعل مقصورات اسم مفعول قاصرات هي التي حبست نفسها، يعني: هي أدّتها. لكن هي لا تمتد كما قلت: لا تمتد عيناها إلى غيره.

لكن مقصورات قصرت على أزواجهن فصار ليس لهن بغية في غير أزواجهن. وهذا من العزة بمكان، أن تستغني المرأة بزوجها عن غيره وأن لا يمتد أو تمتد عينها إلى غيره مهما كان ﴿حُورٌ مَّقْصُورَٰتٌ فِى ٱلْخِيَامِ﴾ (الرحمن: 72). والخيام هناك من لؤلؤ ونحو ذلك مما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 73) ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾11 (الرحمن: 74). كما تقدم في وصف أيضًا الأول ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾، يعني: لم يطأهن ﴿فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾، ولا جان، يعني: هن أبكار لم يصبهن أحد فهي لا تزال بكرًا.

وقال بعضهم: كلما فض غشاء عادت مرة أخرى إن صح التعبير بذلك. لكن المقصود بذلك أنها أبكار، يعني: أن أعلى ما يكون من التنعم والتلذذ موجود مع تلك المرأة في كل جماع، وفي كل مرة يأتي الرجل امرأته من ذلك. وهذا من إكرام الله سبحانه وتعالى، لأهل الجنة ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ ﴿فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾، ولا جان ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 75). أكل وشرب ومع الحور العين وأعد في الأصل فبمدد بقاء مرحلة التمديد وإنه يتكئ وهو الواحد لما يكون في نعيم لماذا متكئ هكذا.

لكن لما تلاقيه الآن ما زال يقوم ويذهب ويجيء. فقال: متكئين هنا قال ماذا قال هناك ﴿عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وقلنا إذا كانت البطانة من الحرير أما الظهارة تكون من ماذا. لكن هنا قال ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾12 (الرحمن: 76). ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ (الرحمن: 76). قال بعضهم: على رفرف خضر، الرفرف قالوا الوسائد بعضهم يقول المرتفعة فلا يقال لها: رفرف إلا إذا كانت عالية مرتفعة.

وذلك أنَّ المكان الفخم العالي توضع فيه بعض الوسائد وتكون مرتفعة وعالية فيتكئ على هذه ويتكئ على تلك وتكون أمامه جميلة واضحة وأفضل ما يكون من الألوان اللون الأخضر. ولذلك تكرر اللون الأخضر كثيرًا: ﴿عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ وفي العلم الحديث قد جاء ما يقرر ذلك والمتخصصون في الألوان أثبتوا ما للون الأخضر من أثر جميل وجذاب عند الناظرين إليه.

لكن على كل هذا متقرر سابقًا في كتابه ربنا سبحانه وتعالى، على رفرف خضر، يعني: يرفرف يعلو بهم ويرتفع ويجدون شيئًا من المتعة واللذة وعبقري حسان والعبقري الفرش والبسط يبقى إذًا عنده وسائد عالية ومرتفعة أماكن يعلو بعضها بعضًا طب والفرش اللي هي البسط التي يتكئ عليها أو يستريح عليها عبقري لا يقال للشيء عبقري إلا إذا فاق جميع نظرائه.

ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، أثنى على عمر رضي الله عنه فلم أرَ عبقريًّا يفري فريه، فري عمر رضي الله عنه. وقال بعضهم: العبقري في الأصل مساكن كانت مشتهرة لديهم أنه يسكنها الجن أو ما نحو ذلك حتى يقال في كلامهم المعروف عند أهل اللغة في السابقين إذ كانوا يقولون ده فلان ده عبقري فالعبقري يقال لمن فاق نظائره فالمعنى وعبقري، يعني: فاقت كل البسط وكل الفرش وجاء وصفها بقوله حسان، يعني: جميلة غاية في الجمال.

إذن هي غاية في الحسن والتألق والتفوق على ما سوى هذا بالنسبة للفرش وبالنسبة للوسائد وطبعًا جاء وصفها في مواضع أخرى من القرآن الكريم كما جاء في سورة الغاشية ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ إلى غير ذلك مما ورد في القرآن الكريم وسيأتي تفصيل ذلك في مواضعه بإذن الله تعالى.

ثم قال ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 77). طعام وشراب وحور عين واتكاء ونعيم كثير هذا من فضل الله على عباده ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 13). هكذا السورة الكريمة ذكر الله طرفًا من نعيم الآخرة بعد أن ذكر كثيرًا من الآيات المتعلقة بالدنيا من خلق الإنسان، وقبل ذلك تعليمه القرآن فبدأ الرحمن علم القرآن وذكر خلق الإنسان وتعليم الإنسان البيان وما جرى من خلق الشمس والقمر وما كان من خلق النجم والشجر وما إلى ذلك من نعم كثيرة من نعم أنعم الله عز وجل بها على عباده ثم ختم الله السورة الكريمة بقوله ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾13 (الرحمن: 78).

تبارك ويدل على معنى تكاثر تكاثر خيره وعظم خيره سبحانه وتعالى، وأصل مادة البركة تدل على الكثرة، وعلى الثبات فخيره دائم وثابت وكثير فخيره دائم وثابت وكثير تبارك اسم ربك فاسم الله جل وعلا مبارك لا يُذكر في قليل إلا كثَّره، ولا يذكر في شيء وإن بدأ صغيرًا إلا صار عظيمًا تبارك اسم ربك وإذا كان اسم ربك كذلك فالله جل وعلا ذاته وصفاته مباركة سبحانه جل وعلا ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 78).

وقوله: ذي هكذا بالجر تعود على قوله ربك ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى﴾ فلذلك جاءت مجرورة بخلاف ما جاء في قوله تعالى ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو﴾ فقوله: ذو وصف للوجه فهناك. الوجه ذو الجلال والإكرام وهنا الرب ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى﴾ أي: للرب على أنَّ هناك قراءة متواترة وهي قراءة ابن عامر وقراءة ابن عامر وقراءة أهل الشام وقراءة متواترة يقرأ أيضًا تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام على أنه بدل أو عطف من قوله أو نعت لقوله اسم فإذا كان الاسم ذو الجلال والإكرام فكذلك ربنا سبحانه وتعالى، ذو الجلال والإكرام وقوله: ذو الجلال، أي: الذي له صفات الكمال فهو سبحانه وتعالى أهل لأن يُجَلَّ وأن يُعظَّم وهو سبحانه وتعالى، يرفع شأن من يعظمه، ومَنْ يقدره، ومَنْ يطيعه ذو الجلال والإكرام الذي يكرم عباده ويتفضل عليهم ويحسن إليهم سبحانه عز وجل والآية الكريمة جاءت بعد سياق طويل في السورة الكريمة والسورة كلها لا تخلو من ذكر لمواضع الجلال أو مواضع الإحسان فما ذكر من أنه ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾14 (الرحمن: 26-27).

وما ذكر من اقتدار الله على خلقه هذا من معاني ذو الجلال وما ذكر من مواضع الامتنان، ومن مواضع الإحسان. ومن ذلك قوله ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾15 (الرحمن: 60). فهو مناسب لقوله والإكرام فتبارك ربنا ذو الجلال والإكرام وبهذا. يا أيها الإخوة الكرام، نكون بفضل من الله وإكرام قد انتهينا من تفسير سورة الرحمن لننتقل بإذن الله تعالى في الدرس المقبل إلى السورة التي تليها وهي سورة الواقعة.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا والله أعلم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 62 ↩
  3. آية: ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 63 ↩
  4. آية: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 66 ↩
  5. آية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 46 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 10-11 ↩
  7. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 48 ↩
  8. آية: ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 68 ↩
  9. آية: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 70 ↩
  10. آية: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَٰتٌ فِى ٱلْخِيَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 72 ↩
  11. آية: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 74 ↩
  12. آية: ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 76 ↩
  13. آية: ﴿تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 78 ↩
  14. آية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 26-27 ↩
  15. آية: ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 60 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 64

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة