تفسير سورة الواقعة جزء 3 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بتفسير سورة الواقعة، وقد توقّف بنا الحديث عند قول الله جل وعلا: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ﴾2 (الواقعة: 27) ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾3 (الواقعة: 28) ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾4 (الواقعة: 29) ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾5 (الواقعة: 30) ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾6 (الواقعة: 31) ﴿وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾7 (الواقعة: 32) ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾8 (الواقعة: 33) ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾9 (الواقعة: 34) ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآ10ءً﴾ (الواقعة: 35) ﴿فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا﴾11 (الواقعة: 36) ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾12 (الواقعة: 37) ﴿لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾13 (الواقعة: 38) ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾14 (الواقعة: 39) ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ﴾15 (الواقعة: 40).
بعد أن حدّثنا الله عن المقرّبين وذكر لنا طرفًا من نعيمهم أتبع ذلك بذكر أصحاب اليمين، وهم الدرجة الثانية والتالية للمقرّبين وكلّهم خيار. فقال: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ﴾ بهذا الأسلوب الذي فيه التفخيم حينما كرّر وصفهم وحينما أتى بـ«ما» التي تدلّ على الإبهام والتفخيم. ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ﴾ لم يقل: وأصحاب اليمين ما هم، وإنَّما كرّر ذكرهم تنويهًا بشرفهم وقدرهم. وهذا يأتي في الحديث عن الأمر المفخَّم كقوله: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾16 (القدر: 2) وأيضًا ﴿ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾17 (القارعة: 1-2) ونحو ذلك.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ ذكر لنا أيضًا طرفًا من نعيمهم فقال: ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾. والسدر المخضود: أما السدر فهو شجر معروف ويقال له: النبق، وهذا الشجر له مكانته لا سيّما عند العرب وكانوا ربما يسافرون الأسفار البعيدة من أجل تحصيله. فربنا ذكر أن أهل الجنة يعيشون في هذا النعيم فالشجر قريب منهم، ما يكون بعيدًا في الدنيا فهو قريب منهم في الآخرة. فقال: ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ ولذلك ربنا ذكر لنا سدرة المنتهى: ﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ﴾18 (النجم: 14-15). وأخبرنا النبي «صلى الله عليه وسلم» أن أوراقها مثل آذان الفيلة وأيضًا كأنها قلال هجر، فإذا نبقها كأنه قلال هجر، فهذا يدلّ على مكانتها. فقال: هنا ربنا: ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ والمخضود أي: الذي قُطع شوكه، لأنهم كانوا يأتون بالنبق من أماكن بعيدة لكن يُشكل عليهم في هذه الأشجار لأنهم يجدونها مليئة بالأشواك، فربنا جمع لهم بين الخيرين: أن يحصلوا ما أرادوا وألّا يكون فيه شوك. فهذا معنى ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: خُضد من شوكه فأُزيل عنه هذا الشوك.
﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ والطلح على قول كثير من المفسّرين هو شجر الموز فهم يتمتّعون بأكله ولم يكن أيضًا متوافرًا لديهم بكثرة، وكان معروفًا لديهم بمكانته. فقال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقال آخرون: بل هو شجر آخر من الأشجار المعروفة ذات المكانة عندهم. وقوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ أي: متراكب بعضه إلى بعض قد حمل أسفله إلى أعلى فهي أحمال فوق أحمال، فهو ممتلئ بهذا الشجر، لا أنهم يجدون شيئًا ولا يجدون غيره أو يجدونه بقلّة وإنَّما هو متوافر وكثير في الجنة.
﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وجمع لهم بين الأشجار المختلفة: فبعض هذه الأشجار لم يكن معروفًا إلا في البادية وهذا يذهبون إلى أماكن بعيدة لتحصيله، فجمع لهم ما هو موجود بالقرى وما هو موجود بالبادية، كل ذلك موجود على أفضل وجه. بل ما في الجنة ممّا في الدنيا إلا الأسماء: الاسم مشترك موز وموز، لكن شتّان ما بين هذا وذاك.
فقال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: هم كذلك في ظل ممدود فلا يصيبهم حرّ شمس لأنَّ الله قال: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾19 (الإنسان: 13) وقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾20 (الإنسان: 14). فهم في الجنة في ظلال: ﴿إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ﴾21 (يس: 55-56). فقال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: هذا الظل ممتدّ يسير في الجنة ما صار فهو في الظلال لا يُصاب بحرّ ولا بقرّ. وهذا من فضل الله عز وجل على أهل الجنة.
وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مئة عام لا يقطعها». يسير في ظلّ هذه الشجرة مئة عام لا يقطعها، فظلالها وارفة وممتدّة.
﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ فالباب ماء مسكوب وذلك لأنَّه من غير أخاديد، فهي أنهار تفيض ومياه تفيض بإذن الله سبحانه وتعالى، أنهارها من غير أخدود جرت، سبحان ممسكها عن الفيضان. فقال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ وقد كان معروفًا لدى العرب أن الماء يعتزّون به، وكان الماء من الندرة بمكان وكان له قدر ومكانة عندهم، فأخبرهم الله بأن الجنة المياه فيها مياه كثيرة. ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ قال: ﴿وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾.
وفاكهة كثيرة فالفاكهة ليست محدودة وإنَّما هي فاكهة كثيرة من جميع أصنافها وصنوفها وأنواعها وألوانها. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ يعني: ليست مقطوعة وليست ممنوعة: فقد تكون هناك فاكهة يعرف الناس بها لكنّها مقطوعة عنهم، وقد تكون موجودًا لكن أصحابها يضنّون بها فيبخلون على الناس فتكون عند أصحابها لكنّها ممنوعة بالنسبة لهذا أو لذلك، فنفى الله عنها الأمرين فقال: ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. وقال بعضهم: لا مقطوعة الأزمان ولا ممنوعة الأثمان، ليست ممنوعة بسبب غلاء لأنَّ الفاكهة قد تكون موجودة لكنّها غالية فتكون ممنوعة بالنسبة لصاحبها أو للذي يريدها، فهي ليست مقطوعة الأزمان وليست ممنوعة الأثمان. قال: ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾.
إذن ماء وفاكهة وسدر وموز وطلح كل هذا موجود. ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. قال: ﴿وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ هذه الفرش المرفوعة على الأسرة، فهذه السرر الجليلة العظيمة كما تقدّم بيان شيء من طرفها أو من بيانها ومعناه كما جاء في سورة الرحمن أيضًا ومعناه في صدر الواقعة. فقال: سبحانه: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: قالوا مرفوعة على السرر. وقال آخرون: بل إن التعبير بالفرش كُني به عن النساء فالمراد أي: ونساء مرفوعات القدر والمكانة، فالحديث عن النساء لأنه بعد أن ذكر الفاكهة وذكر الشراب أتبع ذلك بذكر النساء كما تقدّم في الحور العين في الحديث عن المقرّبين. فقالوا ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قالوا بدليل أن الله قال بعدها: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ وصف نساء أهل الجنة. ولا مانع من حمل اللفظ على المعنيين فهي فرش مرفوعة وكذلك النساء عاليات القدر والرفعة والمكانة وهن فوق هذه السرر مع أزواجهن في متاع وفي سعادة وفي نعيم.
﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً﴾ يعني: أوجدناهن إيجادًا أو خلقناهن خلقًا. فقال بعضهم: هذا في الحور العين لأنهن خُلقن في هذا الوقت أو خُلقن من أجل أهل الجنة. وقال آخرون: بل يدخل في ذلك نساء أهل الدنيا من المؤمنات اللاتي يدخلن الجنات أيضًا. ومعنى قوله ﴿أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً﴾ يعني: جعلناهن في هذه التنشئة: فالمرأة إذا ماتت بعثها الله وإذا كانت من أهل الجنة فإنَّ الله يجعلها على صفة معيّنة وعلى هيئة جميلة. ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً﴾ فقالوا يدخل فيه نساء أهل الجنة من الحور العين ومن نساء أهل الدنيا. ﴿فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا﴾ فهي مهما كانت في الدنيا ثيّبًا تصير في الآخرة من الأبكار. فجعلناهن صيّرناهن أبكارًا، فلم يُفتضّ شيء منها وإنَّما هي أبكار أو هي في هذا الوصف فهي عذراء، ولا شك أن هذا أتمّ في مكانة المرأة وجمالها.
﴿فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ عُربًا أي: متحبّباتٍ إلى أزواجهن، متحبّبات يعني: ترغب زوجها أيما رغبة، بل كما قال بعض المفسّرين إنها عاشقةٌ له. وقال بعضهم: إن قوله عُربًا أصل مادّة العروب تدلّ على الإبانة ومنه العربية ومنه الإعراب وهو الإبانة، أي: أنها تفصح عن حبّها له: يعني: مشاعرها وكلامها الجميل ومغازلتها لزوجها كل ذلك يُرى منها ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾. فقال: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ أي: في سنّ واحدة. فمنه الترب للترب يعني: مساوي له. وقد قال بعضهم: ﴿أَنَّمَا﴾ يقال أترابًا في حق النساء لا في حق الرجال، وإنَّما في حق الرجال يقال شيء آخر ومن ذلك يقال الأقران مثلًا وكذلك اللِّدات فإنَّها تكون للذكور وللإناث. فقال: هنا: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ يعني: في سنّ واحدة. قال بعض العلماء: هن في سنّ واحدة لئلا يحسد بعضهن بعضًا، ولأنهن إذًا كنّ في سنّ واحدة فإنَّ هذا يدلّ على تساويهن فيما هنّ فيه من جمال وحسن وما إلى ذلك. ويدلّ على ذلك ما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام في أن أهل الجنة يكونون مكحّلين والنوم يكونون أبناء ثلاث وثلاثين. لذلك الذي عليه الأكثرون أن معنى أترابًا يعني: على عمر ثلاث وثلاثين، وده أكمل ما يكون في النظر والشباب والجمال. وقال بعضهم: أترابًا أي: سنّها كسنّ زوجها فتكون قريبة منه حتى لا يشعر بترفّعها عنه أو بترفّعه عنها أو بأنه أعلى منها، بل يجد تشابهًا وتجانسًا من كل وجه ومن كل مكان. فقال: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ هذا كلّه في وصفهن لأصحاب اليمين.
﴿لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ كرّر أيضًا أن هذا النعيم لأصحاب اليمين، ومعروف أنَّه لأصحاب اليمين بدليل السياق لكن هذا للدلالة على شرف هؤلاء ومكانتهم. وترى أن الله ذكر في نعيم هؤلاء ما لم يذكره في المقرّبين، ولا يعني: ذلك أن هؤلاء أعلى من المقرّبين بل المقرّبون أعلى. وقد قال عدد من العلماء إن الله ذكر طرفًا من أوصاف المقرّبين وذكر طرفًا من نعيم أصحاب اليمين، ولا يمنع أن يكون النعيم الموجود للمقرّبين أيضًا ممّا هو لأصحاب اليمين. فمثلًا الخمر التي هي لذّة للشاربين ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾22 (الواقعة: 19) أيضًا هي لأصحاب اليمين وليست خاصّة بالمقرّبين. على كل فهو على سبيل التنويع ذكر الله طرفًا من نعيم هؤلاء ومن نعيم هؤلاء، وكلٌّ له نعيمه وله فضله وله مكانته.
ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ﴾ وكما تقدّم أن الله في المقرّبين قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ﴾23 (الواقعة: 13-14) لأنَّ المقرّبين في الآخرين قليلون، وأما أصحاب اليمين فهم ثلّة جماعة كبيرة وطائفة عديدة في الأوّلين وفي الآخرين. ومنهم من قال الأوّلون الأمم السابقة، ومنهم من قال الأوّلون هم أصحاب النبي «صلى الله عليه وسلم» والمقدّمون في هذه الأمة، والآخرون إمَّا من الأمة أو إنهم أواخر أو أنهم أواخر هذه الأمة كما تقدّم تفصيله ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.
﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ﴾ هذا عن أصحاب اليمين. ثم إن الله سبحانه وتعالى ذكر الفريق الآخر وهم أصحاب الشمال، نعوذ بالله من حالهم ونسأل الله الكريم جنّته. يا أيها الإخوة الكرام لا يخفى عليكم أن كثيرًا من المسلمين أو كثيرًا من الناس في الأيام المقبلة ربما احتفى بما يُسمّى بشمّ النسيم. وشمّ النسيم كما لا يخفى ليس له وقت محدّد: فشمّ النسيم كيف شئت ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت شئت ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: مكان شئت، لكنّه ليس له زمن محدّد، وربطه بما يكون عيدًا لغيرنا ممّا هو من شعائرهم لا ينبغي أن نقلّدهم فيه، لا سيّما وأن هذا أشدّ الأعياد بالنسبة لنا على عقيدتنا لأنهم يعتقدون في ذلك القيامة وأن عيسى عليه السلام قد صُلب ثم قام، ولا شك أن هذا بهتان وكذب وافتراء فإنَّ الله قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾24 (النساء: 157). فالمسلم له ميزة أو له هديه وله دينه وله منهجه ولنا أعيادنا، أما الفرحة فهي في كل وقت، وأما كذلك اغتنام الأوقات واستعمال الهواء أو الإفادة من الهواء فهذا أمر في كل وقت كما لا يخفى. والله أعلم. سلّمنا الله وإيّاكم ووفّقنا لما يحبّ ويرضى، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 27 ↩
- آية: ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 28 ↩
- آية: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 29 ↩
- آية: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 30 ↩
- آية: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 31 ↩
- آية: ﴿وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 32 ↩
- آية: ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 33 ↩
- آية: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 34 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 35 ↩
- آية: ﴿فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 36 ↩
- آية: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 37 ↩
- آية: ﴿لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 38 ↩
- آية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 39 ↩
- آية: ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 40 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 2 ↩
- آية: ﴿ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾ — كما ورد في الدرس: القارعة 1-2 ↩
- آية: ﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 14-15 ↩
- آية: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 13 ↩
- آية: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 14 ↩
- آية: ﴿إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يس 55-56 ↩
- آية: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 19 ↩
- آية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلْـَٔاخِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 13-14 ↩
- آية: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 157 ↩
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الانسان
- تفسير سورة القارعة
- تفسير سورة القدر
- تفسير سورة النجم
- تفسير سورة النساء
- تفسير سورة الواقعة