مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الواقعة جزء 7 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 133 من 376 · 21 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأصلّي وأسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ، فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام بتفسير سورة الواقعة، وقد توقّف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ﴾2 (الواقعة: 71) ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾3 (الواقعة: 72) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾4 (الواقعة: 73) ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾5 (الواقعة: 74).

ذكر ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة — كما تقدّم بيانه في الدروس السابقة — ذكر الله بعض دلائل تدلّ على عظيم قدرته وعلى أن البعث حق. فابتدأ بذكر خلق الإنسان: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾6 (الواقعة: 58) ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾7 (الواقعة: 59). ثم ذكر الله طعام الإنسان الذي لا غنى عنه، فالإنسان يبحث أول ما يبحث عن طعامه فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾8 (الواقعة: 63-64). وقلنا إن معنى ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ﴾ أي: تنبتونه، لأنَّ الإنسان يضع البذر لكنّه ليس هو الذي ينبت، وإنَّما الذي ينبت ويخرج الثمر هو الله سبحانه وتعالى هو القادر على الإنبات.

ثم ذكر الله معلمًا ثالثًا وهو الماء الذي لا غنى للناس عنه، وذكر الماء الذي نشربه وهو الماء العذب لأنَّ له خصوصية وقدرًا عند الإنسان: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾9 (الواقعة: 68-70). وذكرنا الفرق بين قوله ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا﴾10 (الواقعة: 65) وقوله: هنا ﴿جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا﴾ بذكر اللام في الأولى دون الثانية.

ثم ذكر الله أمرًا رابعًا وهو النار التي يستدفئ بها الناس ويستضيء بها الناس والتي يستعملونها في طهي الطعام. فذكر الطعام الأول وهو عن طريق النبات الذي يخرج من الأرض، ثم ذكر الماء، ثم إن الإنسان يريد أن يطهو هذا الطعام ويريد أن يطبخه ويريد أن يستدفئ فلا غنى له عن النار التي ينتفع بها. كما أنَّ النار تضرّ فإنَّها تنفع. فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾.

﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ﴾ ويقال أورى النار إذًا أوقدها، فالمراد بذلك أفرأيتم النار التي توقدونها، والمعنى توقدون شجرتها عن طريق الاحتكاك. قالوا لما ذكر الله الشجر بيّن أن الشجر يخرج منه الزرع أو يخرج منه الثمر وأن أعواد الشجر يُنتفع بها. فهناك شجر أخضر إذًا استكّ بعضه ببعض واحتُكّ بعضه ببعض أخرج نارًا وشعلًا من النار يستفيد منها الناس في الطهي ويستفيد منها الناس في الاستدفاء. وهذا الذي ذكره الله في خاتمة سورة يس: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾11 (يس: 80).

وقد ذكروا أنَّ هناك شجر يقال له: المرخ وآخر يقال له: العفار، فكان إذًا وُضع عود مع عود واستكّ بعضهما ببعض أو احتكّ أحدهما بالآخر نتج عن ذلك ظهور نار، وهذا معنى تورون: تظهر النار التي يُستفاد منها في أمورهم أو التي يستفيد منها المسلمون أو الناس في أمورهم. وهذا معنى أنه بإمكانهم أن يستفيدوا من النار وأن يحملوا معهم أصل النار دون أن يُصابوا بأذى. ولذلك الرجل المسافر الذي كان يسافر في صحراء قفراء والذي يتّجه إلى أماكن بعيدة لن يحمل معه نارًا، ولم يكن معه تلك الوسائل الحديثة التي تُستعمل في هذه الأيام، ﴿أَنَّمَا﴾ كان يصطحب معه بعض الأعواد من هذه الأشجار، أو يصطحب معه بعض قطع الحديد حينما يصطدم بعضه ببعض ينتج عنه النار، فيضع ذلك مع طعامه ويضع ذلك في ثيابه وينتفع به حين يحتاج إليه. فمن الذي منّ عليهم بذلك؟ إنه الله سبحانه وتعالى. ومن كان يتوقّع أن يخرج من الشجر نار؟ من كان يتوقّع أن يخرج من هذا الشجر الأخضر تلك النار التي يُستدفأ بها والتي تُستعمل استعمالات عديدة وكثيرة؟

﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ﴾ أي: تورون شجرتها؟ ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾ من الذي أنشأ تلك الشجرة؟ أو من الذي أنشأ أصلها؟ وهو على نفس الوتيرة في الأسئلة السابقة والتي تقدّم تفسيرها، وأن للمفسّرين وجهين فيها كذلك هنا: ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ﴾ إمَّا أن تكون الجملة قد تمّت هكذا ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ﴾ على سبيل الإنكار عليهم أو على سبيل استنطاقهم بهذا الأمر ثم قال ﴿أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾ أي: بل نحن المنشئون، أو أنها من البداية على سؤال متصل وأن «أم» فيها متصلة كما هو الراجح: ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾.

﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: نحن المنشئون: من إن شاء الله عز وجل لهذه الشجرة أن جعلها تذكرة ومتاعًا للمقوين، فهو أنشأها على صفة معيّنة وعلى هيئة معيّنة. فقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً﴾ يمكن أن يُقَال: إنها بدل اشتمال. ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾ كيف أنشأتها يا ربنا؟ ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً﴾ جعلناها أي: جعلنا هذه النار، هذه أصل الشجرة التي نتج عنها النار والتي تنتج عن طريق اصطدام بعض الأشجار ببعض، وكذلك يُستفاد من الشجر في إذكاء النار. فمن المعروف أنَّ نارًا لو أُوقدت بأي طريقة من الطرق وأُريد منها أن يزداد اشتعالها وأن يزداد لهيبها فإنَّه يوضع فيها ما يوضع من الأعواد ونحو ذلك. وربنا لما ذكر نار جهنم قال: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾12 (البقرة: 24) نسأل الله السلامة.. فقال: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً﴾.

قال كثير من أهل التفسير أي: جعلناها تذكرة بالآخرة، أي: تذكّر بنار الآخرة: يعني: وأنتم تشعلون تلك النار أو تورون تلك النار وتوقدون تلك النار أو تقدحون — فالإيراء أيضًا معنى القدح: تورون يعني: تقدحون — حينما ترون تلك النار وقد علت وقد ظهر لهيبها فإنكم تتذكّرون نار الآخرة.

والنبي «صلى الله عليه وسلم» قال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم». «ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم». فقلنا: يا رسول الله إن كانت لكافية — يعني: نار الدنيا لو كانت هي التي يُعذَّب بها في الآخرة لكانت كافية — وأنتم ترون: منّا يصبر على هذه النار حينما يرتفع لهيبها؟ ومنّا يتمكّن من التعرّض لها؟ «إن كانت لكافية. قال: لكنّها فُضّلت عليها بتسعة وستين جزءًا». ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً﴾.

فالنار تذكّر بنار الآخرة، وهذا فيه أنَّ: العبد الموفّق هو الذي يأخذ ممّا يرى في الدنيا مواضع للعبر والعظات. فشتّان شتّان بين عبد يعيش في الدنيا ولا يتّعظ بما فيها وبين آخر ينظر إلى آيات الله في خلقه وإلى آيات الله في الكون والآفاق فيأخذ من ذلك العبر والعظات. شتّان بين من ينظر إلى يوم مرّ عليه أحسّ فيه بالحرارة فتذكّر نار جهنم فقال: اللهم أجرنا من النار، وبين آخر لم يفكّر في ذلك لحظة. شتّان بين عبد عطش فقال: ماذا عن عطش يوم القيامة؟ وماذا عن قول أهل النار: ﴿أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾13 (الأعراف: 50)؟ فرق كبير وبون شاسع بين عبد يتّعظ وبين آخر لا يشعر بشيء من ذلك. ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً﴾ نار الدنيا تذكّر بنار الآخرة، كما أنَّ حرارة الدنيا تذكّر بحرارة النار. «اشتكت النار إلى ربّها فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف» كما جاء عن نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم.

﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ هذه النار متاع يعني: فيها انتفاع، ينتفع بها لمن؟ للمقوين. ما معنى المقوين؟ قال بعض المفسّرين معنى المقوين المسافرين: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا﴾ أي: موضع انتفاع للمسافرين. فيقال أقوى الدار إذا رحل أهلها عنها، فيقال هكذا للمسافر مقوٍ. فمعنى ﴿وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ يعني: للمسافرين، لأنَّ الأمر كما تقدّم كان المسافرون يصطحبون معهم هذه الأعواد لينتفعوا بها في طريقهم وفي أسفارهم لا سيّما إذًا توجّهوا إلى الصحراء وإلى الفيافي، فحينئذ لا يجدون ما يشعلون به النار فيتّجهون إلى الأعواد وهم بحاجة إلى الاستدفاء. إذا جاء البرد والليل يريدون ما يستدفئون به فينتفعون بالنار. كذلك النار تحتاجون إليها ليبصروا أمامهم فتكون طريقًا أو وسيلة للوصول إلى أغراضهم. كذلك يستعملونها في طهي الطعام في طعامهم. فكانت لها فوائد عديدة فقال: ﴿وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾.

وقال بعض العلماء: ﴿وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ أي: ومتاعًا للجائعين، فالمقوي هو الجائع فالجائع مقوٍ وذلك لأنَّ بطنه قد أقوت — أقوى يعني: معنى أنها خلت فالمعدة صارت خالية فقيل له مقوٍ. وقال بعضهم: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ الأصل في القواء الصحراء هذا أصل المادّة، فيقال كذلك أقوى الأرض إذًا صارت خالية، فهي متاع أي: في الأماكن الخالية، فهي متاع للمسافرين ومتاع لمن يسكن في أماكن غير معمورة وغير معروفة. وقال بعض العلماء بل المقوون هم كل الناس فمعنى متاع للمقوين أي: للمسافرين والمقيمين. وإلا فالأشهر أنها في حق من يسكن الفيافي أو يسكن الصحراء الخالية التي لا يقيم بها الناس.

قال بعض العلماء وكأن الله يذكّرنا بسفر الدنيا سفر الآخرة: فأنت حينما تعلم أنك تحتاج إلى سفر وأنك في سفرك تصطحب ما تشعل به النار تتذكّر أنك في الدنيا في دار سفر، وأن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة وما هي إلا دار غربة ودار سفر، وأنت تتّجه فيها إلى دار هي دار المستقر دار القرار وهي الآخرة، وأما الدنيا فهي سفر. «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» كما علّمنا النبي الكريم «صلى الله عليه وسلم».

﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾. ونحن نرى بأنفسنا كيف ننتفع بالطعام وبالشراب وبالنار، ومنّا يستغني عن هذه الأشياء؟ فهل تذكّرنا أن الذي أنعم علينا بها هو الله وأن الذي أنشأها هو الله وأن الذي يسّر لنا سبلها هو الله؟ فالآيات الكريمة استدلال وامتنان. استدلال وامتنان وهذا موجود في القرآن بكثرة: تأتي الآية هي دليل وفي أثناء الدليل يُذكر الامتنان الإنعام. وهذا ما يذكره بعض أهل العلم أهل البلاغة حينما يقولون ويعبّرون بأنه أسلوب إدماج: جاء الكلام لغرض ثم سيق فيه شيء آخر فكأنَّه جاء لغرضين لا لغرض واحد.

﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ سبحان ربّي العظيم. إذا علمت أن الذي منّ عليك فخلقك ورزقك وأطعمك وسقاك ويسّر لك أمورك التي تنتفع بها، إذا علمت أن ذلك الذي صنع بك ذلك ولك ذلك هو الله، فعليك أن تسبّح الله. ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: نزّه ربّك سبحانه عن النقائص وعن الخلل وعن العيب. فالله منزّه عن كل نقص موصوف بكل كمال وبكل جلال سبحانه عز وجل. ولذلك يجمع ربنا بين التسبيح والحمد: التسبيح التنزيه التخلّي عن النقائص، طب والحمد الوصف بالكمال. فالله منزّه عن النقص وموصوف بالكمال، فهذا معنى الجمع بين التسبيح والحمد: سبحان الله وبحمده، ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. هكذا فهذا معنى قوله سبحانه ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.

وقال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وذكر الله هنا التسبيح ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: نزّه الله عمّا رماه به أهل الشرك: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ﴾ إِلَٰهًا ءَاخَرَ، لا تزعم أنَّ هناك إلهًا آخر مع الله، لا تقول إن الله لا يقدر على البعث، بل الله قادر على أن يبعثك والذي خلقك أول مرّة قادر على إعادتك. ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾.

وهناك فرق بين أن يقال سبّح ربّك وبين أن يقال سبّح باسم ربّك. فهناك قول: ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾14 (الطور: 49) فجاء التسبيح له: سبّحه يعني: نزّهه، قد يكون هذا التنزيه بالقلب يعني: أنت بقلبك وبعقلك تفكّر فتقول الله منزّه عن النقائص. لكن قوله ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ كقوله ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾15 (الأعلى: 1) هذا معناه: ﴿إِلَّا﴾ تكتفي بأن تنزّه الله بقلبك وإنَّما نزّه الله بلسانك أيضًا، فقل بلسانك ذاكرًا ربّك ناطقًا قائلًا: سبحان ربّي العظيم، سبحان ربّي الأعلى. فهذا معنى فسبّح باسم ربّك يعني: اسم ربنا كرّره وانطق به بلسانك منزّهًا إيّاه.

﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ ولمَّا نزلت قال: «اجعلوها في ركوعكم». ولمَّا نزل ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم». فلذلك العبد إذًا ركع عليه أن يقول سبحان ربّي العظيم وإذا سجد يقول سبحان ربّي الأعلى. ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ وقوله: العظيم إما وصف للاسم وإما وصف للرب: فسبّح باسم ربّك العظيم، فالله هو العظيم واسمه عظيم لأنه يدلّ على العظيم سبحانه وتعالى. وكذلك اسم الله عظيم: فما يُذكر في قليل فيُكثِّره. ولذلك إذًا ذُكر اسم الله عز وجل على شيء فإنَّه يكون فيه من البركة الكثير والكثير بفضل من الله سبحانه وتعالى.

﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾16 (الواقعة: 75-76). والتعبير بقول ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾ من التعبيرات الجليلة والعظيمة في القرآن الكريم وقد اختلف فيها أهل التفسير اختلافًا كبيرًا، لأنَّ ظاهرها لا أقسم أنه لا يقسم. فهل «لا أقسم» قسم أو ليس بقسم؟ يعربون يقول لا أقسم كما قال: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾17 (القيامة: 1) وقال: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾18 (البلد: 1). فهل هذا قسم أو ليس بقسم؟ وما نوع «لا» هنا؟ فيها كلام طويل لعلّنا نتكلّم عن شيء منه بإذن الله في بداية الدرس المقبل.

وفّقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 71 ↩
  3. آية: ﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِـُٔونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 72 ↩
  4. آية: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 73 ↩
  5. آية: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 74 ↩
  6. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 58 ↩
  7. آية: ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 59 ↩
  8. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ۝ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 63-64 ↩
  9. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ ۝ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ ۝ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 68-70 ↩
  10. آية: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 65 ↩
  11. آية: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يس 80 ↩
  12. آية: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 24 ↩
  13. آية: ﴿أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 50 ↩
  14. آية: ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 49 ↩
  15. آية: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 1 ↩
  16. آية: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ۝ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 75-76 ↩
  17. آية: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 1 ↩
  18. آية: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 1 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة