مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

منظومة الزمزمي الدرس الثالث والأربعون

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 234 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

فما زال الحديث موصولًا بالقراءة في منظومة الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مع تعليق عليها، وننتقل اليوم -بإذن اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى-إلى باب: "المنطوق والمفهوم".

قال الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

النَّوعُ الثَّامِنُ: الْمَفْهُومُ

مُوَافِقٌ مَنْطُوقَهُ كَأُفِّ

وَمِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ فِي الْوَصْفِ

وَمِثْلُ ذَا شَرْطٌ وَغَايَةٌ عَدَدْ

وَنَبَأُ الْفَاسِقِ لِلْوَصْفِ وَرَدْ

وَالشَّرْطُ إِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلِ

وَغَايَةٌ جَاءَتْ بِنَفْيِ حِلِّ

لِزَوْجِهَا قَبْلَ نِكَاحِ غَيْرِهِ

وَكَالثَّمَانِينَ لِعَدٍّ أَجْرِهِ

الشرح

انتقل الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى النوع الثامن من الأنواع الأربعة عشر التي ترجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام، فقال: "

الْمَفْهُومُ

"؛ والعلماء إذا ذكروا المفهوم فإنهم يذكرونه مع باب المنطوق؛ فيقولون: "الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ".

وهذا المبحث وهو "الْمَنْطُوقُ وَالْمَفْهُومُ" من المباحث المتعلقة بعلوم القرآن من جهة، وبأصول الفقه من جهة أخرى.

قال: "

مُوَافِقٌ مَنْطُوقَهُ كَأُفِّ وَمِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ فِي الْوَصْفِ

"؛ فهو يتكلم عن مفهوم الموافقة، ثم بعد ذلك قال: "

وَمِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ

"، وهو مفهوم المخالفة؛ إذًا في البيت الأول تكلم عن المفهوم، فقسمه إلى قسمين:

إلى مفهوم موافقة.

وإلى مفهوم مخالفة.

ولم يعرفهما، وإنما ذكر المثال لهما؛ فقال: "

مُوَافِقٌ مَنْطُوقَهُ كَأُفِّ

"؛ يعني مفهوم الموافقة مثل "أفٍّ"، وذلك في قولي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾1، "

وَمِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ فِي الْوَصْفِ

"؛ فلما جاء ليشرح مفهوم المخالفة ذكر أنواعه؛ إذًا ما الذي صنعه الناظم؟ أنه تحدث عن المفهوم دون المنطوق، ولما ذكر المفهوم ذكر قسمين؛ فمثل لأحدهما وهو الموافقة، وأما المخالفة فذكر الأنواع ثم التمثيل.

وأما عبارة السيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "النقاية" وهي أصل النظم، قال: "الْمَفْهُومُ مُوَافَقَةٌ وَمُخَالَفَةٌ فِي صِفَةٍ وَشَرْطٍ وَغَايَةٍ وَعَدَدٍ"؛ فأخذها الناظم ونظمها، فإذا أردنا أن نفهم هذا الباب نقول ابتداءً: ما المنطوق وما المفهوم؟

المنطوق

: هو الملفوظ به؛ اسم مفعول من نطق، إذًا نطق ينطق فهو نطق ومنطوق، يعني ملفوظ، وهو: "مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ"؛ إذًا المنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق؛ أقول هذا منطوق، فمثلًا إذا قرأت: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ، فقلت: إن الآية الكريمة فيها النهي عن التأفف وهو أدنى أنواع التبرم، وهذا يدل على حرمة التأفف، هذا مأخوذ من ماذا؟ من منطوق الآية؛ فتقول: منطوق الآية حرمة التأفف.

إذًا ما دل عليه اللفظ في محل النطق نقول عنه: هذا منطوق. "مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ"، هذا هو المفهوم، ما دل عليه اللفظ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ؛ يعني أنت استفدته من اللفظ لكن ليس من حيث النطق، ولكن من غيره، وما غيره؟ هو المفهوم؛ يعني فهمت من اللفظ كذا وإن كان اللفظ نفسه لم يدل عليه صراحة، فيقولون عنه: مفهوم.

مثل ماذا؟ لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ مثلًا في هذا المثال السابق: يحرم على الابن ضرب والديه؛ هل الضرب ذُكر في الآية؟ لا، الذي ذكر في الآية: ، فالضرب مسكوت عنه، لكنه يأخذ حكم التأفف؛ لأنه إذا كان التأفف ممنوعًا فالضرب من باب أولى. فإذا أعطيت المسكوت عنه حكم المنطوق به، قيل: هو مفهوم موافقة؛ إذًا ما معنى مفهوم الموافقة؟ "إِعْطَاءُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ به"؛ حكم مسكوت عنه لم يذكر في الآية لكنك تعطيه حكم المنطوق به، فيقال عنه: مفهوم.

وفي الحقيقة إن مبحث المنطوق والمفهوم من المباحث الأصولية التي فيها تفصيل مشهور وكبير للأصوليين، أقصد بذلك الاختلاف المعروف بين مدرستي الأصوليين؛ مدرسة المتكلمين كما يسمون وهي مدرسة الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة فهذه مدرسة عند الأصوليين، والمدرسة الثانية وهي مدرسة الفقهاء وهي التي يقال لها مدرسة الحنفية؛ لأن المعروف في أصول الفقه -كما قلت مرارًا-أن هناك مدرسة تتعلق بالحنفية في الأصول؛ لذلك الذي يدرس أصول الفقه نقول له: تدرس أصول الفقه على مدرسة المتكلمين -أو مدرسة الجمهور- أو مدرسة الحنفية.

فالذين يتكلمون عن المنطوق يقولون أيضًا: المنطوق قد تكون دلالته صريحة أو غير صريحة؛ يعني مأُخوذ من المنطوق لكنه ليس صريحًا بل هو مستنبط منه، فبعضهم يجعله من المنطوق لا من المفهوم، لكنه يجعل المنطوق على مراتب، فمثلًا في قوله

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾2، إثبات النفقة للمرأة في هذه الحال هذا هو المنطوق، قالوا: لكن هذا المنطوق الصريح، وأما نسبة الولد لأبيه؟ قالوا: هذا منطوق أيضًا لكنه ليس صريحًا؛ لأن الله عندما قال: ؛ يعني يجب على الوالد أن ينفق على هذه المرأة لأنَّها أم لولده.

فلما قال: إذًا هو مولود له؛ إذًا معناه أن الولد ينسب للأب، قالوا: لكنه في البداية لما ذكرت الآية لم تُذكر من أجل إثبات النسبية، ﴿أَنَّمَا﴾ ذكرت من أجل إثبات النفقات؛ فيفرقون بين ما ذُكر الحكم من أجله أو في سياقه، وما لم يذكر من أجله.

إذًا سنفوت هذا الكلام لأننا تكلمنا عنه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في دراسة الأصول، وسيأتينا -بإذن اللهِ تَعَالَى-دراسة أخرى للأصول تكون متعمقة -بإذن اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وفي النية هذا إن شاء الله تَعَالَى.

إذًا نقول بالنسبة للمفهوم: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، هنا قال في الأبيات: "

مُوَافِقٌ مَنْطُوقَهُ كَأُفِّ

"؛ قسم المفهوم إلى قسمين؛ إذًا ما دل عليه اللفظ في محل النطق نسميه منطوقًا، ومنه من يقسمه إلى صريح وغير صريح، ولهم في ذلك عبارات عنه.

وأما المفهوم فعلى قسمين: مفهوم موافق، ومفهوم مخالف، أنت تفهم ما معنى المفهوم الموافق؟ أن تعطي المسكوت حكم المنطوق، فإذا أعطيت المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به، فهذا هو مفهوم المخالفة؛ إذًا ما معنى مفهوم المخالفة؟ "إِعْطَاءُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ خِلَافَ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ"؛ عكس حكم المنطوق به؛ يعني الحكم المنطوق به يدل على حكم، وأنت تعطي المخالف له عكس هذا الحكم، فيقال له: مفهوم مخالفة.

يعني مثلًا حينما تقرأ قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾3، فإذا جاء الليل فلا صيام؛ هذا بمفهوم المخالفة، ؛ "إلى الليل" هذا اسمه غاية، فيسمون "إلى الليل" هذه الغاية "تقييد بالغاية"؛ إذًا يُفهم من هذا أنه إذا أتى الليل فلا صيام؛ قولنا "إذا أتى الليل فلا صيام" هذا عكس حكم وجوب الصيام إلى الليل، ومعناه ليس هناك صيام في الليل، أنت هل أعطيت المسكوت حكم المنطوق، أم أعطيت المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق؟ لأنه مقابله، وهو أن الصيام في الليل غير موجود؛ لأن الصيام ﴿أَنَّمَا﴾ يكون بالنهار، فهذا يسمونه بمفهوم المخالفة.

ما من شك أن مفهوم الموافقة أقوى؛ لأنك تعطيه حكم المنطوق به؛ لذلك هذا المفهوم لهم اختلاف في التعبير عنه، كآية: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾؛ منهم من يجعل النهي عن الضرب في حكم المنطوق به، لا يجعله مفهومًا، يقول: "هذا في حكم المنصوص عليه أو المنطوق به"، ومنهم من يجعله من القياس ويقول: "هو قياس أولوي"، ولهم في ذلك تعبيرات كثيرة في هذا الباب، والعلم عند الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

لذلك الأحناف عندهم يقولون في هذه الدلالة، يسمونها بأسماء أخرى؛ عندهم "دلالة الدلالة" و"دلالة العبارة" إلى غير ذلك، و"دليل الخطاب"، فمفهوم المخالفة يسمونه بـ "دليل الخطاب"، هذا الذي أريد منكم الآن؛ فأنا أحيانًا في بعض كتب التفسير يقولون: "هذا من دليل الخطاب"، فإذا سمعت قولهم "هذا من دليل الخطاب" يقصدون مفهوم المخالفة؛ إذًا المفهوم المخالف يسمى أيضًا بـ "دليل الخطاب"، بخلاف المنطوق، يسمى عند الحنفية بـ "دلالة النص" أو "دلالة الدلالة".

طالب: ...

الشيخ: لا، هذا مفهوم الموافقة، هذا بالنسبة للمنطوق، "دلالة النص" يعني يقصدون أنه ثبت بالنص، أو بمعناه بغير اجتهاد أو استنباط.

إذًا مفهوم المخالفة عبارة عن ماذا؟ أنك تنظر إلى القيد الموجود في الآية الكريمة، فتقول: عند زوال القيد يُعطى ما خالف هذا القيد -أو ما انتفى عنه القيد-عكس الحكم، ما معنى هذا الكلام؟ يعني أنت حكمت بحكمٍ لوجود هذا القيد، فتقول فإذا انتفى القيد أعطيناه خلاف هذا الحكم؛ إذًا مفهوم المخالفة ينظر إلى ماذا؟ إلى القيود، فيقول: إذا انتفى القيد انتفى الحكم، فيعطي الحكم المخالف لانتفاء هذا القيد.

وبناءً عليه: فاختلفوا في هذه القيود التي يصلح معها أن يقال: مفهوم المخالفة، أو يكون مفهوم المخالفة حجة من الحجج، ومن أشهر هذه القيود: الشرط، والصفة، والغاية، والعدد، والاستثناء؛ إذًا هذه القيود منها الشرط، ومنها الصفة، ومنها الغاية، ومنها العدد، ومنها الاستثناء.

هنا قال في الأبيات: "

وَمِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ فِي الْوَصْفِ

"؛ يعني مفهوم مخالفة بسبب وجود وصف، "

وَمِثْلُ ذَا شَرْطٌ وَغَايَةٌ عَدَدْ

"؛ ومثل ذا؛ يعني أيضًا من مفهوم المخالفة ما كان القيد فيه بالشرط، أو بالغاية "إلى كذا" أو "حتى كذا"، "

عدد

" ما كان أيضًا القيد بسبب العدد، ولم يذكر الاستثناء مع أنه داخل أيضًا، وهناك أنواع أخرى بعضهم ذكرها لكن هذه أشهرها.

قال: "

وَنَبَأُ الْفَاسِقِ لِلوَصْفِ وَرَدْ

"؛ بعد أن ذكر الأقسام إجمالًا ذكر الأمثلة لها؛ إذًا الآن يتكلم عن مفهوم المخالفة، وهو ما دل عليه اللفظ؛ ما كان حكم المسكوت عنه على خلاف حكم المنطوق، وهذا بسبب وجود قيد في المنطوق، فإذا انتفى هذا القيد أُعطي المسكوت عنه خلاف هذا الحكم، ما أنواع القيود؟ أنواع منها: أولًا: القيد بالوصف؛ ضرب له مثالًا قال: "وَنَبَأُ الْفَاسِقِ لِلوَصْفِ وَرَدْ". ما يقصد بنبأ الفاسق؟ يقصد قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾4، أفادنا هذا أن الذي يتثبت ويتبين من خبره هو الفاسق، فاستفاد العلماء بمفهوم المخالفة أن خبر العدل مقبول.

إذًا إذا قيل لك: ما الدليل على قبول خبر العدل؟ قالوا: نستدل بالآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾، كيف الدليل؟ الآية لا تتكلم عن العدل؛ قالوا: الآية دلت على أن التثبت يكون من الفاسق، فغير الفاسق -وهو العدل-لا حاجة للتثبت من خبره، بل يقبل خبره.

الشاهد: فالفاسق وصف، وجاء على وزن فاعل، المراد به الوصف وليس شخصًا بعينه؛ فالمراد هنا الوصف، لماذا؟ لأن هناك ما يُقال له "مَفْهُومُ اللَّقَبِ"، وهو أضعف أنواع القيود، والراجح فيه أنه ليس قيدًا معتبرًا فلا مفهوم له؛ لذلك الجمهور يعتدون بهذه المفاهيم: مفهوم الصفة، ومفهوم الغاية، ومفهوم الشرط، ومفهوم الاستثناء، والعدد يختلفون فيه وكثيرون يحتجون به.

وأما مفهوم اللقب فهو ضعيف؛ كما لو قلت: "عِيسَى رَسُولُ اللَّهِ"، هل يستفاد منه أن غير عيسى ليس برسول؟ لا يُستفاد منه ذلك؛ هذا اسمه مفهوم لقب؛ يعني معلق بشخص، شخص حُكم له بحكم، إذًا غير الشخص مسكوت عنه فلا يعطى حكمًا.

ولذلك ما الفرق بين من يحتج بمفهوم المخالفة ومن لا يحتج؟ لأن الأحناف لا يحتجون به، ما الفرق؟ الذين لا يحتجون بمفهوم المخالفة يقولون: المسكوت عنه المخالف حكمه مسكوت عنه، وأما الجمهور يعطونه حكمًا؛ يعني إذًا العدل مسكوت عن حكمه ابحث عنه في دليل آخر؛ يعني الحنفية يقولون: هذا المفهوم -مفهوم المخالفة- عكس منصوص عليه لا تعطيه حكمًا، لا يُستفاد من الآية، ابحث عنه في آية أخرى.

الجمهور يستدلون به من الآية نفسها؛ إذًا الفرق بين من يحتج بمفهوم المخالفة ومن لا يحتج: أن من يحتج بمفهوم المخالفة يستدل بالدليل المنطوق على حكم مسكوت عنه لأنه ضده بسبب انتفاء القيد، والآخرون يقولون: هو مسكوت عنه ابحث عنه في دليل آخر؛ إذًا هذا بالنسبة للقيد بالوصف.

ثانيًا: القيد بالشرط؛

قال: "

وَالشَّرْطُ إِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلِ

"، في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُو۟لَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا۟ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ﴾5. قالوا: المرأة المطلقة البائن ليس لها نفقة إلا إذا كانت حاملًا؛ لأن الله قيد ذلك بماذا؟ ، فقالوا بمفهوم المخالفة: فإنَّ لم يكنَّ أولات حمل فلا نفقة لهن، والآخرون يقولون: لا، لا يستدل بذلك؛ لأن غير الحامل مسكوت عنها يبحثون عن دليل آخر، وقد دل الدليل على أن الأصل في المرأة (الزوجة) أن لها النفقة، وحتى وإن كانت بائنًا فهي لا تزال يقال لها زوجة ولم تنتفِ الزوجية إلا بانقضاء العدة، فوجبت لها النفقة، فوقع الخلاف من أجل ذلك.

هنا قال "

وَالشَّرْطُ

"؛ مما يدل على أن الشرط محتجٍ به لذلك الكلام في الاحتجاج، هل مفهوم المخالفة حجة أو ليس بحجة؟ هناك أدلة عامة وأدلة خاصة، أدلة عامة يعني أدلة عامة في المسألة وأدلة تتعلق بكل نوع؛ فمما استدل به الجمهور القائلون بحجية مفهوم "الشرط" قول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾6؛ وذلك أن يعلى بن أمية جاء إلى عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فقال: إن الله قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ وقد أمن الناس، الآية تفيد أن القصر لا يكون إلا عند الخوف، فنحن آمنا لماذا نقصر الصلاة؟ فقال عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها، أنا أيضًا وقع عندي الإشكال في الآية، فقال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «

تِلْكَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ

» [رواه مسلم].

هذا معناه أن هذا الشرط فهم منه عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وفهم منه يعلى بن أمية أن له مفهوم مخالفة؛ لأن الآية تتكلم عن القصر عند الخوف، هو فهم أنه ما دام ليس هناك خوف ليس هناك قصر، لكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسع الدائرة وبين أن هذا المفهوم غير مراد هنا؛ وبناءً عليه فقال: «

تِلْكَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ

»؛ فقد احتج به الجمهور، قالوا: هذا يدل على أن هذا المفهوم لديهم حجة، إلا أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيَّن أنه لا يحتج به في هذا الموضع للدليل الخاص في المسألة.

ثالثًا: القيد بالغاية؛

ضرب مثالًا للغایة قال: "

وَغَايَةٌ جَاءَتْ بِنَفْيِ حِلِّ لِزَوْجِهَا قَبْلَ نِكَاحِ غَيْرِهِ

"؛ في قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾7؛ رجل طلق امرأة ثلاث طلقات وصارت بائنة منه بينونة كبرى، حينئذٍ لا يجوز له أن يتزوجها أو أن ينكحها حتى تتزوج زوجًا آخر ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، كما جاء في سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «

لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ

» [رواه البخاري، ومسلم].

فقوله: هذه اسمها غاية، فإذا لم تتزوج زوجًا آخر هل تحل له؟ لا تحل له؛ ففُهم من ذلك أن المسكوت عنه المقابل له الحكم المخالف، وهو أنها لا تحل له إلا بزواج من رجل آخر؛ إذًا بمفهوم المخالفة: وتحل له إذا تزوجت من زوج آخر؛ هذا هو مفهوم المخالفة؛ إذًا ما مفهوم المخالفة في الآية؟ تحل المرأة لزوجها القديم إذا طلقها ثلاثًا فتزوجت غيره ثم فارقها، أيضًا الحنفية يقولون بهذا لكن ليس من المفهوم، ﴿أَنَّمَا﴾ من الأحاديث الأخرى؛ يعني أحيانًا تكون النتيجة واحدة وأحيانًا تختلف النتيجة، وإنما يكون الاختلاف في وجه الاستدلال: هل نستدل بهذه؟ لا، ونستدل بالنصوص الصريحة في هذا الباب، والعلم عند الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

أيضًا كما قلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، هذا أيضًا يدخل فيه الغاية، و ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾8؛ أخذنا هذه المسألة قليلًا في الفقه؛ ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾، بمفهوم المخالفة: فإذا تطهرن فقربوهن، فجاء قوله بعد ذلك: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾، لم يكتفِ بالمفهوم وإنما جاء التصريح بعد ذلك: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾.

رابعًا: القيد بالعدد

؛ قال: "

وَكَالثَّمَانِينَ لِعَدٍّ أَجْرِهِ

"؛ هذا بالنسبة للعدد؛ يعني أيضًا أحيانًا يكون المفهوم مفهوم عدد، وذلك في قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾9، حكم القاذف يجلد كم؟ ثمانين جلدة؛ إذًا لا يجلد أربعين ولا خمسين ولا سبعين ولا تسعين. إذًا العدد محصور في هذا العدد؛ فبمفهوم المخالفة لا يجلد أقل من ذلك ولا أكثر من ذلك.

لكن أيضًا مفهوم العدد اختلفوا فيه؛ مما اُستدل به على حجيته قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾10. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «

سَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ

» [أخرجه البخاري]؛ لأنه قال: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾، قال: إذًا بمفهوم المخالفة سأستغفر لهم أكثر من سبعين مرة، وقال: «سأزيده على السبعين».

لكن بعض العلماء قال: هذا القيد بالعدد يكون حجة حينًا ولا يكون في بعض الأحيان حجة، وذلك كما قلت لو كان العدد غير مقصود به الحصر، كما في الحديث: «

سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ

» [رواه البخاري، ومسلم]، وجاءت أدلة تدل على أن الذين يظلهم الله في ظله أكثر من سبعة، وكما أخذنا في درس التفسير: «

أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي

» [رواه البخاري، ومسلم]، وورد أنه أعطي ستًا، وورد خصائص أخرى للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إذًا فرقٌ بين إذا قُصد بالعدد الحصر أو لم يقصد به.

لذلك سنبدأ في الدرس المقبل -إن شاء الله تَعَالَى-ما الشروط التي اشترطها العلماء أعني الجمهور لقبول مفهوم المخالفة؛ يعني إذا كان الجمهور -خلافًا للحنفية-يحتجون بمفهوم المخالفة فإنهم يشترطون شروطًا، فما أبرز تلك الشروط؟ نبدأ بها -بإذن اللهِ-في الدرس المقبل.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ — الإسراء: 23 ↩
  2. آية: ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ — البقرة: 233 ↩
  3. آية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ — البقرة: 187 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾ — الحجرات: 6 ↩
  5. آية: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا۟ عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُو۟لَـٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا۟ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا۟ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ﴾ — الطلاق: 6 ↩
  6. آية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ — النساء: 101 ↩
  7. آية: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ — البقرة: 230 ↩
  8. آية: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ — البقرة: 222 ↩
  9. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ — النور: 4 ↩
  10. آية: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ — التوبة: 80 ↩

دروس مشابهة