مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قطوف من حياة عثمان بن عفان رضي الله عنه الجزء الثاني

المبشرون بالجنة · الدرس 11 من 12 · 24 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه وفضائله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، وما زال الحديث موصولًا بالحديث عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

عرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، في اللقاء السابق طرفًا يسيرًا من ترجمة هذا الصحابي الجليل وعرفنا بعض مناقبه وفضائله،

1- من ذلك قول الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «﴿إِلَّا﴾ أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة»، فعثمان بن عفان رضي الله عنه تستحيي منه ملائكة الرحمن وأعظم بهذه منزلةً،

2- وعثمان بن عفان رضي الله عنه حفر بئر رومة فله الجنة.

3- وكذلك فإنَّه رضي الله تعالى عنه جهز جيش العسرة والرسول قال: «ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم»،

4- ولما طلب النبي «صلى الله عليه وسلم» من بعض الصحابة رضي الله عنهم أن يساعدوا في توسعة المسجد بادر عثمان رضي الله عنه واشترى القطعة التي كانت بجوار المسجد ليضمها إلى المسجد رضي الله تعالى عنه.

5- وقد قال في آخر حياته حينما أراد الخوارج قتله فقال لهم: تمنعوني من بيت الله تمنعوني من مسجد رسول الله وقد أنعم الله عز وجل علي فاشتريت القطعة من أجل توسعة المسجد ثم حُرم رضي الله عنه وقتل وهو صابرٌ محتسبٌ كما سيأتي بإذن الله تبارك وتعالى.

6- عثمان بن عفان رضي الله عنه هاجر الهجرتين، هاجر هجرة الحبشة الأولى والثانية ثم هاجر إلى المدينة النبوية، بل قد قيل إن عثمان بن عفان رضي الله عنه يعد هو ورقية أول مَنْ هاجر إلى الحبشة، فمن أوائل من هاجر إلى الحبشة عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، فعثمان بن عفان صاحب الهجرتين وزوج البنتين، وما المقصود بقولنا زوج البنتين زوج رقية ثم أم كلثوم رضي الله عنه عنهما.

مناقب عثمان رضي الله عنه: بيعة الرضوان والهجرتان

قد قصصت عليكم، يا أيها الإخوة الكرام، في اللقاء السابق ما وقع في بيعة الرضوان حين بايع الأصحاب رسولنا «صلى الله عليه وسلم» على القتال في سبيله وعلى الموت حينما أشيع بين الناس أن عثمان بن عفان قد قتل رضي الله عنه.

وذلك أنَّ الرسول «صلى الله عليه وسلم» أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه للتفاوض مع المشركين وليخبرهم أنهم جاؤوا من أجل العمرة ولم يجيئوا من أجل قتالٍ أو حربٍ، وقد لقيه أبو سفيان قال له: يا عثمان إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، أنت جئت تريد العمرة، طُفْ أنت بالبيت.

فقال عثمان: أطوف قبل رسول الله ما كنت لأطوف قبل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ثم احتبس عثمان بن عفان رضي الله عنه عن الرسول والصحابة، يعني: أن المشركين أخروا عثمان رضي الله عنه عندهم، فقيل إن عثمان قد قتل، فحينئذٍ بايع الصحابة رسول الله على القتال حفاظًا على حرمة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

فإن شئت فقل إن سبب بيعة الرضوان ما وقع للخليفة الراشد عثمان، فأي فضلٍ لهذا الصحابي الجليل الذي وضع الرسول إحدى يديه على اليد الأخرى وقال: «هذه لعثمان»، والله قال: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾1 (الفتح: 18).

عثمان بن عفان رضي الله عنه حين دخل في دين الله عز وجل قلت: إنه هاجر بعد إلى الحبشة وسبب ذلك أنه تعرض للإيذاء من عمه الحكم بن أبي العاص، فعمه قيده بالسلاسل.

وقال له: لن أتركك ولن أدعك يا عثمان حتى تكفر بهذا الدين المبتدع المحدث، فقال عثمان بن عفان: والله لن أترك دين الله ولن أفرّط في دين الله مهما صنعت، فلما أيقن عمه أن عثمان ليس بتاركٍ هذا الدين تركه وخلى سبيله، فحينئذٍ رأى عثمان أنه لا مناص من الخروج من مكة إلى بلدٍ آخر يتمكن فيه هو وزوجه من عبادة الله، فكانت الهجرة إلى الحبشة الأولى ثم الثانية ثم كانت الهجرة إلى المدينة النبوية، ثم بعد ذلك ماتت رقية في السنة الثانية ثم تزوج أم كلثوم، وبقي على هذا بفضل الله عز وجل وهو يشهد مع رسول الله «صلى الله عليه وسلم» الغزوات ولا يغيب عن شيءٍ منها رضي الله تعالى عنه.

أصحاب الشورى الستة وبداية خلافة عثمان

أما إذا أردنا أن ننظر إلى طرفٍ مما كان من أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه حينما تولى الخلافة، فقد علمتم، يا أيها الإخوة الكرام، حين تكلمنا عن الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه أسند الأمر إلى ستةٍ بعده وهم أصحاب الشورى:

عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله «وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ» وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم،

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه عظيمٌ وجليلٌ ومَنْ يقرأ سيرته يعرف كيف «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه كان ملهمًا محدثًا موفَّقًا فيما يصنع رضي الله عنه.

بالمناسبة، عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يضرب بأربع ليالٍ وقبل أن يصيبه أبو لؤلؤة المجوسي بما صنع من قتل عمر رضي الله عنه قال: لئن سلمني الله عز وجل لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي، يعني: الأرامل النساء الأرامل في العراق لن تحتاج إلى أحدٍ بعد عمر، هذا يقوله عمر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصاب رضي الله عنه.

فلما أصيب ووقع ما وقع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وبدؤوا يقولون له: أوصِ يا أمير المؤمنين واعهد، فعهد إلى الستة ثم قال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيءٌ، عبد الله بن عمر يكون معكم لكن ليس له نصيبٌ من الخلافة، كهيئة التعزية له كما في رواية البخاري.

قال: فإنَّ أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر فإني لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانةٍ، سعد بن أبي وقاص عزله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين شكاه أهل الكوفة لكنه عزله درءًا للفتنة مع علمه أن سعد بن أبي وقاص بريءٌ كل البراءة.

فهو يقول: إن أصابت الإمرة سعدًا فذاك، هو حقيقٌ بأن يكون خليفةً، فإنَّ لم يصبها فليستعن به أيكم ما أُمِّر، هكذا يقول رضي الله تعالى عنه.

وصية عمر رضي الله عنه لأصحاب الشورى

ثم بدأ يوصي الخليفة من بعده:

وأوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين «أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ» «وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ»، وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين ﴿تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ «أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ» «وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ»، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا.

تأمَّل! عمر يقول فيمن سيأتي بعده من الخلفاء وهو لا يدري من هو، واحدٌ من الستة، فهو يوصي وصيةً عامةً، فأوصاه بالمهاجرين الأولين وأوصاه بالأنصار، قال: وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، ما معنى أهل الأمصار؟ يعني: أهل البلاد الأخرى، أوصى بالمهاجرين والأنصار وبأهل البلاد لأنَّ الفتوحات كثرت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قال: فإنَّهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو «وَأَنْ لاَ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلاَّ فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ»، يعني: يؤخذ من فضول أموال أهل الأمصار برضًا منهم.

قال: وأوصيه بالأعراب خيرًا فإنَّهم أصل العرب ومادة الإسلام وأن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرًائهم، يعني: إذا أخذ من الأعراب يرد أيضًا على الفقراء.

وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله «صلى الله عليه وسلم»، ما معنى بذمة الله وذمة رسوله؟ يعني: أن الذين لهم ذمةٌ من اليهود والنصارى، عمر وهو على فراش الموت يوصي: وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله «صلى الله عليه وسلم» أن يُوفَى لهم بعهدهم «وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ» ولا يكلفوا إلا ما أطاقوا، انظر ماذا يصنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فلما أفضى عمر بن الخطاب إلى بارئه ولقي ربه عز وجل ودفن كما علمتم إلى جوار صاحبيه إلى جوار الرسول وأبي بكر رضي الله عنهما، جلس الستة فقال لهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كما في رواية البخاري: أجعلوا أمركم إلى ثلاثةٍ، نحن ستةٌ، ثلاثةٌ يتنازلون إلى ثلاثةٍ، يتركون أمر الخلافة إلى ثلاثةٍ، فتنازل طلحة بن عبيد الله إلى عثمان بن عفان، طلحة جعل أمره إلى عثمان، وجعل الزبير رضي الله عنه أمره إلى علي بن أبي طالب، وجعل سعد بن أبي وقاص أمره إلى عبد الرحمن بن عوف.

فصاروا ثلاثةً، إذن الاختيار سيبقى بين ثلاثةٍ، من هم؟ عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، الثلاثة يختار من الثلاثة خليفةٌ، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أيُّكما تبرَّأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرنَّ أفضلهم في نفسه

فقال لهم: أيُّكما تبرَّأ من هذا الأمر فنجعله إليه يعني: هو الذي يختار الخليفة من الاثنين الآخرين والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهما في نفسه، فسكت الشيخان، من هما عثمان وعلي، سكتا، فقال عبد الرحمن: تجعلان الأمر إليَّ والله عليَّ لأنظرن أفضلكما ولن آلو في ذلك، يعني: لن أقصر في الاختيار، فقالا: نعم، وافقا «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ» يختار من يكون الخليفة.

فقال: لأحدهما: لك قرابةٌ من رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وقدمٌ في الإسلام ما علمت، فالله عليك لئن أمَّرتُك لتعدلنَّ ولئن جعلت عثمان عليك أميرًا أو خليفةً لتسمعن له ولتطيعن، فأخذ عليه الميثاق، ثم اتجه إلى عثمان وقال له الكلام ذاته: لك قرابةٌ من رسول الله وقدمٌ في الإسلام ما علمت، فالله عليك لئن أمَّرتُك لتعدلنَّ ولئن جعلت عليًا أميرًا عليك لتسمعن له ولتطيعن، فوافق.

فلما أخذ الميثاق عليهما بايع عثمان رضي الله عنه، هذا في رواية البخاري، وقد جاء في روايات أخرى «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ» بن عوف مكث ثلاث ليالٍ يستشير الأصحاب: من يُولَّى، أيُولَّى عثمان أم يُولَّى عليٌّ؟ وكلاهما صالحٌ للخلافة.

فرأى أن الأرجح وأن الميل أكثر إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبايع عثمان، فقال: ارفع يدك، فرفع يده فبايعه، فدخل علي رضي الله عنه فبايعه، ثم بايعه أهل الدار وبايعه الناس بفضل الله ولم يقع اختلافٌ من أحدٍ على عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

بيعة عثمان رضي الله عنه ورضا الصحابة بها

وعثمان حين تولى الخلافة كان ابن 68 سنةً، يعني: عثمان لما تولى الخلافة كان عنده كم سنة 68 سنة، أكبر، ولذلك عثمان عُمِّر بالنسبة لسن الرسول «صلى الله عليه وسلم» «وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»، عثمان مات وهو ابن 82 سنةً، 81، 82 سنة رضي الله تعالى عنه.

تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة عن رضا واختيارٍ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم وقد سن عمر رضي الله عنه هذه السنة.

ولذلك عمر رأى حينما قيل له: لو استخلفت، فقال: إن لم أستخلف عليهم فأنا أقتدي بالرسول، فالرسول لم يتخذ خليفةً، الرسول «صلى الله عليه وسلم» أومأ إلى أن أبا بكرٍ سيكون الخليفة لكنه ما صرح بذلك، وإن استخلفت عليهم فأنا أقتدي بأبي بكرٍ لأنَّ أبا بكرٍ استخلف عمر، فاختار عمر رضي الله عنه أن يختار ستةً وأن يختار المسلمون من بين هؤلاء الستة من يرونه صالحًا للخلافة وكلهم أهلٌ لها رضي الله عنه عنهم.

عثمان العدل وصاحب العبادة وموقفه من الفتنة الكبرى

عثمان بن عفان عاش بسيرةٍ جليلةٍ وبهديٍ جليلٍ عظيمٍ.

وكان معروفًا بالحلم ومعروفًا بالرفق، لكنكم تتذكرون حينما ذكرت لكم حديث حذيفة رضي الله عنه وهو حديث الفتنة حينما طلب عمر رضي الله عنه أن يعرف الفتنة التي تموج كما يموج البحر.

فقال له حذيفة رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أيُكسر أم يُفتح؟ قال: بل يُكسر، قال: إذن لا يغلق أبدًا،

وقد فُسِّرَ الماء بأنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فمنذ أن قتل عمر زرعت بين الناس فتنةٌ وأي فتنةٍ، فتحمل عثمان بن عفان رضي الله عنه على عاتقه درء تلك الفتنة قدر الاستطاعة، لكن هناك المنافقون الذين كانوا في هذا الوقت.

وهناك الذين صنعوا مع عمر ما صنعوا، وهناك من كان على خلاف السنة، وهناك من كان يهوديًا فدخل في الإسلام في الظاهر وهو على حنقٍ وبغضٍ للإسلام وأهله وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن سبأ اليهودي، فهو يهودي الأصل دخل في الإسلام ظاهرًا ولكنه في الحقيقة يكيد للإسلام وأهله.

ثم بدأ يبث الفتن في الناس ويبث الفتن في البلاد ويدعي أن عليًا أولى بالخلافة من عثمان وأنهم يريدون نصرة أهل البيت وأن عثمان يسير بسيرةٍ غير صحيحةٍ وغير مستقيمةٍ وغير عادلةٍ.

مع أنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه كان معروفًا بتمام الصدق والعدل والورع رضي الله تعالى عنه، حتى إنهم يقولون: كان عثمان إذا أتاه ضيفٌ أكرمه غاية الإكرام ويقول: حق من أتى الخليفة أن يكرم، فإذا دخل بيته رضي الله عنه لم يأكل إلا خلًا وزيتًا، وكان هذا طعام عثمان بن عفان رضي الله عنه مع أنَّه الثري والغني ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصير خليفةً رضي الله عنه، وكان معروفًا بالعبادة بل لربما دخل في المسجد ونام فيه وهو خليفةٌ لا يخاف من أحدٍ لأنه لا يظلم أحدًا رضي الله تعالى عنه.

ودخل ذات مرةٍ فصلى صلاةً طويلةً، صلى ركعة الوتر فختم القرآن كله في ركعةٍ، وهذا ثبت بإسنادٍ صحيحٍ عن عثمان بن عفان، وهو الذي قيل فيه على قول عددٍ من أهل العلم أو يقال ممن يندرج في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ﴾2 (الزمر: 9).

منقبة عثمان الكبرى في جمع المصحف الشريف

ومن حسنات عثمان بن عفان رضي الله عنه: -

1- أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما دخل عليه يومًا وذلك في فتح أرمينية وأذربيجان فقال له: يا أمير المؤمنين أدرك الناس، أدرك الناس ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى في كتابهم، وذلك أنَّ الناس في هذه الفتوح بدأ يُخطِّئ بعضهم بعضًا، هذا يقرأ بقراءةٍ والآخر يقرأ بقراءةٍ.

فهذا يقول: لا ما هكذا أنزل القرآن، فصاروا يُخطِّئ بعضهم بعضًا.

فقال له: أدرك الناس ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فما كان من عثمان بن عفان رضي الله عنه إلا أن أرسل إلى حفصة رضي الله عنها، وذلك لأنَّ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر الصديق وقد تكلمنا عنه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ بقي عند أبي بكر، فلما توفي أبو بكر انتقل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقي المصحف عند حفصة.

فأرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة أم المؤمنين: نريد المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر الصديق حتى ننسخ منه نسخًا ثم نعيده إليك مرةً أخرى.

ثم جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه فأرسل إلى أفذاذٍ كبارٍ معروفين بالعلم والقرآن والورع، فأرسل إلى زيد بن ثابت «وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ» وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص، هذه لجنةٌ مكونةٌ من أربعةٍ على رأس تلك اللجنة هؤلاء الأربعة، وأمرهم أن يكتبوا المصحف وأن يكتبوا نسخًا حتى ترسل نسخٌ من المصحف إلى الأمصار، كان ذلك في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ولذلك رد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على من طعن في عثمان بدعوى أنه حرق أوراق المصحف، لأنَّ عثمان رضي الله عنه لما نسخ هذه النسخ أمر الناس أن يحرقوا ما عندهم من أوراقٍ حتى لا يبقى هناك خلافٌ، هذا الذي قصده عثمان، فبين علي رضي الله عنه أنه ما صنع ذلك إلا على ملأٍ من الناس وبرضا من الناس وأن عثمان من أكثر الناس ثوابًا في القرآن لأنه الذي نسخ المصاحف وأرسل بها إلى الأمصار رضي الله تعالى عنه.

استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه وثباته ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ حتى وفاته

لكن يشاء ربي جل وعلا أن يُقبَض عثمان بن عفان شهيدًا كما أنَّ عمر بن الخطاب قبض شهيدًا، وعثمان كان يعلم ذلك مسبقًا.

فإنَّ الرسول لما صعد أحدًا قال: «أثبت أحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان»، وكان من هؤلاء عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقلت لكم إن الرسول بشر عثمان بالجنة.

وقال له: على بلوى تصيبه، وقال عثمان: الله المستعان3.

وفي بعض الروايات أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» قال: «وددت لو دخل علي بعض أهلي»، فقالوا: نرسل إلى أبي بكرٍ فسكت الرسول، فقالوا: نرسل إلى عمر فسكت الرسول، فقالوا: نرسل إلى عثمان قال: نعم، هذا في مرضه، نرسل إلى عثمان قال: نعم، أرسلوا إلى عثمان، فلما دخل عليه عثمان تغيَّر وجه عثمان لأنَّ الرسول قص عليه الأمر وقال له: «يا عثمان إن الله مقمصك قميصًا» وهو قميص الخلافة.

«فإذا أرادك الناس على خلعه فلا تخلعه، فإذا أرادك الناس على خلعه فلا تخلعه، فإذا أرادك الناس على خلعه فلا تخلعه»، لذلك بقي عثمان بن عفان رضي الله عنه ثابتًا إلى أن لقي الله عز وجل على ذلك، وقد اختلطت دماؤه بالمصحف وهو يقرأ القرآن ولا يريد أن يُقتَل مسلمٌ واحدٌ بسببه رضي الله تعالى عنه.

وقد تتعجبون تعجبًا شديدًا، الخليفة الراشد وهو في المدينة النبوية وبإمكانه أن يحرك الجيوش وأن يحرك الناس ليقفوا أمام هؤلاء الذين يريدون اغتياله، وعثمان يقسم عليهم بالله ﴿إِلَّا﴾ يخرج أحدٌ من داره إلا بأمره وقال: لا أريد أن يُراق دم مسلمٍ واحدٍ بسببي، أصبر وأحتسب.

وما كان يظن عثمان أنهم سيقتلونه وإنَّما مجرد خلافٍ لن يصل إلى ذلك، وكان يخرج إلى الصلاة ويصلي بالمسلمين رضي الله تعالى عنه إلى أن حاصروه في آخر أمره فصار يصلي في البيت، فلما دخل عليه بعضٌ من أصحابه كما في رواية عبيد الله بن عدي بن الخيار وقال له: يصلي لنا إمام فتنةٍ، يعني: صار الذي يصلي بالناس رجل فتنةٍ من الخوارج.

فقال لهم: «إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم»، يعني: لا تتركوا الصلاة حتى وإن كانوا على البدعة، لا أريدكم أن تتركوا الصلاة.

لكن يا ترى ماذا صُنع بعثمان بن عفان رضي الله عنه؟ وهل كان لهم عذرٌ فيما صنعوا؟ نتعرف على ذلك بإذن الله في اللقاء المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 18 ↩
  2. آية: أَمَّنۡ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦ — كما ورد في الدرس: الزمر 9 ↩
  3. أثر: الله المستعان. — الذكر في الدرس: عثمان ↩

من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)

دروس مشابهة