أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (عبد الله بن عون) رحمه الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة مجلس سلسلة أولئك آبائي والانتقال لسيرة عبد الله بن المبارك
سيرة عبد الله بن المبارك
نحن اليوم على موعد مع عالم عابد مجاهد زاهد جمع صفات الخير كما يذكرون في ترجمته رحمة الله إنه عبد الله بن المبارك وسيرته عطرة فيها خير كثير وأحيلكم على قراءة ترجمة هذا العالم العابد الجليل رحمه الله رحمة واسعة عبد الله بن المبارك ضرب بأسهم كثيرة في أبواب الخير لكنه مع ذلك قال كلمة عظيمة جليلة يقول رحمة الله تعالى ما أعلم بعد النبوة أعظم أو أفضل من بث العلم
لا أعلم شيئًا بعد النبوة أفضل من بث العلم أي: من نشره فمع أنَّ عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى كان معروفًا بالزهد ومعروفًا بالبذل والنصيحة والتضحية والجهاد في سبيل الله والعلم والفضل إلا أنه يذكر أفضل القربات وأعلى ما يصل إليه الإنسان بث العلم أي: نشره والدعوة إليه فجدير بمن منَّ الله سبحانه وتعالى عليه بالعلم أن يبذله وأن لا يبخل به وَأَلَّا يَبْخَلَ بِهِ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ولذلك أثنى الله بل أمر الله أمهات المؤمنين أزواج النبي الأمين «صلى الله عليه وسلم» فقال: ﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى كان له مواقف نبيلة ومع ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يستر عمله لكن الله سبحانه وتعالى أبدى سيرته حتى يذكر فيثنى عليه ويدعى له وترتفع منزلته فجعل الله له ﴿لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْءَاخِرِينَ﴾ مع ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يستر عمله
من مواقفه — رحمة الله تعالى كان يذهب إلى طرسوس كثيرًا. وكان يذهب إلى أماكن عديدة للتحديث ولمقابلة أهل العلم. وكان كذلك يمر بكثير من هذه البلدان. وكان هناك شاب يختلف إليه ويستفيد من علمه. وكان يخدم عبد الله بن المبارك ويكون قريبًا منه وفي سفرة من هذه الأسفار، فَقَدَ هذا الشابَ فسأل عنه فقيل له: إنه محبوس في دَيْنٍ عليه فذهب ونظر فعلم أن عليه دينًا يبلغ مقدار كذا عشرة آلاف أو أكثر فقضاها عنه واشترط على من أعطاه المال ﴿إِلَّا﴾ يخبر أحدًا بأن عبد الله بن المبارك هو الذي أعطى. ثم بعد فترة رأى الشاب فقال: أين كنت
فقال: كنت محبوسًا في دَيْنٍ لي أو في دين علي. ثم إن رجلًا أتى وسدد عني وقضى الله عني هذا الدين فقال: احمد الله الذي يسَّر لك هذا الأمر ولم يعلم بذلك حتى توفي عبد الله بن المبارك رحمه الله رحمة واسعة بل وحتى في المعارك في معركة من المعارك وهم يقاتلون الروم قام رجل يبارز المسلمين. ويقول هل من مبارز
فتصدى له رجل من أهل الإسلام فقتله هذا الكافر. ثم قال هل من مبارز
فقام له مسلم آخر فقتله هذا الرجل من أهل الروم ثم قام عبد الله بن المبارك وهو ملثم لا يُرى شيء من وجهه فقاتله فقتله فغلب عبد الله بن المبارك هذا الرجل الذي كان يقاتل من أهل الروم فأقبل المسلمون عليه: من هذا الشجاع؟
من هذا الذي استطاع أن يقتل هذا الكافر الذي يقول هل من مبارز
فنظروا فإذا هو عبد الله بن المبارك حينما كشفوا عن وجهه فنظر إلى أحد العلماء حينما رأاه. فقال له: يا أبا عمرو، وأنت أيضًا ممن يُشنِّع علينا؟ يعني: أنت أيضًا ممن يشنع ويريد أن يعرف من الذي صنع ذلك لا يريد أن يطلع أحد على صنيعه رحمة الله تعالى في سفرة من أسفاره كان مع بعض أصحابه وبينما هم جالسون إذ بمصابيحهم قد ذهبت وإذ بالليل قد أتى وبدأوا يبحثون عن مصباح يضيء لهم فلما جاءوا بالمصباح نظر أحدهما إلى وجه ابن المبارك فوجد الدموع تسيل على خديه لأنه تذكر الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت فبكت عينه من خشية الله سبحانه وتعالى هذا هو عبد الله بن المبارك الذي له كثير من خصال الخير كان معروفًا بالحج والجهاد وَكَانَ يَجْمَعُ مِنْ أَصْحَابِهِ نَفَقَاتِهِمْ يقول لهم: تريدون الخروج معي إلى الحج
نعم اجمعوا الصدقات أو اجمعوا النفقات فيجمعها ويضعها في صندوق، ثم يذهبون معه إلى الحج. فيقول لهم: ماذا تريدون من المدينة؟
يريدون كذا وكذا يقول اشتروا ما تريدون لأولادكم خذوا ثم يأتي إلى مكة ماذا تريدون خذوا خذوا فيأخذون الهدايا كل هذا ومالُهم محفوظ في الصندوق ويحجون ويركبون ويفرحون ويشربون ويطعمون فإذا عاد قال نرد إلى كل واحد منكم ما بقي من ماله فيفتح الصندوق فيعطي كل واحد منهم الصرة التي أعطاه إياها ويكون ذلك من ماله الخاص الذي أنفقه في سبيل الله.
من مواقفه — ولذلك قد يسأل سائل هل معنى ذلك أن ابن المبارك كان غنيًّا يقال نعم،
بل كان يتجر وحينما سُئل في ذلك قال أصون به عِرضي وأكرم به وجهي وأستعين به على طاعة ربي. وكان يتجر من أجل أصحابه من أجل أن ينفق على بعض أصحابه كالفضيل بن عياض وسفيان وإسماعيل بن عليه وغيرهم. فكان يتجر ويحتسب في ذلك ليكون تاجرًا صدوقًا أمينًا رحمه الله رحمة واسعة بل وله موقف طريف مع إسماعيل بن عليه حينما تولى القضاء أو غير ذلك من هذه الولايات فحزن لذلك عبد الله بن المبارك أنت يا إسماعيل من أهل العلم ما لك ولهذا المنصب؟ ابقَ على ما أنت عليه فوجد على إسماعيل بن عليه. وكان يصل إسماعيل بن عليه فقطع هذا الوصال أعني العطاء الذي يعطيه فأرسل إليه إسماعيل بن عليه لا يريد منه مالًا ﴿أَنَّمَا﴾ يحب الوصال لأنَّ عبد الله بن المبارك كان له شأن فإذا واصل غيره بمال أو بغيره فهذه منزلة عالية.
فأرسل إليه خطابًا وفيه أبيات يقول ابن المبارك لإسماعيل بن عليه يا جاعل العلم له بازيًا. يعني: كالصقر يصطاد أموال المساكين احتلتَ للدنيا ولذَّاتها بحيلة تذهب بالدين فصرت مجنونًا بها بعدما كنت دواء للمجانين أين رواياتك في سَرْدِها عن ابن عون وابن سيرين
أين رواياتك فيما مضى في ترك أبواب السلاطين
إن قلتَ: أُكرهتُ فذا باطل زلَّ حمار العلم في الطين فما كان من هذا الرجل إسماعيل بن عُلَيَّة إلا أن طلب الإقالة وقدم الاستقالة فقالوا: فتنك الرجل. يعني: عبد الله بن المبارك لأنه كان يحتسب في ذلك وفي صنعه رحمه الله رحمة واسعة عبد الله بن المبارك سيرته عطرة مليئة بالفوائد الكثيرة من مواقفه السهلة الميسورة أنَّ رجلًا عطس إلى جواره ومن المعروف أن الإنسان إذا عطس شُرع له أن يقول الحمد لله،
فنسي الرجل أن يقول الحمد لله، وابن المبارك يريد أن يعلِّمه،
فقال له: يا فلان، ماذا يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول الحمد لله. قال: يرحمك الله.
لا يريد أن يضيع عليه أن يقول الحمد لله وأن يُسمع يرحمك الله كل ذلك من فقه عبد الله بن المبارك رحمة الله والعجيب عبد الله بن المبارك رحمة الله كان يترك مجالسة الناس كثيرًا مع هذا الفضل ومع هذا العلم ومع هذه المكانة كان لا يحرص على مجالسة الناس فلما قيل له: ﴿إِلَّا﴾ تستوحش؟ ﴿إِلَّا﴾ تستوحش من خلوتك بنفسك كثيرًا فكان يقول كيف أستوحش وأنا مع النبي «صلى الله عليه وسلم» وأصحابه يقصد أنا مع الأحاديث النبوية ومع الآثار المروية عن الص1حابة فأنا أطالع الكتب. فهذا خير عظيم ومن مواقف عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى أيضًا أنه استعار قلمًا بأرض الشام استعار قلمًا من صديق له ثم قدم إلى مرو سافر ونسي أن هذا القلم لفلان فنظر فوجد القلم معه فما كان منه إلا أن سافر مرة أخرى إلى الشام ليرد القلم وانظر إلى حال كثيرين ممن قد يستعير من غيره شيئًا وشيئًا وأشياء. ثم ينسى ثم يتركها عنده ولا يفكر في أن يعيدها إلى صاحبها لكنه عبد الله بن المبارك المعروف بأمانته وفي الوقت ذاته كان معروفًا كذلك بخشوعه وتدبره للقرآن الكريم فقال له قائل ذات مرة إنني قرأت القرآن كله البارحة في ركعة فقال له: وغيرك ما تجاوز سورة ألهاكم التكاثر طول الليل يرددها يقصد نفسه. يعني: أنه يقرأ سورة التكاثر فلا يستطيع مجاوزتها ولا يستطيع تجاوزها لما يرى فيها من آيات عظيمة يتأثر بها ألهاكم التكاثر وَفِي خِتَامِهَا ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾
من مقولاته — أنه رحمة الله تعالى قال: ليكن مجلسك مع المساكين واحذر أن
أنه رحمة الله تعالى قال: ليكن مجلسك مع المساكين واحذر أن تجالس صاحب هوا أو بدعة نعم جالس المساكين فبهذا يرق القلب واحذر مجالسة أهل الأهواء والبدع. فإنَّ في ذلك ضلالًا. نسأل الله السلامة والعافية رُبَّ عملٍ قليلٍ تكثِّره النية ورُبَّ عملٍ كبيرٍ تُصغِّره النية نعم فنيَّة المرء أبلغ من عمله قد يبلغ الإنسان بنيته أكثر مما يبلغه بعمله ورُبَّ عمل يبدو كبيرًا لكن صاحبه مراء فلا ينتفع بهذا العمل. نسأل الله السلامة نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم
وفاة عبد الله بن المبارك وختام المجلس. ثم إن عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى قد توفي سنة 81 ومئة من هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن طريف ما يذكر قبيل وفاته أنَّ رجلًا دخل عليه فلقنه لا إله إلا الله فردد عبد الله بن المبارك وراءه لا إله إلا الله فأكثر الرجل عليه «قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» «قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وعبد الله بن المبارك يقول لا إله إلا الله. ثم قال له عبد الله بن المبارك ينصح له وهو على فراش الموت قال له: يا هذا إنك لا تحسن أخشى أن تؤذي مسلمًا بعدي إذا لقنت أحدًا لا إله إلا الله فلم يتكلم بعدها بشيء فيكفيه ذلك ولا تعدها علي ولا تكررها. فإنَّ أحدث كلامًا فلقِّنه مرة أخرى ينصح حتى في هذا الوقت. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلحقنا بالصالحين وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- تعليق: ه: ﴿إِلَّا﴾ تستوحش؟ ﴿إِلَّا﴾ تستوحش من خلوتك بنفسك كثيرًا فكان يقول كيف أستوحش وأنا مع النبي «صلى الله عليه وسلم» وأصحابه يقصد أنا مع الأحاديث النبوية ومع الآثار المروية عن الص — قول: «كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه». الذكر في الدرس: عبد الله بن المبارك. ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 10
- آية: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 134
- تعليق: آل عمران: 134) وكان من أقواله الجميلة ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقول ذكر الناس داء وذكر الله دواء. ذكر الناس داء ولعلنا نتذكر ما ذكرته سابقًا من أنه قد — قول: «ذكر الناس داء وذكر الله دواء». الذكر في الدرس: عبد الله بن عون.
من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)