قطوف من حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزء الثالث
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
وفاة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستشهاده
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الجنة بمنه وكرمه، وما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، الحديث عن سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا أوان الحديث عن وفاته، بل إن شئت فقل عن شهادته رضي الله تعالى عنه.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو ربه سبحانه وتعالى: اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك1 «صلى الله عليه وسلم».
تأمَّل! هذه الدعوة: كان يدعو ربه سبحانه أن يرزقه الشهادة في سبيله، وأن يجعل موته في بلد رسوله، وأنت قد تتعجب حين تسمع الدعوتين مقترنتين، لأنَّه من المتوقع ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يموت شهيدًا في سبيل الله أن يخرج من المدينة ليقاتل أعداء الله.
وكم فتح الله عز وجل على يد عمر بن الخطاب ومن ولاة عمر رضي الله عنه على المسلمين من بلاد، ولكنه يطلب أن يموت أيضًا في بلد رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وتتحقق دعوة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي بشره الرسول «صلى الله عليه وسلم» فوصفه بأنه شهيد، فقال: «فإنما عليك نبي وصديق وشهيد»، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قُتل شهيدًا في سبيل الله، قُتل شهيدًا في سبيل الله رضي الله تعالى عنه، وكان مقتله في مدينة رسول الله وهو يصلي بالمسلمين رضي الله تعالى عنه.
رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرب استشهاده
تقدَّم يا أيها الإخوة الكرام «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه رأى رؤيا:
وهي أن ديكًا قد نقره نقراتٍ ثلاثًا، فعلم بذلك، ورأى أن تفسير ذلك يعود إلى قرب أجله ودنوّه.
وقد وردت رواياتٌ أن كعب الأحبار، وقد كان لديه علمٌ كبيرٌ لا سيما بما لدى أهل الكتاب من علم، أخبره بدنو أجله، فالعلم عند الله تبارك وتعالى.
الشاهد من ذلك، يا أيها الإخوة الكرام «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه حج الحجة التي كانت في السنة الثالثة والعشرين من هجرة النبي الأمين «صلى الله عليه وسلم»، وكان قد بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك في عهد الخلافة ما يزيد عن عشر سنوات، لأنَّ خلافة عمر رضي الله عنه استمرت لمدة عشر سنواتٍ ونصف عامٍ تقريبًا رضي الله تعالى عنه.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمنع السبي من دخول المدينة أو الإقامة بها، فكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على الكوفة - أو على العراق - وكان لديه صانعٌ مشهورٌ يقال له: أبو لؤلؤة.
وكان أبو لؤلؤة مشهورًا بالصناعة، فكان معروفًا بعددٍ من أنواعها، فكان حدادًا نقاشًا إلى غير ذلك من صناعات، فأراد المغيرة بن شعبة أن يرسله إلى المدينة ليكون في مدينة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ليستفيد المسلمون من خبرته فيما يصنع.
فأشار بذلك على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوافق عمر وأقر ذلك رضي الله عنه، وكان الخراج الذي على أبي لؤلؤة أن يدفعه مئة درهمٍ يدفعها كل شهرٍ إلى المغيرة رضي الله تعالى عنه أو يرسلها له.
أسلم بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة، ﴿وَقِيلَ﴾ في السنة السادسة من بعثته
فلما حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما جاء في بعض الروايات،
لقيه أبو لؤلؤة فاشتكى إليه هذا المال الذي وُضع عليه، وقال: إنه كثيرٌ عليّ، فقال له: ليس بكثيرٍ عليك، فأنت تمتهن وتصنع وتكسب وتجد، ولديك كثير، فلا يضرك مثل ذلك.
وقد أضمر عمر رضي الله عنه أنه سيوصي المغيرة به خيرًا، وأنه سيطلب منه أن يخفف عن أبي لؤلؤة، لكن أبا لؤلؤة - مع ما عُرف به من الخبث، وكان مجوسيًا كما عليه جماهير أهل العلم بل عامتهم، وقد نقلوا أنه من المجوس الذين لم يسلموا لله رب العالمين.
ويشهد لذلك ما جاء بعدُ في شأن قتله لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - فقال: وسع عدل عمر بن الخطاب الناس كلهم إلا أنا، لأفعلنّ ولأفعلنّ، فما كان منه إلا أن أخذ هذا الخنجر وقد سنّه من جانبيه ووضع فيه السّمّ، واستعد لقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
وما من شك أنه يضمّ إلى هذا ما كان يكرهه للإسلام ويحقد عليه، فهو مجوسيٌ لا يعرف للإسلام حظًا ولا نصيبًا، فضلًا عن أن يقدّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو من هو ممن كان يُغيظ الكفر، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا سلك فجًّا سلك الشيطان فجًّا غير فجِّه، هذا بالنسبة لشيطان الجن، وأما لأعداء الله من الكفر فإنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قاهرًا لهم، وكان معروفًا بقوته وشجاعته، وأنه لا يخاف في الله لومة لائمٍ رضي الله تعالى عنه.
لحظات استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
استمر الأمر هكذا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما هي إلا بضعة أيامٍ، ثم أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يخرج لصلاة الفجر ليصلي بالمسلمين.
وقد تبعه أبو لؤلؤة ليصل إلى مراده من قتل عمر بن الخطاب وهو يصلي بالمسلمين، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من دأبه أنه يمر بين الصفوف يسوّي الصفوف حتى إذا ما رأى اعوجاجًا سوّاه، فلما استقام له الأمر قام وتصدّر الناس وأمّهم وهو أمامهم وكبّر، فما كان من أبي لؤلؤة إلا أن انقضّ عليه فضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه عدة ضرباتٍ، منها ما كان في كتفه ومنها ما كان في سرته.
وقد ذكر بعضهم أنها وصلت إلى ست ضرباتٍ، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن وقع، وفي بعض الروايات أنه قال: قتلني الكلب - أو الخبيث - رضي الله تعالى عنه، وظاهر الأمر «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» شعر منه، كما ذكروا في مواقف أخرى، أن هذا يكيد له، لكن عمر بن الخطاب ما كان يعامل الناس إلا بما يظهر منهم رضي الله تعالى عنه.
ثم مضى إلى الخلف وهو يسير - أعني أبا لؤلؤة - يضرب كل من يواجهه من المسلمين وهم في الصفوف، فطعن ثلاثة عشر رجلًا، قتل منهم سبعةً، فلما رآه رجلٌ منهم ما كان منه إلا أن رمى عليه البرنس، فلما رأى أنه قد أُحيط به ما كان منه إلا أن قتل نفسه، فأبو لؤلؤة قتل نفسه بنفسه وهو عدو الله الخبيث.
وصايا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأخيرة وهو في هذا الذي فيه من سيلان الدم والجرح يثعب منه، وقد كادت تذهب روحه رضي الله تعالى عنه، نظر ليقدّم من المسلمين من هو أهلٌ لذلك.
فجذب عبد الرحمن بن عوف - أو أشار إليه - فقدّمه، فصلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالمسلمين صلاةً خفيفةً موجزةً، ثم احتملوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بيته.
فلما أفاق قال: أصلّى الناس؟ أصلّى الناس؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله، لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة2، لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. تأمَّل! أول سؤالٍ يسأل عنه عمر: أصلّى الناس؟ قالوا: نعم، قال: لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ثم هُيّئ للصلاة فصلى وهو على حالته والجرح يثعب دمًا منه رضي الله تعالى عنه.
ثم إن الناس دخلوا على عمر بن الخطاب، وقد سألهم: من قتلني؟ فقالوا له: أبو لؤلؤة المجوسي الخبيث، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي3 - لم يجعل موتي - على يد رجلٍ سجد لله سجدةً، وهذا يدل على أن أبا لؤلؤة لم يكن يعرف للإسلام طريقًا، ولم يكن يعرف للسجود سبيلًا، وإنَّما كان مقصوده أن يقتل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه.
بكاء الصحابة على عمر رضي الله عنه وبشارتهم له بالجنة
ثم بدأ الناس يدخلون على عمر بن الخطاب، يدخلون عليه يبشرون وهو في السكرات.
وقد أتوا له بالطبيب، فما كان من الطبيب إلا أن نظر إلى عمر بن الخطاب وأمر بأن يُسقى لبنًا، فعاد اللبن كما هو، إلى غير ذلك مما صُنع به من نبيذٍ ونحوه - يعني: شرابًا يشربه - فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد - يعني: أوصِ - فإنَّك مَيِّتٌ، فعرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها نهايته، وأن هذا مرض الموت، وأنها السكرات رضي الله تعالى عنه، فبكى من حوله من الناس.
فقال لهم: لا تبكوا، فإنَّ الرسول «صلى الله عليه وسلم» قال: إن المَيِّت يعذَّب ببكاء أهله عليه، فمن كان باكيًا فليخرج عني.
فدخل الناس يبشرون عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كل منهم يبشره بأنه صاحب رسول الله، ومن بشره الرسول بالجنة، ومن مات الرسول عنه وهو راضٍ، ومن مات عنه أبو بكر وهو راضٍ، إلى غير ذلك: أبشر يا أمير المؤمنين، وهذه بإذن الله شهادةٌ لك في سبيل الله، إلى غير ذلك.
وممن أثنى عليه عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وقال له: آمنت إذ كفر الناس، وناصرت الرسول إذ خذله الناس، وولَّاك الله إمارة المؤمنين - أو خلافة المسلمين - وما اختلف عليك رجلان، فقال له: أعِد عليّ، فأعاد ابن عباس، فقال: المغرور من غررتموه4، المغرور من غررتموه، ثم قال: والله لو أنَّ لي ما على ظهر الأرض من بيضاء وصفراء لأحببت أن أفتدي بها من هول المطّلع - أو من هول يوم القيامة.
ثناء علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عمر بن الخطاب
ودخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يبشر عمر بن الخطاب أيضًا، ومما قال له: والله ما خلّفت ورائي أحدًا أحب أن ألقى الله بعمله إلا أنت5، أو مثلك يا علي بن أبي طالب - وهذا فيه ردٌ على من يطعن في جناب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وسيأتي تفصيلٌ أكثر لذلك بعده ونحن نتكلم عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه - يقول: ما خلّفت أحدًا أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، والله لقد ظننت أن تكون صاحب رسول الله في الدنيا والآخرة، أو كما قال رضي الله عنه، وكثيرًا ما كنت أسمع الرسول يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر - من الذي يقول ذلك؟ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وفي هذا كله وهذا يدخل يثني، وهذا يدخل يثني، فدخل شابٌ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه يثني على أمير المؤمنين عمر، فلما انصرف الشاب التفت عمر - وهو على فراش الموت وفي سياق الموت - فوجد الشاب يجر إزاره، وجد إزاره طويلًا، فقال: عليّ بالشاب، فرُدّ عليه الشاب، فقال له: ارفع ثوبك فإنَّه أنقى لثوبك وأتقى لربك6، ارفع ثوبك ولا تجعله هكذا، ارفع ثوبك فإنَّه أتقى لربك وأنقى لثوبك.
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وينصح وهو في سياق الموت رضي الله تعالى عنه.
بين أمانة الحكم والتجرد من الدنيا. ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وقد أوصى بما تعلمون وبما ذكرت في اللقاء السابق، أنه عهد إلى الستة أصحاب الشورى الست، وكلهم من المبشرين بالجنة، ولم يأخذ منهم أبا عبيدة، لأنَّ أبا عبيدة كان قد توفي قبل ذلك في طاعون عمواس.
وقد ورد عن عمر أنه قال: لو كان أبو عبيدة حيًا لجعلت الخلافة له، فإنَّ سُئلت قلت: إن الرسول قال: إن لكل أمةٍ أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، ولم يجعل لسعيد بن زيد شيئًا من ذلك لأنه زوج أخته رضي الله عنه، وإنَّما جعل الستة غيرهم، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، «وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ»، والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين.
وقال عمر بن الخطاب لابنه عبد الله: يا عبد الله، انظر ماذا عليّ من ديون، انظر ماذا عليّ من ديون - من الذي يقول هذا؟
الخليفة أمير المؤمنين يقول: انظر ماذا عليّ من ديون - فحسب الديون التي على عمر فوجدها ستةً وثمانين ألفًا، فقال له: انظر في آل عمر، فإنْ قضيت ديني فلا تعدهم إلى غيرهم، فإنْ لم يفِ مالُ آل عمر فعليك ببني عدي - قبيلته أو عائلته التي ينتمي إليها - فإنْ لم يفِ مالُهم فعليك بقريش، ولا تعدُ إلى غيرهم، يعني: لا تطلب في سداد ديني مالًا من أحدٍ سوى قرشيّ.
هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أخذ على نفسه، كما جاء في بعض الروايات، أنه تعامل مع مال المسلمين كما يتعامل ولي اليتيم.
قال: أنا أعمل في مال المسلمين كولي اليتيم، إن كنت فقيرًا أكلت بالمعروف، وإن استغنيت لم آخذ شيئًا، قال الله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾7 (النساء: 6)، فكان يتعامل هكذا رضي الله تعالى عنه.
عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى مع أقرب الناس إليه
والقصة مشهورةٌ وتقدم ذكرها في مناسبات.
«أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» وعبيد الله ابنَي عمر رضي الله عنهما، لما لقيا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه بالكوفة وأراد أن يحسن إليهما، قال: أريد أن أحسن إليكما بشيءٍ، ثم قال: عندي مالٌ أريد أن أرسله إلى أمير المؤمنين، خذا المال على سبيل القرض، اشتريا به تلك البضائع، ثم إذا رجعتما إلى عمر فما يكون منكما إلا أن تعيدا إليه المال الذي أرسلته إليه.
ففعلا ذلك وقدما المدينة وباعا ما لديهما من بضاعةٍ فربحا.
فلما علم عمر قال: أدّيا المال والربح، فقال له، أما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين، ليس لك ذلك، ﴿إِلَّا﴾ ترى أننا لو خسرناه أو أهلك لضمنّاه؟ فقال: أوَكلَّ الناس أعطاهم قرضًا؟ أم لأنكما ولدا أمير المؤمنين؟
فقال له بعض الناس: يا أمير المؤمنين، أجعله قراضًا بينك وبينهما ليأخذا نصف الربح، ولتأخذ - أو ليأخذ بيت مال المسلمين - النصف، ففعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك، فعمر كان معروفًا بهذا رضي الله عنه وبورعه.
حتى إن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: ما كان عمر بأولِ إسلامًا - لأنَّ عمر رضي الله عنه، كما تقدم، أسلم في السنة الخامسة أو السادسة من بعثة النبي «صلى الله عليه وسلم»، وبعضهم في ذكر العدد قالوا: أسلم بعد ما يقارب أربعين رجلًا أو أكثر من الصحابة.
يعني: أكثر العشرة المبشرين منهم من أسلم قبله رضي الله عنه - قال: لم يكن عمر بأول إسلامًا ولا بأقدم هجرةً، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة، كان أزهدنا في الدنيا، عمر كان من أزهد الناس رضي الله عنه في الدنيا وأرغبهم في الآخرة.
وقد ذكر بعضهم - ورد هذا عن معاوية - قال: أما الدنيا فلم ترد أبا بكر ولم يردها، الدنيا لم ترد أبا بكر ولم يردها، وأما عمر فقد أرادته الدنيا ولم يردها، أرادته الدنيا وكانت هناك فتوحاتٌ وأبوابٌ كبيرةٌ، لكنه لم يردها رضي الله تعالى عنه.
اللحظات الأخيرة في حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
فقال له: أحصِ ديني، فأحصى دينه وأعلمه ماذا يصنع، ثم قال عمر رضي الله عنه لعبد الله: يا عبد الله، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وقل لها: إن عمر بن الخطاب - ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست لكم اليوم أميرًا - ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لها: إن عمر بن الخطاب يستأذن أن يُدفن إلى جوار رسول الله وأبي بكر، فإنَّ أذنت وإلا فادفني في مقابر المسلمين.
فذهب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى عائشة رضي الله عنها فوجدها تبكي، فقال لها: إن عمر يستأذن في أن يُدفن إلى جوار رسول الله وإلى جوار أبي بكر.
فقالت: كنت قد جعلته لنفسي ولم أكن لأوثر به أحدًا، وإنني أُوثر به عمر رضي الله عنه، فعاد إلى عمر ليخبره الخبر، فقال له: أقيموني - وكان قد اضطجع ووضع رأسه - فقال لهم: ارفعوني حتى أسمع الخبر، فقال: ماذا عندك يا عبد الله؟ قال: بُشراك يا أمير المؤمنين، الذي تريد، وافقت عائشة، فقال: الحمد لله، والله ما كان شيءٌ أهم عليّ مما يكون من مضجعي بعد وفاتي.
ثم قال له: يا عبد الله، إذا أنا مت فاحملوني وقفوا عند باب عائشة أم المؤمنين واستأذن لي عليها، وقل: إن عمر يستأذن أن يُدفن إلى جوار رسول الله وأبي بكر، فإنَّ أذنت وإلا فادفنوني في قبور المسلمين، حتى لا يكون هذا الكلام الذي خرج من عائشة خرج منها على سبيل الحياء من عمر رضي الله عنه وقت حياته.
ثم قال لعبد الله بن عمر - وكان عبد الله قد رفع أباه ليضعه في حجره أو على يديه - فقال له: ضعني على الأرض، فقال له: يا أمير المؤمنين، وما يضيرك أن تكون على الأرض أو أن تكون على يديّ؟
فقال له: لا أمَّ لك، ضعني على الأرض، ضعني على الأرض.
ثم بدأ يستغفر الله ويشهد أن لا إله إلا الله، ويقول بما يفتح الله عز وجل عليه من ذلك، إلى أن لقي ربه محتسبًا صابرًا، يلقى الله عز وجل بهذه الشهادة التي بشره بها رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ويُدفن إلى جوار صاحبيه، إلى جوار رسول الله وإلى جوار أبي بكر.
خاتمة مباركة ومكانة عظيمة
وقد تقدم ما سمعتم من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قد رأت رؤيا وسألت أبا بكرٍ عنها، حينما رأت أنَّ هناك ثلاثة أقمارٍ قد سقطت في حجرتها، فأخبرها أبو بكر أنه سيموت ثلاثةٌ وأنهم سيُدفنون في حجرتها، فلما دُفن الرسول قال لها: هذا أول الأقمار وهو أفضلها صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، دُفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى جوار رسول الله وأبي بكر، ونزل في دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وعثمان بن عفان رضي الله عنه عنهم.
مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
وقد ترك لنا أربعة عشر ولدًا، تسعةً من الذكور وخمسةً من البنات.
ومن عجائب ما يُذكر في هذا الأمر أن من أولاد عمر: عبد الرحمن الأكبر، وعبد الرحمن الأوسط، وعبد الرحمن الأصغر، يعني: عنده ثلاثةٌ من الأولاد كل ولدٍ اسمه عبد الرحمن - هذا جليلٌ - وعنده كذلك زيد الأكبر وزيد الأصغر، وعنده عبد الله، وعنده عبيد الله، وعنده زينب، وعنده رقية، إلى غير ذلك رضي الله عنه.
ومن زوجات عمر رضي الله عنه - وقد تتعجب لذلك -:
أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، علي بن أبي طالب زوّج عمر بن الخطاب ابنته.
وهذا مما يدل على كمال ما بينهما من أواصر المحبة، وسيأتي أنه من أولاد علي بن أبي طالب من اسمه عمر، فهناك عمر بن علي رضي الله عنه عن علي، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب زوّجه إياها - لمن؟ لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - وهذا يدل على ما بين الصحابة من محبةٍ ومن صلةٍ ومن صدقٍ ووفاءٍ، على خلاف ما زعمه أولئك من الطعن في أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ورضي الله عنهم أجمعين.
يا أيها الإخوة الكرام، هذه نبذةٌ يسيرةٌ من سيرة هذا الفاروق، والله ثم والله لو مكثنا طويلًا نتكلم عن سيرة الصديق والفاروق وذي النورين وعلي بن أبي طالب وهؤلاء بما يفي بحقهم لطال بنا المقام، لكنَّها قطوفٌ دانيةٌ وكلماتٌ يسيرةٌ ينشرح لها الصدر ويتسع لها القلب، ويعلم الإنسان أن لنا رجالًا وأن لنا آباءً، أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ … إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- أثر: اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
- أثر: لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
- أثر: الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي على يد رجل سجد لله سجدة — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
- أثر: المغرور من غررتموه — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
- أثر: والله ما خلّفت ورائي أحدًا أحب أن ألقى الله بعمله إلا أنت — الذكر في الدرس: علي بن أبي طالب ↩
- أثر: ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
- آية: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 6 ↩
من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)
دروس مشابهة
- 05 حديث جابر في أول ما نزل من القرآن يا أيها المدثر وفوائد تربوية
- أولئك آبائي فجئني بمثلهم - انتظرونا في رمضان
- أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (أيوب السختياني) رحمه الله
- أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (عطاء بن أبي رباح) رحمه الله
- 03 أول ما بُدِئَ به النبيُّ ﷺ من الوحي (الجزء الثالث)
- 06 دخول بعض الناس في الإسلام استجابة لدعوة الرسول ﷺ