مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

05 حديث جابر في أول ما نزل من القرآن يا أيها المدثر وفوائد تربوية

في رحاب السيرة النبوية · الدرس 10 من 10 · 19 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

استئناف نزول الوحي وبداية سورة المدثر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة في رحاب السيرة النبوية، وما زلنا بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه مع المرحلة الأولى ومع بداية نزول الوحي على رسولنا «صلى الله عليه وسلم»، تحدثت إليكم في اللقاء السابق، يا أيها الإخوة الكرام، عن أن الوحي انقطع مدةً - أو انقطع فترةً -

ثم عاد الوحي ونزل القرآن على رسولنا محمدٍ «صلى الله عليه وسلم»، وهذا الذي جاء به جابر بن عبد الله رضي الله عنه حينما ذكر أن أول ما نزل من القرآن: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾،

وقلنا إن جمهور العلماء يقولون: إن أول ما نزل من القرآن على الإطلاق صدر سورة العلق: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾، وأما آيات سورة المدثر فهي أول ما نزل من القرآن بعد انقطاع الوحي، فالوحي بعد أن انقطع مدةً وعاد الوحي بالنزول على رسول الله «صلى الله عليه وسلم» نزلت عليه سورة المدثر، أو صدر سورة المدثر.

تفسير قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 1-2)

ويمكن أن يُقَال: إن جابر بن عبد الله رضي الله عنه لعله لم يكن لديه علمٌ بتفاصيل ما وقع في غار حراء، فلما سُئل عن أول ما نزل من القرآن أجاب بما يعرف، وقد جاء في الرواية وهو يحدّث عن فترة الوحي، فلا يلزم من ذلك - والعلم عند الله - «أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ» رضي الله عنه يدّعي أن سورة المدثر هي أول ما نزل من القرآن، ﴿أَنَّمَا﴾ هو يحدّث عن مرحلةٍ يعلمها وهي الحديث عن نزول القرآن بعد انقطاع الوحي، فأراد جابرٌ رضي الله عنه أن يخبر بما علمه، ويشهد لذلك أن الرواية نفسها فيها: فإذا أنا بالملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فظاهر الرواية - وجابر رضي الله عنه من أهل اللغة - يتفطّن إلى أن الملك جاء قبل ذلك إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، لكن ليس عند جابر رضي الله عنه تفاصيل ذلك، وإنَّما أخبرتنا بهذه التفاصيل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه عنها.

وقد قالوا: إن قوله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 1-2) دعوةٌ للرسول «صلى الله عليه وسلم» بالقيام لتبليغ الرسالة، فالرسول أُمِرَ في قوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾، بأن يقوم بتبليغ الرسالة وأن يعلم الناس أنه رسول الله حقًا وصدقًا صلوات الله وتسليماته عليه، وابتدأ الله جل وعلا هذه الآيات بهذه المؤانسة والملاطفة لرسوله ومصطفاه محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾، يعني: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الملتحف بثوبه، المدثر يعني: المتدثر الذي غطى نفسه بالثوب أو باللحاف، لأنَّ الرسول «صلى الله عليه وسلم» قال: «دثروني، دثروني، وصبّوا عليّ ماءً باردًا»، وذكر الإنسان بالحال التي هو عليها يكون من باب المؤانسة والملاطفة.

العلم أساس الدعوة إلى الله. ولذلك فإنَّ النبي «صلى الله عليه وسلم»، كما في الصحيح من حديث سهلٍ رضي الله عنه حينما أتى فاطمة ابنته رضي الله عنها وسأل عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقالت له: كان بيني وبينه شيءٌ فغاضبني وخرج - كان بيني وبينه شيءٌ وغاضبني وخرج - الرسول يسأل عمَّن؟ عن عليٍّ زوج ابنته، فأخبرته فاطمة رضي الله عنها بهذا،

وظاهر الرواية أنها لم تفصّل القول، وهذا من فقه فاطمة رضي الله عنها ومن فضلها، فبحث الرسول «صلى الله عليه وسلم» عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فوجده نائمًا في المسجد،

فقال له: قم أبا تراب، قم أبا تراب، فما كانت هناك كنيةٌ أحبّ إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله: قم أبا تراب، قم أبا تراب، وذلك أنَّ التراب أثّر في جنبه أو في خدِّه رضي الله عنه، فلما رآه الرسول على تلك الحال قال له: قم أبا تراب، من باب الملاطفة ومن باب المؤانسة.

والرسول «صلى الله عليه وسلم» قال لحذيفة رضي الله عنه حينما جاءه بخبر غزوة الخندق وما جرى من المشركين من اقتلاع خيامهم، قال له: قم يا نومان، فهذا أيضًا فيه الإشارة إلى أن ذكر الإنسان بالحال التي هو عليها يكون من باب الملاطفة، فالله يقول للرسول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، الأمر في صدر سورة العلق: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾،

وهنا: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وإذا جمعنا بين الآيتين يُعلم من ذلك أن العلم يسبق الدعوة،

فالإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يدعو غيره إلى الله فإنَّ عليه أن يتعلم حتى يبلّغ دين الله جل وعلا فإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، فإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه،

والرسول قال صلى الله عليه وسلم: بلّغوا عني ولو آيةً، لكن كيف يبلّغ الإنسان عن الرسول آيةً إذا كان لا يعلمها ولذلك قال الله: ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾1 (يوسف: 108)،

فقوله: اقرأ، يعني: تعلّم، كن قارئًا بإذن الله، وحينئذٍ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، أنذر بماذا

بما علّمك الله عز وجل إياه، فقال له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وفي صدر سورة المزمل قال له: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾، والمزمل قريبٌ من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾، وإن كان ثمة بينهما فرقٌ دقيقٌ للعلماء فيه أقوالٌ، وتقدم في تفسير السورتين في مجالس التفسير بفضل الله سبحانه وتعالى.

منهج الداعية: العلم والعمل والدعوة والصبر

قم الليل إلا قليلًا، ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وهذا فيه: أنَّ الداعي إلى الله عليه أمران، الأمر الأول بعد العلم: أن يقوم وأن يعمل بالعلم، وهذا معنى: قم الليل،

يعني: أنت تعلمت فاعمل بعلمك وبلّغ الدعوة التي علّمك الله عز وجل إياها، فيجمع الإنسان بين العلم ويجمع بين العمل وبين الدعوة إلى ذلك، ولا يبقى بعد هذا إلا أن يصبر على الدعوة إلى الله، وهذا كله مجموعٌ في سورة العصر: ﴿وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ (العصر: 1-3)،

والإيمان يكون بعلمٍ، ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾، ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، فعلمٌ وعملٌ ودعوةٌ، وهذا معنى تواصوا بالحق، هذه دعوةٌ، وتواصوا بالصبر، فيقع منهم الصبر على أذى الناس كما لا يخفى.

فقال له ربُّ العزة: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، والإنذار معناه: الإعلام مع التخويف، هناك التبشير وهناك الإنذار، فلانٌ بشّرنا بكذا، يعني: أخبرنا بأمرٍ سارٍّ، بأمرٍ محبوبٍ أو محبَّبٍ إلى القلوب، ولذلك يقال لك: عندي لك بشارةٌ، ما معنى عندي لك بشارةٌ؟ يعني: عندي لك خبرٌ سارٌّ، وقالوا: ﴿أَنَّمَا﴾ سُمِّيَت البشارة بشارةً لأنَّ هذا يظهر على بشرة الوجه، الإنسان حينما يُخبَر بخبرٍ سارٍّ يقال له: نجح ابنك، عوفي ولدك، أو ما أشبه ذلك، فإنَّه يفرح ويظهر هذا على بشرته، فهذه هي البشارة، وأما الإنذار فمعناه: الإعلام مع التخويف، يقال لك: أنا نذيرٌ لك، يعني: أُعلمك بأمرٍ مخيفٍ عليك أن تحذر منه، والله بعث الرسول «صلى الله عليه وسلم» بالأمرين:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45-46)، فالرسول مبشرٌ ونذيرٌ، لكن هنا قال: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ فقط، في هذه السورة في البداية ما قال: قم فبشّر،

مع أنَّه أيضًا مبشرٌ، والله قال: ﴿أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾2 (يونس: 2)،

1- قالوا: لأنَّ مقام الإنذار، لا سيما في العهد المكي، كان أكبر،

لأنَّ المشركين في ظلمٍ وفي ضلالٍ وفي بعدٍ عن الحق، والمعنى: أنت يا رسول الله في هذه المرحلة ستنذر أكثر وتخوّفهم، فتخبرهم عن الوعيد وعن النار وعن العذاب، لعلهم يرتدعون عن غيّهم ويتوبون إلى الله ربهم سبحانه وتعالى، فقال: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، هذا مناسبٌ لهذا الوقت، لأنَّ المشركين يعاندون، والمعاند يُزجر، ولذلك جاء في سورة المدثر: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾3 (المدثر: 26-29).

2- أو أن يقال إن هذا من قبيل أسلوب الاكتفاء، يعني: أحيانًا تُذكر كلمةٌ لأنَّ الكلمة المقابلة لها تُفهم منها، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾4 (ق: 20)، هو يوم القيامة، ليس يوم الوعيد فقط، هو يوم الوعد ويوم الوعيد، فيقال: هذا أسلوب اكتفاءٍ، وكما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ﴾ (النحل: 81)، لم يقل: وسرابيل تقيكم البرد، سرابيل تقيكم الحر، وأيضًا هناك سرابيل تقيكم البرد لكن ما ذُكر البرد، قالوا: الإنسان يحتاج إلى السرابيل في ماذا أكثر يعني: الإنسان يحتاج أن يلبس القميص ويستر نفسه في الصيف أو في الشتاء في الشتاء أكثر، فإذا امتنّ الله علينا بالسرابيل التي تقينا من الحر فما بالنا بما يقينا من البرد يعني: هذا متوفرٌ أيضًا، وهذا من إنعام الله جل وعلا على عباده.

توجيهات ألوهية في بداية الرسالة

فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، هذا فيه أن الداعية إلى الله جل وعلا عليه أن يتحرك وأن يقوم، فالرسول - يقول - ليس المقام مقام التحاف بثوبٍ أو التحافٍ بغطاءٍ، المقام مقامٌ آخر، أنت من هذه اللحظة يا رسول الله ستقوم وتتحرك وتبلّغ وتسير في الأرض هنا وهنالك تبلّغ دعوة الله جل وعلا

﴿قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وربك فكبّر، أي: وربك وحده فكبّر، يعني: عظّمه سبحانه وتعالى، عظّم الله، وإذا عظّمت الله فإنَّ الله سيحفظك ويصونك ويعينك ويسددك، فكن مخلصًا لله معظِّمًا لله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ﴾، وربك فكبّر، كبّر ربك وعظّم ربك، ومنه ما شُرع لنا في الصلاة، فأكثر الأذكار التي تُردد في الصلاة عند الانتقال ما هي الله أكبر عند الإحرام، الله أكبر عند الركوع، الله أكبر عند السجود، بين السجدتين الله أكبر، وكذلك في الأذان، فأنت في أول الأذان تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وفي آخر الأذان: الله أكبر أيضًا، لماذا؟ لتعرف أن الله جل وعلا هو العظيم، كبِّر ربك سبحانه، وربك فكبّر.

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، يا رسول الله أنت الآن النبي والرسول، فلا بد أن تكون أطهر الناس وأنقى الناس، قد كان الرسول «صلى الله عليه وسلم» طاهرًا، لكن الإسلام جاء فزاده طهارةً وزاده صيانةً وزاده نقاءً، وقوله: وثيابك، أي: الثياب الظاهرة،

لذلك استدل بها جمهور الفقهاء على وجوب إزالة النجاسة، وبعضهم قال على اشتراط طهارة الثياب لصحة الصلاة، يعني: إذا أردت أن تصلي لا بد أن تكون الثياب طاهرةً، لأنَّ الله قال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وبعض العلماء فسّر الثياب بالعمل، قالوا: المراد بالثياب العمل، طهّر عملك، أو أن المراد به القلب، فالمراد بالثياب الثياب الظاهرة ويدخل فيها أيضًا طهارة القلب وطهارة العمل،

والرسول قال: «﴿أَنَّمَا﴾ بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق»، وفي لفظٍ: ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأخلاق، فالرسول جاء بالطهارة، جاء بالعفة، جاء بالنقاء، قال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، ﴿وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾، ﴿وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾، الرجز عبادة الأوثان، عبادة الأصنام، اهجرها، اتركها، وهو لم يعبد وثنًا،

لكن المعنى: استمر على ذلك يا رسول الله، لا تعبد وثنًا، وكذلك انْهَ الناس عن عبادة الأوثان، أو أن المراد بالرجز المعاصي، أي: يهجر المعاصي، اهجر الذنوب، والرجز أيضًا يراد به العذاب، والمراد ترك أسباب العذاب من المعصية، فالمعنى: اترك معصية الله جل وعلا.

معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾5 (المدثر: 6) والتربية على الإخلاص

ولا تمنن تستكثر، تكملة الآيات، لأنه مقطعٌ متصلٌ، قال: ولا تمنن تستكثر، وإن كان قد جاء في رواية جابرٍ إلى قوله تعالى: ﴿وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾، ولا تمنن تستكثر فيها أقوالٌ،

1- منها: لا تعطِ العطية لتطلب أكثر منها، تمنّن، يعني: تعطي إنسانًا عطيةً وأنت تطلب الزيادة، أنت تقدم لآخر مصلحةً وأنت تنتظر أن يردّها إليك بزيادةٍ، فالله يقول للرسول: ولا تمنن تستكثر، يعني: لا تعطِ عطيةً تريد الاستكثار، لا تفعل ذلك،

2- أو لا تمنن على الناس، ﴿أَنَّمَا﴾ المنّة لله جل وعلا وحده، فأنت إذا طلبت فاطلب الأجر من الله سبحانه وتعالى.

3- وقال بعضهم: ولا تمنن، أي: ولا تضعف تستكثر، يعني: لا تضعف عن الطاعة ولا تستكثّرها على الله جل وعلا فإنَّ النفع يعود إلى الإنسان، الله غنيٌّ عن عبادة الناس، ولا تمنن، يعني: لا تضعف عن الطاعة، ولا تستكثر، وأيضًا لا تستكثر عملك، وهذا فيه تعليمٌ للمؤمنين أن المؤمن لا يمتنّ على الله بعبادته وأنه لا يستكثر عمله، وقد علّمنا الله فقال في شأن أولئك الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾6 (الحجرات: 17).

ونهي الرسول «صلى الله عليه وسلم» عن شيءٍ لا يلزم منه أن الرسول واقعٌ فيما نهى الله عنه، وإنَّما هذا ليستمر على تركه ولتتأسى الأمة به، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾7 (الزمر: 65)، ومن المعروف أنَّ الرسول لا يشرك ولا يقع من الرسول شركٌ، لكن الله يحذّر الرسول تحذيرًا للأمة، فإذا كان هذا هو الرسول والله ينهاه عن ذلك، فأنتم يا معشر الناس عليكم أن تمتثلوا ما أمركم الله به وأن تجتنبوا ما نهاكم الله عنه.

الصبر زاد الداعية إلى الله

ثم ختامًا قال الله له: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾، ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾، ألم يقل له ورقة بن نوفل: لم يأتِ أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودي، أنت ستُعادى وستُؤذى، مع أنَّك الصادق الأمين وهم يعرفون صدقك وأمانتك، مع هذا كله يا رسول الله اصبر لربك، لا بد أن تتحمل، لا بد أن تصبر، لذلك كثُر في القرآن الكريم أمر الرسول «صلى الله عليه وسلم» بالصبر: فاصبر إن وعد الله حقٌّ، فاصبر على ما يقولون، ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾، فقال له: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾، وفي تقديم قوله: ولربك، أي: فاصبر لربك لا لأحدٍ سواه، لا تصبر من أجل أن يقول الناس عنك شجاعٌ، ولا عنك صابرٌ، ولا عنك محتسبٌ، وإنَّما تصبر ابتغاء مرضاة الله، كما قال: ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾8 (الرعد: 22)، من أجلك جعلت خدي أرضًا للشامت والحسود حتى ترضى، من أجلك جعلت خدي أرضًا للشامت والحسود حتى ترضى، يعني: هو يرضي ربه سبحانه وتعالى ويصبر على أذى الناس.

هكذا، يا أيها الإخوة الكرام، هذه وقفاتٌ يسيرةٌ مع هذه الآيات في صدر سورة المدثر، وكما سمعتم فهي ليست أول ما نزل من القرآن، لكنَّها من أوائل ما نزل من القرآن، ولذلك ذكر العراقي رحمه الله بعد ذكره أن «اقرأ» هي أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ الرسول، قال: وكون ذا الأول فهو الأشهر، ﴿وَقِيلَ﴾: بل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾، ﴿وَقِيلَ﴾: بل فاتحة الكتاب، والأول الأقرب للصواب، يعني: قيل: أول ما نزل من القرآن سورة الفاتحة، ﴿وَقِيلَ﴾: المدثر، لكن الأقرب أن أول ما نزل من القرآن: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾.

وللحديث صلةٌ وبقيةٌ في اللقاء المقبل بإذن الله، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 108 ↩
  2. آية: ﴿أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 2 ↩
  3. آية: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 26-29 ↩
  4. آية: ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 20 ↩
  5. آية: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 6 ↩
  6. آية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 17 ↩
  7. آية: ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 65 ↩
  8. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 22 ↩

من سلسلة: في رحاب السيرة النبوية (10 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة