أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (عطاء بن أبي رباح) رحمه الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (عطاء بن أبي رباح) رحمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم في لقاء جديد من لقاءات هذه السلسلة أولئك آبائي فجئني بمثلهم درر وجواهر من سير الأعلام الأكابر نحن اليوم على موعد مع تابعي جليل
ذكر في ترجمته أنه أدرك مئتي صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه الإمام المفتي مفتي الحرم إنه عطاء بن أبي رباح أبو محمد رحمه الله رحمة واسعة
عطاء بن أبي رباح أسود. وقد قالوا: إن أباه كان نوبيًّا ﴿وَقِيلَ﴾ إنه كان حبشيًّا. فكان أسود وأفطس كما يقولون وكذلك أعشى أو أعور إلى غير ذلك مما يقال في شخص كان عبدًا أسود
لكنه كان عند الناس ذا مكانة وما ذلك إلا لقربه من ربه وصلته بالعلم وأهل الفضل. نسأل الله أن يرحمنا وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح
عطاء بن أبي رباح جاءه مرة خليفة المسلمين أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك ومعه ولداه فجلس الولدان بجوار عطاء بن أبي رباح ليسألاه أسئلة فقهية منها ما يتعلق بأحكام الحج. ثم قال سليمان بن عبد الملك لولديه
يا بني، لا تَنِيَا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد يقصد بذلك أنه من أمور الدنيا عبد وضيع لكنه عند الله سبحانه وتعالى رفيع
ويذكرني ذلك بقول النبي «صلى الله عليه وسلم» لجليبيب رضي الله عنه إني أريد أن أزوجك. فقال له: إذًا تجدني يا رسول الله كاسدًا. يعني: من يقبل بي مع دمامة وجهه فقال النبي «صلى الله عليه وسلم» لكنك لست عند الله بكاسد عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى وصلت به المكانة والرفعة
والفضل في الفتوى لا سيما في أحكام الحج، ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يُنادى في موسم الحج ﴿إِلَّا﴾ يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح وما ذلك إلا لتألقه في مسألة العلم ومع ذلك يقول الأوزاعي: مات عطاء بن أبي رباح يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند الناس
ومع ذلك ما كان يجلس إليه إلا ثمانية أو تسعة. وهذا معناه: أن العبرة ليست بالكثرة وإنَّما العبرة بالصدق ونحن نعقد مجلسًا كاملًا «عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ» رحمة الله وعطاء بن أبي رباح توفي سنة 115 من هجرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكننا نذكره لفضله ومكانته. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلحقنا بالصالحين
عطاء بن أبي رباح رحمه الله من مقولاته1 المشهورة أنه قال لو ائتمنت على بيت مال المسلمين لكنت أمينًا ولا آمن نفسي على جارية شوهاء. وهذا عجيب رجل معروف بالعلم والعبادة والفضل حتى إنهم قالوا كان المسجد فراشه عشرين سنة. يعني: كان فراشه منامه لا يكون إلا في المسجد كان عبدًا ثم بعد ذلك لازم طاعة الله ولازم العلماء ثم صار عالمًا ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ مأوى إلا المسجد ومع ذلك يقول لو ائتمنت على بيت مال المسلمين لكنت أمينًا
ولو ائتمنت على جارية شوهاء لخفت على نفسي ما ذلك إلا لصدقه لذلك عقَّب الإمام الذهبي على هذا الكلام. فقال: وصدق رحمه الله لأنَّ الرسول «صلى الله عليه وسلم» قال لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما
وإنني لأعجب من بعض الناس الذين يقولون المهم سلامة القلب ونحن قلوبنا آمنة ومطمئنة وأنتم لماذا تفكرون في الشهوات وتفكرون في هذه الأمور وهي مثل أختي ومثل قريبتي. ثم بعد ذلك يقع ما يقع من مخالفات. نسأل الله السلامة والعافية. وكان من قوله رحمة الله تعالى أما يستحي أحدكم لو نُشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره، وليس فيها شيء من أمر آخرته يعني: الملك يكتب ويدون ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18) فهل حاسب كل واحد منا نفسه ونظر ما الذي سأدونه في صحيفتي ما الذي سطر من أول النهار
وكذلك من كلامه الجيد الجميل رحمة الله أنه يقول إن كنت لأسمع الرجل يذكر الحديث ويحدث به فأسمعه منه كأني لم أسمعه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وأريه ذلك وإني لأعرف الحديث ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يولد.
يسمع هذا الحديث من شخص يتكلم به فينصت إليه ويصغي إليه ويريه أنه يستفيد منه مع أنَّه يعرف بهذا الحديث ويعرف هذا الخبر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يولد هذا الشخص لكن بعض الناس تراه يثبِّط غيره وتراه لا يقبل كلام غيره ويُري الناس أنه يعلم كل شيء لكنه رحمة الله يعلمنا كيف نتواضع لغيرنا
بل كيف يتواضع الإنسان لمن دونه وما ذلك إلا لأنَّ صفة التواضع من أجلِّ الصفات عباد الرحمن ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ (الفرقان: 63) أثنى العلماء على عطاء بن أبي رباح حتى إن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قدم مكة فجمعوا له مسائل
يريدون أن يسألوا عنها الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. فقال: تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء بن أبي رباح
هذا عجيب وهو صحابي وعطاء تابعي يقول تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء بن أبي رباح وهذه شهادة عظيمة من عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعطاء بل ابن عباس رضي الله عنهما. لما توفاه الله جلس عطاء في مجلسه. فكان عطاء يفتي في مجلس ابن عباس رضي الله عنهما بعد وفاة الحبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كل ذلك
وتابعينا وعالمنا الجليل عطاء بن أبي رباح أسود نوبي ﴿وَقِيلَ﴾ حبشي أفطس أعور أعمى لكنه مع هذا كله كان صاحب فضل وكرم. يا أيها الإخوة الكرام، عطاء بن أبي رباح لما كبرت سنّه ووهَن عظمه كان لا يقوى على القيام كثيرًا لكنه إذا قام في صلاته واستتم قائمًا قرأ بمئتي آية من سورة البقرة
قرأ بمئتي آية من سورة البقرة لا تراه متحركًا هنا أو هناك وإنَّما وهو ثابت هذا في ضعفه هذا في شيخوخته فكيف به حينما كان شابًا وحينما كان قويًّا. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يلحقنا بالصالحين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- تعليق: عطاء بن أبي رباح رحمه الله من مقولاته المشهورة أنه قال لو اتمنت على بيت مال المسلمين لكنت أمينا ولا آمن نفسي على جارية شوهاء. وهذا عجيب رجل معروف بالعلم والعبادة والفضل حتى أنهم ق — قول: «لو اتمنت على بيت مال المسلمين لكنت أمينا ولا آمن نفسي على جارية شوهاء». الذكر في الدرس: عطاء بن أبي رباح. ↩
من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)