أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (محمد بن إسماعيل البخاري) رحمه الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (محمد بن إسماعيل البخاري) رحمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أولئك آبائي فجئني بمثلهم درر وجواهر من سير الأعلام الأكابر
نحن اليوم على موعد مع إمام جليل، إنه أمير المؤمنين في علم الحديث، إنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري رحمة الله تعالى.
وقد جعل الله للإمام البخاري قدرًا ومنزلة في صدور الخلق فيحبه المؤمنون ويثنون عليه خيرًا كثيرًا حتى إنَّه في المثل السائر المشتهر حينما يخطئ في حق رجل يقولون: «غلطنا في البخاري؟»
وما ذلك إلا لقدر هذا الإمام الجليل الذي جعل الله سبحانه وتعالى له هذا القبول في قلوب الخلق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلحقنا بالصالحين
الإمام البخاري محمد بن إسماعيل يقص عن والده إسماعيل بن إبراهيم يقول إن أبي يقصد والده رحمة الله تعالى رحمة واسعة سمع من مالك بن أنس ورأى حماد بن زيد وصافح عبد الله بن المبارك بكلتا يديه
فالبخاري يرى أنَّ هذا شرف شرف لأبيه أن يَسمع من الإمام مالك وأن يرى حماد بن زيد وأن يصافح بكلتا يديه عبد الله بن المبارك انظروا رحمكم الله إلى تعظيم العلماء بعضهم لبعض انظروا رحمكم الله إلى الفضل الذي يذكره عن أبيه أنه رأى العلماء صافح العلماء رأى العلماء وأخذ عنهم العلم
وأبوه حينما حضرته الوفاة قال يعلم الله أنني ما أخذت أو أكلت مالًا حرامًا وليس في مالي شهرها حرام «ليس في مالي درهم من حرام ولا شبهة».
مع أنَّ والده كان تاجرًا عظيم التجارة وترك للبخاري رحمة الله ثروة كبيرة أنفقها الإمام البخاري في سبيل العلم وطلبه وتحصيله. أما عن شيخنا وإمامنا فحدث عنه فإنَّ الحديث جميل وممتع.
وإنني لأعجب والله من أولئك الحاقدين على هذا الإمام العظيم إن غيظهم منه غيظ على الإسلام
وإنني لأعجب والله من أولئك الحاقدين على هذا الإمام العظيم إن غيظهم منه غيظ على الإسلام وإن طعنهم فيه طعن في دين الله لأنه حافظ لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنَّ بعض من جالس البخاري وعرف قدره كان يقول إني لأرجو أن أكون شعرة في صدر الإمام البخاري
الإمام البخاري الذي طعم الحلال أطعمه والده الحلال أعطاه الله حافظة قوية وذكاء عاليًا واضحًا جليًا. فكان معروفًا بذلك بين أقرانه بل وعند شيوخه. فكان يختلف إلى بعض الفقهاء
فكانوا يرونه حييًّا لا يقدر على الكلام من الحياء والخجل مع أنه يحفظ ويعي فقال له مؤدِّبٌ من المؤدبين حينئذ كم معك أو ماذا حفظت. فقال: «اثنين»، يعني: حفظتُ حديثين مما قال
فضحك بعض الجالسين من البخاري حينما قال اثنين ولم يقل حديثين فقال لهم الشيخ «لا تضحكوا، فلربما ضحك منكم يومًا من الأيام».. أي: أن البخاري هذا سيكون له شأن عظيم شيخه محمد بن سلام البيكندي عجيب أمره كان يقول «كلما دخل عليَّ هذا الصبي ارتعدت فرائصي، واختلط عليَّ الأمر وأشكل، فلا أستطيع أن أتكلم حتى ينصرف».
الشيخ يقول في وجود تلميذ مع أنَّه. لما خرج ذات مرة من مجلسه قال «هل ترون مثل هذا الشاب في حيائه؟ إن حياءه أشدُّ من البكر»..
يعني: أن شيخه يهابه مع حياء البخاري رحمة الله تعالى كساه الله عز وجل جلباب الحياء والوقار بهذا العلم الذي تعلَّمه من أحاديث النبي «صلى الله عليه وسلم». وقد قال له بعضهم وهو حَدَثٌ صغير أنت الذي يقولون عنه: إنَّك تحفظ سبعين ألف حديث قال: وأكثر
بفضل الله سبحانه وتعالى وأعرف الأبواب وما إلى ذلك الكتب والأبواب وأعرف الصحابة وأماكن ولادتهم ووفاتهم أو العلماء الذين يروي عنهم هذه الأحاديث. ولذلك ليس من عجب أن كان يُطلَق على البخاري الكبش النطَّاح. يعني: ما يقوى أحد على مواجهته ومبارزته في العلم أقبل على العلم وأنفق فيه وقته وجهده فرزقه الله سبحانه وتعالى الحافظة1 ونقل العلم للناس فظهر صحيح الإمام البخاري وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل. وكانت قصته ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يجلس أعني البخاري عند إسحاق بن راهويه أحد شيوخه فقال بعض الحاضرين «لو جمعتم كتابًا مختصرًا يجمع سنن النبي ﷺ عليه وسلم». فانشرح صدر الإمام البخاري لجمع كتاب مختصر من السنن يقتصر على ما صح عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم
مع أنَّ البخاري يحفظ أحاديث كثيرة لكنه انتقى هذه الأحاديث وجاء عنه أنه مكث في اختيار تلك الأحاديث مما يحفظه ستَّ عشرة سنة رحمة الله وما دوَّن ترجمةً من تراجمه الموجودة في كتب في صحيحه إلا وصلَّى لله سبحانه وتعالى ركعتين وكتب هذه التراجم في الروضة كما ورد في ترجمته، إلى غير ذلك مما ذكروا
قلت: إن مشايخه فضلًا عن تلاميذه وأقرانه كانوا يعرفون قدره رحمة الله تعالى إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت الإمام مالك كان يحدثه ويحدث غيره. وكان يفرح أيما فرح إذا روى عنه البخاري حديثًا لكنه كان شديدًا على طلاب العلم لا يحدثهم إلا بأحاديث قليلة
فقال بعض أصحاب البخاري للبخاري يا أبا عبد الله لو حدثته ليزيدنا في الحديث أنت قريب منه، اطلب منه أن يزيدنا في الروايات في الأحاديث يريدون أحاديث يريدون عددًا أكبر فكلَّمه في ذلك في أن يزيد في رواية الحديث حينما يذكرها لطلاب العلم فدعا إسماعيل بن أبي أويس جاريتَه
وقال لها هاتي مالًا هاتي أموالًا ووضع هذا المال في صرة والصرة. ثم أنفق أعطى الطلاب هذا المال أنفق عليهم أو أعطاهم أموالًا، دنانير فقال: البخاري ﴿أَنَّمَا﴾ أردت منك أن تزيدهم في الأحاديث لا أن تعطيهم مالًا قال سأزيدهم في الحديث. أيضًا ﴿أَنَّمَا﴾ أعطيتهم حديثًا ومالًا ليعرفوا قدرك ومنزلتك. يعني: لا أزيدهم في الحديث فحسب بل وفي المال، أيضًا كل ذلك لما عرف به الإمام البخاري من قدر ومكانة كان معروفًا بذلك
ومع ذلك كان معروفًا بالعبادة. وكان معروفًا بالعمل والطاعة لله سبحانه وتعالى صلى صلاة فلما قضى صلاته قال انظروا إلى ظهري فإذا فيه أكثر من سبع عشرة طعنة أو لسعة
لسعة الزنبور جاء على ظهره وخدشه خدشًا شديدًا في أكثر من سبع عشرة علامة كل ذلك وهو في الصلاة فقالوا لماذا لم تقطع الصلاة قال «كنت أقرأ سورة فأحببت أن أتمها».
إنه العالم المحدث الخاشع الذي يقبل على ربه سبحانه وتعالى ومع ذلك كانت له أموال من أموال والده. وكان يوكل غيره في التجارة حتى يتفرغ للعلم إلا ما ندر في بعض الأحيان القليلة فمن ذلك أن قومًا أتوا وكانت لديه تجارة قد أرسلها إليه ابنه من التجارات
ابن البخاري فجاءوا ليكلموا البخاري في هذه البضاعة التي أتتهم وهي جميلة بالنسبة إليهم فعرضوها عليه بخمسة
فلم يكلمهم البخاري وتركهم إلى الغد فجاء آخرون يريدونها بعشرة يريدون الشيء بعشرة. يعني: أنهم يضاعفون في القدر في الدفع في المال وهو لم يتفق مع الأولين فقال لهم «كنت نويت أن أعطيها للأولين».
نويت أن أعطي المال للأولين فلن أعود في نيتي ولن أنقض نيتي فكيف بمن يعد ويخلف إنه لم يعدهم ﴿أَنَّمَا﴾ نوى أنه سيعطيها لهؤلاء القوم فلم يرد أن ينقض نيته رحمه الله رحمة واسعة والإمام البخاري رحمة الله تعالى كان2 ورعًا
فله كتابه المشهور التاريخ الكبير. وكان يتحرَّى فيما ينقد من أحوال الرجال جرحًا وتعديلًا حتى إنَّه كان يقول «أريد أن ألقى الله ولست مغتابًا لأحد». بل إن له موقفًا نبيلًا
مع أبي معشر قال له «أسألك أن تجعلني في حِلٍّ». قال: مِمَّ يا أبا عبد الله؟ قال: وأنت تحدِّث مرةً وجدتك تحرك يديك فضحكت وتبسمت. يعني: يخشى أن يكون قد ظلمه بأنَّه ضحك عليه حينما نظر إليه مع أنَّه لم يكن متعمدًا لذلك فقال: «قد جعلتك في حِلٍّ يا أبا عبد الله».
الإمام البخاري مع ورعه وعبادته كان يقبل على الحفظ ولمَّا قال له رجل نسمع أنك تأخذ دواءً للحفظ فتعجب قال وتأخذ به قال نعم قال «ما أعلم شيئًا أنفع لحفظ الرجل من نهمة الرجل ومداومة النظر».
أنفع شيء للحفظ نهمة الرجل أن يكون لديه نهم أن تكون لديه همة أن يكون لديه حرص بعض الشباب بعض الطلاب يريد أن يحفظ القرآن أن يحفظ أحاديث النبي «صلى الله عليه وسلم». ثم بعد ذلك يتكاسل ويتقاعس لكن النهمة والهمة بفضل الله سبحانه وتعالى تتحقق بها الآمال
ومداومة النظر لا بد من المراجعة لا بد من الإعادة حتى يثبت المحفوظ بفضل الله سبحانه وتعالى.
ومن طريف ما يتعلق بترجمة الإمام البخاري أيضًا أنه قد بات عنده بعض أصحابه قالوا: فكان رحمه الله تعالى في هذا الليل يسرج المصباح أكثر أو ما يقارب عشرين مرة وبعضهم قال ثمان عشرة مرة
ربما تعلق بذهنه المعلومة أو الحديث فيقوم فيدوِّنه وفي بعض الروايات عنه أنه يقوم إلى بعض أحاديث فيُعلِّم عليها كأن يقول هذا الحديث أختاره لكذا يعلِّق أو يُعلِّم أو يكتب تعليقًا يستيقظ في الليل ما يقارب عشرين مرة
إنه يبيت على سريره يفكر ما الذي يكتبه وما الذي يدونه وما الذي يظهر له من الأحاديث ومن العلم هكذا وبعض الناس لا يدرون شيئًا عن ذلك. ثم يطعنون في هذا الطود الشامخ. وهذا الإمام العالم الجليل رحمه الله رحمة واسعة أين أنتم من هؤلاء أين أنتم من هذا العالم الجليل
والعجيب أن بعضهم قال مقولة تبين أنه يجهل شيئًا، قال توصلت إلى شيء لم يعرفه أحد من قبلي، ما الذي توصل إليه؟ قالوا: إنَّهم يقولون: إن البخاري اسمه محمد بن إسماعيل، وقد ثبت لديَّ أن اسمه جمعة، ومن أين عرف جمعة حينما وجد صحيح البخاري قد كُتب: جمعه محمد بن إسماعيل فقرأها «جُمْعَة»، فهل مثل ذلك يطعن في البخاري3
إنَّ هذا والله لهو العجب فنحمد الله سبحانه أن جعل في أمة الإسلام أمثال هذا الإمام الجليل
إن هذا والله لهو العجب فنحمد الله سبحانه أن جعل في أمة الإسلام أمثال هذا الإمام الجليل ونشهد الله على حبه وعلى حب أمثاله ممن نصروا سنة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وذبُّوا عن السنة
لذلك رؤي الإمام البخاري ورؤي النبي «صلى الله عليه وسلم» يسير وكلما رفع الرسول قدمًا وضع البخاري قدمًا لأنه يسير خلف النبي «صلى الله عليه وسلم» باقتفائه أثره توفي شيخنا وإمامنا الإمام البخاري سنة ست وخمسين بعد المئتين من هجرة نبينا «صلى الله عليه وسلم» وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد
وعلى آله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- تعليق: فيه وقته وجهده فرزقه الله سبحانه وتعالى الحافظة ونقل العلم للناس فظهر صحيح الإمام البخاري وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل. وكان قصته أنه كان يجلس أعني البخار — كتاب: «صحيح الإمام البخاري». الذكر في الدرس: صحيح الإمام البخاري. ↩
- تعليق: مة واسعة والإمام البخاري رحمه الله تعالى كان ورعاً فله كتابه المشهور التاريخ الكبير. وكان يتحر فيما ينقذ من أحوال الرجال جرحا وتعديلا حتى أنه كان يقول أر — كتاب: «التاريخ الكبير». الذكر في الدرس: التاريخ الكبير. ↩
- تعليق: محمد بن إسماعيل، وقد ثبت لذي أن اسمه جمعة، ومن أين عرف جمعة حينما وجد صحيح البخاري قد كتب جمعه محمد بن إسماعيل فقرأها جمعة، فهل مثل ذلك يطعن في البخاري — كتاب: «صحيح البخاري». الذكر في الدرس: صحيح البخاري. ↩
من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)