مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قطوف من حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الجزء الأول

السيرة والتراجم · الدرس 1 من 3 · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة مجلس المبشرين بالجنة والانتقال لسيرة أبي بكر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، وقد حدثتكم في المجلس السابق عن هؤلاء العشرة الذين بشرهم رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بالجنة وذكرهم في حديثٍ واحدٍ، وعرفنا أن المبشرين بالجنة أكثر من العشرة، وعرفنا كذلك أن البشارة بالجنة منزلةٌ عظيمةٌ وأن العبد حينما يبشر بالجنة وهو يعيش على ظهر الأرض فهذه كرامةٌ كبيرةٌ، ومع ذلك فإنَّ هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم عرفوا هذه المنزلة فأخلصوا لله وجَدُّوا واجتهدوا وعملوا، ونسأل الله سبحانه أن يلحقنا بالصالحين.

منزلة أبي بكر في القرآن

ونبدأ على بركة الله الليلة في الحديث عن أولهم وهو الصديق أبو بكرٍ رضي الله عنه، الخليفة الراشد رفيق رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، الصاحب في الغار والرفيق في الأسفار، صاحب العبرات، المخلص الأواه، زكي النفس الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾1 (الليل: 17-21)، فقد ذكر ابن الجوزي في زاد المسير أن هذه الآيات نزلت في أبي بكرٍ في قول جميع المفسرين، فعامة أهل التفسير يقولون: إن هذه الآيات ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى﴾ يراد بها أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه.

وهو المراد بقوله سبحانه على قول فريقٍ من أهل التفسير: ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾2 (الزمر: 33)، قال بعض المفسرين: الذي جاء بالصدق هو رسول الله «صلى الله عليه وسلم» والذي صدق به هو أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه.

وأبو بكرٍ رضي الله عنه هو المقصود بقوله سبحانه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾3 (التوبة: 40) فالمراد به أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه بالاتفاق.

محبة النبي له وخلافته ومكانته

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه أحب الرجال إلى قلب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وقد سُئل النبي «صلى الله عليه وسلم» كما في الصحيحين: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة»، فقيل له: فمن الرجال؟ قال: «أبوها»، وأبوها هو أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه، وفي حديث جبير بن مطعمٍ رضي الله عنه حينما جاءت امرأةٌ إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وسألته وأمرها أن تأتيه بعد ذلك، فقالت: فإنْ لم أجدك؟ قال: «فائتي أبا بكرٍ» رضي الله عنه، ولمَّا مرض الرسول «صلى الله عليه وسلم» مرض الوفاة قال: «مروا أبا بكرٍ فليصل بالناس»، فاستخلفه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» لإمامة الناس، وقد لقب الصديق بخليفة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وهو ثاني اثنين في الغار وفي الصحبة وفي الأسفار ثم في القبر، فقد قُبِر إلى جوار رسول الله محمدٍ «صلى الله عليه وسلم» في منزل الصديقة عائشة ابنته رضي الله عنها.

نسب أبي بكر وأسرته وزوجاته

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرٍو التيمي رضي الله عنه، وأبوه يقال له: أبو قحافة، وأبو قحافة هذه كنيةٌ، عثمان، فهو عبد الله بن عثمان وعثمان هو أبو قحافة، وأمه سلمى بنت صخر بن عامرٍ التيمي، فأمه ابنة عم أبيه، فأمه وأبوه بينهما قرابةٌ فهما من أبناء العمومة، ومناقب أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه أن أم أبي بكرٍ أسلمت مبكرًا فأسلمت في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأسلم أبوه في عام فتح مكة، وأولاده على الإسلام، فالكل على الإسلام، وهذا بيتٌ شريفٌ ومباركٌ، ويبقى من ذلك ما يتعلق بزوجاته وهذا شأنٌ آخر، فله أربع نسوةٍ منهن أم رومان وهي أم عائشة وعبد الرحمن رضي الله عنه عنهما، ومن أزواجه أسماء بنت عميسٍ، وأسماء بنت عميسٍ رضي الله عنها تزوجت من جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وجعفرٌ قتل في مؤتة وقد كان يحمل الراية، تزوجها بعد ذلك الصديق، وتزوجها بعد ذلك علي بن أبي طالبٍ، فاجتمع لها ثلاثةٌ من الأفذاذ والثلاثة من المبشرين بالجنة، فشأنها عظيمٌ، وقد سمي أولادها بالمحمدية: محمدٌ ومحمدٌ ومحمدٌ، وهذا شيءٌ آخر المقام لا يتسع لمثل ذلك، لكنه جيلٌ مباركٌ وسيرةٌ عاطرةٌ.

شرفه في الجاهلية ومعرفته بالأنساب

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه لا يعرف عنه أنه شرب الخمر في الجاهلية قبل الإسلام، فقد حرمها على نفسه وكان يقول: أحفظ مروءتي وأصون عرضي، ما كان يقبل أن يشرب الخمر، وكان عاقلًا وكان خبيرًا بأنساب العرب فكان من أعلم الناس بالأنساب.

صحبته وإسلامه ودعوته إلى الله

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه قد كانت له صحبةٌ برسول الله «صلى الله عليه وسلم» كما يذكر أهل السير، يعني: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يبعث الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»، فلما بعث الله نبيه «صلى الله عليه وسلم» وعرض الرسول الدعوة على أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه بادر وأسلم ولم يتوان ولم يتلعثم ولم يتأخر رضي الله تعالى عنه.

ولذلك قال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «لما أرسلني الله إليكم قلتم: كذبت، وقال أبو بكرٍ: صدقت وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟»،

كان لا يقبل الرسول «صلى الله عليه وسلم» أن يؤذي أحدٌ أبا بكرٍ ولو كان عمر، وهذا الكلام قيل لعمر رضي الله عنه في أمرٍ وقع بينهما واعتذر الفاروق للصديق، لكن الرسول قال قولته: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي» رضي الله عن أبي بكرٍ.

إسلام الصحابة على يديه

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه ما إن أسلم حتى تحرك داعيًا إلى الله عز وجل وسيرته في ذلك مشهورةٌ ومعروفةٌ،

ومما يذكره أهل السير أن عددًا كبيرًا من أكابر الصحابة أسلم على يدي الصديق، وبعضهم يذكر أن خمسةً من العشرة المبشرين أسلم على يد أبي بكرٍ،

وبعضهم يقول بل أسلم ستةٌ من العشرة المبشرين بالجنة، ونستطيع أن نستثني من العشرة: نستثني أبا بكرٍ نفسه وإلا فإننا نقول أسلم على يد رسول الله، ونستثني عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالبٍ وسعيد بن زيدٍ رضي الله عنهم،

والبقية قد ذكروا أنهم أسلموا على يد أبي بكرٍ، فمن هم إذن

عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاصٍ والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوفٍ وأبو عبيدة بن الجراح وطلحة بن عبيد الله، أحسنتم، هو هذا، وأسلم على يديه عثمان بن مظعونٍ وأبو سلمة وعددٌ كبيرٌ وجمٌ غفيرٌ من الصحابة،

وأعتق بلالًا الحبشي رضي الله عنه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سيدنا وأعتق سيدنا، كان عمر يقول عن أبي بكرٍ إنه سيدنا وأعتق سيدنا، يقصد مَن؟ يقصد بلالًا، وتأمَّل! حين يقول عمر إن بلالًا سيده، هذا يدلك على ما كان بينهم من التواضع وما كان بينهم من الإيمان والإخبات والصدق والإخلاص، وهذا شيءٌ عظيمٌ وجليلٌ تحتاج الأمة إليه في زمانٍ عزَّ فيه مثل ذلك إلا من رحم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

وصفه الخَلْقي وشَبَهُه بالنبي «صلى الله عليه وسلم»

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه قد ذكروا في وصفه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ أبيض وكان نحيفًا وكان ناتئ الوجه غائر العينين، وكان الإزار يسقط منه من وركيه لدقته، وقد جاء في البخاري أن النبي «صلى الله عليه وسلم» قال: «من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة» أو قال: «إن الله لا ينظر إلى مَن جر ثوبه خيلاء»، فقال له أبو بكرٍ الصديق: يا رسول الله إن إزاري يسقط وإنني أتعاهده، فقال: «لست منهم يا أبا بكرٍ» رضي الله عنه.

أبو بكرٍ الصديق أشبه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في أوصافه بما يتمكن من أن يكون تابعًا للرسول في ذلك، والرسول لا يعدله أحدٌ كما هو معلومٌ، لكن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان له سمتٌ شبيهٌ بسمت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بما يتيسر لبشرٍ أن يقتفي أثر رسول الله في ذلك، بل كان معروفًا بتلك الأوصاف قبل الإسلام.

وأنتم تعرفون قول خديجة رضي الله عنها لرسول الله «صلى الله عليه وسلم» حينما سمع الوحي وسمع: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾4 (العلق: 1) الآيات ورجع يرجف بها فؤاده، فلما أخبر خديجة رضي الله عنها قالت: أبشر والله ما يخزيك الله أبدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ «وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»، هذا مَن قالته؟ قالته خديجة لمن؟ لرسول الله «صلى الله عليه وسلم».

محاولة الهجرة وجوار ابن الدغنة

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه لما اشتد الأمر بالصحابة الكرام وقد آذاهم المشركون إيذاءً شديدًا، فأراد أبو بكرٍ رضي الله عنه أن يسيح في الأرض وأن يتوجه إلى الحبشة كما توجه بعض الصحابة، فلقيه سيد القارة ابن الدَّغِنة وبعضهم يضبطها ابن الدُّغُنَّة.

فلما لقيه قال له: إلى أين يا أبا بكرٍ فقال له: أسيح أعبد ربي فإنَّ قريشًا قد آذتني،

فقال: مثلك لا يَخرُج ولا يُخرَج، !

مثلك لا يُخرج، كيف تخرج من قريشٍ؟ كيف تخرج من مكة؟ ولا يُخرَج، مثلك لا يطرد.

ثم اسمع ماذا قال، !

قال له: «إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ» وتصل الرحم وتقري الضيف «وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»، قالها فيمن؟ في الصديق، وقالت خديجة هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فيمن؟ في رسول الله،

وهل لقي ابن الدُّغُنَّة خديجة

لا، لكنه التوافق في الأوصاف، لأنَّ أهل الحق مهما وصفهم الواصفون فإنَّهم سيوصفون بالأوصاف اللائقة بهم إلا من شذ ولا حكم للشاذ، فمن طعن، فإذا طعن طاعنٌ ممن ليس أهلًا لذلك فلا قيمة له، فها هو الصديق رضي الله عنه، وكما قالوا:

وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ … فَهِيَ الشَّهَادَةُ لِي بِأَنِّي كَامِلُ

يعني: إذا جاء النقص من ناقصٍ فهذا لا يلتفت إليه، الصديق رضي الله عنه يشهد له بذلك بأنَّه كان يكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ويصل الرحم رضي الله تعالى عنه.

بذله وماله وصحبته في الهجرة

أسلم وبذل كل ما لديه، وتعرفون أنه في بعض المواقف رضي الله عنه أتى الرسول «صلى الله عليه وسلم» بكل ما يملك، فقال له الرسول: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، وعمر رضي الله عنه كم كان يحاول أن يصل إلى رتبة الصديق فلا يقدر، لا يقدر مع أنَّه الفاروق عمر الذي لو سلك فجًا لسلك الشيطان غير فجه، لكن الصديق كان طرازًا آخر وكان دقات قلبه كما يقولون كانت تدق على دقات قلب رسول الله «صلى الله عليه وسلم».

ولذلك لما هاجر بعض الصحابة إلى المدينة استأذن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في أن يكون من المهاجرين، فقال له الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «اصبر لعله أن يؤذن لي»،

فقال: وتريد ذلك يا رسول الله؟ قال: «نعم»، الرسول كان يؤخره عساه أن يكون صاحبه، وجهز الصديق راحلتين أحسن الجهاز لعل الله ييسر له أن يكون رفيق رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ولمَّا أتاه الرسول «صلى الله عليه وسلم» في نحر الظهيرة في وقتٍ كان لا يأتيه فيه وأخبره بخبر الهجرة بكى الصديق، وكانت عائشة تظن أن أحدًا لا يبكي فرحًا إلا حينما رأت أباها، كانت تعلم أن الذي يبكي يبكي من الحزن، فلما رأت البكاء في عيني الصديق علمت أنَّ الإنسان قد يصل به الأمر إلى أن يبكي من شدة الفرح، وقال: الصحبة يا رسول الله، يعني: أريد أن أكون صاحبك، والله سجل ذلك في القرآن: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40).

مواقفه مع النبي وثباته وإخلاصه

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه له مواقفه العاطرة الكثيرة، ومما يدلك على أنه استحق أن يكون صاحب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» مرافقه في الهجرة وفي المواقف الكثيرة في الحضر والسفر عدة أمورٍ منها ما وقع في آخر حياته «صلى الله عليه وسلم» كما في حديث أبي سعيدٍ الخدري المتفق عليه حين خطب الرسول في الناس وقال: «إن عبدًا خيره الله»، الرسول يخطب في الناس في آخر حياته ويقول: «إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فاختار ما عند الله»، فبكى أبو بكرٍ بكاءً شديدًا وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فتعجب الصحابة وقالوا: ما لأبي بكرٍ يبكي؟ الرسول يقول إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا «وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ»، فكان رسول الله هو المخير، قالوا: وكان أبو بكرٍ أعلمنا أو كان أفهمنا، أبو بكرٍ فاهمٌ أن المخير هو رسول الله وأن الرسول سيفارق الحياة فبكى الصديق رضي الله عنه.

وقال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكرٍ»، وقال أيضًا «صلى الله عليه وسلم»: «ما من أحدٍ له يدٌ علي إلا وأديتها إلا أبا بكرٍ فإنَّ له يدًا يكافئه الله عز وجل بها»، وما واساني أحدٌ بماله ما واساني أبو بكرٍ رضي الله عنه ثم قال: كل خوخةٍ في المسجد تُغلق وتُسد إلا خوخة أبي بكرٍ، وفي لفظٍ قال: «سدوا الأبواب»، الباب الذي يطل، يأتي أحدهم من جانبه، يُسد، «إلا باب أبي بكرٍ» رضي الله تعالى عنه، وفي روايةٍ في غير الصحيحين أن أبا بكرٍ قال: يا رسول الله وهل أنا ونفسي ومالي إلا لك نفسي ومالي لك، فداك بأبي وأمي «صلى الله عليه وسلم».

الصديق إمام الصدق والورع والبذل

أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه له مواقف جليلةٌ، إذا أردت أن تتحدث عن الصدق فهو الإمام الصديق، إذا أردت أن تتحدث عن الورع فهو من هو في الورع، إذا أردت أن تتحدث عن البذل وعن التضحية وعن السخاء وعن الكرم وعن الجود وعن الإخلاص فإنَّه الصديق، إذا أردت أن تتحدث عن القرآن عن الإخبات عن البكاء من خشية الله فهو أبو بكرٍ.

جواره ثم ردّه وإرضاؤه بجوار الله

في الموقف الذي أسلفت ذكره منذ قليلٍ في شأن ابن الدغنة حينما قال لأبي بكرٍ: مثلك لا يَخرج ولا يُخرَج، فعاد معه إلى قريشٍ.

وقال: أبو بكرٍ لا يخرج ولا يخرج، هو في جواري، فقالوا: رضينا بجوارك، أبو بكرٍ يجلس في مكة في جوار مَن؟ في جوار سيد القارة ابن الدغنة،

ولكن نشترط أن يصلي في بيته وأن لا يستعلن بقراءته وأن لا يؤذينا، ففعل الصديق، بدأ يقرأ في بيته ويصلي،

ثم بدا له أن يبتني مسجدًا في فناء داره فبدأ يصلي ويجهر بالقرآن، «فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ» يسمعونه وهو يقرأ وهو يبكي، لأنه كان رجلًا أسيفًا لا يملك عينيه من البكاء، فشكوا ولم يتحملوا «فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ» وقالوا له: إن صاحبك لم يفعل ما اشترطنا عليه،

فعاد إلى أبي بكرٍ وقال له: إني لا أريد أن يتحدث الناس أني قد أخفرت في ذمتي،

أنا آخذٌ لك عهدًا ثم بعد ذلك هم سينقضون العهد لأنك لم تستقم على ما اتفقنا عليه، فإمَّا أن تفعل ما اشترطنا أو ترد عليَّ جواري، فقال له أبو بكرٍ: أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل هذا هو الصديق.

يكفينا، يا أيها الإخوة، في هذا المقام هذا الطرف الموجز من سيرة هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه، وأنا لست حريصًا على أن أسرع القول في أمثال هؤلاء فمهما أخذوا من كلامٍ فهم يستحقون، وإن كنت سأوجز القول بعض الإيجاز لكن بحسبه حتى يتسنى لنا أن نأخذ الدروس والعبر من سيرة هؤلاء الأمجاد رضي الله عنهم، وألحقنا الله بهم ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الليل 17-21 ↩
  2. آية: ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 33 ↩
  3. آية: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 40 ↩
  4. آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 1 ↩

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة