مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قطوف من حياة عثمان بن عفان رضي الله عنه الجزء الثالث

المبشرون بالجنة · الدرس 12 من 12 · 22 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة مجلس المبشرين بالجنة واستئناف سيرة عثمان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

عرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، في المجلس السابق طرفًا من فضائل عثمان رضي الله عنه ومناقبه، عثمان رضي الله عنه كان معروفًا بالعلم والعبادة والورع والجود والإحسان رضي الله تعالى عنه، فعثمان بن عفان في جانب العلم كان من أشهر الصحابة رضي الله عنهم المعروفين بعلم المناسك، فكان عثمان رضي الله عنه عالمًا جليلًا في باب المناسك وما يتعلق بالحج، كما كان عثمان بن عفان رضي الله عنه مع زيد بن ثابت رضي الله عنه من أشهر الصحابة في علم الفرائض أعني علم المواريث، إذًا عثمان بن عفان كان مشهورًا بعلم المناسك وما يتعلق بأحكام الحج، وكان مشهورًا كذلك رضي الله عنه بعلم الفرائض.

وكان من مشاهير الصحابة الذين يفتون رضي الله تعالى عنه، وكان من أهل القرآن الذين يتيسر لهم أن يقرؤوا القرآن كله في ركعة، كما ثبت عنه في غير ما رواية، بل إن امرأته نائلة في آخر حياته، بل في آخر لحظات عمره، حينما هجم عليه من هجم من الخوارج وقتلوه.

فقالت لهم: إن قتلتموه أو تركتموه فوالله إني لأشهد ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ القرآن كله في ركعة، يعني: هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه العابد القانت الورع العالم رضي الله تعالى عنه.

عثمان بن عفان رضي الله عنه: الحياء والسخاء والتسامح. وأما عن جوده وإحسانه فقد ذكرت لكم طرفًا من سخائه ومن بذله وإنفاقه في سبيل الله جل وعلا وأما عن حيائه فهو الذي تستحيي منه الملائكة، وماذا بعد ذلك رضي الله تعالى عنه، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما علمتم ماذا صنع حينما دخل عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه سوّى عليه ثيابه وقال: «﴿إِلَّا﴾ أستحي من رجل تستحي منه الملائكة».

وأما في باب التسامح فقد كان عثمان بن عفان آيةً في هذا الأمر، كان معروفًا بتسامحه وصفحه وصبره رضي الله تعالى عنه.

ومن مواقفه النبيلة الجليلة في هذا الأمر ما ذكره، بل ما رواه الإمام أحمد في مسنده، وذكر قصةً فيها أن رجلًا اشترى منه عثمان بن عفان رضي الله عنه أرضًا، اشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه من رجل أرضًا، فتأخر الرجل في أخذ ماله، فلقيه عثمان بن عفان فقال له: أين أنت؟ ما أخَّرك؟ ما تريد أن تأخذ مالك؟ عثمان هو الذي يبحث حتى يعطي الرجل ماله، فقال له الرجل: لقد غبنتني، يعني: أنت بخستني حقي في السلعة، ما يلقاني أحد إلا لامني على هذا البيع،

يعني: كلما رآني شخص قال لي: أنت بعت هذه الأرض بثمن كذا وكذا، أنت مغبون، فقال له عثمان رضي الله عنه: لك الخيار بين الأمرين، إن أردت مالًا فخذ، وإن أردت أرضًا فخذ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «أدخل الله عز وجل الجنة رجلًا سمحًا إذا باع، أو بائعًا ومشتريًا وقاضيًا ومقتضيًا» أو كما قال صلى الله عليه وسلم:، وأصل الحديث في البخاري من حديث جابر: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى»1، لكنه ذكر الحديث بهذا: «أدخل الله الجنة رجلًا سهلًا في شرائه، مشتريًا، بائعًا، قاضيًا، مقتضيًا».

الشاهد من ذلك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان بإمكانه أن يقول: يا هذا، هل قلت لك سعرًا غير الذي أردت؟ وهل اشتريتها منك رغمًا عنك؟ أنت قد وافقت، لم يفعل ذلك، لكنه رضي الله عنه خيّر البائع بين أن يأخذ الأرض وبين أن يأخذ المال، ولا إشكال عنده في ذلك رضي الله تعالى عنه.

الحلم والتواضع

ومن حلمه وتواضعه رضي الله عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يستيقظ من الليل فيتوضأ بوضوئه دون أن يوقظ أحدًا من خدمه، فيقال له: يا أمير المؤمنين، لو أيقظت خادمًا من الخدم حتى يأتي لك بالماء وحتى يساعدك، فيقول لهم: الليل لهم يستريحون فيه فلا أوقظهم، الليل لهم يستريحون فيه فلا أوقظهم، أو لا أشق عليهم بذلك، ويقوم بخدمة نفسه رضي الله تعالى عنه.

عهد عثمان بن عفان: قوة الدولة واتساع الفتوحات

تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة بعد الفاروق عمر رضي الله عنه، وبعد أن كُسر الماء وهو عمر، فبدأت الفتن تُطلّ على الناس، لأنه بقتل عمر رضي الله عنه ثُلِم في الإسلام ثُلْمة، وذلك بوجود أهل الفتن، نسأل الله السلامة والعافية،

لكن عثمان رضي الله عنه كان حكيمًا وكان رشيدًا وكان قويًا وكان شجاعًا رضي الله تعالى عنه، كما يعرف ذلك كل من دقق في سيرته العطرة وفي مناقبه الجميلة الجليلة رحمة الله ورضي الله عنه، ومع ذلك فإنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه لم تتوقف الفتوحات في عهده، بل كثرت الفتوحات.

وكان هناك فتح في أفريقيا، فتح أفريقيا، وكذلك في الشام فُتحت بلاد، وفي بلاد المشرق، وكذلك استطاع عثمان رضي الله عنه بولاته أن يرد كيد الكائدين،

ففي الإسكندرية على سبيل المثال اجتمع بعض أهلها ممن أراد أن يكون للروم تسلط عليهم كما كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، وآثروهم على المسلمين والإسلام، وهذا قلة منهم، فأرادوا أن يغدروا بالمسلمين، وقامت هناك حرب طاحنة، فتصدى لها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأخمد تلك الفتنة، وبقيت الإسكندرية تابعة لمصر، تابعة للإسلام والمسلمين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وإن كانت مصر منذ أن فتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه والإسلام ظاهر عالٍ فيها بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

براءة عثمان رضي الله عنه من دعاوى أهل الفتنة

الشاهد من ذلك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه تعرض لكثير من الابتلاءات ومن المحن، لأنَّ أعداء الإسلام كثروا، لأنَّ كثيرًا ممن كان لا يدين بالإسلام في بلد من البلاد فُتح البلد ودخل أهله في دين الله عز وجل.

فكثر الأعداء لدين الإسلام من الداخل والخارج، ومن الخليفة القائم على أمور المسلمين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فكثرت الوشايات وكثرت الأحقاد.

ومن ذلك كما تقدم دخول عبد الله بن سبأ اليهودي في الإسلام ظاهرًا، دخل ظاهرًا في الإسلام ثم بدأ يدسّ الفتن، ومرات يقع هذا من أهل البصرة، ومرات من أهل الكوفة، ومرات من أهل مصر، وتُشاع شائعة في مصر: نريد عليًا لا عثمان، وتُشاع في البصرة: نريد طلحة لا عثمان، ويُشاع في الكوفة: نريد الزبير لا عثمان، مع أنَّ عثمان رضي الله عنه محل رضا من كل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ومن كل تقي بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

فأُشيعت أمورٌ كان عثمان منها بريئًا رضي الله تعالى عنه:

1- قيل إن عثمان بن عفان ولّى أقاربه الولايات، وهذا محض افتراء، وكما ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه أن عثمان ما ولّى رجلًا إلا عدلًا، يعني: ما ولّى رجلًا على ولاية من الولايات إلا من رآه عدلًا ورآه أهلًا لتلك الولاية.

بل إن محمد بن أبي حذيفة وهو ربيب عثمان، يعني: ابن زوجته، طلب من عثمان أن يولّيه ولايةً فرفض عثمان وقال له: لا أراك أهلًا، ولو رأيتك أهلًا لوليتك، فأين المحاباة وأين المجاملة من عثمان بن عفان رضي الله عنه.

2- ونقموا على عثمان أنه يولّي صغار السن، فقد ولّى عثمان بن عفان بعض الشباب حينما رأى أن لديهم قدرة وأن لديهم فطنة ولاهم، فطعنوا فيه، فقال: سبحان الله، إن رسول الله أمّر على المسلمين أسامة بن زيد رضي الله عنه وهو حدث دون العشرين، وكان يعترض على ولايته أكابر الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك عتاب بن أسيد تولى الإمارة على مكة وهو ابن عشرين سنة، فما يضير عثمان في أن يقدّم من كان متأهلًا ولو كان شابًا صغيرًا، لكنه الإنصاف من عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

حصار عثمان بن عفان رضي الله عنه واستشهاده مظلومًا

أُثيرت تلك القلاقل وهذه الفتن حول عثمان، وعثمان رضي الله عنه يقضي بالعدل ويصبر ويثابر، وجاء أناس من هنا وهناك، خرجوا مع المسلمين في وقت الحج يريدون الخروج للحج في الظاهر، وهم لا يريدون حجًا، ﴿أَنَّمَا﴾ يريدون حصار عثمان وقتل عثمان رضي الله عنه،

اتجهوا إلى المدينة، حجّوا، اتجهوا إلى المدينة، ثم حاولوا محاصرة عثمان رضي الله عنه، فخرج بعض الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليناظرهم وليردهم.

وقال: ما تنقمون من عثمان بن عفان بينكم وبينه كتاب الله، فطلبوا بعض المطالب، فقال: لكم ذلك، يصنعه عثمان رضي الله عنه ولا عليه، فهو مجتهد فيما يصنع رضي الله تعالى عنه.

ثم لم يكن منهم إلا أن عادوا الكرَّة بعد الكرَّة.

وقد ذكروا في ذلك قصةً غريبةً يذكرها العلماء في هذا الأمر، أن بعض الحاقدين الناقمين أتى بكتاب كيدي، ودار بين الناس حولهم كأنه يريد الهروب منهم ثم يعود إليهم، فأمسكوا به وهو الذي أتاهم بنفسه، وقال: معي كتاب من عثمان.

ما الكتاب من عثمان؟ إن عثمان يأمر الوالي إذا قدم عليه هؤلاء أن يقتلهم وأن يصلبهم، وهذا كتاب كذب، لأنَّ عثمان رضي الله عنه لما حوصر وأراد الصحابة أن يكونوا معه وأن يقاتلوا معه رفض عثمان رضي الله عنه بكل الوسائل.

وقال: أقسمت عليكم أن يجلس كل واحد منكم في داره، لا أريد أن يُراق دم مسلم واحد بسببي، فهل هذا سيكتب كتابًا من أجل أن يُصلبوا ومن أجل أن يُقتلوا؟ لكنَّها الافتراءات، دخلوا المدينة مرةً ثانيةً يريدون حصار عثمان بن عفان، ثم قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه عند اشتداد الحصار

وكان الأمر في بداية الأمر سهلًا،

كان عثمان يتمكن من الخروج إلى الصلاة ويجد منه ما يجد، ثم بعد ذلك اشتد الحصار عليه رضي الله تعالى عنه، وحينئذ دخل عليه بعض الأصحاب.

وورد أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال ذلك، وفي الإسناد بعض كلام لكنه مشهور عند أهل السير، وقال له: يا عثمان، يا أمير المؤمنين، أمامك أحد ثلاثة أمور:

1- إمَّا أن تأمر المسلمين أن يقفوا إلى جوارك وسيقاتلون دونك، وهذا حقك، فأنت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وهم على الباطل.

2- والثاني أن تخرج إلى الشام، فأكثرهم من الشام، وعندك معاوية على الشام سيستطيع التصدي لهم،

3- وأما الثالثة أن تذهب إلى مكة، فإنَّ ذهبت إليها لن يصيبوك بسوء، لأنه حرم الله فلن يعتدوا عليك، فأبى عثمان بن عفان وقال: لن أكون سببًا في أن يُراق دم واحد من المسلمين بسببي، وأما الذهاب إلى مكة فقد ذُكر أن رجلًا يُلحد في الحرم يكون عليه عذاب نصف الناس يوم القيامة، ولن أكون كذلك، يعني: وردت أحاديث في ذم من يلحد في حرم الله، فلن أكون من هؤلاء، قال: وأما الذهاب إلى الشام فلن أترك بلد رسول الله، بل سأبقى في المدينة ألقى ربي عز وجل فيها.

وصية النبي ﷺ لعثمان وثباته حتى الاستشهاد

وأصر عثمان رضي الله عنه على البقاء.

فأتاه كثير من الصحابة، عبد الله بن عمر يرتدي درعه ويقول له: أنا معك وسأتصدى لهم،

فيقول: جزاك الله خيرًا، ارجع إلى دارك، إذا أردتك طلبتك، لا تخرج حتى آذن لك، يأتيه الزبير بن العوام والحسن بن علي وأبو هريرة وعدد من الصحابة، وعثمان يرفض أن يقف أحد إلى جواره،

وهم يقولون: لا ينبغي، أنت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ونحن نتصدى لك، لكن عثمان رضي الله عنه كان لا يخفى عليه أن الرسول قد وعد بأن الشهادة ستلحقه، وأن المنافقين سيريدون خلعه من الخلافة، فعلم لما رأى مخايل الغدر منهم وأن الحصار قد اشتد عليه، علم أنه مقتول في هذه الفتنة.

فنظر إلى نفسه: مقتول، مقتول، فلأن أُقتل وحدي خيرٌ من أن يُقتل المسلمون بسببي، ثم ازداد الأمر عنده يقينًا حينما رأى في ليلة مقتله رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وهذا ثبت بإسناد صحيح، قال له: يا عثمان، صم غدًا وستفطر عندنا غدًا إن شاء الله، فعلم عثمان رضي الله عنه أنه مقتول لا محالة، لذلك أصبح صائمًا يقرأ القرآن الكريم ويستعد لما سيجري له، وهم يقولون: هذا حقك علينا، لا بد أن ننصرك، ومن استطاع أن يردَّه ردَّه، حتى إنه طلب ماءً فجيء له، جاءت أم حبيبة زوج رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بماء، فمنعوها من ذلك وأساؤوا إليها وهي أم المؤمنين، إنهم المنافقون.

والرسول قال لعثمان: إن الله مقمّصك قميصًا، فإذا أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه، فإذا أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه، فإذا أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه، فبقي عثمان صابرًا محتسبًا، لا يريد هربًا، لا يهرب، ولا يريد أن يتسبب في قتل أحد من المسلمين.

حرص عثمان بن عفان رضي الله عنه على حقن دماء المسلمين في الحصار

بعض من حول عثمان لم يستجيبوا لعثمان، قالوا: لا بد أن نقف إلى جواره، منهم من دخل الدار ومنهم من أحاط بالدار ليدافعوا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه مع أنَّه ما طلب رضي الله عنه، لكن كان هذا عددًا دون هؤلاء المحاصرين، وإلا فلو طلب عثمان منهم أن يقفوا إلى جواره لَمُلِئَت المدينة من أولها إلى آخرها نصرةً لعثمان بن عفان رضي الله عنه، لكنه كان يذكّرهم بقول الله عز وجل: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾2 (المائدة: 32)،

وكان يخشى أن تزداد الفتنة وأن يتفاقم الأمر، لكنهم دخلوا عليه يُسلّونه ويصبّرونه ويعلمون أنه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وعلى الصواب وأن أحدًا منهم ليس بمخالف له.

وأمَّر عثمان بن عفان رضي الله عنه في موسم الحج، وهذا كان في أيام الحج، أمَّر عليهم عبد الله بن عباس، أمَّره أن يكون على موسم الحج، فقال ابن عباس: اتركني معك، والله إن أقف إلى جوارك وأنصرك خيرٌ عندي من أن أحج، ابن عباس يقول لعثمان: أنا أمكث معك أنصرك، لا أريد أن أذهب إلى الحج العام، قال له: ناشدتك الله إلا خرجت وكنت على المسلمين في موسم الحج، فأطاعه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه.

استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه مظلومًا وهو يتلو القرآن

ثم دخل هؤلاء المحاصرون بيت عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يتلو كتاب الله عز وجل

فلما دخل عليه أحدهم قال له: بيني وبينكم كتاب الله، ماذا صنعت لكم وأنا قد فعلت؟

فرجع الرجل، رجع واحد، ثم دخل الآخر فما كان منه إلا أن أقبل على عثمان فخنقه خنقًا شديدًا، ثم جاء الآخر فضرب يده، فقال له: والله لهذه اليد أول يد خطّت المصحف، لأنه كان من كتّاب الوحي، ثم لم يزل هذا يضربه وهذا يقتله حتى قتلوه، فسأل دمه الشريف المبارك على المصحف الذي كاد يتمزق كما قالوا من كثرة قراءته وتقليبه في صفحات المصحف.

ونزل الدم كما ذكروا على قول الله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾3 (البقرة: 137)، وقُتل عثمان بن عفان وزوجته تدافع عنه كما قلت، وهي تقول: اقتلوه أو دعوه، فوالله لقد كان يقرأ القرآن كله في ركعة رضي الله عنه، فما رحموا زوجته ولا رحموا أقاربه ولا رحموا عثمان، بل اتجهوا إلى أموال المسلمين، إلى خزائن المسلمين، لينهبوا وليسلبوا وليأخذوا الأموال، أهؤلاء ناصرون للحق؟ أهؤلاء يبتغون الحق؟ ولكنهم خوارج أعداء دين الله عز وجل وأعداء هؤلاء الخلفاء الأطهار كعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

خاتمة خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه واستشهاده مظلومًا

استمر عثمان بن عفان في الخلافة لمدة، وبالتحديد مكث خليفةً إحدى عشرة سنةً وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا، وتوفي، بل قُتل، لثلاثٍ خلت من شهر ذي الحجة في سنة خمسٍ وثلاثين من هجرة النبي الأمين «صلى الله عليه وسلم»، ورضي الله عن هذا الخليفة الراشد عثمان بن عفان، الذي ما ضرّه ما أصابه، لأنَّ الرسول «صلى الله عليه وسلم» قد بشّره بالجنة على بلوى تصيبه، وقد سمع هذا من الرسول، وقال الله المستعان، وقد أعان الله عثمان فما تخاذل ولا تقهقر، وهذا يدل على عظيم شجاعته، لو أنَّ شخصًا علم ووجد منفذًا للهرب لهرب، لكنه ما صنع، لو أراد أن يحمل الناس على قتالهم لفعل، لكنه الصابر المحتسب الشجاع رضي الله عنه، وقد قُتل ظلمًا، وكثير من الصحابة ما كانوا يتصورون أن الأمر سيصل بهم إلى هذا الحد، لذلك بكى أكثر الصحابة، أكثر من علم من الصحابة بما وقع لعثمان بكى بكاءً شديدًا، ورأوا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يتحتم عليهم ﴿إِلَّا﴾ يستجيبوا له في هذا الوقت وأن يتصدوا لهؤلاء الذين طعنوا عثمان وقتلوا عثمان رضي الله عنه، لكن هذا قضاء الله، ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾، ابتُلي المسلمون بمقتل عمر ثم ابتُلي المسلمون بمقتل عثمان رضي الله عنه، وازدادت رقعة الفتنة، لكن الله يحفظ دينه ويحفظ أولياءه.

فماذا كان بعد مقتل عثمان؟ وماذا كان من شأن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عم الرسول وختنه؟ هذا نتعرف عليه في الدروس المقبلة بإذن الله، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.

الهوامش والتخريجات

  1. حديث: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى» — نسبة الشيخ: البخاري ↩
  2. آية: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 32 ↩
  3. آية: ﴿فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 137 ↩

من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة