قطوف من حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الجزء الثالث
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
فضله وثباته في المواقف العظيمة بعد النبي «صلى الله عليه وسلم»
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، وما زلنا مع الخليفة الراشد خليفة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه.
حدثتكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسين سابقين عن هذا العَلَم الهمام، عن هذا الصحابي الجليل من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وهو خير أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وأفضلهم.
وقد قال ابن عمر: كنا نخير بين أصحاب النبي «صلى الله عليه وسلم» فنخير أبا بكرٍ ثم عمر ثم عثمان، فأبو بكرٍ رضي الله عنه هو أفضل الأمة بعد نبيها محمد «صلى الله عليه وسلم».
عرفنا في المجلس السابق، يا أيها الإخوة الكرام، طرفًا من حزم أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه وكيف أنه وقف وقفة عزٍ ووقفة ثباتٍ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما سأله عما وقع في صلح الحديبية، فأجاب أبو بكرٍ الصديق بالإجابات التي أجاب بها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» مع أنَّه لم يسمع النبي «صلى الله عليه وسلم» وهو يقولها، لكنه الحق وافق الحق والحق لا يتناقض بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
ومن مواقف أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه التي دلت على صموده وثباته موقفه أيضًا عند وفاة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وقد استمعتم إلى هذا في المجلس السابق حينما وقف وقال: من كان يعبد محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌ لا يموت سبحانه وتعالى.
ثبات أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتال المرتدين وإنفاذ جيش أسامة
ومن هذه المواقف العظيمة الجليلة أيضًا، يا أيها الإخوة الكرام:
1- موقف أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وسلم» من قتال المرتدين، وذلك أنَّ جماعاتٍ من العرب بعد وفاة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ارتدوا على أعقابهم وادَّعى بعض الناس النبوة فصدَّقهم قومٌ، ومنع آخرون الزكاة، منعوا أن يؤدوها إلى أبي بكرٍ خليفة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فعزم أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه على قتال المرتدين،
فوقف له عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانظر يا رعاك الله من الذي يقف لمن، عمر رضي الله عنه يقف لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه ويقول لأبي بكرٍ: أتقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلا الله؟
يعني: هؤلاء الذين منعوا الزكاة قالوا لا إله إلا الله فكيف تقاتلهم؟
فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، «فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ»، والله لو منعوني عناقًا وفي لفظٍ عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» لقاتلتهم على منعه،
قال عمر رضي الله عنه: فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكرٍ للحق أو للقتال، فعرفت أنه الحق، عمر رضي الله عنه شرح الله صدره وعلم أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ فيما ذهب إليه، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة،
أنهم قالوا: لن نعطي الزكاة لأحدٍ بعد رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، والزكاة ركنٌ من أركان الإسلام وفريضةٌ من فرائض الإسلام لا ينبغي للمسلمين أن يتخلوا عنها وإن مات رسولهم «صلى الله عليه وسلم»، فوقف أبو بكرٍ رضي الله عنه وقفته الشامخة الثابتة.
2- بل ومن وقفاته الجليلة العظيمة أن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه جهز جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما لقتال الروم، فجهز النبي «صلى الله عليه وسلم» جيش أسامة ثم توفي رسول الله «صلى الله عليه وسلم»
ووقع ما وقع من ارتداد بعض العرب عن الإسلام وتركهم دين الله عز وجل فحينئذٍ أراد أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه أن يُنفِذ جيش أسامة لقتال الروم،
وهنا يتعرض أبو بكرٍ الصديق لأمرٍ جللٍ ولأمرٍ خطيرٍ، هو سيرسل جيش أسامة لقتال الروم والعرب في شبه الجزيرة قد ارتد كثيرٌ منهم عن الإسلام،
فذهب إليه كثيرٌ من الأصحاب: يا أبا بكرٍ، يا خليفة رسول الله، تمهَّل، أخِّر جيش أسامة، أنت الآن عندك حربٌ في الداخل،
هناك من ارتد من العرب،
هناك من ادعى النبوة،
هناك من منع الزكاة،
تذهب بهذا الجيش أو ترسل هذا الجيش ليقاتل الروم هنالك؟ ما لنا وللروم في هذا الوقت؟ أخِّره وتمهَّل، ثم بعد ذلك أرسل جيش أسامة إن شئت، فأبى أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه.
وقال: والله لا أحل عقدةً عقدها رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، الرسول عقد هذه العقدة لأسامة، والله لا أحل عقدةً عقدها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ولو أنَّ الطير والسباع تخطفنا، ولو أنَّ الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذت جيش أسامة رضي الله تعالى عنه،
انظر إلى ثبات أبي بكرٍ الصديق في هذه الأزمة الشديدة وفي هذه المحنة العصيبة، يا أبا بكرٍ، ترسل جيشًا إلى الروم وأنت في الداخل عندك ما عندك وتواجه ما تواجه
يقول: هذا جيشٌ أعده الرسول عليه الصلاة والسلام فما كنت لأنقض ما عقده رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ومنهم من يكلم أبا بكرٍ في أن يجعل على الجيش غير أسامة، فأسامة لا يزال شابًا، أمِّرْ عليهم غيره، لا، الرسول أمَّر عليهم أسامة فأسامة يبقى كما هو،
ويسير أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه إلى جوار أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وأسامة بن زيد يركب وأبو بكرٍ يمشي على رجليه يريد أن تغبر قدماه في سبيل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، فماذا كان؟ كانت البركات في الاتباع،
لأن هؤلاء المرتدين قالوا: واعجبًا لأبي بكرٍ، أبو بكرٍ لا يلتفت إلينا ولا يشتغل بأمرنا، وصل به الحد إلى أن يرسل جيشًا إلى الروم ولا يلتفت إلى ما يحدث منا، فتراجع أكثرهم، وأذل الله المشركين، ونصر الله عباده المؤمنين، فكان نصرًا مبينًا في الداخل والخارج بسبب بركة اتباع أبي بكرٍ الصديق لما كان عليه رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، أفزع هذا الروم وأفزع كذلك المرتدين، فكان النصر المبين في عهد أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه والتمسك بسنة النبي «صلى الله عليه وسلم» في مسألة الميراث
ومن مواقفه النبيلة:
ومن مواقفه النبيلة أنه جرى بينه وبين فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إحدى الكاملات الفاضلات الجليلات ولها شأنٌ لعلنا نتحدث عنه في مقامٍ آخر بإذن الله تعالى، كانت تظن فاطمة أن لها ميراثًا في أبيها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وأن أبا بكرٍ يمنعها من ذلك،
لكن أبا بكرٍ سمع حديث الرسول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقةٌ»،
فالأنبياء لا يورثون، فلم يعطها شيئًا، وهي تظن أن لها شيئًا، وتجد في نفسها على أبي بكرٍ الصديق،
وأبو بكرٍ يبكي ويقول: والله لقرابة رسول الله أحب إليَّ أن أصل من قرابتي، ولكني أخشى إن تركت شيئًا من أمر رسول الله أن أزيغ، أنا أخشى أن أترك شيئًا من أمر الرسول فأضل،
إنه أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه المتبع في كلما علم وفي كلما سمع من رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
سرعة الاستجابة للقرآن والعفو عن المخطئين
فإنَّ عدنا مرةً أخرى إلى الصديق أيام عهد النبوة ووجود رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بين ظهراني الصحابة فها هو موقفه النبيل يبين لك طيب معدن الصديق.
وأنه كان في أعلى درجات الاستجابة لكتاب ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، لما وقع ما وقع من حادثة الإفك وقد أشيع ما أشيع من دعوى أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها صدر منها ما صدر مما زعمه جماعةٌ من الناس منهم المنافقون وتبعهم بعض الأصحاب ثم تابوا إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾،
فوقعوا في عرض عائشة رضي الله عنها، وبرَّأها الله من فوق سبع سماواتٍ وأنزل قرآنًا يتلى في سورة النور: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾1 (النور: 11) إلى آخر الآيات الكريمة،
أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه شق عليه الأمر، ابنته فلذة كبده الصديقة الحَصَان الرَّزَان زوج رسول الله تتهم بالزنا، وأبو بكرٍ يقول: شيءٌ لم نتهم به في الجاهلية أفبعد أن هدانا الله للإسلام
شيءٌ لم يتهمنا به أحدٌ في الجاهلية، بيت أبي بكرٍ بيت طهرٍ بيت عفافٍ، ابنته وهي زوج رسول الله تتهم بالزنا وهذا أمرٌ يؤذي رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، أمرٌ خطيرٌ على أبي بكرٍ الصديق،
وكان ممن وقع في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مِسطح بن أُثاثة وهو ابن خالة أبي بكرٍ الصديق، تصور ابن خالة أبي بكرٍ الصديق يرمي عائشة رضي الله عنها ويقع مع من وقع فيخطئ في ذلك، وكان أبو بكرٍ يتصدق عليه وينفق عليه،
فلما بلغه قال: والله لا أعود عليه بنافعةٍ أبدًا، هذا أقل ما يتصور، رجلٌ قريبك وأنت تسدي إليه معروفًا وتقدم إليه إحسانًا ويقع في عرضك، ماذا أنت صانعٌ به؟ كونك تمتنع عن الإنفاق عليه والإحسان إليه هذا أقل ما يمكن أن يتصور فضلًا عن أن يحدث ما هو فوق ذلك،
ثم نزلت الآيات لتبرئ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وفيها قول الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾، يعني: ولا يحلف ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾2 (النور: 22)،
فلما سمعها أبو بكرٍ قال: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا، وعاد لما كان يصنع من الإنفاق على مسطحٍ مرةً أخرى، فمن يقوى على ذلك؟
أحدنا إذا قيل له: يا فلان ارحم فلانًا واعف عنه، يقول: أبدًا ما يمكن ما يصلح،
ويكون في المسجد بحالٍ فإذا خرج من المسجد تحول حاله حينما يحدث بينه وبين آخر مشاجرةٌ، يا هذا الذي كنت تصلي وكنت تسمع القرآن وكنت تقرأ القرآن، أين هذا؟
لكن أبا بكرٍ رضي الله عنه يتوقف: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾3 (النور: 22) بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا، انتهت، هكذا كان أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه.
محاسبته لنفسه رضي الله عنه
كان أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه شديد المحاسبة لنفسه:
حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رآه يجذب لسانه، يضرب لسانه، يعني: يمسك بلسانه ويضربه، فقال له عمر رضي الله عنه: مه مه يا خليفة رسول الله يا أبا بكرٍ، ماذا تصنع؟
فقال: هذا أوردني الموارد،
هذا اللسان سأُحاسَب عليه، أبو بكرٍ يقول هذا، فماذا يقول غير أبي بكرٍ؟
أبو بكرٍ صاحب هذا اللسان الصادق والقلب الصادق يقول: هذا أوردني الموارد رضي الله تعالى عنه.
أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه من حسناته أنه قام على أمر جمع المصحف، جمع القرآن في مصحفٍ واحدٍ، رب العزة سبحانه سمى القرآن بالكتاب وهذا فيه دليلٌ على أن القرآن سيحفظ مكتوبًا،
وقد كان للرسول «صلى الله عليه وسلم» كتّابٌ للوحي يكتبون الوحي، فكان الصحابة الكرام أو كان بعضهم يكتبون ما يقوله الرسول لهم من القرآن الكريم، يقرأ عليهم الآيات ويكتبونها،
لكن القرآن لم يجمع في مصحفٍ واحدٍ ولم تكن الحاجة داعيةً إلى ذلك لأنَّ رسول الله بين ظهرانيهم، فإمامهم موجودٌ بينهم لا يحتاجون إلى أن يجمعوه في مصحفٍ واحدٍ، ثم إن ترتيب الآيات والسور كما نراه يختلف عن الترتيب بحسب النزول كما هو معلومٌ إلى غير ذلك مما يعرفه أهل الاختصاص في علوم القرآن،
فلما كان أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه وكانت معركة اليمامة وقتل كثيرٌ من القراء واستحر القتل ببعض القراء بل بكثيرٍ منهم، جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولذلك عمر رضي الله عنه هو السبب في هذا الأمر لكن الذي قام بإصدار القرار أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه قال عمر رضي الله عنه لأبي بكرٍ رضي الله عنه: إن القتل قد استحر بالقراء يعني: في معركة اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المعارك الأخرى فيضيع كثيرٌ من القرآن،
القراء هم الذين يحفظون القرآن في الصدور فإذا مات القراء ومات الحفاظ ربما يذهب شيءٌ من القرآن،
صحيحٌ أن الله حافظٌ كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾4 (الحجر: 9) لكننا مأمورون بالأخذ بالأسباب،
فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله؟
انظر إلى القاعدة العامة عند أبي بكرٍ: أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله؟
فلم يزل عمر رضي الله عنه يعرض عليه حتى شرح الله صدر أبي بكرٍ لذلك،
فأرسل أبو بكرٍ إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه وأخبره هذا الخبر والرواية معروفةٌ وهي في صحيح البخاري.
وقال له: إنك شابٌ عاقلٌ لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لر5سول الله «صلى الله عليه وسلم»،
اختار زيد بن ثابت لأنه شابٌ والشاب عنده قوةٌ ونشاطٌ في أن يذهب هنا وهنالك ليجمع من صدور الرجال ومن أوراقهم وما كتبوا ليسجل هذا المصحف الشريف بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾،
شابٌ عاقلٌ لا نتهمك، عندك أمانةٌ، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فقال له زيدٌ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله؟ فأعاد عليه الأمر حتى شرح الله صدر زيدٍ،
قال: والله لو كلفوني نقل جبلٍ من الجبال لكان أيسر عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن أو من جمع المصحف، أمرٌ شديدٌ أن يؤمر بجمع المصحف، وتمت المهمة بفضل الله،
فنحن بفضل الله الآن نفتح المصاحف فنترضى عن الصديق أبي بكرٍ ونترضى عن عمر رضي الله عنه وعن زيد بن ثابت ثم عن عثمان بن عفان كما سيأتينا بإذن الله تعالى في نسخ المصاحف بإذن الله تبارك وتعالى.
فضائل بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ووفاته وخلافته المباركة. يا أيها الإخوة الكرام،
أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه مواقفه عظيمةٌ، بيتٌ مباركٌ.
قلت لكم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إن والد أبي بكرٍ قد أسلم في عام الفتح،
أبو قحافة عثمان، وأم أبي بكرٍ سلمى أسلمت مبكرًا في دار الأرقم بن أبي الأرقم،
وأولاد أبي بكرٍ على الإسلام، من أولاد أبي بكرٍ،
أبو بكرٍ له من الأولاد عبد الرحمن وعبد الله ومحمد،
وله من البنات رضي الله تعالى عنه أسماء وعائشة وأم كلثوم،
ابنه عبد الرحمن بن أبي بكرٍ رُزق بمحمدٍ، قالوا: وهذا في عهد رسول الله،
فتأمَّل! محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكرٍ، وأبو بكرٍ هو عبد الله بن عثمان، والأربعة يُعَدُّون في الصحابة، هذا لا تجده إلا في بيت أبي بكرٍ الصديق، يعني: ممكن نقول صحابيٌ ابن صحابيٍ ابن صحابيٍ ابن صحابيٍ، هذا عجيبٌ،
وأسماء بنت عميس زوج أبي بكرٍ ولدت محمد بن أبي بكرٍ في حجة الوداع، يعني: كذلك رزقت به في حجة الوداع.
أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه في خلافته له شأنٌ عظيمٌ وقد مكث في خلافته مدةً يسيرةً ليست بالكبيرة، ما يقارب سنتين وأربعة أشهرٍ،
وتوفي في السنة الثالثة عشرة من هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم»، توفي وهو ابن 63 كما توفي الرسول «صلى الله عليه وسلم» وهو ابن 63 سنةً،
وقد ورد عند الحاكم في المستدرك وقال صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه أن عائشة رضي الله عنها رأت رؤيا فقصَّتها على أبيها أبي بكرٍ، رأت أن ثلاثة أقمارٍ سقطت في حجرتها فأخبرت أباها أبا بكرٍ،
فقال لها: إن يكن ما رأيتِ فإنَّ ثلاثةً هم خير أهل الأرض سيدفنون في حجرتك، فمات رسول الله فدفن في حجرة عائشة، فقال لها: هذا أول أقمارك وهو خيرها، ثم توفي أبو بكرٍ فدفن إلى جوار رسول الله، ثم عمر فدفن إلى جوارهما رضي الله عنه عن أبي بكرٍ وعمر.
مبايعته بالخلافة. يا أيها الإخوة الكرام،
لما توفي الرسول «صلى الله عليه وسلم» اجتمع جماعةٌ من الأنصار في سقيفة بني ساعدة مع سعد بن عبادة رضي الله عنه، اجتمعوا ليولُّوا عليهم خليفةً وقالوا: منا أميرٌ ومنكم أميرٌ،
أي: ليكن من الأنصار أميرٌ وليكن من المهاجرين أميرٌ، ذهب أبو بكرٍ الصديق ومعه عمر ومعه أبو عبيدة بن الجراح، الثلاثة.
فتكلم أبو بكرٍ كلامًا بليغًا عظيمًا جليلًا: فإنَّ المهاجرين أوسط العرب نسبًا وأعرقهم قدرًا ونحو ذلك، فاستجابوا لأبي بكرٍ الصديق، فقال: وقد اخترت لكم أحد الرجلين، اختاروا عمر أو اختاروا أبا عبيدة فكلاهما يصلح للخلافة،
فقال عمر: لا والله، بل أنت خيرنا وسيدنا وأحب إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فبايعوا أبا بكرٍ وبايعت الأمة كلها أبا بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه.
وإن النبي «صلى الله عليه وسلم» قد أعطى الأمة مؤشراتٍ كثيرةً تنبئ عن أن أبا بكرٍ رضي الله عنه هو الحقيق بالخلافة، ففي مرض وفاته قدم الرسول أبا بكرٍ للصلاة مع أنَّهم اعتذروا إليه،
عائشة تقول: إن أبا بكرٍ إذا أمَّ الناس لا يسمع الناس من البكاء، من كثرة بكائه الناس لا يسمعون قراءته، وأبى الرسول إلا أن يصلي أبو بكرٍ إمامًا بالناس،
فكلمت عائشة حفصة لتكلم رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في أن لا يجعل أبا بكرٍ إمامًا للناس، فأبى الرسول وقال: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكرٍ فليصل بالناس»،
ولما جاءت المرأة لتسأل رسول الله ولتقول له كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من حديث جبير: يا رسول الله إن جئت فلم أجدك فإلى من أذهب؟
قال لها: «ائتي أبا بكرٍ» رضي الله عنه،
وجاء عند الحاكم في المستدرك من حديث أنسٍ رضي الله عنه قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله لأقول له: يا رسول الله، إذا جئنا بالزكاة ولم نجدك فمن نعطيها؟ قال: «أعطوها لأبي بكرٍ»، هذا كله يدل على أن أبا بكرٍ رضي الله عنه هو الحقيق بهذا الأمر وهو خليفة رسول الله.
زهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند وفاته وصدق تعلقه بالآخرة
وما أراد أبو بكرٍ رضي الله عنه شيئًا، بل إنه أوصى أهله قبل وفاته:
هذه المنيحة التي يحلبونها قال لهم: أخذناها لأننا نحتاج إليها وأنا كنت خليفةً فأعيدوها إلى بيت مال المسلمين،
وهذا الغطاء الذي كانوا يستعملونه في الشتاء ردوه إلى بيت مال المسلمين، ولم يخلف شيئًا ولم يترك شيئًا رضي الله تعالى عنه.
ولما حضرته الوفاة ومرض مرضًا شديدًا قالوا له: ندعو لك الطبيب لينظر إليك؟
قال: قد نظر إلي، قالوا: فما قال؟
قال: قال: «إني فعَّالٌ لما أريد»، لا أحتاج، انتهت المسألة،
ولمَّا وجد ابنته عائشة رضي الله عنه عنها وهي تقول:
لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى … إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
يعني: مهما كان المال ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت وضاق بها الصدر،
فقال لها أبو بكرٍ: يا بنيتي لا تقولي ذلك، يقول لعائشة: لا تقولي ذلك ولكن قولي: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾6 (ق: 19).
يا أيها الإخوة الكرام، في الحقيقة الحديث عن أبي بكرٍ حديثٌ شائقٌ ورائقٌ وفائقٌ وذو شجونٍ ولا ينتهي، لكننا محتاجون إلى أن نمر على بقية العشرة ثم من بعدهم ممن بشر بالجنة، فلعل فيما قلت كفايةً، ونسأل الله سبحانه أن يلحقنا بالصالحين وأن يجعلنا رفقاء للنبي الأمين «صلى الله عليه وسلم» في أعلى جنان الخلد.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 11 ↩
- آية: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 22 ↩
- آية: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 22 ↩
- آية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 9 ↩
- تعليق: رضي الله عنه وأخبره هذا الخبر والرواية معروفةٌ وهي في صحيح البخاري. وقال له: إنك شابٌ عاقلٌ لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لر — كتاب: «صحيح البخاري». الذكر في الدرس: صحيح البخاري. ↩
- آية: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 19 ↩
من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)