مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قطوف من حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزء الأول

المبشرون بالجنة · الدرس 5 من 12 · 22 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بعمر بن الخطاب رضي الله عنه ونسبه وأسرته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، وقد منَّ الله عز وجل علينا ففرغنا في اللقاء السابق من الحديث عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه، وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى الحديث عن الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فحديثنا الليلة عن ثاني الصحابة رضي الله عنهم من المبشرين بالجنة وهو الخليفة الثاني وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

عمر بن الخطاب هو عمر بن الخطاب بن نفيل من بني عدي، وعمر بن الخطاب كما سمعتم أبوه اسمه الخطاب بن نفيل، وأما أمه رضي الله عنه فهي حنتمة بنت هشام أو هاشم المخزومية، وفي ذلك قولان:

1- فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها بنت هشام المخزومي فيكون أبو جهل أخاها.

2- أو أن يكون أبو جهل ابن عمها إذا كانت بنت هاشم.

وبناءً عليه فأبو جهل ما صلته بعمر بن الخطاب رضي الله عنه من حيث القرابة؟ خاله، يعني: العلاقة والصلة بين الفاروق عمر وأبي جهل عدو الله ورسوله أن أبا جهل خال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وشتان بين الخال وابن الأخت، فأبو جهل شيطانٌ في الدنيا، وعمر بن الخطاب إذًا سلك فجًّا، سلك الشيطان فجًّا غير فجِّه.

بشارته بالشهادة وتاريخ إسلامه

عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الخليفة الراشد له مناقب كثيرةٌ وفضائل عظيمةٌ لا تُحصى كثرةً، وقد بشره الرسول «صلى الله عليه وسلم» بالجنة،

وقد صعد النبي «صلى الله عليه وسلم» حراء فقال: أثبت أُحد - أو قال: أثبت حراء - فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدٌ، وفي قوله «وشهيد» دلالةٌ على «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه سيُقتل شهيدًا، وقد كان،

وسيأتينا بإذن الله تعالى خبر مقتله في آخر الحديث عن سيرته العطرة رضي الله تعالى عنه.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصغر من النبي «صلى الله عليه وسلم» في السن بثلاث عشرة سنةً، فالنبي «صلى الله عليه وسلم» بُعث وهو ابن أربعين سنةً، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أصغر من النبي «صلى الله عليه وسلم» بهذه السن، ثم إنهم قد اختلفوا في التوقيت الذي أسلم فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

1- فقيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم في السنة الخامسة من بعثة النبي «صلى الله عليه وسلم»،

2- ﴿وَقِيلَ﴾: أسلم بعد الهجرة إلى الحبشة - أعني الهجرة الأولى إلى الحبشة -

3- ﴿وَقِيلَ﴾: في السنة السادسة من بعثة النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم.

شدة عمر بن الخطاب قبل الإسلام وبشائر هدايته

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديدًا على المسلمين، كان شديدًا على المسلمين يطاردهم ويعارضهم ولا يوافقهم بل يخالفهم، وقد جرت قصةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ وهي «أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ» رضي الله عنه أراد الهجرة إلى الحبشة ومعه امرأته أم عبد الله، فذهب عامر بن ربيعة رضي الله عنه إلى حاجةٍ له فرأى عمر بن الخطاب أم عبد الله وهي زوج عامر بن ربيعة، فقال لها: يا أم عبد الله إلى أين تريدون الرحيل؟ هذا آخر عهدكم بمكة؟ فقالت له: أنتم آذيتمونا وطردتمونا وفعلتم بنا كذا وكذا، يعني: أنتم السبب، فنحن نسيح في أرض الله نعبد الله عز وجل فرقَّ قلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لها، قال لهم: صحبتكم السلامة أو ما أشبه ذلك، فلما جاء عامر بن ربيعة قالت له أم عبد الله: أما سمعت عمر بن الخطاب ماذا قال لي؟ قال لي كذا وكذا، قال لها: تظنين «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» يسلم؟ يعني: أنتِ تظنين «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» هذا يرق قلبه وأنه يسلم لا يسلم عمر بن الخطاب حتى يسلم حمار الخطاب1، يقصد بذلك «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» قاسٍ وأنه ليس لقلبه نصيبٌ من الإيمان، ولكن ربك أبى إلا أن يدخل الإيمان إلى قلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان رجلًا طوالًا، كان رجلًا ضخمًا، قالوا حتى إن السائر إلى جواره يرى عمر بن الخطاب وهو يسير كأنه يركب على دابةٍ، يعني: الشخص حينما يكون راكبًا على دابةٍ يظهر أنه طويلٌ، فعمر بن الخطاب كان كذلك رضي الله تعالى عنه، وكان ممن يوكل إليه أمر السفارة، يعني: إذا أرادوا أن يرسلوا رسالةً من بلدٍ إلى بلدٍ أو من مكانٍ إلى مكانٍ أرسلوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان معروفًا بالكتابة وكان معروفًا بالقوة إلى غير ذلك من أوصافه التي عرف بها قبل الإسلام ثم ظهرت أيضًا بوضوحٍ وجلاءٍ في الإسلام بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

إسلام عمر رضي الله عنه

عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد اختلف في سبب إسلامه، وذلك أنه قد جاءت رواياتٌ كثيرةٌ تبين لنا سبب إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

1- ومن الروايات الشهيرة في هذا الأمر «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه سل سيفه وأراد أن يذهب إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ليقتله، فلقي رجلًا فقال له: إلى أين يا ابن الخطاب قال: أريد قتل محمدٍ، قال: تريد قتل محمدٍ؟ انظر إلى أختك وإلى ختنك، أختك نفسها أسلمت لله رب العالمين وآمنت بمحمدٍ، فابحث عن أقاربك أولًا، قال: ويحك، ما تقول؟ فذهب مهرولًا إلى أخته فاطمة وإلى زوجها، ومَن زوجها؟ زوج أخته، نعم، ليس هو خبابًا، خبابٌ كان حاضرًا يقرئهم القرآن، لكن زوجها مَن؟ أحسنت، سعيد بن زيد رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة كما سيأتينا الحديث عنه، إذن ما العلاقة والقرابة والصلة بين عمر وسعيد بن زيد؟ سعيد بن زيد زوج أخت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الشاهد أنَّه دخل عليهما ولطم سعيدًا وكذلك لطم أخته فاطمة وجرى ما جرى، ثم إنه أراد أن يقرأ ما في أيديهما من القرآن فأبت عليه حتى يغتسل، ثم إنه قرأ آيات سورة طه، صدر سورة طه، فما كان منه إلا أن رق قلبه ودخل في دين الله وأسلم لله رب العالمين، لكن في الحقيقة هذه القصة لا تصح وسندها ضعيفٌ وهي من طريق راوٍ يقال له: القاسم بن عثمان وهو ضعيف الرواية، وقد حكم الذهبي بأن هذه الرواية منكرةٌ جدًّا وإن كانت مشهورةً.

2- وهناك رواياتٌ أخرى في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه منها أنه ذهب إلى المسجد الحرام فوجد النبي «صلى الله عليه وسلم» يقرأ القرآن، فقال: أسمع إلى محمدٍ وهو يتلو القرآن، فتلا رسول الله من آيات سورة الحاقة، فقال: هذا شاعرٌ، محمدٌ هذا شاعرٌ، فتلا رسول الله قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾2 (الحاقة: 41)، قال: ليس بقول شاعرٍ، قال: ولا بقول كاهنٍ، ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾3 (الحاقة: 42)، ثم ما كان منه إلا أن رق قلبه ودخل في دين الإسلام، لكن هذه الرواية منقطعةٌ لا تثبت أيضًا والعلم عند الله تبارك وتعالى.

وهناك رواياتٌ أخرى في هذا المقام تستطيع أن تقول إنها وإن كانت الرواياتُ ضعيفةً إلا أنها تجتمع على شيءٍ واحدٍ وهو أن السبب في إسلام عمر سماعه لآياتٍ من القرآن الكريم، وهذا ليس بغريبٍ فإنَّ بعض أصحاب رسول الله بل كثيرًا من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ورضي الله عنهم أجمعين دخلوا في الإسلام حينما سمعوا القرآن أو سمعوا آياتٍ من القرآن، وجبير بن مطعمٍ رضي الله عنه يذكر أنه سمع النبي «صلى الله عليه وسلم» وهو يصلي، سمع الرسول وهو يصلي صلاة المغرب فقرأ الرسول بالطور، فسمعه وهو يقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾4 (الطور: 35-36)، قال: كاد قلبي أن يطير5، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي، فكانوا يتأثرون بهذا القرآن الكريم وغيَّر أمرهم وحولهم إلى الإيمان بالله عز وجل.

لكن أصح ما يقال في هذا الأمر «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه أسلم ببركة دعاء رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فقد ثبت أن النبي «صلى الله عليه وسلم» قال: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب»، وفي روايةٍ: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمرو بن هشام» يقصد أبا جهلٍ «أو عمر بن الخطاب»، فأعز الله الإسلام بعمر وكان أحب الرجلين إلى الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعل أصح ما في ذلك: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب» رضي الله تعالى عنه، فشرح الله صدر عمر، وقد ذكر عددٌ من أهل السير والتراجم «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» أسلم بعد حمزة بثلاثة أيامٍ، بطلٌ بعده بطلٌ، يعني: حمزة أسد الله أسلم وبعده بثلاثة أيامٍ عمر بن الخطاب، هذا على قول كثيرٍ من أهل السير، وهذا لا شك ربحٌ كبيرٌ للمسلمين وانتصارٌ عظيمٌ، ولذلك قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه: ما زلنا أعزةً منذ أن أسلم عمر بن الخطاب6 رضي الله عنه، لأنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قويًا شجاعًا وكان ينطق بالحق ويجهر به ويصدع به، وقد ذكروا أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أسلم أعلنها مدويةً، بل نظر إلى أكثر الناس ممن يعرف عنه نقل الأخبار فأخبره أنه قد أسلم، فنادى في الناس: يا هؤلاء إن عمر قد صبأ، فقال له: كذبت بل إنني «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وأشهد أن محمدًا رسول الله، فجاء بعضهم ليضارب عمر وليقاتل عمر فتصدى لهم عمر رضي الله عنه. ثم إن بعض أقارب عمر وفي بعض الروايات أن العاص بن وائل قال لهم: ما لكم وله رجلٌ أراد أن يدخل في دين رجلٍ، دعوه وشأنه، وإن قومه لن يتركوه، يعني: أنتم إذا قتلتم عمر فقومه لن يتركوكم، فخُلِّي سبيل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

قوة عمر ورحمته وخوفه من الله

عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قويًا لكنَّها قوةٌ في رحمةٍ، وكان حازمًا لكنه حزمٌ في رقةٍ، وأقول لك: مهما كان الرجل قويًا إذا كان متصفًا بصفة الخوف من الله فلا تخف منه، هي قاعدةٌ: هذا رجل قوي، يعني: الإنسان يقول لك: هذا أنا أتعامل مع شخص، لكن شخص أي هذا قوي، شخصٌ غليظٌ، ما معنى غليظٌ؟ الذي يخاف الله لا يقال عنه غليظ القلب، إذن مهما كان قويًا لكنه يخاف الله فلا تخاف منه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يشهد له بأنه كان من أكثر الناس خوفًا من الله عز وجل وسيأتينا إن شاء الله تعالى ذكر ذلك والتدليل عليه من سيرته العطرة رضي الله تعالى عنه.

محبة الرسول لعمر وثقته به مع أبي بكر

رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أحب عمر وأدناه وقربه منه وكان يقول في كثيرٍ من المواقف: «دخلت أنا وأبو بكرٍ وعمر، وخرجت أنا وأبو بكرٍ وعمر، وذهبت أنا وأبو بكرٍ وعمر» صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر الحديث الذي فيه أن رجلًا ركب بقرةً فقالت له: إنا لم نخلق لهذا ﴿أَنَّمَا﴾ خلقنا للحرث، فقالوا: بقرةٌ تتكلم؟ فقال الرسول: «فإني أومن بذلك أنا وأبو بكرٍ وعمر» وما هما ثَمَّ، تأمَّل! في الرواية: «فإني أومن بذلك أنا وأبو بكرٍ وعمر» وما هما ثَمَّ، يعني: أبو بكرٍ لم يكن موجودًا وعمر لم يكن موجودًا، لكن الرسول يعلم أن أبا بكرٍ وعمر يصدقانه في كلما يقول ولا يكذبانه في شيءٍ من ذلك لأنهما يعلمان أنه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حقًا وصدقًا.

رؤى النبي في عمر ومنزلته في الدين والعلم

من فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» قال كما في الصحيحين: «بينا أنا نائمٌ رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمصٌ منها ما يبلغ الثُّدِيَّ»7، يعني: أناسٌ يلبسون القمص، شخصٌ يلبس القميص إلى الثدي «وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ»، «وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يجره»، يلبس قميصًا من الفوق لتحت يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «الدين»، يعني: عمر قويٌ في دينه، فهذا القميص الذي ملأ عمر من رأسه إلى قدميه هو قميص الدين، يعني: أنه مستمسكٌ بالدين ليس عنده خرقٌ ولا فتقٌ رضي الله تعالى عنه.

ورأى الرسول «صلى الله عليه وسلم» رؤيا أخرى كما في الصحيحين أيضًا: «بينا أنا نائمٌ أتيت بقدح لبنٍ فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري»8، لبنٌ النبي «صلى الله عليه وسلم» شرب منه حتى إن الري يخرج في أظفاره، «ثم أعطيت فضلي عمر»، أعطى الرسول ما بقي منه لمَن؟ لعمر، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم»، وهذا معناه: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» عالمٌ فهو يشرب وراء رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ولِمَ لا، والرسول «صلى الله عليه وسلم» قال أيضًا كما في الصحيح: «قد كان فيمن قبلكم محدثون فإنَّ يكن في أمتي فعمر»9، ما معنى مُحدَّثون؟ يعني: ملهمون، إنسانٌ عنده فراسةٌ عنده إلهامٌ، فإنَّ يكن في أمتي فعمر.

موافقات عمر لكتاب الله. ولذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه له موافقاتٌ لكتاب الله عز وجل له موافقاتٌ عديدةٌ حتى إن بعض العلماء صنف فيها بحوثًا أو مصنفاتٍ كما هو معلومٌ:

1- فعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للرسول: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى10، فأنزل الله: ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى﴾11 (البقرة: 125).

2- وقال: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرت نساءك أن يحتجبن12، فأنزل الله آية الحجاب.

3- وقال لأزواج النبي «صلى الله عليه وسلم»: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ13 أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾، فأنزل الله عز وجل الآية: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا14 مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ﴾ (التحريم: 5).

4- وكذلك نزل في أسارى بدرٍ ما يوافق قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنزل الله قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾15 (الأنفال: 67)، لأنَّ الرسول أخذ برأي أبي بكرٍ ولم يأخذ برأي عمر، ونزلت الآيات تبين أن ما قال عمر رضي الله تعالى عنه هو الذي كان ينبغي أن يؤخذ به، لكن الرسول معذورٌ في ذلك لأنَّ الوحي لم ينزل عليه إلى هذا الوقت، هذا على قول جمهور المفسرين وإن كان لبعض العلماء توجيهٌ فيما يتعلق بالآيات الكريمة من سورة الأنفال والعلم عند الله تبارك وتعالى.

الحق على لسان عمر وقلبه

فانظر يا رعاك الله إلى هذا الصحابي الجليل الملهم المحدث الموفق، إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومما قال الرسول «صلى الله عليه وسلم» في شأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن الله عز وجل جعل الحق على لسان عمر وقلبه»16، وهذه روايةٌ واردةٌ عند الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم، لكن هناك روايةٌ جميلةٌ وهي رواية الحاكم في المستدرك17 وقال صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه يعني: بهذه الطريقة أو بهذا الطريق وأقر الذهبي ذلك لكنه جعله على شرط مسلمٍ من حديث أبي ذرٍ الغفاري، واسمع ماذا يصنع أبو ذرٍ الغفاري حتى تعلم كيف كان يتعامل الصحابة مع الآحاد، أبو ذرٍ الغفاري وجد رجلًا يمر أمام عمر فقال عمر رضي الله عنه: نعم الفتى، عمر ماذا قال؟ نعم الفتى، فذهب إليه أبو ذرٍ، أبو ذرٍ أصدق الناس لهجةً، أبو ذرٍ الغفاري رضي الله عنه أصدق الناس لهجةً، قال أبو ذرٍ لهذا الشاب الفتى الذي قال عمر فيه نعم الفتى، قال له: استغفر لي، من الذي يقول لمن؟ أبو ذرٍ يقول للفتى: استغفر لي، فالتفت إليه الفتى وقال: أنا أستغفر لك وأنت أبو ذرٍ أحد أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فقال له: قلت لك: استغفر لي، فقال: لا، إلا أن تخبرني، الموضوع فيه شيءٌ، كيف أستغفر لك؟ فقال له: إني سمعت عمر بن الخطاب يقول: نعم الفتى، وقد قال الرسول: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، يعني: إذا كان عمر قد قال عنك نعم الفتى إذن أنت كذلك، انظر إلى الفقه، إلى فهمهم، إلى فطنتهم، كيف كانوا يقدرون هذا الأمر ويعرفون لبعضهم فضلًا ويعرفون لبعضهم ما آثرهم به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

تولية أبي بكر له وشأنه عند الرسول

عمر بن الخطاب قال له الرسول «صلى الله عليه وسلم» ذات مرةٍ: «إيهٍ يا ابن الخطاب، لو رآك الشيطان سالكًا فجًا لسلك فجًا غير فجك»، فما تقول في رجلٍ يسلك الشيطان فجًا غير فجه ماذا سيكون من أمره؟ لذلك فإنَّ أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه بلا منازعةٍ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتوفاه الله أمَّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه صراحةً، قال: الخليفة من بعدي عمر بن الخطاب، ولمَّا قال له بعضهم إنه غليظٌ قال: والله إن قيل لي وسئلت عن عمر فقلت: يا رب وليت عليهم خيرهم وأفضلهم وأرضاهم عندك أو كما قال رضي الله عنه، فولاه لأنه يعلم قدر عمر، يعلم قدر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

خلافته وإمارته للمؤمنين

هذا الخليفة الراشد مآثره كثيرةٌ ومناقبه كبيرةٌ، لكنني أردت في هذه الليلة أن أذكر على عجلٍ هذه المقدمة السريعة ثم يأتينا بعد ذلك طرفٌ يسيرٌ من سيرته العطرة مما كان على عهد الرسول «صلى الله عليه وسلم»، لأنَّ عمر بن الخطاب ما تخلف عن غزوةٍ واحدةٍ، ما تخلف عن غزوةٍ ولا عن مشهدٍ من المشاهد، كانت له مواقف عظيمةٌ عاليةٌ رائعةٌ وكذلك لما تولى الخلافة رضي الله تعالى عنه.

ومن الأمور الجليلة «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله تعالى عنه مكث في الخلافة إلى سنة 23، فبقي في الخلافة قرابة عشر سنواتٍ، وتوفي عمر بن الخطاب وهو ابن 63 كما توفي أبو بكرٍ وهو ابن 63 وكما توفي قبلهما رسول الله وهو ابن 63، ودفن الثلاثة في حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه عنها.

فإلى مزيدٍ من الحديث عن هذا الخليفة الراشد الذي لُقِّب بأمير المؤمنين، وقد ذكروا أنه قيل له في البداية: يا خليفة خليفة رسول الله، فقال: هذا أمرٌ يطول، كلما جاء خليفةٌ سنقول يا خليفة خليفة خليفة رسول الله، فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فلقب بأمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. أثر: لا يسلم عمر بن الخطاب حتى يسلم حمار الخطاب — الذكر في الدرس: عامر بن ربيعة ↩
  2. آية: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 41 ↩
  3. آية: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 42 ↩
  4. آية: ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ ۝ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 35-36 ↩
  5. أثر: كاد قلبي أن يطير — الذكر في الدرس: جبير بن مطعمٍ ↩
  6. أثر: ما زلنا أعزةً منذ أن أسلم عمر بن الخطاب — الذكر في الدرس: ابن مسعودٍ ↩
  7. حديث: «بينا أنا نائمٌ رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمصٌ منها ما يبلغ الثُّدِيَّ» — نسبة الشيخ: الصحيحين ↩
  8. حديث: «بينا أنا نائمٌ أتيت بقدح لبنٍ فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري» — نسبة الشيخ: الصحيحين ↩
  9. حديث: «قد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر» — نسبة الشيخ: الصحيح ↩
  10. أثر: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
  11. آية: ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 125 ↩
  12. أثر: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرت نساءك أن يحتجبن — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
  13. أثر: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن — الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب ↩
  14. آية: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ سَـٰٓئِحَـٰتٍ ثَيِّبَـٰتٍ وَأَبْكَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 5 ↩
  15. آية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 67 ↩
  16. حديث: «إن الله عز وجل جعل الحق على لسان عمر وقلبه» — نسبة الشيخ: الترمذي وابن حبان والحاكم ↩
  17. تعليق: رواية الحاكم في المستدرك — كتاب: «المستدرك». الذكر في الدرس: المستدرك. ↩

من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة