مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قطوف من حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزء الثاني

المبشرون بالجنة · الدرس 4 من 12 · 22 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وفضائله

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، وهذا هو المجلس الثاني في الحديث عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقد عرفنا في اللقاء السابق بعض فضائل عمر رضي الله عنه وبعض مناقبه مما ثبت به الخبر والدليل بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكنى بأبي حفصٍ، والحفص هو ولد الأسد، فالشبل الذي هو ولد الأسد يقال له: حفصٌ، فيلقب عمر رضي الله عنه بأبي حفصٍ، وهذا يدلك على شجاعته وعلى قوته وعلى ما عرف به واشتهر به رضي الله عنه، ﴿وَقِيلَ﴾: حفص فيه إشارةٌ إلى ابنته حفصة والعلم عند الله تبارك وتعالى.

ويلقب عمر رضي الله عنه بالفاروق، فيقال له: الفاروق لأنه بفضل الله عز وجل قويٌ في الحق يفرق بين الحق والباطل، وقد تقدم أن النبي «صلى الله عليه وسلم» ثبت عنه أنه قال: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رضي الله تعالى عنه.

هجرة الفاروق عمر رضي الله عنه ومظاهر قوته وثباته

عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجر إلى المدينة النبوية مع من هاجر من الصحابة.

وقد ذكر كثيرٌ من أهل السير قصةً مشهورةً تتعلق بهجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

مؤداها «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه سل سيفه وركب فرسه ثم أتى الكعبة فصلى لله رب العالمين وطاف بالبيت، ثم أتى إلى قريشٍ في نواديهم أو في مجالسهم.

وقال لهم: من شاء منكم أن تثكله أمه أو أن يرمل زوجته أو أن ييتم أولاده فليأتني خلف هذا الوادي ليواجهني، وإنني مهاجرٌ، يعني: من كان منكم يقدر على أن يواجهني فليأت.

والشاهد من ذلك «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه على هذه الرواية قد أعلن أنه مهاجرٌ.

والحق أن هذه الرواية لا تسلم من ضعفٍ ففيها رواةٌ مجهولون وإن كانت روايةً مشهورةً.

والأصح منها في هذا الأمر «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه تواعد هو «وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ» وهشام بن العاص، تواعدوا أن يلتقوا في مكانٍ عند أضاة بني غفار بسَرِف،

وقالوا: أينا ما تأخر فليعلم أنه قد افتُتن أو حبس، فاحتبس عنهم هشام بن العاص، فهذا ظاهرُه خلاف ما في الرواية السابقة التي فيها أن عمر هاجر علنًا وأنه تحدى المشركين في أن يواجهه من استطاع منهم.

وعلى كل حالٍ فلا ينبغي أن يقال: كيف يصنع عمر رضي الله عنه ذلك ورسولنا «صلى الله عليه وسلم» وهو أشجع الناس بأبي هو وأمي هاجر سرًا؟ الجواب عن ذلك من وجهين:

1- أما الوجه الأول فالرواية عن عمر هذه فيها ضعفٌ كما تقدم.

2- وأما الوجه الثاني فعمر رضي الله عنه رجلٌ له أن يصنع ما يشاء من إظهار قوته ومن إظهار شجاعته، وأما الرسول فهو إمام الأمة والناس تقتدي به، فكان الرسول يختار الأيسر ويختار الأرفق بالأمة صلوات ربي وتسليماته عليه، فصنع النبي «صلى الله عليه وسلم» وخروجه في السر كان من باب التيسير على الأمة والرفق بها ومن باب تعليم الأمة أن يأخذوا بالأسباب، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

الخلافة وبداية عهد الفتوحات

عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما تقدم ولاة أبو بكرٍ الصديق، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتوفاه الله عز وجل أسند أمر الخلافة بعده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولمَّا عاتبه بعض الناس في أمره عمر رضي الله عنه وكيف يولي أبو بكرٍ عمر بعده، فقال: لئن سئلت عن ذلك لأقولن: وليت عليهم أرضى أهلك إليك، يعني: أرضى أهل الأرض إلى الله عز وجل وهو عمر بن الخطاب بعد النبي وبعد أبي بكرٍ رضي الله عن أبي بكرٍ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه تولى الخلافة ولقب كما سمعتم في الدرس الماضي بأمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، ثم بعد ذلك صار الخلفاء يلقبون بهذا اللقب ﴿إِلَّا﴾ وهو لقب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه.

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه له مواقف جليلةٌ ومواقف مشهودةٌ في أمر خلافته، فإذا كانت خلافة أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه قد استمرت لمدة سنتين وثلاثة أو أربعة أشهرٍ فإنَّ خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه استمرت لقرابة عشر سنواتٍ، وهي فترةٌ مملوءةٌ بالابتلاءات والمحن والصعوبات والفتوحات، فكثيرٌ من الفتوحات وقعت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

صاحب الأوليات الكثيرة

وهو صاحب الأوليات الكثيرة، فكثيرٌ من الأوليات تنسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:

1- فمن المعلوم أن أول مَنْ جمع الناس في صلاة القيام أو التراويح في رمضان بهذه الطريقة التي يسير عليها الناس اليوم بانتظامٍ في شهر رمضان هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنَّما الذي صنعه الرسول الأكرم «صلى الله عليه وسلم» أنه صلى بالناس إمامًا ثلاث ليالٍ ثم ترك ذلك خشية أن تُفرض على الأمة.

2- وعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي أشار على أبي بكرٍ الصديق كما سمعنا في قصة أبي بكرٍ الصديق وفي سيرته، هو الذي أشار عليه بجمع المصحف حينما قتل من قتل من القراء في معركة اليمامة.

3- كذلك أول مَنْ دوَّن الديوان وصار هناك ديوانٌ للمسلمين كان في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.

تواضعه واعتزازه بالإسلام

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه منَّ الله على المسلمين ففتحوا بيت المقدس،

وذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليأخذ مفاتيح بيت المقدس بيده رضي الله تعالى عنه، فما كان منه وهو يسير في الطريق وكان عمر مشهورًا بالتواضع، فكانت لديه عزةٌ مع تواضعٍ، عزةٌ في تواضعٍ وتواضعٌ في عزةٍ، فكان عمر رضي الله عنه بينما هو يسير رضي الله عنه إذ مر على مخاضةٍ على بركةٍ، فلما مر عليها خلع خفيه أو موقيه ووضعهما تحت إبطيه ثم عبر بناقته هذه البركة أو تلك المخاضة،

فلما دخل على أهل الشام ورآه أبو عبيدة بن الجراح فقال له: يا أمير المؤمنين ما أحب أن أهل البلد استشرفوك، الناس يرونك هنا، النصارى يرونك وأنت خليفة المسلمين وأمير المؤمنين ويرونك كذلك، فقال: أوه، لو غيرك قالها يا أبا عبيدة لجعلته نكالًا لأمة محمد، إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله عز وجل عزتنا بطاعة الله وليس بأننا جئنا بطريقة كذا أو بهيئة كذا أو بمنظر كذا رضي الله تعالى عنه.

وكان عمر رضي الله عنه معروفًا بمحاسبة نفسه وكان كثيرًا ما يردد: ماذا تقول لربك غدًا يا عمر؟ ماذا تقول لربك غدًا يا عمر؟ كان كثيرًا ما يكرر ذلك.

وقد رآه بعض أصحابه وهو خلف الجدار وهو يردد: والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك الله، يقول لنفسه: لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك الله،

ولمَّا سمع بعض الناس يقرأ آيات سورة الطور من أولها حتى بلغ قول رب العزة سبحانه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾1 (الطور: 7-8) ظل يبكي بكاءً مريرًا ثم مرض وصاروا يعودونه لمدةٍ طويلةٍ رضي الله تعالى عنه.

عام الرمادة والتقويم الهجري

ثم لما جاء عام الرمادة، وعام الرمادة كان في سنة 18 من هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم»، وبالمناسبة فأول مَنْ أرخ أو أرَّخ التاريخ الهجري هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعني: الذي ابتدأ أن يكون هناك تاريخٌ يحسبون منه، جعل هذا من التاريخ الهجري، وكان هذا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فجعلوا العد والتاريخ من بداية هجرة النبي الأمين صلوات ربي وتسليماته عليه.

عام الرمادة أصيب المسلمون بمجاعةٍ شديدةٍ وقحطٍ شديدٍ، ﴿وَقِيلَ﴾ لها الرمادة لأنَّ الأرض صارت كالرماد لا تنبت لا زرعًا ولا نبتًا، فصار الناس في قحطٍ شديد، وكان أمر ذلك جليلًا وخطيرًا على قلب عمر رضي الله عنه، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرم على نفسه السمن والسمين، قال: والله لا آكل سمنًا ولا سمينًا حتى يرفع الله الضر عن الأمة، وبقي على هذا إلى أن رفع الله الكربة عن الأمة.

فتح مصر وإغاثة المدينة

وفي هذه الأثناء كان قد منَّ الله عز وجل على المسلمين بفتوحاتٍ كثيرةٍ، وكان من بين ذلك فتح مصر، ففتح مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه، كان في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وأرسل عمرو بن العاص رضي الله عنه كثيرًا من الطعام ومن الخيرات إلى المدينة النبوية في هذا البلاء الشديد الذي عصف بالمدينة إلى أن فرج الله كربها وأزال غمها بفضل الله سبحانه وتعالى.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ما هو فيه من قوةٍ وشجاعةٍ إلا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ رضي الله عنه رحيمًا رفيقًا، فقلنا إنه مع قوته كان رفيقًا رضي الله عنه، وكان يتجاوز عن المسيء.

قصة عيينة بن حصن وقوله: خذ العفو

ومن ذلك القصة الشهيرة التي أخرجها البخاري في صحيحه حينما أراد عيينة بن حصن الفزاري أن يدخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فطلب من الحر بن قيس وهو ابن أخي عيينة بن حصن، قال له: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، يعني: عيينة بن حصن يقول للحر بن قيس: لك وجه عند هذا الأمير، وكان قراء القرآن أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا، يعني: كان من أهل القرآن فكان الحر يجلس إلى عمر، فاستأذن له، فأذن له أمير المؤمنين عمر، قال له: هيه يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، وهذا ظلمٌ بين.

فعمر بن الخطاب رضي الله عنه معروفٌ عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ إمامًا في العدل رضي الله عنه، فهم عمر أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله يقول: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾2 (الأعراف: 199)، وهذا من الجاهلين فاعرض عنه.

عمر رضي الله عنه قال: والله ما تجاوزها حين تلاها، وكان وقافًا عند كتاب الله عز وجل كان عمر وقافًا عند كتاب الله، مع أنَّ عمر لو أخذه كان حقًا له لأنه لم يظلم رضي الله تعالى عنه.

عدل عمر مع أولاده في التجارة

بل إن أولاد عمر رضي الله عنه لما رحلوا إلى أبي موسى الأشعري وعادوا بما عادوا به قال لهم: لكم مالٌ هناك، مالٌ أرسله معكم إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، ما رأيكم أن تشتروا به شيئًا من بضاعةٍ ونحوها ثم بيعوها في المدينة ثم ردوا المال إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟

فلما عادوا ودخلوا على عمر بالمال وعلم أنهم قد اشتروا بذلك بضاعةً ثم إنهم اتجروا وربحوا فقال لهم عمر رضي الله عنه: ردوا المال والزيادة، كل المكسب الذي أخذتموه رجعوه، فقال له: أرأيت لو غرمنا أوليس كنا نتحمله؟ يعني: إحنا لو حصل شيءٌ والمال حصل له أي شيءٍ أو البضاعة لم تبع كنا سنتحمل ذلك.

فدخل بعض أصحاب رسول الله وبعض القضاة من أهل الفضل وقتئذٍ وحكموا بأن يضارب عمر رضي الله عنه فيأخذ أمير المؤمنين الشطر ويأخذ أولاده الشطر رضي الله تعالى عنه.

الشاهد من ذلك «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه كان معروفًا بالإمامة ومعروفًا بالعدل والصلاح والإصلاح رضي الله تعالى عنه، عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يزل بهذه الطريقة في خلافته يجمع بين العلم والدين.

علم عمر وكرامة يا سارية الجبل

وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أن الرسول رأى رؤيتين، كل رؤيةٍ من هاتين الرؤيتين تدل على أن لعمر فضلًا عظيمًا، فإحدى هاتين الرؤيتين تدل على علم عمر والأخرى تدل على دين عمر، فعمر كان قويًا في الدين وكان قويًا في العلم وهو محدثٌ ملهمٌ رضي الله عنه.

ومما ورد في هذا الأمر. قصةٌ شهيرةٌ أيضًا وهي «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه بينما هو يخطب على المنبر يخطب في الناس إذ قال فجأةً وهو في الخطبة: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، وسارية هذا كان أحد أمراء عمر رضي الله عنه إلى نهاوند في بلاد العجم، وكان المسلمون يقاتلون هنالك، فما كان من المسلمين إلا أن وقع لهم ضرٌ وكادوا يُهزمون، وكان المخرج لهم أن يتجهوا إلى الجبل ويحترزوا به، ففتح الله على عمر وكان هذا من الكرامات وهو في المدينة وسارية في نهاوند.

فقال: يا سارية الجبل، يعني: الزم الجبل، فسمع سارية وهو هنالك من ينادي عليه ويقول: الجبل الجبل، فاتجه إلى الجبل فكان النصر والتمكين، فلما عادوا أخبروا عمر وقالوا له: بلغنا أن أحدًا يقول لنا الجبل الجبل ولا ندري من هو، وكان المتكلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وهذه الرواية حكم عليها الحافظ ابن حجر بأنها حسنةٌ جيدةٌ وكذا حسنها الألباني، إلا أن فيها ما لا يخلو من مقال والعلم عند الله، فكل طرقها لا تخلو من ضعفٍ بيد أن من الأئمة من صححها، وعلى كل حال فمثل عمر رضي الله عنه ذو كراماتٍ كثيرةٍ بلا شكٍّ ولا مرية رضي الله تعالى عنه.

عمر حصن منيع في وجه الفتن

ومن مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ حصنًا حصينًا وسدًّا منيعًا في باب الفتن، حصنٌ حصينٌ، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في الصحيح سأل بعض الصحابة وقال: أيكم يحفظ قول رسول الله في الفتنة؟ من الذي يحفظ حديث النبي «صلى الله عليه وسلم» في الفتنة؟ فقال حذيفة بن اليمان: أنا كما قال، يعني: أنا أحفظه كما قاله الرسول.

فقال: إنك عليه لجريءٌ، أنت عندك جرأةٌ، فقال له: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ماذا عندك؟ فقال: قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقال عمر رضي الله عنه: لست عن هذا أسألك، أنا لا أسأل عن الفتنة التي تقع من الإنسان في أهله وفي جاره، ﴿أَنَّمَا﴾ أريد الفتنة التي تموج كما يموج البحر، الفتنة العامة الكبيرة.

فقال له حذيفة رضي الله عنه: ليس عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا.

فقال عمر رضي الله عنه: أَيُكسر أم يُفتح الباب المغلق؟ يُكسر أم يُفتح؟ قال: بل يُكسر، قال: إذًا لا يُغلق أبدًا، إذًا لا يُغلق أبدًا.

فقالوا: أوَكان عمر رضي الله عنه يعلم الباب؟ فقال: حذيفة، كما أنَّ دون الغد الليلة، إني حدثته من حديثٍ ليس بالأغاليط، قال أبو وائل: فهبنا أن نسأله فأمر مسروقًا أن يسأله، فقال: الباب عمر، الباب عمر، يعني: الماء الذي هو سدٌّ منيعٌ عن الفتن من عمر.

لذلك لما قُتل عمر رضي الله عنه فُتح بابٌ من الفتن لم يُغلق بعد، لذلك قال: أَيُكسر أم يُفتح؟ قال: يُكسر، قال: إذًا لا يُغلق أبدًا.

وسيأتي إن شاء الله ونحن نتكلم عن الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه كيف أن الفتن زادت بوجود أولئك من الخوارج والشيعة وغيرهم ممن وقع منهم ما الله به عليمٌ في الأمة الإسلامية، نسأل الله السلامة والعافية.

خوف عمر من النفاق وسؤاله حذيفة

ومع هذا كله كان عمر رضي الله عنه يخشى على نفسه ويسأل حذيفة بن اليمان، وهو صاحب سر رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وهو الذي يعرف أسماء المنافقين، الرسول «صلى الله عليه وسلم» أخبر حذيفة بأسماء المنافقين، فكان عمر يقول لحذيفة: أناشدك الله هل سماني رسول الله في المنافقين؟

عمر، عمر المبشر بالجنة الذي شهد المشاهد كلها، شهد بدرًا والرسول قال لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، الذي شهد بيعة الرضوان لن يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة، عمر يقول: هل سماني رسول الله في المنافقين؟

فقال له حذيفة: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا حتى يُغلق الماء، لأنَّ الماء باب سرٍّ.

فقال: لا، لست من المنافقين ولن أزكي أحدًا بعد، يعني: لن أجيب أحدًا على هذا السؤال المطروح، هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أهل الشورى وختام عمر رضي الله عنه، رأى أن ديكًا نقره ثلاث نقرات، فقال: ما أراه إلا حضور أجلي، إن أجلي قد اقترب رضي الله عنه.

ولما طُلب منه أن يوصي لخليفةٍ بعده فجعل ذلك في ستةٍ وهم أهل الشورى، يتخير المسلمون من هؤلاء الستة من يكون خليفةً عليهم، فاختارهم وقال: قد توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ، فمن هؤلاء الستة اختار عثمان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله «وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ» رضي الله عنه، يعني: ترك من العشرة أبا عبيدة وسعيد بن زيد.

طبعًا أبو بكر توفي، وعمر موجود، يبقى الباقي ثمانيةً، هو اختار من الثمانية ستةً باستثناء أبي عبيدة وسعيد بن زيد، لأنَّ أبا عبيدة كان قد مات، أبو عبيدة مات في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في طاعون عمواس، وكان عمر يحب أبا عبيدة حبًّا جماً وكان من أكثر الناس قربًا لعمر بن الخطاب، أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة، وكان يرى أنه لو كان أبو عبيدة حيًّا لولاه على المسلمين.

وأما سعيد بن زيد فقالوا لأنه زوج أخت عمر فلم يرضَ عمر أن يبقى سعيد بن زيد في الستة، مع أنَّه أهلٌ لذلك، يعني: سعيد بن زيد زوج فاطمة أخت عمر، فأبعد سعيد بن زيد عن أن يكون من أهل الشورى الستة، مع أنَّه من المبشرين بالجنة وهو أهلٌ أن يكون وليًّا على المسلمين، لكنه التجرد التام منهم رضي الله عنهم.

يا أيها الإخوة الكرام، بقي لنا حديثٌ فيما يتعلق بختام حياة عمر رضي الله عنه وكيف طعنه أبو لؤلؤة المجوسي، وكان من شأن عمر رضي الله عنه، نتحدث عن ذلك في الدرس المقبل بإذن الله تبارك وتعالى.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٌ مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 7-8 ↩
  2. آية: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 199 ↩

من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)

دروس مشابهة