مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (الأحنف بن قيس) رحمه الله

أولئك أبائي · الدرس 4 من 16 · 10 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة مجلس سلسلة أولئك آبائي والانتقال إلى سيرة الأحنف بن قيس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ: فما زال حديثنا موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، مع هذه السلسلة الجديدة

سيرة الأحنف بن قيس

ونحن اليوم على موعد مع تابعي جليل يُضرب به المثل في الحلم والسؤدد، إنه أبو بحر التميمي الأحنف بن قيس رحمه الله رحمة واسعة قد ذكروا في ترجمة الأحنف أنه أسلم في حياة النبي «صلى الله عليه وسلم» ووفد على عمر رضي الله تعالى عنه فهو تابعي جليل له قدره وله فضله، وكما قلت: عُرف بالحلم فيضرب به المثل في هذا الأمر. الأحنف بن قيس رحمة الله له كلمات جليلة وله مواقف نبيلة

من مواقفه: رجلٌ قال له: لئن قلت لي كلمة لأردنَّ عليك بعشر كلمات أي: في

رجلٌ قال له: لئن قلت لي كلمة لأردنَّ عليك بعشر كلمات، أي: في العتاب والسب والذم وما إلى ذلك فرد عليه الأحنف فقال: «أما أنت إن كلمتني عشر كلمات لم تسمع مني واحدة».

إن كلمتني بعشر كلمات لم تسمع مني واحدة. وهو في ذلك

ي1قتدي بقول الله سبحانه وتعالى

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ (الفرقان: 63)

وذلك

في وصف عباد الرحمن.

ونحن كذلك في صيامنا، أعلمنا نبينا محمد ﷺ أن امرأً سابَّه أو شاتمه -وفي لفظ: أو قاتله- فليقل: «إني امرؤ صائم» «يخاطبني السفيه بكل قبح .. فأكره أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهة فأزيد حلمًا .. كعود زاده الإحراق طيبا» «إذا نطق السفيه فلا تجبه .. فخير من إجابته السكوتُ

إن كلمته فرّجت عنه .. وإن خليته كمدًا يموتُ» الأحنف بن قيس رحمة الله تعالى كان حليمًا حكيمًا في تعامله مع الناس حتى إن رجلًا تعجب من مكانته وقدره مع أنَّه ليس ذا مال وليس ذا منصب. فقال له: بِمَ سُدْتَ؟ يعني: بما صرت سيدًا بين الناس وأنت دون ذلك فيما يتعلق بأمور الدنيا هكذا يظن فقال له بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. يعني: هذا ما الذي يفيدك منه ولماذا تتجاهل وتكره أن أكو2ن سيدًا ﴿أَنَّمَا﴾ نلت ذلك بترك ما لا يعنيني ومع ذلك فقد كان رحمة الله تعالى ذا عبادة وورع. وكان يكثر من قيام الليل، ثم يضع أصبعه على المصباح أو يقربه من المصباح. ويقول لنفسه حسّي حسّي، يعني: يشعر بشيء من الألم كما نقول نحن بلغتنا آه حينما يشعر الإنسان بالألم ثم يقول ما حملك يا أحنف على أن صنعت كذا يوم كذا يحاسب نفسه وهو في ذلك

يذكرنا بقول الله جل ذكره

.

من مقولاته — يقول: العجب من ابن آدم قد جرى في مجرى البول مرتين ثم

يقول العجب من ابن آدم قد جرى في مجرى البول مرتين. ثم يتكبر، ولذلك

ربنا قال

﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ (عبس: 17–22)

الأحنف بن قيس كان يكثر من الصيام فلما كَبِرَ سنُّه ووهَن عظمه قيل له هون على نفسك فقال: إني أعده لسفر طويل فهو يتقرب إلى الله عز وجل بصيامه ليس بصيام الفريضة فحس3ب وإنَّما يتبع ذلك أيضًا بصيام النوافل تقربًا إلى الله سبحانه وليكون زادًا له يوم القيامة

والله قال

﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾4 (البقرة: 197)

ومن كلماته الجميلة الجليلة أيضًا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقول إني لأكره الرجل يكون وصَّافًا لفرجه وبطنه أكره أن يذكر في مجلسي كلمة الحديث عن النساء وعن الطعام5 للأسف الشديد كثير من الناس. إذا جلسوا في سمر أو إذا راسل بعضهم بعضًا عن طريق التواصل الاجتماعي يكثر أحدهما من الحديث عن الطعام حتى إنك لتعجب في وسائل التواصل الاجتماعي تجد المرأة كلما صنعت طعامًا تضعه ليراه الناس ولينظر ماذا صنعت مع أنَّه أمر ليس بعجيب ولا بغريب، أعني من حيث الصنعة لكن الغريب والعجيب هو صنيعها فكل شيء مما هو مغلق في البيت. ومما هو من أمور البيت لا ينبغي أن يكشف إذ لم تكن حاجة إلى ذلك فهو يكره أن يكون الرجل وصَّافًا لبطنه بالحديث عن الطعام والأكلات إذا لم يكن ثَمَّ داعٍ لا يكون هذا همَّه في مجلسه والأمر الثاني: أن يكون وصَّافًا لفرجه فبعض الناس. أيضًا للأسف الشديد يكثر من الحديث عن المرأة وعن النساء وعن الجماع وما إلى ذلك هكذا يعلمنا الأحنف بن قيس رحمة الله تعالى وأيضًا من كلماته الجميلة الجليلة أنه قال ما نازعني أحد من الناس إلا نظرت في أمره فجعلته على أحد ثلاثة أطباق أو أحوال. يعني: ينظر إلى مَن يقع بينه وبينه نزاع قال فإمَّا أنه فوقي. يعني: أعلى مني قدرًا فأعرف له قدره وَإِمَّا أَنَّهُ دُونِي فَحِينَئِذٍ رَفَعْتُ قَدْرِي عَنْهُ وَإِمَّا أَنَّهُ مِثْلِي فَتَفَضَّلْتُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمُنَازَعَةِ. وهذا معنى جميل ونظمه بعضهم في أبيات فقال: سأُلزِمُ نفسي الصفحَ عن كلِّ مُذْنِبٍ وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ إِلَيَّ الْجَرَائِمُ وَمَا النَّاسُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ شَرِيفٌ وَمَشْرُوفٌ وَمِثْلٌ مُقَاوِمُ فَأَمَّا الَّذِي فَوْقِي فَأَعْرِفُ قَدْرَهُ وَأَتْبَعُ فِيهِ الْحَقَّ وَالْحَقُّ لَازِمُ وَأَمَّا الَّذِي دُونِي فَإِنْ قَالَ صَمَتُّ عَنْ إِجَابَتِهِ. هذا والأحنف بن قيس رحمة الله تعالى كان من دعائه اللهم إن تغفر لي فأنت أهل لذلك وإن تعذبني فأنا أهل لذلك فهو يتضرع إلى الله عز وجل بافتقاره وأنه معترف لربه سبح6انه بأنه مذنب مقصر لولا أن تتداركه رحمة الله سبحانه وتعالى وأيضًا رحمة الله من مقولاته الجيدة ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقول الكامل من عُدَّت سقطاتُه وبذلك يعلم أنَّ الإنسان بشر ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ويخطئ وأنه لا يسلم أحد فمن ذا الذي ما أساء قط ومن له الحُسنى فقط

وهو بذلك يفرق بين زلة وانحراف وبين خطأ وضلال إلى غير ذلك من مقولاته الجميلة الجليلة رحمة الله تعالى رحمة واسعة والعجيب أنه قيل له الأحنف مع أنَّ اسمه ضحاك أو صخر وهو أبو بحر التميمي لكن قيل له الأحنف لحنفٍ، أي ميلٍ في رجليه. فكان معروفًا بذلك بل وصفوه فقالوا كان باخس العينين. يعني: منخسف العينين ناتئ الوجنتين وذهب بصره. كذلك حتى إن بعض أقاربه اشتكى وجعًا في ضرسه فقال له ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما شكوتها لأحد.

من مقولاته — ﴿أَنَّمَا﴾ تقرب إلى الله سبحانه بطاعته واستقامته واعترافه بأن

﴿أَنَّمَا﴾ تقرب إلى الله سبحانه بطاعته واستقامته واعترافه بأن الله ذو الفضل والإكرام والمن والإحسان.

هذا هو الأحنف بن قيس الذي تربى على يد أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ورضي الله عنهم أجمعين. ونسأل الله أن يلحقنا بالصالحين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. تعليق: لعتاب والسب والذنب وما إلى ذلك فرد عليه الأحنف، فقال: «وأما أنت إن كلمتني عشر كلمات لم تسمع مني واحدة». إن كلمتني بعشر كلمات لم تسمع مني واحدة. وهو في ذلك ي — قول: «وأما أنت إن كلمتني عشر كلمات لم تسمع مني واحدة». الذكر في الدرس: الأحنف بن قيس. ↩
  2. تعليق: وأنت دون ذلك فيما يتعلق بأمور الدنيا هكذا يظن فقال له بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. يعني: هذا ما الذي يفيدك منه ولماذا تتجاهل وتكره أن أكو — قول: «بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك». الذكر في الدرس: الأحنف بن قيس. ↩
  3. تعليق: سنُّه ووهَن عظمه قيل له هون على نفسك فقال: إني أعده لسفر طويل فهو يتقرب إلى الله عز وجل بصيامه ليس بصيام الفريضة فحس — قول: «إني أعده لسفر طويل». الذكر في الدرس: الأحنف بن قيس. ↩
  4. آية: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 197 ↩
  5. تعليق: ومن كلماته الجميلة الجليلة أيضًا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقول إني لأكره الرجل يكون وصَّافًا لفرجه وبطنه أكره أن يذكر في مجلسي كلمة الحديث عن النساء وعن الطعام — قول: «إني لأكره الرجل يكون وصافًا لفرجه وبطنه». الذكر في الدرس: الأحنف بن قيس. ↩
  6. تعليق: تِهِ. هذا والأحنف بن قيس رحمة الله تعالى كان من دعائه اللهم إن تغفر لي فأنت أهل لذلك وإن تعذبني فأنا أهل لذلك فهو يتضرع إلى الله عز وجل بافتقاره وأنه معترف لربه سبح — قول: «اللهم إن تغفر لي فأنت أهل لذلك وإن تعذبني فأنا أهل لذلك». الذكر في الدرس: الأحنف بن قيس. ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63

من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)

دروس مشابهة