09- قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وبداية دعوته إلى الإسلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة في رحاب السيرة النبوية، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع هذه المرحلة التي مرت بها الدعوة الإسلامية، حينما كان المسلمون يستخفون بإسلامهم، وكان النبي «صلى الله عليه وسلم» يسرّ بدعوته إلى الناس، فيدعو هذا إلى الله ويدعو هذا إلى الله، فيدخل هذا في الإسلام ويدخل هذا في الإسلام، إلى أن جهر النبي «صلى الله عليه وسلم» بدعوته، وبلغت دعوته بفضل الله هنا وهنالك، وكتب الله لها القبول، لأنَّ دينه هو دين الإسلام الذي ارتضاه الله جل وعلا ولم يرتضِ دينًا غيره، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾1 (آل عمران: 19).
تحدثت إليكم في اللقاء السابق عن إسلام بعض الصحابة رضي الله عنهم واعتناقهم هذا الدين، مع أنَّهم جاؤوا إلى الرسول «صلى الله عليه وسلم» مختفين، لكنهم أسلموا لله رب العالمين، فذكرنا قصة ضماد رضي الله تعالى عنه، وكذلك ذكرنا قصة عمرو بن عبسة رضي الله عنه، وكذلك من هؤلاء الذين دخلوا في هذا الدين المبارك وكان لهم شأنٌ فيه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه.
وأبو ذر الغفاري من قبيلة غفار، وهذه القبيلة، كما قال أبو ذر نفسه رضي الله عنه، كما في رواية مسلم من حديث عبد الله بن الصامت رضي الله عنه، يقول أبو ذر رضي الله عنه: إنهم كانوا يُحلّون الشهر الحرام، كانوا يُحلّون الشهر الحرام، فالمشركون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كان لهم تعظيمٌ للأشهر الحرم، فكانوا يعظمونها، وإن كان يقع منهم ما يقع من النسيء الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ﴾2 (التوبة: 37)، فكان المشركون يحترمون أشهر الحج، لكن إذا ضاق عليهم الأمر وأرادوا قتالًا أخّروا شهرًا وقدّموا شهرًا، لكنهم في بداية الأمر وفي نهايته يعلنون تعظيمهم للأشهر الحرم، وكانت قبيلة غفار تُحلّ أشهر الحج، هذا ينبئك عن طبيعة هذه القبيلة، لكن خرج منها أبو ذر الغفاري رضي الله عنه الذي كان سببًا في إسلام قبيلته كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
روايات قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه
والحقيقة أن إسلام أبي ذر رضي الله عنه
وردت فيه روايتان:
إحداهما عند البخاري من طريق أبي جمرة عن ابن عباس رضي الله عنهما، والرواية الأخرى أخرجها مسلمٌ في صحيحه من حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه، والقصتان بينهما اختلافٌ ربما يقال إنه كبيرٌ أو قليلٌ، فذهب بعض العلماء إلى أن بعضهم حفظ ما لم يحفظه الآخر، فهذا ذكر شيئًا وهذا ذكر شيئًا، إلا أن الروايتين مختلفتان، والعلم عند الله تبارك وتعالى، لكن فيهما من الفوائد الشيء الكثير لا يتسع المقام لذكرهما واستقصاء ما فيهما من فوائد، لكنني أسوقهما مساقًا قريبًا حتى يتضح لنا الأمر ونعرف كيف كان حال الدعوة في مهدها وفي بدايتها، وكيف كان هؤلاء يقبلون على الله وعلى دين الله سبحانه وتعالى فيدخلون في دين الله عز وجل.
ففي رواية البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ﴿إِلَّا﴾ أخبركم بإسلام أبي ذر قال: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: بلى - يقول أبو جمرة: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ بلى، يعني: أخبرنا عن إسلام أبي ذر - فقال أبو ذر رضي الله عنه: كنت رجلًا من غفار، أبو ذر يقصّ علينا قصة إسلامه فيقول: كنت رجلًا من غفار، لأنه كما قلت: هو أبو ذر الغفاري، وأبو ذر هذه كنيته، وقد اختُلف في اسمه، والذي عليه الكثيرون أنه جندب بن جنادة الغفاري رضي الله تعالى عنه.
قال: فبلغنا أن رجلًا بمكة قد ظهر يزعم أنه نبيٌّ «يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ»، فقلت لأخي - وجاء في رواية مسلم تسمية هذا الأخ، وأنه يقال له: أنيس، إذًا أخو أبي ذر يقال له: أنيس - فقال أبو ذر رضي الله عنه: لأخيه: انطلق إلى هذا الوادي - يقصد بالوادي هنا مكة - قال: انطلق إلى هذا الوادي واذهب إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ «يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ»، فاسمع منه واجلس إليه، ثم ائتني وأخبرني بخبره، أنا أريد منك أن تذهب إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه محمدٌ «صلى الله عليه وسلم»، وفي بعض الروايات قال: فاعلم لي علمه «وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ» ثم ائتني بخبره.
إرسال أبي ذر أخاه أنيسًا ليستطلع خبر النبي
فانطلق أخوه الذي هو أنيس، فلقي النبي «صلى الله عليه وسلم» وسمع منه، ثم عاد إلى أخيه، فقال له أبو ذر رضي الله عنه: ماذا وجدت؟ ماذا عندك؟ ما الذي عندك؟ ما الذي سمعته من هذا الرجل؟ فقال له: والله لقد سمعت رجلًا يأمر بالخير ومكارم الأخلاق وينهى عن الشر، ما يقول شعرًا، يعني: هذا الرجل الذي هو محمدٌ «صلى الله عليه وسلم» سمعته فوجدته يأمر بالخير وبمكارم الأخلاق وينهى عن الشر، وقوله: ليس بشعرٍ.
في رواية مسلم، وهي روايةٌ مختلفةٌ بعض الشيء، بل كثيرًا مما فيها يختلف عن رواية البخاري، لكن المؤدى واحدٌ، وهو بيان إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، فيها أن أبا ذر رضي الله عنه كان يصلي لله، حتى إنه قال لابن أخيه - يقول لعبد الله بن الصامت -: يا ابن أخي، لقد كنت أصلي ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ألقى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بثلاث سنين، فقال له: لمن تصلي؟ قال: أصلي لله، يعني: أبو ذر الغفاري كان على الفطرة يصلي ويتوجه لله دون أن يعرف كيفية الصلاة، لكنه يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، فقال: كيف تتوجه؟ يعني: تستقبل ماذا؟ قال: أتوجه حيث وجّهني ربي، فأصلي عشاءً - يعني: أصلي بالليل - حتى إذا كان آخر الليل نمت كالخفاء - يعني: مثل الكساء - حتى تعلوني الشمس، يعني: يظل يصلي من الليل ثم ينام إلى أن تطلع الشمس رضي الله عنه، هذا كان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يعرف الرسول عليه الصلاة والسلام.
فلما لقي أنيسٌ رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في رواية مسلم قال له: لقد لقيت رجلًا يعبد الله كما تعبد، رجلٌ على نفس المنهج الذي أنت عليه، يصلي لله ونحو ذلك، يزعم أنه نبيٌّ، يقولون عنه: شاعرٌ، ساحرٌ، كاهنٌ، والله ما هو بساحرٍ،
والله لقد عرضت كلامه على أقراء الشعر فإنَّه لا يلتئم على أحدٍ بعدي، والله إنه لصادقٌ وإنهم لكاذبون - من الذي يقول هذا الكلام؟ أنيسٌ أخو أبي ذر، في رواية البخاري ليس فيها هذا، لكن فيها أنه قال: إن الرجل يأمر بالخير ومكارم الأخلاق وينهى عن الشر،
فقال له: لم تشفني، لم تشفني، ولم تشفِ ما أريد من خبرٍ عنه، يعني: أنت لم تشفِ غليلي، أنا أريد أن أعرف كل شيءٍ يتعلق بهذا الرجل، أنت أخبرتني كلامًا مجملًا.
رحلة أبي ذر إلى مكة وما لقيه من أذى في سبيل البحث عن النبي ﷺ
فأراد أن يخرج أبو ذر رضي الله عنه بنفسه ليذهب إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» ليسمع منه حتى يعرف حقيقة أمره صلوات الله وتسليماته، فأخذ معه جرابًا - أخذ معه جرابًا يأخذ معه الزاد - فأخذ معه جرابًا وعصًا، وفي روايةٍ: وأخذ معه شنّةً من ماءٍ، قربةً من ماءٍ، يعني: رجلٌ أخذ الزاد معه ويذهب للنبي «صلى الله عليه وسلم» قال: حتى قدمت على مكة، قال: فلا أريد أن أسأل عنه، أو أكره أن أسأل عنه، وأريد أن أعرف خبره، يعني: أبو ذر يريد أن يعرف أخبار النبي «صلى الله عليه وسلم» ولا يريد أن يسأل أحدًا، لماذا لا يريد أن يسأل أحدًا؟ لأنه في هذا الوقت كانت هناك شدةٌ كبيرةٌ على من يُعلَم إسلامه لله رب العالمين، فلو أنَّ أبا ذر قال: أريد محمدًا، لأوجعوه ضربًا ولصنعوا به كذا وكذا، فهو يريد أن يسأل عن الرسول لكن لا يريد أن يسأل أحدًا، يريد أن يصل إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» دون سؤالٍ، لكن جاء في رواية مسلم ما يخالف ذلك - يعني: ليس فيه مثل ذلك - لذلك بعضهم قال: لعل ما وقع في مسلم كان في بداية الأمر، ثم بعد ذلك جاء ما جاء في رواية البخاري، أو العكس، يعني: كانت مرحلةً من المراحل في نظر أبي ذر ومحاولة وصوله إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
فجاء في رواية مسلم: فتضعّفت رجلًا منهم، يعني: وجدت رجلًا ضعيفًا، والضعيف تُؤمَن غائلته، يعني: ضعيفٌ لن يضربني، فتضعّفت رجلًا منهم فقلت له: أين هذا الرجل الذي يقولون عنه الصابئ يعني: أقول له: الرجل الصابئ هذا أين؟ الصابئ يعني: الذي ترك دينه، ترك دينه ودين آبائه، فالنبي «صلى الله عليه وسلم» كانوا يسمونه في هذا الوقت بماذا؟ بالصابئ، يعني: إنسانٌ شرد، ترك دينه ودين آبائه، وهو الرسول إمام الهدى عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان أبو لهب يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، كلما دعا رسول الله قومًا قال لهم: لا تسمعوا إلى هذا الصابئ، وهذا أشدّ ما يكون: أن عمّ الرجل يسير خلفه يصدّ عن دين الله سبحانه وتعالى.
فلما قال للرجل الضعيف وهو يسأله عن الصابئ، فالتفت إليه وقال له: الصابئ! يعني: أنت تسأل عن الصابئ؟ فماذا كان؟ فاجتمع عليه أهل الوادي، فلم يزل يضربونه بكل مدرٍ وعظمٍ، قال: حتى خررت مغشيًّا عليّ، يعني: أول ما قال كلمة الصابئ مال عليه أهل الوادي، قال: فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرٍ وعظمٍ حتى خررت، حتى خررت مغشيًّا عليّ، قال: فارتفعت حين ارتفعت، يعني: لما بدأ يفوق رضي الله تعالى عنه ويستقر من هذا الذي أصابه، قال: كأني نصبٌ أحمر، خشبةٌ حمراء، والنصب في الأصل هي الأنصاب، وهي الأصنام التي كانوا يذبحون إليها ويتقربون بها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، فإذا تقربوا وذبحوا إليها لطخوها بالدماء، فيتحول هذا الصنم أو هذا الخشب إلى دماءٍ، وأبو ذر من كثرة الدماء صار كأنه نصبٌ أحمر، قال: فأتيت ماء زمزم فاغتسلت به وشربت منه، يعني: بدأ يغسل جسده ويشرب منه.
عليٌّ رضي الله عنه يرشد أبا ذر إلى رسول الله ﷺ
أما في الرواية الأخرى التي هي رواية البخاري، أنه بدأ ينتظر لا يكلم أحدًا، فيظل يتعبد ويصلي، أو يتعبد في المسجد الحرام حتى يأتي الليل، ويشرب من ماء زمزم حتى يأتيه الليل، والطعام الذي معه إلى أن نفِد، قال: فمرّ بي عليٌّ رضي الله عنه - وعليٌّ في هذا الوقت كان شابًا صغيرًا -
فقال له: كأن الرجل غريبًا، عليٌّ رضي الله عنه حينما رأى أبا ذر وهو في هذا الوقت بالليل في المسجد الحرام، قال: كأنَّ الرجل غريبٌ،
فقال له: نعم، قال: فانطلق معي، فانطلق معه إلى منزله، والمعنى أنه بات عند عليٍّ رضي الله عنه، يعني: عليٌّ ضيّفه، أخذه ضيفًا عنده، فلما أصبح غدا إلى المسجد فصنع مثل ما صنع، ولا يرى رسول الله - أو لا يراه رسول الله - حتى أمسى، وهو في هذا ينتظر أن يأتي الرسول إلى الكعبة إلى المسجد الحرام يرى الرسول، لم يرَ الرسول عليه الصلاة والسلام.
فجاء عليٌّ رضي الله عنه فوجده كما هو، لم يذهب إلى أحدٍ، فقال: أما نال الرجل ما يريد أو: أما نال الرجل منزلة الذي يريده قال: يعني: إلى الآن المكان الذي تريد أن تذهب إليه لم تجده
قال: لا. في الرواية أنه لم يسأله عليٌّ عن خبره ولا يخبره أبو ذر بشيءٍ،
وهذا من كرم ومن فقه عليٍّ رضي الله عنه، أن عليًّا لما أخذه ضيفًا لن يسأله: أنت جئت هنا لماذا؟ وما موضوعك؟ وما مشكلتك؟
لا، ضيّفه ونام عنده وتركه إلى الصباح، فلما وجده في الليلة الثانية يقول: أما نال الرجل بيته أو منزلة الذي يريد قال: لا، فأخذه فصنع به مثل ما صنع،
جاء في بعض الروايات أن هذا صُنع ثلاث مراتٍ، يعني: في ثلاث ليالٍ، فلما كانت الثالثة قال عليٌّ رضي الله عنه: أما آن لك أن تخبرني ما الذي جاء بك؟ إلى هذه البلدة، أو إلى هذا البلد يعني: ما خبرك؟ ما الذي أقدمك؟ وما الذي جعلك تأتي إلى هذا البلد
فقال له: أخبرك على أن تعاهدني ﴿إِلَّا﴾ تخبر أحدًا بشأني، يعني: أن تكتم عني، على أن تكتم عني هذا الأمر، وأخذ عليك العهد والميثاق أن ترشدني،
قال له: أفعل، يعني: قال له: أنا سأخبرك، لكن عليك العهد والميثاق أنك تكون مرشدًا لي بحقٍّ وأن تكتم أمري، فقال له: بلغنا أن رجلًا ظهر بمكة يزعم أنه نبيٌّ، فأرسلت أخي ليعلم لي خبره، فأخبرني عنه ولم يشفني منه، فجئت لأنظر في أمر هذا الرجل، فقال له عليٌّ: سبحان الله، هذا توفيقٌ، يعني: لو لقي رجلًا آخر ما حقق أمله، لكن الله وفقه لعليٍّ رضي الله تعالى عنه، فقال له: قد بلغت رشدك، هذا هو الرشد حقًا، والله إنه رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فإذا كان من الغد فإنَّ هذا وجهي فاتبعني، أنا سأتجه إلى الرسول وأنت سر ورائي، فإنَّ هذا وجهي فاتبعني، وادخل مدخلي - يعني: المكان الذي أدخل منه ادخل ورائي - فإذا أنا رأيت أحدًا أخاف عليك «قُمْتُ إِلَى الْحَائِطِ» «كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي»، وفي روايةٍ: أو كأني أريق ماءً، يعني: أنا إذا خفت من أحدٍ أنه سيسأل ويقول: من مع عليٍّ لأنَّ عليًّا معروفٌ بأنه متابعٌ للنبي «صلى الله عليه وسلم»،
فإذا رأى رجلًا يخاف على أبي ذر منه، يقف عند الحائط كأنه يصلح النعل ويُقوِّم، وحينئذٍ أبو ذر ينطلق ويتقدم، أو كأنه رضي الله تعالى عنه يُقوِّم بالتبول، يعني: كأنه يحدث ماءً، فحينئذٍ يتقدم،
قال: ثم انطلق، فإذا سرت فسر خلفي، وإذا دخلت فادخل مدخلي، حتى دخل على النبي «صلى الله عليه وسلم»، فدخل عليه أبو ذر رضي الله عنه.
إعلان أبي ذر إسلامه وجهره بالحق في مكة
فقال: يا رسول الله، أعرض عليّ الإسلام - أو قال: أعرض عليّ الإسلام - فعرض عليه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» الإسلام فأسلم في المجلس، لم يتردد، أسلم في المجلس، ثم قال له النبي «صلى الله عليه وسلم»: يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، اكتم هذا الأمر، يعني: اكتم إسلامك، اكتم هذا الأمر «وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ» وقومك، فأخبرهم بهذا أمري - أو فأخبرهم بأمري - فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، إذا بلغك أننا قد ظهرنا وقويت شوكة الإسلام تعال وأقبل،
فقال أبو ذر: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ» لألقينّ بها بين أظهرهم - وفي لفظٍ قال له: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ»، يقول: لأصرخنّ بها بين أكتافهم، أو قال: بين أظهرهم - يعني: أنا سأقول أمام مكة كلها إنني «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ».
واستفاد بعض العلماء من ذلك، كما ذكر الحافظ ابن حجر، أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» حينما قال له: اكتم هذا الأمر، كان على سبيل الشفقة، ليس أمرًا واجبًا، لأنه لو كان واجبًا ما كان لأبي ذر أن يخالف، لكن الرسول كان مشفقًا على أبي ذر.
فقدم أبو ذر على أهل مكة، وقدم على المسجد الحرام، وقريشٌ في المسجد، فقال لهم: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال: فاجتمعوا عليّ فضربوني، قال: فضربوني لأموت، يعني: ضربٌ موتٍ، حتى أضجعوني، فجاء إليّ العباس عم النبي «صلى الله عليه وسلم» فأكبّ عليّ، فقال لهم: أما تعرفون - ويحكم، ويلكم - أما تعرفون أنه من غفار، وأنها طريقكم وطريق تجارتكم إلى الشام، تمرّون على غفار، فأقلعوا عني، يعني: أن العباس بن عبد المطلب عم النبي «صلى الله عليه وسلم» قال لهم: ويحكم، كيف تضربون أبا ذر؟ أبو ذر هذا من غفار، قبيلة غفار، وقبيلة غفار ستغضب - لمن ستغضب؟ لأبي ذر - وغفار في الطريق بينكم وبين الشام، وكان بعضهم معروفًا بقطع الطريق، يعني: سيقطعون الطريق عليكم، فحينئذٍ أقلعوا عنه.
فلما كان من الغد قام أبو ذر رضي الله عنه في مكة في المسجد وقريشٌ فيها، يقول لهم: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقاموا، قالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فضربوه حتى أضجعوه، حتى تمالوا - أو اجتمع - عليه، فجاء العباس رضي الله عنه فأكبّ عليه وقال لهم نفس المقالة، فتركوه، وكذلك في الثالثة وهو يصنع ذلك لا يتردد رضي الله تعالى عنه.
فضائل ماء زمزم وتكليف أبي ذر بدعوة قومه
أما في رواية مسلم ففيها مشهدٌ آخر، وهو أن أبا ذر رضي الله عنه بقي ثلاثين ما بين ليلٍ ونهارٍ لا يطعم طعامًا ولا يأكل أكلًا إلا ما يصنع من شرب ماء زمزم، بقي ثلاثين، بقي ثلاثين ما بين يومٍ وليلةٍ يظل في مكة ليس له طعامٌ ولا شرابٌ إلا ماء زمزم، قال: حتى تكسّرت عُكن بطني، يعني: طيّات البطن، قويت من ماء زمزم، سبحان الله، قال: حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوعٍ، يعني: لا أجد رقة الجوع ولا ضعف الجوع، تلاقي الإنسان عنده هزالًا لا من ماء زمزم لمدة ثلاثين يومًا.
قال: حتى مرّ رسول الله - ذكر قصةً فيها إساف ونائلة، الشاهد فيها أنه رأى الرسول «صلى الله عليه وسلم» يطوف بالبيت، فلما رآه يطوف بالبيت قال: السلام عليك يا رسول الله، قال: فكنت أول مَنْ حيّا بتحية الإسلام، يعني: هو الذي بدأ الرسول مباشرةً بالسلام عليك يا رسول الله، والشاهد في القصة أيضًا أن الرسول سأله حينما أخبره أنه منذ ثلاثين ما بين يومٍ وليلةٍ وهو ماكثٌ في مكة، قال: فأين كنت تطعم فقال له: من ماء زمزم، فقال له الرسول «صلى الله عليه وسلم»: إنها مباركةٌ، إنها طعام طُعمٍ، إنها طعام طُعمٍ، هناك روايةٌ ليست في مسلم: وشفاء سقمٍ، وشفاء سقمٍ، هذه ليست في مسلم لكنَّها عند البزار وعند الطيالسي في مسنده، وهي روايةٌ حسنةٌ ولها جملةٌ من الشواهد أن ماء زمزم طعام طُعمٍ وشفاء سقمٍ بإذن الله تبارك وتعالى.
الشاهد في الرواية الأخرى، رواية مسلم، أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» قال لأبي ذر: إني قد وُجّهت لي أرضٌ ذات نخلٍ، لأنَّ الرسول رأى رؤيا أنه سيهاجر إلى المدينة، وظاهر رواية مسلم أن مجيء أبي ذر إلى الرسول كان متأخرًا بعض الشيء، مع أنَّ ظاهر رواية البخاري أن هذا كان متقدمًا بعض الشيء، فبعضهم حاول الجمع بطرقٍ متعددةٍ، هذا له مقامٌ آخر في الجمع بين الأحاديث، الشاهد أنَّه قال له «صلى الله عليه وسلم»: إني قد وُجّهت لي أرضٌ ذات نخلٍ، ولا أراها إلا يثرب، ولا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلّغٌ عني قومك تأمل هذه العبارة، الرسول ماذا يقول لأبي ذر؟ فهل أنت مبلّغٌ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم عبارةٌ جليلةٌ، يقول له: فهل أنت مبلّغٌ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم ففعل أبو ذر.
ثمرات دعوة أبي ذر وإسلام قومه
فلما رجع إلى أخيه قال له أنيسٌ: ما صنعت؟ قال له: آمنت وصدّقت، فقال: ما بي غنى عن دينك، أو لست تاركًا دينك، ﴿أَنَّمَا﴾ أنا معك على هذا، فأسلم أخوه، ثم ذهبا إلى أمهما فأخبراها فأسلمت الأم، ثم أخبر قبيلة غفار فأسلم نصفها، نصف قبيلة غفار أسلمت، وقال النصف الآخر: نُسلم إذا قدم محمدٌ المدينة، فلما قدم رسول الله «صلى الله عليه وسلم» المدينة أسلمت غفار، قبيلة غفار التي كانت تُحلّ الشهر الحرام، التي كانت تقطع الطرق، أسلمت، هذا بفضل الله، وكانت دعوةً من دعوة أبي ذر الغفاري.
ليس هذا فقط، العجيب أن رسول الله لما قدم المدينة قدمت قبيلةٌ أخرى، ولذلك قال الرسول «صلى الله عليه وسلم» في شأن غفار: غفار غفر الله لها، جاءت قبيلة أسلم فقالت: يا رسول الله، نُسلم على ما أسلم عليه إخواننا من قبيلة غفار، فأسلمت، أسلمت لله، فقال الرسول: غفار غفر الله لها، «وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ»، فأسلمت القبيلتان، وهذا ببركة دعوة رسول الله لأبي ذر الغفاري وإقبال أبي ذر الغفاري على دعوة النبي «صلى الله عليه وسلم» ودخوله في دين الإسلام.
انظروا، يا أيها الإخوة الكرام، هذا رجلٌ مباركٌ، يصبر كل هذا الصبر، يُضرب حتى يصير كأنه نصبٌ أحمر، يصبر لمدة ثلاثين ما بين يومٍ وليلةٍ لا يأكل طعامًا ولا يشرب شرابًا إلا ما كان من ماء زمزم، العجيب أن أبا بكر الصديق قال للرسول «صلى الله عليه وسلم» في رواية مسلم: يا رسول الله، دعه ضيفًا لي الليلة، خلاص يبقى ضيفي، يعني: واحدٌ بقي ثلاثين يومًا لا يشرب إلا من ماء زمزم، فأطعمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من زبيب الطائف، قال: وكان هذا أول طعامٍ أطعمه بعد ثلاثين، سبحان الله، فهذا كله من فضل الله يدلك على الصبر والثبات الذي كان عليه الأصحاب رضي الله عنهم.
وللحديث بقيةٌ بإذن الله، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 19 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَـٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 37 ↩
من سلسلة: في رحاب السيرة النبوية (10 درسًا)