مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

10- قصة إسلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

في رحاب السيرة النبوية · الدرس 2 من 10 · 25 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من السابقين إلى الإسلام وأول مَنْ جهر بالقرآن

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة في رحاب السيرة النبوية، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع دعوة رسولنا محمد «صلى الله عليه وسلم» واستجابة الناس له «صلى الله عليه وسلم» وهو يدعوهم سرًا ويدعوهم في أول الأمر، وقد ذكرت لكم في اللقاءات السابقة بعض النماذج المشرقة من أصحاب النبي «صلى الله عليه وسلم» ورضي الله عنهم أجمعين من هؤلاء الذين سبقوا ودخلوا في الإسلام وكانوا من السابقين المباركين، جعلنا الله سبحانه وتعالى من أهل التقوى والصلاح والسبق في فعل الخيرات، فذكرت لكم في اللقاء السابق إسلام أبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه، وذكرنا قبل ذلك إسلام ضمادٍ وعمرو بن عبسة رضي الله عنه عن الصحابة أجمعين.

والليلة أحدثكم عن صحابيٍ آخر من الصحابة الأجلاء الذين لهم قدرٌ عظيمٌ ولهم سابقة خيرٍ، هذا الصحابي الجليل أحد السابقين إلى الإسلام، قيل إنه أحد ستةٍ سبقوا إلى الإسلام فكان سادس ستةٍ ممن دخلوا في الإسلام وآمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، إنه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه،

وقد قيل إنه أول مَنْ جهر بالقرآن رضي الله تعالى عنه، وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ تدل على فضل هذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.

نشأته وبداية إسلامه

عبد الله بن مسعودٍ، يا أيها الإخوة الكرام، كما قرر أهل السير أحد السابقين إلى الإسلام مع أنَّه ليس قرشيًا فهو من هذيلٍ، وقد عرفنا فيما مضى أن الله جل وعلا قضى وقدر أن يدخل الناس في دين الله جل وعلا من القبائل المختلفة والعشائر المتعددة،

فدخل في دين الإسلام من قريشٍ من دخل، ودخل كذلك من بقية القبائل من دخل، ولم يكن هؤلاء الداخلون في الإسلام في أول الأمر من أقارب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» باستثناء القليل كعلي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، لكن الحق أبلج وظاهرٌ فمن استمع إليه وأنصف دخل في دين الله سبحانه وتعالى، ومن هؤلاء عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.

وله قصةٌ شريفةٌ وقصةٌ طريفةٌ أخرجها أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وقال عنها الذهبي في سير أعلام النبلاء إسنادها صحيحٌ، ويمكن أن يُقال: إسنادها حسنٌ ففيها عاصمٌ القارئ المشهور وروايته حسنةٌ عند كثيرٍ من أهل الحديث.

الشاهد من ذلك «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن مسعودٍ رضي الله عنه يقول: كنت غلامًا يافعًا وكنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيطٍ، عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه كان غلامًا يافعًا، وتقدم أن أكثر من دخل في الإسلام من أوائل الداخلين كانوا من الشباب، فكان عبد الله بن مسعودٍ غلامًا يافعًا، قال: وكنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيطٍ فمر بي الرسول «صلى الله عليه وسلم» وأبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه فارَّين من المشركين، وهنا قال عددٌ من أهل العلم ممن شرح هذه الرواية قالوا: ليس هذا وقت هجرة الرسول «صلى الله عليه وسلم» من مكة إلى المدينة، فإنَّ عبد الله بن مسعودٍ أحد السابقين إلى الإسلام، ولكن النبي «صلى الله عليه وسلم» كان يفر بدينه في مواضع متعددةٍ فكان هذا قبل الهجرة بمدةٍ، لا سيما وأن أكثر أهل العلم على «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن مسعودٍ كان من السابقين إلى الإسلام.

قصة إسلام عبد الله بن مسعود وفضله في تعلم القرآن

المهم أن النبي «صلى الله عليه وسلم» لما مر على عبد الله بن مسعودٍ وهو يرعى الغنم لعقبة بن أبي معيطٍ قال لعبد الله بن مسعودٍ: «أعندك لبنٌ تسقينا؟»، هل عندك لبنٌ تسقينا؟

فقال عبد الله بن مسعودٍ: نعم ولكنني مؤتمنٌ ولن أسقيكما، تأمَّل! ماذا يقول عبد الله بن مسعودٍ، يقول: نعم عندي لبنٌ، الغنم في ضروعها لبنٌ، لكنني مؤتمنٌ، أنا راعٍ أرعى غنم عقبة بن أبي معيطٍ فكيف أسقيكم هذا اللبن؟

فقال له النبي «صلى الله عليه وسلم»: «فهل عندك شاةٌ لم ينز عليها الفحل؟»،

من المعروف أن الشاة لا تكون ذات لبنٍ إلا بعد أن تحمل، فإذا حملت وكانت هناك ولادةٌ بعد ذلك يكون عندها اللبن، أما الشاة التي لم ينز عليها الفحل فكيف سيكون فيها لبنٌ؟

فقال له الرسول: هل عندك شاةٌ لم ينز عليها الفحل؟ قال: نعم، قال: «فهاتها»، هات هذه الشاة التي لم ينز عليها الفحل، والمعنى أننا لن نؤذيك في شيءٍ فأنت لن تتعرض للبن الذي ترعاه وأنت مؤتمنٌ عليه، فمس النبي «صلى الله عليه وسلم» ضرع تلك الشاة ودعا الله سبحانه وتعالى وإذا بهذا الضرع يمتلئ باللبن، فطلب النبي «صلى الله عليه وسلم» سقاءً فأتاه به أبو بكرٍ الصديق، فشرب النبي «صلى الله عليه وسلم» وشرب أبو بكرٍ وسقى الرسول «صلى الله عليه وسلم» ثم وضع يده على الضرع.

وقال له: «اقلص»، فقلص، يعني: انتهى اللبن، قال له الرسول: اقلص، توقف، فتوقف اللبن،

فأتاه عبد الله بن مسعودٍ وقال له: يا رسول الله علمني من هذا الكلام الطيب، علمني من هذا الكلام الطيب، هذا القرآن، فقال له: «إنك غلامٌ مُعَلَّمٌ»، وقال عبد الله بن مسعودٍ: لقد أخذت من فم رسول الله «صلى الله عليه وسلم» سبعين سورةً لا ينازعني فيها أحدٌ.

قال من قال من أهل العلم: كان هذا سبب إسلام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، لأنه رأى آيةً عجيبةً، يأتيه بهذه الشاة التي لم تحمل ولم تلد وينزل منها اللبن، وحينما يقول للبن: توقف، يتوقف، فعرف أن هذا رسول الله حقًا وصدقًا صلوات الله وتسليماته عليه، فكان هذا سبب إسلام عبد الله بن مسعودٍ، ثم إنه من فضائل عبد الله أنه تلقى من فم الرسول مباشرةً سبعين سورةً لا ينازعه فيها أحدٌ، وهذا فيه معنًى جميلٌ.

لأنه بالإمكان أن النبي «صلى الله عليه وسلم» كان يلقن الصحابة وهم مجموعةٌ، يعني: يجلس معه مجموعةٌ فيلقنهم السورة، لكن عبد الله بن مسعودٍ يذكر أن الرسول اختصه، يقرؤها عليه ويعلِّمه إياها وحده وهو منفردٌ، ولذلك فإنَّ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قد أوتي علمًا عظيمًا، والرسول «صلى الله عليه وسلم» كما سيأتينا كان يقول: «خذوا القرآن من أربعةٍ» فيبدأ بعبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه، وقال أيضًا: «من سره أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبدٍ» يقصد عبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه.

معجزة اللبن وبداية تميز عبد الله بن مسعود في العلم والقرآن

والعراقي رحمة الله في منظومته يبين لنا هذا التصوير الجميل الذي وقع من النبي الأمين عليه الصلاة والسلام مع عبد الله بن مسعودٍ حين طلب منه اللبن ثم طلب منه الشاة.

وقبل أن أقول كلام العراقي رحمة الله هنا قد يرد سؤالٌ، يقول أحدهم: وكيف طلب الرسول «صلى الله عليه وسلم» اللبن من عبد الله بن مسعودٍ يعني: لماذا طلب منه اللبن ابتداءً وقد علم أنه راعٍ للغنم وهو مؤتمنٌ فكيف سيعطيه من اللبن بدون إذن سيده أو بدون إذن مالكه

والجواب عن ذلك كما ذكر بعض العلماء كالسهيلي رحمه الله أن هذا كان من عادة العرب، فمن عادةً العرب أن السيد إذا كان له راعٍ قال له: أنت مسؤولٌ عن غنمي ولكن إذا نزل بك ضيفٌ أو طلب منك أحدٌ لبنًا فاسقه ولا تمنعه، فكان هذا عادةً جاريةً بين العرب لم يكن في ذلك منكرٌ ولم يكن في ذلك خللٌ ولا خطأٌ، لكن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه ربما لم يأذن له عقبة بن أبي معيطٍ بهذا الأمر ولم يعلم الرسول «صلى الله عليه وسلم» سابقًا بذلك،

وهذا ليس ببعيدٍ عن عقبة الذي عادى الرسول وآذى الرسول «صلى الله عليه وسلم» وخنق الرسول «صلى الله عليه وسلم» وهو يصلي كما سيأتينا الحديث عنه بعد ذلك بإذن الله تعالى.

فالرسول لما طلب منه طلبًا ليس بممنوعٍ، هذا أمرٌ معتادٌ معروفٌ عند العرب، ثم إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» لم ينازعه حينما قال: ولكنني مؤتمنٌ، قَبِل منه الرسول ذلك، لكن الله جل وعلا أكرم الرسول بهذه المعجزة وبهذه الآية التي ليست بغريبةٍ على رسول الله «صلى الله عليه وسلم».

ومن المعلوم أيضًا أن الذي يدرس السيرة النبوية يجد فيها مجالاتٍ مختلفةً وأبوابًا متنوعةً، فالسيرة النبوية نتحدث فيها عن أحوال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وعن سفره وإقامته وذهابه وإيابه وغزواته وما إلى ذلك، كما يتحدث في السيرة عن هدي الرسول «صلى الله عليه وسلم» وعن أخلاقه وعن شمائله، ويتحدث في السيرة عن معجزاته وخصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالسيرة النبوية تشمل هذا كله بفضل الله، لذلك هي بابٌ فسيحٌ ومتسعٌ لمن رغب فيه، وقد قال الله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾1 (الأحزاب: 21).

يقول العراقي رحمه الله:

جَاءَ لَهُ النَّبِيُّ وَهْوَ يَرْعَى … غُنَيْمَةً يُسِيمُهَا فِي الْمَرْعَى

قَالَ لَهُ شَاؤُكَ فِيهَا لَبَنُ … قَالَ نَعَمْ لَكِنَّنِي مُؤْتَمَنُ

قَالَ فَهَلْ فِيهَا إِذًا مِنْ شَاةِ … مَا مَسَّهَا الْفَحْلُ إِذًا فَتَاتِي

فَأَتَاهُ فَمَسَّ الضَّرْعَ فَامْتَدَّ وَدَرْ … فَاحْتَلَبَ الشَّاةَ وَأَسْقَى ثُمَّ مَصْ

قَالَ لَهُ اقْلِصْ فَقَلَصْ … فَقَالَ عَلِّمْنِي لَعَلِّي أَعْلَمُ

قَالَ لَهُ إِنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمُ

فهذا عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه حينما طلب من الرسول الأكرم «صلى الله عليه وسلم» أن يعلِّمه قال له الرسول: «غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ»، أي: أنت غلامٌ معلمٌ أو إنك غلامٌ معلمٌ، ولذلك تعلم عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه وكان له شأنٌ كبيرٌ جدًّا في العلم، لذلك أثنى الرسول «صلى الله عليه وسلم» عليه في مواقف شتى.

ثناء النبي ﷺ على عبد الله بن مسعود ومكانته بين أهل القرآن

ومن عجيب ما يذكر في عبد الله بن مسعودٍ أن النبي «صلى الله عليه وسلم» كان في سمرٍ بعد العشاء ومعه أبو بكرٍ وعمر رضي الله عنهما،

فلما قضى النبي «صلى الله عليه وسلم» الحديث مع أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنه عنهما مر النبي «صلى الله عليه وسلم» على عبد الله بن مسعودٍ وهو يصلي، فلما سمع قراءة عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه،

وجاء في بعض الروايات أن ابن مسعودٍ كان يقرأ سورة النساء، وفي روايةٍ عند أحمد وغيره قال: فسحلها، تأمَّل! التعبير: فسحلها، يعني: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن مسعودٍ قرأ سورة النساء من أولها إلى آخرها يقرؤها متصلةً،

فقال النبي «صلى الله عليه وسلم» وقد رأى ابن مسعودٍ وقد قرأ سورة النساء وبقي يدعو فقال: «سل تعطه، سل تعطه»، يعني: الرسول يقول لابن مسعودٍ: سل تعطه، يعني: اسأل ربك والله سيجيبك، وعبد الله لا يعلم، عبد الله بن مسعودٍ في الصلاة قرأ القرآن، قرأ سورة النساء ويدعو ربه سبحانه ولا يعلم ماذا قال الرسول،

وإنَّما قال الرسول فيه: سل تعطه، فكان عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه يدعو ربه: «اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ومرافقة نبيك محمدٍ في أعلى جنان الخلد، »

سبحان الله، دعواتٌ مباركةٌ ابن مسعودٍ يدعو بها ولا يعلم أن الرسول يقول: ادعُ والله سيجيبك، سل تعطه، يقول: اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ومرافقة نبيك محمدٍ في أعلى جنان الخلد، فجاءه أبو بكرٍ الصديق وأخبره.

وقال له: ماذا كنت تقول؟ الرسول قال: سل تُعْطَهُ، فقال: كنت أقول كذا وكذا، وحمد الله على أن الله سبحانه وتعالى وفقه إلى ذلك، فجاء عمر رضي الله عنه ليبشره بتلك البشارة فوجد أن أبا بكرٍ قد سبقه، فقال: لقد كان سباقًا إلى الخير، لأنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان الأسبق في كل الأحوال رضي الله تعالى عنه.

النبي «صلى الله عليه وسلم» قال في حق عبد الله بن مسعودٍ كما يقول عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: والله إن هذا الرجل، يقصد ابن مسعودٍ، لا أزال أحبه منذ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ»: «خذوا القرآن من أربعةٍ»، قال فبدأ به، فعبد الله بن عمرٍو يقول: منذ أن سمعت الرسول وهو يقول ذلك وأنا أحب عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: «خذوا القرآن من أربعةٍ: من عبد الله بن مسعودٍ ومعاذ بن جبلٍ وأبي بن كعبٍ وسالمٍ مولى أبي حذيفة» رضي الله عنه عنهم.

قرب عبد الله بن مسعود من النبي ﷺ ومنزلته العظيمة عند الصحابة

بل إن تعجب فاعجب من «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن مسعودٍ رضي الله عنه كان صاحب سواك رسول الله وصاحب طهوره وصاحب نعله،

فالذي يمسك نعل الرسول هو عبد الله بن مسعودٍ، فكان الرسول إذا جلس في مكانٍ أخذ نعله تحت ذراعه ويبقى مع ابن مسعودٍ، فإذا جاء ليمشي وضع له نعله، وكان كذلك صاحب مطهرته، وَضوء الماء الذي يتوضأ به يمسكه عبد الله بن مسعودٍ، وصاحب سواك الرسول «صلى الله عليه وسلم» عبد الله بن مسعودٍ.

حتى إن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قدمت أنا وأخي من اليمن على رسول الله في المدينة، قال: فما كنا نظن «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن مسعودٍ وأمه إلا من أهل بيت رسول الله من كثرة دخولهما وخروجهما عليه، يعني: كثرة دخول عبد الله بن مسعودٍ وخروج عبد الله بن مسعودٍ على الرسول ظن أبو موسى أنه من آل بيت رسول الله وأنه قريبٌ للرسول «صلى الله عليه وسلم».

بل إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» قال له هذه القولة الجميلة الجليلة، قال لابن مسعودٍ رضي الله عنه: «إذنك عليَّ أن يُرفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك»،

يقول لابن مسعودٍ: إذنك، أنت لك إذنٌ خاصٌ يختلف عن بقية الناس، أن يرفع الحجاب يعني: إذًا رفع الرسول الساتر، وقال له: أن تستمع سوادي": -

1- يعني: أن تستمع الأسرار،

2- وقال بعضهم: أن تستمع القراءة، يعني: بمجرد أن يرفع الرسول الحجاب ويبدأ يسمع ابن مسعودٍ كلامًا للرسول معناه: يدخل، لا يحتاج إلى إذنٍ آخر، لا يحتاج أن يطرق بابًا ﴿وَلَآ أَن﴾ يقول أدخل يا رسول الله، لا، له إذنٌ خاصٌ رضي الله تعالى عنه.

لذلك تلقى عن النبي «صلى الله عليه وسلم» فكان أحفظ الناس أو من أحفظ أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» للقرآن الكريم، مع أنَّ عبد الله بن مسعودٍ كما تعرفون كان ذا وزنٍ قليلٍ، وتعرفون قصة دقة الساقين، فهذا ورد في ابن مسعودٍ بسندٍ صحيحٍ حينما طلب منه النبي «صلى الله عليه وسلم» أن يصعد الشجرة ليأتيه بشيءٍ أو ليأتيه بعود أراكٍ، فرآه بعض الصحابة ونظروا إلى دقة ساقيه فضحكوا من ذلك، فقال الرسول: «أتعجبون من ساقي ابن مسعودٍ؟ لهما في الميزان أثقل عند الله من جبل أحدٍ».

وهذا يدلك على فضل عبد الله بن مسعودٍ، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إلى أهل الكوفة عمار بن ياسرٍ رضي الله عنه ليكون أميرًا عليهم قال: وأرسلت إليكم ابن مسعودٍ ليكون وزيرًا ومعلمًا، قال: وآثرتكم به على نفسي، يعني: أنا ما أريد أن يذهب ابن مسعودٍ وأن يتركني لكن ماذا أصنع آثرتكم به على نفسي، تأمَّل! قول عمر رضي الله عنه حينما يقول آثرتكم بابن مسعودٍ على نفسه، يعني: أنا لا أحب فراقه، أي: أن يكون إلى جواري رضي الله تعالى عنه.

ولمَّا قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إن رجلًا يقول كذا وكذا غضب عمر: من الذي يقول ذلك فقالوا له: إن الذي قال ذلك عبد الله بن مسعودٍ، فسهل الأمر على عمر رضي الله عنه وذهب عنه غضبه وقال: كنيفٌ مُلِئَ علمًا، يعني: ابن مسعودٍ ما هو إلا كنيفٌ مملوءٌ علمًا من رأسه إلى مشاشته أو إلى قدمه رضي الله تعالى عنه.

عبد الله بن مسعود وجمع المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه

بقي عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه على ذلك وكانت له سيما عجيبةٌ، لذلك قالوا: كان أشهر الصحابة في دلِّ رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وفي هدي رسول الله عبد الله بن مسعودٍ، لذلك قالوا: كان أكثر الناس شبهًا برسول الله في هديه وفي تمسكه عبد الله بن مسعودٍ، يعني: من أراد أن يطلع على هدي النبي «صلى الله عليه وسلم» وعلى سمت رسول الله كان ينظر إلى عبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه فيستفيد منه، ولذلك كانوا يجالسونه وينظرون إليه حتى يتعلموا منه رضي الله تعالى عنه.

ومع ذلك فقد وقع موقفٌ في آخر حياة عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه لم يفهمه بعض الناس على وجهه الصحيح أردت أن أنبه عليه، وذلك أنَّ عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه حينما أراد أن يجمع القرآن الجمع الثاني بعد جمع أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه ووضع اللجنة الرباعية ولم يكن من بينهم عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، هذه اللجنة المُشكَّلة التي شكَّلها عثمان بن عفان من أجل أن ينسخ من المصحف عدة نسخٍ لترسل في الأمصار حتى يقرأ الناس القرآن قراءةً صحيحةً بعد وجود اختلافٍ بينهم في القراءة في بعض الحروب، حروب أرمينية وأذربيجان.

وقال له حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أدرك الناس ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، عبد الله بن مسعودٍ كان وقتها في العراق في الكوفة، ولذلك أهل التفسير يقولون هناك ثلاث مدارس للتفسير: مدرسة مكة وإمامها عبد الله بن عباسٍ، ومدرسة المدينة وإمامها أبي بن كعبٍ، ومدرسة الكوفة أو العراق وإمامها عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.

موقف عبد الله بن مسعود من جمع المصحف وخاتمة سيرته

عبد الله بن مسعودٍ لما بلغه الخبر حزن حزنًا شديدًا، كيف لا يدعى عبد الله بن مسعودٍ ليشارك في هذا العمل فحزن لذلك حزنًا شديدًا،

وورد عنه رضي الله عنه أنَّه قال: غُلُّوا مصاحفكم، يعني: عبد الله بن مسعودٍ كان يكتب وراء الرسول عليه السلام فكان يتمسك بالمصحف الذي معه مع أنَّ عثمان بن عفان أمرهم بإحراق المصاحف حتى لا يقع بينهم خلافٌ، لما

لأنه هناك آياتٌ قد نسخت، هناك العرضة الأخيرة، هناك صحابةٌ سمعوا بعض السور دون بعضٍ، فعثمان رضي الله عنه جمع الصحابة على هذا المصحف الذي لا اختلاف فيه وأجمع الصحابة عليه فليس فيه زيادةٌ ولا نقصانٌ، عبد الله بن مسعودٍ حزن كيف لا يدعى إلى هذا الجمع ولا سيما أن أكبر الذين قاموا بهذا الجمع زيد بن ثابتٍ ولنا معه وقفةٌ بإذن الله تبارك وتعالى في حينها.

فابن مسعودٍ يقول رضي الله تعالى عنه: لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجلٍ كافرٍ، يعني: زيد بن ثابتٍ كان لسه في صلب أبيه الكافر وأنا مسلمٌ، يعني: أنا كنت مسلمًا وكبيرًا في الإسلام وهو لسه ما خرجش على ظهر الحياة، فكيف يجمع المصحف وأنا لا أُدعى إلى ذلك؟

لكن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان له وجهةٌ فيما ذهب إليه:

1- لأنَّ عبد الله بن مسعودٍ كان وقتها فين؟ في الكوفة، والناس يحتاجون إلى ابن مسعودٍ، فلماذا يرسل إلى ابن مسعودٍ حتى يترك الكوفة ليأتيه إلى المدينة وعنده من يكفيه في المدينة هذا شيءٌ.

2- الشيء الثاني: أن زيد بن ثابتٍ هو الذي قام بالمهمة في عهد أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فالجمع الأول الذي قام عليه زيد بن ثابتٍ، وبناءً عليه فعثمان أتى بما صنعه أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه فلا إشكال عليه في ذلك.

3- زيادةً على ذلك أن زيد بن ثابتٍ كان من كتاب الوحي المشهورين وكان قد شهد العرضة الأخيرة، تعرفون أن جبريل ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ النبي «صلى الله عليه وسلم» في آخر رمضان وعارضه القرآن مرتين، فالرسول يعلم المنسوخ وغير المنسوخ، زيد بن ثابتٍ عرف آخر ما كان من أمر القرآن الكريم.

فلم ير عثمان بن عفان رضي الله عنه حاجةً إلى أن يؤخر جمع المصحف من أجل أن يأتي عبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه، وإلا فإنَّ عبد الله بن مسعودٍ قد قبل هذا الجمع ورضي به كما ذكر كثيرٌ من أهل العلم، لأنَّ بعض الناس يريدون مثل هذه الشبهات ويقولون إن الصحابة وقعت بينهم خلافاتٌ وهم لا يدرون حقيقة الأمر،

وإن تعجبْ فاعجبْ أن أغلب القراءات لا سيما قراءة الكوفيين هي مرويةٌ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ» بن مسعودٍ رضي الله عنه، يعني: الذي معه القراءات السبع والذي معه القراءات العشر، نحن نقرأ بقراءة عاصمٍ، حفصٌ عن عاصمٍ وكذلك شعبة عن عاصمٍ، هذه القراءة تمتد إلى الصحابة، أكثر الصحابة شهرةً فيمن تروى عنه قراءة الكوفيين هو عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، وهذا معناه: أن القرآن الذي نقرؤه حرفًا حرفًا وحرفًا حرفًا وكلمةً كلمةً قرأ بها عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه وأقرأها للتابعين وأقرأها التابعون لأتباع التابعين وهكذا حتى وصل إلينا هذا القرآن محفوظًا كما قال ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾2 (الحجر: 9).

يا أيها الإخوة الكرام، إذا كان هذا هو إسلام بعض الصحابة رضي الله عنهم فالعجيب أنك ستسمع أمرًا أعجب، وهو أنَّ هناك فريقًا آخر أسلم في البدايات، من هم؟ إنهم الجن، وهذا عجيبٌ، فممن أسلم مبكرًا وآمن بالرسول وفدٌ من الجن آمنوا برسول الله وأسلموا لله رب العالمين كما قال الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾3 (الأحقاف: 29) إلى آخر الآيات، هذا سنتعرف عليه في اللقاء المقبل بإذن الله، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  2. آية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 9 ↩
  3. آية: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحقاف 29 ↩

من سلسلة: في رحاب السيرة النبوية (10 درسًا)

دروس مشابهة