أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (الليث بن سعد) رحمه الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
تراجم الأعلام مدارس للأجيال وشحذ للهمم في سلسلة «أولئك آبائي»
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
أولئك آبائي فجئني بمثلهم درر وجواهر من سير الأعلام الأكابر هذه السلسلة قصدت بها أمورًا من أهمها الوقوف على بعض الأقوال الحكيمة التي صدرت من كلام أولئك الأعلام من أجيالنا السابقة. نسأل الله سبحانه أن يلحقنا بالصالحين
لذلك قالوا تراجم الرجال مدارس الأجيال. ومما يعلي الهمة ومما يقوي العزيمة معرفة سير هؤلاء الأئمة الأكابر كيف كان اجتهادهم كيف كانت عبادتهم كيف كان تعاملهم كيف كان خشوعهم كيف كان إقبالهم كيف كان طلبهم للعلم قال النبي ﷺ: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ»
. وقال ﷺ: «المرء مع من أحب» فنحن نحب الصالحين وإن لم نكن مثلهم ونرجو أن نتشبه بهم فإنَّ التشبه بالكرام فلاح
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أولئك آبائي فجئني بمثلهم درر وجواهر من سير الأعلام الأكابر
نحن اليوم على موعد مع عالم فذ جليل محدث فقيه له قدره ووزنه وله مكانته العالية إنه
إمامة الليث بن سعد لمصر ومكانته عند الولاة وشهادة الشافعي بفقهه
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث رحمه الله تعالى إمام مصر في عصره إمام مصر وفقيهها ومحدثها ورئيسها كانت له مكانة عالية بين أهل مصر لك أن تتخيل أن خليفة المسلمين كان يستشير الليث بن سعد فيمن يوليه على مصر، ولذلك كان الوالي الذي يتولى أمر مصر
يرجع في كل نائبة من نوائبه وفي كل أمر من أموره إلى الليث بن سعد وعرض على الليث بن سعد أن يقوم بهذا الأمر وأن يكون الوالي لكنه رفض ذلك رحمة الله تعالى وآثر أن يبقى على العلم والفضل رحمه الله رحمة واسعة الليث بن سعد
قال الإمام الشافعي رحمة الله تعالى «الليث أفقه من مالك لكن أصحابه لم يقوموا به» هذه عبارة دقيقة من إمام فذ إنه الإمام الشافعي وهو تلميذ للشيخين لمالك بن أنس إمام أهل المدينة وفقيهها ولليث بن سعد إمام أهل مصر وفقيهها يقول الليث أفقه من مالك
لذلك جدير بطلاب العلم أن يعتنوا بشيوخهم ويهتموا بهم ويقدروهم وأن يحافظوا على ما لديهم من العلم فلربما كان العالم ذا قدر وذا علم وفير لكن طلابه لا يغتنمون ما لدى شيخهم من هذا العلم فيذهب هذا العلم ويضيع. نسأل الله السلامة والعافية
الليث بن سعد رحمة الله تعالى كتب من علم ابن شهاب الزهري الكثير ثم أراد أن يرحل إليه وأن يركب البريد ليصل إليه فخشي أن يكون ذلك ليس لله فتركه لئلا يفتخر. ويقول أنا قد تتلمذت وأخذت عن ابن شهاب
ولكنه لما ذهب رحمة الله إلى نافع قال له: إنا من أهل مصر قال: ممَّن؟ قال: من قيس. فقال له: كم عمرك؟ قال: ابن عشرين سنة. قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين سنة. وذلك أنَّ الليث قد كساه الله الوقار. وكان ذا لحية وفيرة وكبيرة رحمه الله رحمة واسعة الليث بن سعد
سخاء الليث وقصة العسل وصلته بمالك
تميز بصفة واضحة جلية في سيرته وهي كثرة العطاء والسخاء رحمة الله كان كريمًا جدًّا يقولون كان لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس ما كان يأكل منفردًا بل يدعو غيره ليطعم معه. وكان رحمة الله تعالى لا يطعم إلا اللحم إلا في وقت المرض كان موسرًا. فكان يريد أن يوسع على من يجالسه وقالوا كان دخله يزيد على عشرين ألف دينار ليس درهمًا ﴿أَنَّمَا﴾ دينار. وهذا قدر كبير ومع هذا المال الكبير الذي كان مع الليث بن سعد قالوا وما وجبت عليه الزكاة في عام من الأعوام. يعني: أنه قبل مضي العام يكون قد أنفقها كلها، فكان سخيًّا جدًّا حتى إنهم يقولون كان رحمة الله ربما يتصدق في اليوم بل في كثير من الأيام على ثلاثمائة مسكين،
وفي مرة من المرات طلبت منه امرأة شيئًا يسيرًا من العسل فطلب لها أو أراد أن يعطيها رطلًا من العسل أو زقًا. يعني: أعطاها ما يقارب مئة من الأرطال بل مئة وعشرين رطلًا فقالوا له: إنها لم ترد إلا شيئًا يسيرًا فقال: ﴿أَنَّمَا﴾ نعطيها على قدر ما وسع الله علينا. وهذا فقه جليل بعض الناس يعطيه الله مالًا كثيرًا فيأتي فقير ليطلب منه فإذا به يخرج من جيبه جنيهًا
ورقيًّا أو نقديًّا. ثم يعطيه إياه وهو بالنسبة له هذا الجنيه لا يساوي شيئًا هو يعطي لطفله كل يوم عشرين جنيهًا وربما مئة جنيه. إذًا لا تبخل، أعطِ على قدر ما وسع الله عز وجل عليك بخلاف من كان فقيرًا «وسبق درهم مئة ألف درهم» فكل بحسب ما وسع الله عليه
كانت بينه وبين الإمام مالك صلة جميلة حتى إن كثيرًا من أهل العلم، وورد ذلك عن ابن وهب، يقولون: إذا قال الإمام مالك: حدثني من أرضى من أهل العلم فهو يريد بذلك الليث بن سعد. فكان الإمام مالك يُجلُّ الليث بن سعد وكذلك الليث بن سعد يُجلُّ الإمام مالك وهكذا العلماء وإن اختلفت بلدانهم وأقطارهم فهم على وفاء وعلى حب
بل كان يراسل الإمام مالك ويهدي إليه الهدايا الكثيرة ويرسل إليه الأموال محبة. ومن ذلك أن الإمام مالك رحمه الله تعالى في زواج ابنته أراد عصفرًا يستعمل في تزيينها
فأرسل الليث بن سعد رحمة الله تعالى إليه عصفرًا كثيرًا استعمل الإمام مالك ما يريد منه وأعطى ابنته ما تريد منه. ثم باع الباقي الزائد فبلغ خمسمائة دينار هذا فقط في شيء يسير طلب منه رحمه الله رحمة واسعة
نصرة الليث لمناقب عثمان ومكانته عند الخليفة وإقالة النادم مع جبر خاطره
الإمام الليث بن سعد رحمة الله من مواقفه الجميلة أن أهل مصر في عصره كانوا ينتقصون عثمان بن عفان رضي الله عنه وفي بعض الأحوال تظهر مثل هذه الظواهر ينتقص قدر صحابي كعثمان بن عفان أو علي بن أبي طالب أو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين
فما كان من الليث بن سعد إلا أن أكثر من ذكر عثمان وذكر فضائله والمناقب الموجودة له والثابتة في حقه حتى عرف أهل مصر قدر عثمان بن عفان رضي الله عنه في عصره الذي هضم فيه حق هذا الصحابي الجليل. الليث بن سعد رحمة الله تعالى كما ذكرت كان له قدره عند الخليفة
ولما ودعتُ أبا جعفر ببيت المقدس قال: «أعجبني ما رأيت من شدة عقلك، والحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك»
وقال الليث لولده: لا تخبر بذلك أحدًا، فلم يخبر به أحدًا حتى توفي رحمه الله رحمة واسعة. الليث بن سعد كانت له أربعة مجالس من هذه المجالس مجلس للوالي الذي يتولى مصر يسأله ويستفتيه فيما يشكل عليه.
فقد أعزهم الله عز وجل بالعلم بما أعطاهم الله من العلم فرزقه الله علمًا وفضلًا وكرمًا وسؤددًا رحمة الله ومن مواقف الليث بن سعد رحمة الله تعالى أيضًا أن قومًا اشتروا منه ثمرة
فبعد أن اشتروا منه تلك الثمرة، وكان له حظ من التجارة وهذه الأموال الكثيرة التي يرزق بها يجمعها ثم يتصدق بها مرارًا فلا تبقى عليه زكاة فالليث بن سعد رحمة الله تعالى بعد أن استغلوها أرادوا منه أن يقيلهم فيها. يعني: أن يرجعوا في هذا البيع فوافق والنبي ﷺ قال «من أقال مسلمًا أقال الله عثرته يوم القيامة» لكنه فعل شيئًا عجيبًا دعا بخريطة، ثم وضع فيها صرةً فيها خمسون دينارًا وأعطاها لهم
مع أنَّه ليس لهم حق في ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ رد لهم حقهم ورد كذلك وأخذ السلعة لكنه قال: كانت لديهم رغبة فأريد أن أجبر خاطرهم بشيء من المال مع أنَّه هو الذي وافق على أن يعود في البيع وهم الذين طلبوا لكنه كافأهم بزيادة تعويضًا لهم وما ذلك إلا لكرمه رحمه الله رحمة واسعة
مكرمة إقالة النادم في البيع وصلته بالدنانير ومحطات وفاته
توفي الليث بن سعد رحمة الله سنة خمس وسبعين ومائة من هجرة نبينا ﷺ ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يحفظ بلادنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وأن يصلح أحوالنا وأن يصلح ولاة أمرنا هذا والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)