أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (الحسن البصري) رحمه الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة مجلس سلسلة أولئك آبائي والانتقال لسيرة الليث بن سعد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة
سيرة الليث بن سعد
نحن اليوم على موعد مع عالم فذ جليل محدث فقيه له قدره ووزنه وله مكانته العالية إنه الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث رحمه الله تعالى، إمام مصر في عصره إمام مصر وفقيهها ومحدثها ورئيسها كانت له مكانة عالية بين أهل مصر لك أن تتخيل أن خليفة المسلمين كان يستشير الليث بن سعد فيمن يوليه على مصر، ولذلك كان الوالي الذي يتولى أمر مصر يرجع في كل نائبة من نوائبه وفي كل أمر من أموره إلى الليث بن سعد وعُرض على الليث بن سعد أن يقوم بهذا الأمر وأن يكون الوالي لكنه رفض ذلك رحمة الله تعالى وآثر أن يبقى على العلم والفضل رحمه الله رحمة واسعة الليث بن سعد قال الإمام الشافعي رحمة الله تعالى الليث أفقه من مالك لكن أصحابه لم يقوموا به هذه عبارة دقيقة من إمام فذ إنه الإمام الشافعي وهو تلميذ للشيخين لمالك بن أنس إمام أهل المدينة وفقيهها ولليث بن سعد إمام أهل مصر وفقيهها يقول الليث أفقه من مالك لذلك جدير بطلاب العلم أن يعتنوا بشيوخهم ويهتموا بهم ويقدروهم وأن يحافظوا على ما لديهم من العلم فلربما كان العالم ذا قدر وذا علم وفير لكن طلابه لا يغتنمون ما لدى شيخهم من هذا العلم فيذهب هذا العلم ويضيع. نسأل الله السلامة والعافية الليث بن سعد رحمة الله تعالى كتب من علم ابن شهاب الزهري الكثير. ثم أراد أن يرحل إليه وأن يركب البريد ليصل إليه فخشي أن يكون ذلك ليس لله فتركه لئلا يفتخر. ويقول أنا قد تتلمذت وأخذت عن ابن شهاب ولكنه لما ذهب رحمة الله إلى نافع قال له: إنا من أهل مصر قال: ممَّن؟ قال: من قيس. فقال له: كم عمرك؟ قال: ابن عشرين سنة. قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين سنة. وذلك أنَّ الليث قد كساه الله الوقار. وكان ذا لحية وفيرة وكبيرة رحمه الله رحمة واسعة الليث بن سعد تميز بصفة واضحة جلية في سيرته وهي كثرة العطاء والسخاء رحمة الله كان كريمًا جدًّا. يقولون كان لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس ما كان يأكل منفردًا بل يدعو غيره ليطعم معه. وكان رحمة الله تعالى لا يطعم إلا اللحم إلا في وقت المرض كان موسرًا. فكان يريد أن يوسع على من يجالسه وقالوا كان دخله يزيد على عشرين ألف دينار ليس درهمًا ﴿أَنَّمَا﴾ دينار. وهذا قدر كبير ومع هذا المال الكبير الذي كان مع الليث بن سعد. قالوا وما وجبت عليه الزكاة في عام من الأعوام. يعني: أنه قبل مضي العام يكون قد أنفقها كلها، فكان سخيًّا جدًّا حتى إنهم يقولون كان رحمة الله ربما يتصدق في اليوم بل في كثير من الأيام على ثلاثمائة مسكين،
وفي مرة من المرات طلبت منه امرأة رطلًا من العسل شيئًا يسيرًا من العسل فأراد أن يعطيها زِقًّا من العسل. يعني: أعطاها ما يقارب مئة من الأرطال بل مئة وعشرين رطلًا فقالوا له: إنها لم ترد إلا شيئًا يسيرًا. فقال: ﴿أَنَّمَا﴾ نعطيها على قدر ما وسع الله علينا. وهذا فقه جليل بعض الناس يعطيه الله مالًا كثيرًا فيأتي1 فقير ليطلب منه فإذا به يخرج من جيبه جنيهًا ورقيًّا أو نقديًّا. ثم يعطيه إياه وهو بالنسبة له هذا الجنيه لا يساوي شيئًا هو يعطي لطفله كل يوم عشرين جنيهًا وربما مئة جنيه. إذًا لا تبخل، أعطِ على قدر ما وسع الله عز وجل عليك بخلاف من كان فقيرًا وسبق درهم مئة ألف درهم فكل بحسب ما وسع الله عليه. كانت بينه وبين الإمام مالك صلة جميلة حتى إن كثيرًا من أهل العلم، وورد ذلك عن ابن وهب، يقولون: إذا قال الإمام مالك: حدثني من أرضى من أهل العلم فهو يريد بذلك الليث بن سعد. فكان الإمام مالك يُجلُّ الليث بن سعد وكذلك الليث بن سعد يُجلُّ الإمام مالك وهكذا العلماء وإن اختلفت بلدانهم وأقطارهم فهم على وفاء وعلى حب بل كان. يراسل الإمام مالك ويهدي إليه الهدايا الكثيرة ويرسل إليه الأموال محبة. ومن ذلك أن الإمام مالك رحمه الله تعالى في زواج ابنته أراد عصفرًا يستعمل في تزيينها فأرسل الليث بن سعد رحمة الله تعالى إليه عصفرًا كثيرًا استعمل الإمام مالك ما يريد منه وأعطى ابنته ما تريد منه. ثم باع الباقي الزائد فبلغ خمسمائة دينار هذا فقط في شيء يسير طلب منه رحمه الله رحمة واسعة الإمام الليث بن سعد رحمة الله من مواقفه الجميلة أن. أهل مصر في عصره كانوا ينتقصون عثمان بن عفان رضي الله عنه وفي بعض الأحوال تظهر مثل هذه الظواهر ينتقص قدر صحابيٍّ كعثمان بن عفان أو علي بن أبي طالب أو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين فما كان من الليث بن سعد إلا أن أكثر من ذكر عثمان وذكر فضائله والمناقب الموجودة له. والثابتة في حقه حتى عرف أهل مصر قدر عثمان بن عفان رضي الله عنه في عصره الذي هضم فيه حق هذا الصحابي الجليل.
الليث بن سعد رحمة الله تعالى كما ذكرت كان له قدره عند الخليفة ولما ودَّع أبا جعفر إلى بيت المقدس قال له: ما رأيت أعقل منك، والحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك وقال الليث لولده لا تخبر بذلك أحدًا فلم يخبر به أحدًا حتى توفي رحمه الله رحمة واسعة.
الليث بن سعد كانت له أربعة مجالس من هذه المجالس مجلس للوالي الذي يتولى مصر يسأله ويستفتيه فيما يشكل عليه.
فقد أعزهم الله عز وجل بالعلم بما أعطاهم الله من العلم فرزقه الله علمًا وفضلًا وكرمًا وسؤددًا رحمة الله ومن مواقف الليث بن سعد رحمة الله تعالى أيضًا أن قومًا اشتروا منه ثمرة فبعد أن اشتروا منه تلك الثمرة، وكان له حظ من التجارة وهذه الأموال الكثيرة التي يرزق بها يجمعها ثم يتصدق بها مرارًا وتكرارًا كما تقدم فلا تبقى عليه زكاة فالليث بن سعد رحمه الله تعالى بعد أن استغلوا تلك الثمرة أرادوا منه أن يقيلهم فيها. يعني: أن يرجعوا في هذا البيع فوافق والنبي «صلى الله عليه وسلم» قال «من أقال مسلمًا أقال الله عثرته يوم القيامة» لكنه فعل شيئًا عجيبًا دعا بخريطة، ثم وضع فيها صرةً فيها خمسون دينارًا وأعطاها لهم مع أنَّه ليس لهم حق في ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ رد لهم حقهم ورد كذلك وأخذ السلعة لكنه قال: كانت لديهم رغبة فأريد أن أجبر خاطرهم بشيء من المال مع أنَّه هو الذي وافق على أن يعود في البيع وهم الذين طلبوا لكنه كافأهم بزيادة تعويضًا لهم وما ذلك إلا لكرمه رحمه الله رحمة واسعة
وفاة الليث بن سعد وختام المجلس
توفي الليث بن سعد رحمه الله سنة 175 من هجرة نبينا «صلى الله عليه وسلم» ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يحفظ بلادنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وأن يصلح أحوالنا وأن يصلح ولاة أمرنا هذا والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- تعليق: رين رطلا فقالوا لها إنها لم ترد إلا شيئًا يسيرا. فقال: ﴿أَنَّمَا﴾ نعطيها على قدر ما وسع الله علينا. وهذا فقه جليل بعض الناس يعطيه الله مالا كثيرًا فيأتي — قول: «﴿أَنَّمَا﴾ نعطيها على قدر ما وسع الله علينا». الذكر في الدرس: الليث بن سعد. ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- تعليق: حكمه الجليلة رحمه الله رحمة واسعة. الحسن البصري قال "فضح الموت الدنيا فلم يبقَ لذي لب فرحًا" فضح الموت الدنيا فلم يبقى لذي لب فرح. يعني أن الإنسا — قول: «فضح الموت الدنيا فلم يبقَ لذي لب فرحًا». الذكر في الدرس: الحسن البصري.
- آية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾ — كما ورد في الدرس: الجاثية 23
- آية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ﴾ — كما ورد في الدرس: الجاثية 23
- تعليق: لاه وإن خالف هواه. كذلك من كلامه الجيد رحمة الله تعالى ترك الخطيئة أهون من معالجة التوبة ما يؤمنك أن يكون قد أغلق دونك باب التوبة رحمة الله تعالى ترك الخطيئة أهون من معالجة التوبة ما ي — قول: «ترك الخطيئة أهون من معالجة التوبة ما يؤمنك أن يكون قد أغلق دونك باب التوبة». الذكر في الدرس: الحسن البصري.
- تعليق: ك أنك ستوفق للتوبة ابتداءً اترك الخطيئة فترك الخطيئة أسلم وكما قالوا: درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة فكيف إذا كان درء المفسدة درءًا للمعاصي والإنسان لا يأمن. فقد يقع في ال — قاعدة: «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة».
- تعليق: ن معالجة التوبة وكذلك رحمة الله تعالى من حكمه الجليلة يا ابن آدم ﴿أَنَّمَا﴾ أنت أيام. إذا ذهب يومٌ ذهب بعضك نعم أنت أيام عمرك أيام العمر رأس مالك فلا تضيعه فإذا ذ — قول: «يا ابن آدم ﴿أَنَّمَا﴾ أنت أيام. إذا ذهب يوم ذهب بعضك». الذكر في الدرس: الحسن البصري.
- تعليق: : 5). كذلك من حكمه الجليلة رحمة الله تعالى بئس الرفيقان: الدينار والدرهم لا ينفعانك حتى يفارقاك رحمة الله تعالى بئس الرفيقان: الدينار والدرهم لا ينفعان — قول: «بئس الرفيقان الدينار والدرهم لا ينفعانك حتى يفارقاك». الذكر في الدرس: الحسن البصري.
من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)
دروس مشابهة
- 02 أول ما بُدِئَ به النبيّ ُ ﷺ من الوحي (الجزء الثاني)
- 08- دعوة النبي ﷺ وإسلام ضماد الأزدي وعمرو بن عبسة
- قطوف من حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الجزء الثاني
- قطوف من حياة عثمان بن عفان رضي الله عنه الجزء الثاني
- 03 أول ما بُدِئَ به النبيّ ُ ﷺ من الوحي (الجزء الثالث)
- 09- قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه