قطوف من حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الجزء الثاني
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
سبب تلقيب أبي بكر بالصديق والعتيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة المبشرون بالجنة، حدثتكم في المجلس السابق عن طرفٍ يسيرٍ من سيرة أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه، ولا يزال الحديث موصولًا بالحديث عنه وعن طرفٍ من فضائله ومناقبه وسيرته رضي الله عنه وأرضاه.
أبو بكرٍ الصديق لُقِّب بالصديق لأنه صدق رسول الله «صلى الله عليه وسلم» تمام التصديق، وقد تقدم أن عددًا من المفسرين قالوا إنه المقصود في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾1 (الزمر: 33)، فقالوا: إن الذي جاء بالصدق هو رسول الله «صلى الله عليه وسلم» والذي صدق به هو أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه.
وقد ذكر كثير من أهل العلم أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه وصف بهذا الوصف أو لقب بهذا اللقب لما وقع بعد حدث الإسراء والمعراج، لأنَّ النبي «صلى الله عليه وسلم» لما أسري به ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ﴾ الأقصى ثم عرج به إلى السماوات العلى وعاد إلى مكة وأخبر قريشًا بما وقع له من أمر الإسراء أنكرت قريشٌ ذلك ولم تقر به، وأما أهل الإيمان فإنَّهم يؤمنون،
فذهب جماعاتٌ منهم إلى أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه وقالوا له: أوما سمعت ما يقول صاحبك إن صاحبك يزعم أنه ذهب من مكة إلى بيت المقدس في جزءٍ يسيرٍ من الليل، فقال لهم: إن كان قد قال فقد صدق، إني أصدقه فيما هو فوق ذلك، أنا أصدقه في خبر السماء يأتي غدوةً أو عشيةً، يعني: أنا أصدق أنه رسول الله وأنه يوحى إليه فما يضيرني في أن أصدقه في أنه أسري به «صلى الله عليه وسلم» أو عرج به، فقيل له الصديق.
وكان يلقب أيضًا بالعتيق، وقد اختلفوا في وجه تلقيبه بذلك، ومن أشهر ما قيل في هذا وقد وردت فيه روايةٌ عند الترمذي وغيره أن الرسول قال له: «أنت عتيق الله من النار»، فهو رضي الله عنه ممن أعتق من النار وهو من أهل جنة العزيز الغفار.
همة أبي بكر الصديق وسبقه في الطاعات
أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه إذا أردنا أن نتحدث عن أوصافه وعن خصاله فإنَّك لا تجد بابًا من أبواب الخير إلا ووجدت أبا بكرٍ الصديق إليه سباقًا، تجده أول السابقين، ولم لا وقد صاحب الرسول «صلى الله عليه وسلم» وعاش معه كما يعيش الظل إلى ظله، لا يفرِّط في سواد رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، لذا فأنتم تعرفون الحديث المعروف الذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه حينما قال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» فقال أبو بكرٍ: أنا، قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «فمن تبع منكم اليوم جنازةً؟» قال أبو بكرٍ: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا» قال أبو بكرٍ: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا» قال أبو بكرٍ: أنا، فقال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة»، وكأنه لو أنَّ رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ظل يعدد خصال الخير لكان جواب أبي بكرٍ: أنا، أنا، لا يتركها، من وصل رحمًا سيقول أنا، من سبح الله سيقول أنا، من قرأ القرآن سيقول أنا، هذا أبو بكرٍ، وإذا كانوا يذكرون في تراجم بعض الأئمة والعلماء أنه لو قيل له إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا، يعني: يقولون في ترجمة بعضهم وفي سيرته: لو قيل له إن يوم القيامة غدًا ما كان عنده مزيدٌ، يعني: يقول ماذا عندي من زيادةٍ صلاةٌ صومٌ عبادةٌ طاعةٌ، ما كان عنده من مزيدٍ، فكيف بأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه سمت همته وعلت عزيمته لذا ما تراه في بابٍ من أبواب الخير مقصرًا بل تراه إمامًا فارسًا.
إن النبي «صلى الله عليه وسلم» قال كما في الصحيحين: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خيرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ باب الصَّلاَةِ، وإن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، وإن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان»، فقال أبو بكرٍ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورةٍ، فهل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها
فقال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «نعم وأرجو أن تكون منهم»، انظر إلى همته، الرسول «صلى الله عليه وسلم» يخبر أن من كان من أهل الصلاة يدعى من باب الصلاة، باب الجنة، باب الصلاة في الجنة، من كان من أهل الصيام يدعى من باب الريان، أبو بكرٍ يفكر في ماذا هل هناك إشكالٌ
هل هناك مانعٌ هل هناك حاجزٌ أو حاجبٌ يمنع دون أن يدعى إنسانٌ من كل هذه الأبواب من أبواب الجنة الثمانية فالرسول قال: «وأرجو أن تكون منهم» رضي الله تعالى عنه.
أبو بكر الصديق: البذل بلا حدود
أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان إمامًا في باب الصدقات والنفقات، وعمر رضي الله عنه يحدث حينما دعا النبي «صلى الله عليه وسلم» أصحابه إلى الصدقة، فجاء أبو بكرٍ بجميع ماله، جاء عمر بنصف ماله وقال: اليوم أسبق أبا بكرٍ إن كنت سابقه يومًا، فرصةٌ، سأتصدق بنصف مالي، فرصةٌ ذهبيةٌ، فجاء أبو بكرٍ يتصدق بجميع ماله، ماذا يصنع؟ ماذا يصنع عمر رضي الله عنه؟ ماذا يصنع أمام أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه؟ فجاء أبو بكرٍ بماله كله، قال له: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
وهنا مسألةٌ فقهيةٌ، لا يقال إن أبا بكرٍ كيف يأتي الرسول بكل ماله ويدع نفسه وأولاده عالةً يتكففون الناس قالوا: لا، لأنَّ أبا بكرٍ كان يكسب وكان يعمل فهو يستطيع أن يتكسب وأن يعف نفسه وأن يعف أهله، أما من كان عاجزًا فلا يبذل جميع ماله ثم يبقى عالةً يتسول على موائد الناس أو على عطاء الناس.
بل إن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان يجود بالمال وغيره، ها هو الرسول «صلى الله عليه وسلم» ذات مرةٍ يمر على من يصلي في المسجد، فعبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه يصلي، وقراءة ابن مسعودٍ قراءةٌ جليلةٌ وجميلةٌ، والرسول قال: «من سره أن يقرأ القرآن غضًا طريًا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبدٍ»، وأم عبدٍ هي أم عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه،
فالرسول سمعه يقرأ القرآن ويدعو فقال الرسول: «سل تعطه، سل تعطه»، اسأل ربك يا ابن مسعودٍ والله يعطيك.
وكان ابن مسعودٍ يدعو بدعواتٍ يقول: اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ومرافقة نبيك محمدٍ في أعلى جنان الخلد، دعواتٌ عاليةٌ، انتهى من صلاته وابن مسعودٍ لا يسمع الرسول «صلى الله عليه وسلم»، لا يعرف أن الرسول قال له ذلك، من الذي يبادر بالبشارة
أبو بكرٍ رضي الله عنه بادر وبشره: يا ابن مسعودٍ، ماذا كنت تقول؟ وبماذا كنت تدعو؟
فإنَّ الرسول قال: «سل تعطه»، يبشره، فجاء عمر رضي الله عنه ليبشر ابن مسعودٍ أيضًا فوجد أبا بكرٍ قد سبق، فقال: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا، حتى في البشارة وجد أن أبا بكرٍ رضي الله عنه قد سبقه إليها، هذا هو أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه.
اجتماع خصال أهل الجنة في أبي بكر
أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه حافظ سر رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، يحفظ سر الرسول لا يفشي سر الرسول «صلى الله عليه وسلم»، واسمع هذه القصة وهي في صحيح البخاري من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب2 رضي الله عنه: لما تأيمت حفصة، مات زوجها خنيس بن حذافة السهمي وكان من الصحابة الذين ماتوا بالمدينة، مات زوجها، مات زوج حفصة، من الذي مات
خنيس بن حذافة، هذا سيرد الآن في الأسئلة فانتبهوا، نعم، فلما تأيمت أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يعرض حفصة على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا فيه أنَّ لا بأس أن يعرض الرجل الصالح ابنته على رجلٍ صالحٍ، يعني: لا يضيرك أن تأتي إلى شابٍ صالحٍ وتقول له: أزوجك ابنتي، هذا لا حرج فيه، لا يضيرك في شيءٍ،
لا تقل إذن معناه جعلت ابنتي سلعةً رخيصةً، لا ليس كذلك، عمر بن الخطاب عرض حفصة على مَن؟ على عثمان،
فقال عثمان رضي الله عنه: سأنظر في أمري، فلبث أيامًا ثم قال: بدا لي ﴿إِلَّا﴾ أتزوج يومي هذا، ليس لي رغبةٌ في الزواج، فعرضها عمر على أبي بكرٍ، عرض عمر ابنته حفصة على أبي بكرٍ رضي الله عنه ليتزوجها،
فصمت أبو بكرٍ فلم يرجع إليه شيئًا، قال: فكنت أكثر وَجْدًا على أبي بكرٍ من عثمان، يعني: وجد على أبي بكرٍ، أبو بكرٍ لم يرد عليه، صمت، يعني: ما قال له سأفكر سأنظر، صمت أبو بكرٍ ولم يتكلم ولم يرجع إليه شيئًا، فوجد عمر على أبي بكرٍ، كيف لا يرد عليه حتى لو بالرفض؟
فمضت أيامٌ أو فلبث لياليَ ثم خطبها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» من الذي خطب حفصة رسول الله، فزوجها إياه، فقال له أبو بكرٍ رضي الله عنه: يا عمر لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فصمت ولم أرجع إليك شيئًا قال: نعم، أنت لم ترد علي،
قال له: إني علمت أن رسول الله قد ذكرها فما كنت لأفشي سر رسول الله، ولو أنَّ رسول الله تركها قبلتها، تأمَّل! قال: أنا علمت أن الرسول ذكر حفصة، ومعنى أن الرسول ذكر حفصة إذن الرسول ربما تقدم، فما كان أبو بكرٍ ليتقدم بين يدي الرسول ولا ليفشي سر الرسول، فماذا يصنع أبو بكرٍ؟ لو تكلم لأفشى سر الرسول، والرسول قد ائتمنه على هذا السر بأبي هو وأمي «صلى الله عليه وسلم»، هذا عن أبي بكرٍ رضي الله عنه وحفظه لسر رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وطرفٌ عن أمانته.
ثبات أبي بكر الصديق وشجاعته في نصرة الحق
أما إذا أحببت أن تسمع طرفًا عن حزم أبي بكرٍ وثبات أبي بكرٍ رضي الله عنه حتى لا تتوهم أن أبا بكرٍ رضي الله عنه الذي لا يملك عينيه من البكاء حين يقرأ القرآن ليس بشجاعٍ، فقد شهد علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بأن أبا بكرٍ كان أشجع الصحابة، وأن الرسول لما جلس في عريشه في غزوة بدرٍ قالوا: من يقف إلى جوار رسول الله يحميه فوقف أبو بكرٍ ليصد أي أذًى يتأتى لرسول الله «صلى الله عليه وسلم» ﴿مِنْ أَىِّ﴾ جبهةٍ، ولما كان فتح مكة كان أبو بكرٍ رضي الله عنه على رأس المهاجرين على الميمنة مع رسول الله محمدٍ «صلى الله عليه وسلم».
أما عن حزم أبي بكرٍ وثباته في الرأي وفي القرارات فانظر إليه رضي الله عنه عند صلح الحديبية، النبي «صلى الله عليه وسلم» وافق على صلح الحديبية مع أنَّ الناظر لأول وهلةٍ يجد أن في ذلك إجحافًا كبيرًا بالمسلمين، لأنَّ الصلح كان من بنوده أنه من يجيء من المشركين يعلن الإسلام يجب على الرسول أن يرده إلى المشركين،
ومَنْ يأتي من المسلمين إلى المشركين فإنَّ المشركين لن يردوه، وسترجعون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون دون أن تعتمروا في هذا العام، شروطٌ قاسيةٌ على المسلمين، الصحابة جاؤوا معتمرين ما جاؤوا مقاتلين، يصدهم المشركون عن بيت الله الحرام وعن أداء العمرة وهم يلبسون ملابس الإحرام وقد أخبرهم الرسول بأنه رأى أنهم سيطوفون:
﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ3 ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (الفتح: 27)،
النبي «صلى الله عليه وسلم» وافق على الصلح وربنا بين أن هذا فتحٌ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾4 (الفتح: 1).
فيه لا يضيرك في شيء لا تقل إذن معناه جعلت ابنتي سلعة رخيصة لا ليس كذلك عمر بن الخطاب عرض حفصة على مَن؟ على عثمان
عمر رضي الله عنه اشتد عليه الأمر، نحن نؤمر بالحلق وبالنحر وأن نعود ومَنْ يسلم من المشركين نرده إليهم فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ألسنا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وهم على الباطل فقال له الرسول: «بلى»، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال الرسول: «بلى»، قال: فلمَ نعطي الدنية في ديننا نقاتلهم حتى نقتل، نحن لا نخاف أحدًا، فلمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له رسول الله: «صلى الله عليه وسلم»: «إني رسول الله حقًا وإن الله ناصري وإن الله لن يضيعني::»، فقال له: يا رسول الله أولست كنت تحدثنا أننا سنطوف بالبيت
قال: «بلى، أفحدثتك أنك ستطوف به العام؟» قال: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوفٌ به» إن شاء الله،
شديدةٌ على عمر، عمر ماذا يصنع؟
ذهب إلى أبي بكرٍ، أبو بكرٍ ما يسمع الحوار الذي دار بين عمر مع رسول الله، الذي دار بين الرسول وعمر أبو بكرٍ ما يسمعهما،
عمر توجه إلى أبي بكرٍ فقال: يا أبا بكرٍ ألسنا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وهم على الباطل
قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار
قال: بلى، قال: فلمَ نعطي الدنية في ديننا
فقال له أبو بكرٍ: بالحرف: إنه لرسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فالزم غرزه،
لم يزد إلا جملةً: فالزم غرزه،
الكلمات نفسها التي قالها الرسول يقولها أبو بكرٍ لا تختلف،
فقال: أوليس قد حدثنا أننا سنطوف بالبيت؟ قال: بلى، أوَحدَّثك أنك ستطوف به العام؟ فإنك آتيه ومطوفٌ به، انظر،
إنه الصديق كما قلت: تدق دقات قلبه على دقات قلب رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، لا يخرم شيئًا من أمر الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم».
ثبات أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه عند وفاة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»
والموقف الثاني عند وفاة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، والمدينة أصابها ما أصابها حين أصيبت الأمة بفقد رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إمام النبيين وخاتم النبيين والمرسلين «صلى الله عليه وسلم»، أبو بكرٍ رضي الله عنه دخل على الرسول فوجده قد مات فقبله وقال له: طبت حيًا وطبت مَيِّتًا يا رسول الله، والله «لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ» أبدًا، ثم خرج أبو بكرٍ، وتصور أبو بكرٍ كم كان يحب الرسول، لكن الموقف موقف ثباتٍ، أبو بكرٍ رضي الله عنه يجل الرسول ويحبه لا يفرِّط فيه لكن اليوم ثباتٍ، مات إمام الأمة لكن لن تموت الأمة، مات إمام الدعوة لكن لن تموت الدعوة، مات رسول الله، لكن الله حيٌّ لا يموت، وقف أبو بكرٍ الصديق وعمر رضي الله عنه يقول: والله ليرجعن رسول الله وليقطعن أيدي رجالٍ وأرجلهم، الرسول سيرجع، ذهب مثل موسى لميعاد ربه ثم يرجع وسيقطع أيدي أناسٍ وأرجلهم، قال له أبو بكرٍ رضي الله عنه: على رسلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرجل، في بعض الروايات أن عمر توقف وفي بعضها أن عمر لم يتوقف، فوقف أبو بكرٍ يخطب في الناس «فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ» فعطف الناس على أبي بكرٍ وتوجهوا إليه وتركوا عمر، وهو يقول لهم قولته المعروفة وهي في الصحيح: من كان يعبد محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌ لا يموت، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾56 (آل عمران: 144)،
قالوا: فكأنهم ما سمعوا الآية إلا يومئذٍ من أبي بكرٍ، أغلب الناس وهم يسمعون الآية كأنهم ما سمعوها إلا وقتئذٍ،
وفي رواية البخاري: فنشج الناس يبكون، يعني: أن الخبر حقٌ وأن الرسول مات لن يعودوا لرؤيته مرةً ثانيةً، عرفوا ذلك حينما سمعوا الآية، فما منهم أحدٌ إلا يرددها وهو يسير في المدينة يردد:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ (آل عمران: 144)، فانظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه مع أنَّه أحب الناس إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» من الرجال، مع أنَّه يجل رسول الله لكن المقام مقام ثباتٍ، هكذا كان أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه.
ثم هناك مواقف أخرى في ثبات أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه حينما حارب المرتدين وأنفذ جيش أسامة رضي الله تعالى عنه إلى غير ذلك من مواقف نتركها بإذن الله تعالى للقاءٍ مقبلٍ، نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 33 ↩
- تعليق: ي سر الرسول «صلى الله عليه وسلم»، واسمع هذه القصة وهي في صحيح البخاري من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب — كتاب: «صحيح البخاري». الذكر في الدرس: صحيح البخاري. ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 27 ↩
- آية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 1 ↩
- آية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 144 ↩
- آية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 144 ↩
من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)