أولئك آبائي فجئني بمثلهم - فوائد مدارسة سير الأعلام الأكابر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
أولئك آبائي فجئني بمثلهم - فوائد مدارسة سير الأعلام الأكابر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع هذه المجالس ومع هذه السلسلة أولئك آبائي فجئني بمثلهم درر وجواهر من سير الأعلام الأكابر، هذه السلسلة قصدت بها أمورًا من أهمها الوقوف على بعض الأقوال الحكيمة التي صدرت من كلام أولئك الأعلام من أجيالنا السابقة، نسأل الله سبحانه أن يلحقنا بالصالحين، فإنَّ أقوالهم وحكمهم نبراس لنا يضيء لنا الطريق بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وكذلك أردت بذلك ذكر بعض المواقف النبيلة التي يحتاج إليها المسلم ليتعرف عليها ويستفيد منها في أخلاقه وفي سيرته وفي عبادته وفي معاملاته، أذكر نبذًا، ولست بذلك أدعي أنني سأمر عليهم جميعًا، وأنى لي أن أصل إلى شيء من ذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ هي تراجم لبعض من يسر الله سبحانه وتعالى أن أتحدث عنه من أولئك الأكابر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال.
في هذا الشهر المبارك شهر رمضان جدير بنا أن تعلو هممنا وأن تقوى عزائمنا، ومما يعلي الهمة ومما يقوي العزيمة معرفة سير هؤلاء الأئمة الأكابر: كيف كان اجتهادهم، كيف كانت عبادتهم، كيف كان تعاملهم، كيف كان خشوعهم، كيف كان إقبالهم، كيف كان طلبهم للعلم، إلى غير ذلك مما يتعلق بسيرهم العطرة.
ومن الأهمية بمكان أن أجعل هذا الدرس، وهو المجلس الأول من مجالس هذه السلسلة، أن أجعله حديثًا لبيان بعض الفوائد التي يحصل عليها المسلم حينما يدرس تلك التراجم، وحينما يسمع تلك المواقف، وحينما يسمع تلك الأقوال التي صدرت عن هؤلاء السادة الأكارم الذين جعل الله لهم ﴿لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْءَاخِرِينَ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، من فوائد دراسة هذه السير المباركة تقوية العزيمة وشحذ الهمة والتنافس في الخير بكل أبوابه وبكل صنوفه، فالإنسان حينما يرى غيره قد جد واجتهد وزرع وحصد بفضل الله سبحانه وتعالى تقوى همته، لذلك قص الله عز وجل علينا قصصًا في القرآن الكريم، وذلك لأنَّ القصص يقوي العزيمة، وقصص الأنبياء على وجه الخصوص يثبت به الفؤاد، ولذلك قال الله: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ﴾1 (هود: 120).
وكذلك دراسة سيرة العلماء الأكارم الأكابر الذين كانوا يقتدون بصحابة النبي «صلى الله عليه وسلم»، يقتدون بالرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» وأصحابه رضي الله عنه عنهم، لا شك أن سيرتهم تؤثر في النفس، ولذلك قالوا: الحكايات جند من جنود الله سبحانه وتعالى يقوي الله تبارك وتعالى بها قلوب أوليائه، الحكايات والقصص جند من جنود الله يقوي الله عز وجل بها قلب العبد، فإذا تعلم تلك السيرة قوي فؤاده وثبت قلبه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على دينه، يا أيها الإخوة الكرام، ومن فوائد دراسة هذه السيرة وتلك التراجم أيضًا:
تراجم الرجال
مدارس الأجيال، ولذلك كان بعضهم يقول: ما رأيت أنفع لقلب العبد من سيرة الرجال من سيرة الصالحين، لأنك حينما تقرأ تلك السير تجد فيها الأخلاق الفاضلة، تسمع عن كرم فلان فتحب الكرم، تسمع عن شجاعة فلان فتحب الشجاعة، تسمع عن صدق فلان ووفائه فتحب الوفاء، تسمع عن عبادة فلان وورعه وزهده فتحب هذه الأخلاق الفاضلة وتلك الصفات الجميلة، نسأل الله الكريم أن يوفقنا لما يحب ويرضى. ومن فوائد دراسة هذه السير، سير العلماء الأكارم الأكابر، يا أيها الإخوة الكرام، حصول البركة عند ذكر تلك السيرة ونزول الرحمة، فإنَّ الرحمة تتنزل عند ذكر الصالحين كما ورد عن عدد من الأئمة الأعلام، يقول سفيان بن عيينة رحمه الله: «عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة»، فنسأل الله أن يرحمنا برحمته الواسعة.
وقد قال النبي «صلى الله عليه وسلم»: البركة مع أكابركم، جدير بنا أن نذكر الأكابر وأن نعلم تلك السير لأولادنا لأبنائنا لأنفسنا لأزواجنا لأقاربنا، في الوقت الذي غاب عن الكثيرين معرفة أولئك، بل معرفة أسمائهم فضلًا عن أخبارهم وسيرهم.
من فوائد دراسة هذه التراجم لأولئك الأعلام الأكارم الأكابر رحمهم الله تعالى أن يعرف الإنسان قدر نفسه، فبعض الناس قد يغتر بنفسه حينما يقارن نفسه بحال أقرانه وبحال أصحابه، يرى أنه يحافظ على الصلوات الخمس وأنه قد يصوم بعض النوافل وأنه يفعل ويفعل، فهو على حال لا يصل إليها أحد، لكنه حينما يطالع أخبار السابقين لا يرى نفسه شيئًا، ولذلك كان بعضهم يقول: إذا ذُكر السلف افتضحنا، أي: افتضح أمرنا، علم أن فينا خللًا وأن فينا عيبًا، أين نحن من هؤلاء
أين نحن من هؤلاء؟ ذهب الذين يُعاش في أكنافهم، وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجرب، الإنسان حينما يرى حال أولئك الأعلام أولئك آبائي فجئني بمثلهم، يعلم تقصيره وتفريطه في جنب الله سبحانه وتعالى. كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، من فوائد دراسة هذه السيرة أننا نستغني بها عن قلة العلماء العاملين، كثير منا يشكو الحال ويقول: لا أرى قدوة أقتدي بها، وإذا رأيت من أقتدي به فإنني لا أراه إلا مرة في العام أو مرة في الشهر، قلت: فلنا في هؤلاء قدوة حسنة، طالع كتب أولئك الأعلام، اقرأ في سيرهم، تعلم منهم، فأنت إذا تعلمت وإذا قرأت وإذا سمعت عن أخبارهم صار لديك رصيد غذائي يقوي قلبك ويشحذ همتك فتقبل على الطاعة، فاتني أن أرى الديار بطرفي
فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي، ولذلك عبد الله بن المبارك رحمة الله تعالى ربما ترك أصحابه وكان يخلو بنفسه كثيرًا، فلما قيل له: ﴿إِلَّا﴾ تستوحش انفرادك ومكثك مع نفسك، فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي «صلى الله عليه وسلم» وأصحابه، ويقصد بذلك أنا مع النبي «صلى الله عليه وسلم» أي: مع سنة الرسول، أي: اقرأ الأحاديث وأطالع السنة، ومع أصحابه أي: مع سيرة الصحابة رضي الله عنهم.
فالإنسان يستغني بذلك ويجد في ذلك الكفاية حينما يرى قلة من يقتدي به، فإذا أراد بابًا في العلم وجد من يقتدي به فيه، أراد بابًا في الصدق في الإحسان في البر للوالدين في كل أبواب الخير سيجد في ذلك القدوة الحسنة حينما يطالع سيرة أولئك الأكابر، ومن فوائد دراسة هذه التراجم، يا أيها الإخوة الكرام، تعريف جيلنا وتعريف أمتنا بفضل أولئك الأعلام وقدرهم، تعريفهم بأن لنا قدوات حسنة نقتدي بهم في شتى المجالات، فكثير من شبابنا وللأسف الشديد ﴿أَنَّمَا﴾ همه أن ينظر إلى هذا وذاك ممن لا خلاق له أو ممن لا أخلاق له يبتعد كثيرًا عن طاعة الله سبحانه وتعالى، أسأل هؤلاء الشباب: من قدوتك؟ بمن تقتدي؟ ماذا تعرف عن أولئك الأمجاد، عن أولئك الأكارم؟ نريد أن نُعرِّفهم بهؤلاء ليعرفوا قدرهم وفضلهم، وأن هؤلاء كان لهم شأن ليس في العلم فحسب، ليس في العبادة فحسب، وإنَّما في المعاملات مع الناس أيضًا وفي أمور الدنيا كذلك.
فمنهم من كان يتجر، لكن كيف كان يتجر وكيف كان يتعامل مع الناس، هذا نتعرف عليه من خلال سيرة أولئك الأكابر، ولا شك، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، أننا إذا عرفنا سيرة أولئك الأكابر أحببناهم، أحببناهم وسألنا الله سبحانه أن يلحقنا بالصالحين، والرجل الذي سأل النبي «صلى الله عليه وسلم» عن الساعة قال: «وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: المرء مع من أحب».
فنحن نحب الصالحين وإن لم نكن مثلهم، ونرجو أن نتشبه بهم، فإنَّ التشبه بالكرام فلاح. ومن فوائد دراسة هذه السير لأولئك المباركين الموفقين بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ الاستفادة من تجاربهم وخلاصة أفكارهم، فأنت حينما تقرأ سير أولئك وقد ابتلوا وتعرضوا لمحن شديدة: كيف تعاملوا معها كيف تعاملوا مع الناس كيف تعاملوا مع المغريات كيف تعاملوا مع الشهوات فهذا كله يعطينا خلاصة وأفكار نبيلة نعيش بها في تلك الحياة، ولذلك قالوا: التاريخ ذاكرة الأمة، يا أيها الإخوة الكرام، هذه بعض الفوائد وغيرها كثير مما يحصل عليه المسلم بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ حينما يطالع سير أولئك الأعلام الأكابر الأكارم الذين جعل الله عز وجل لهم ﴿لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْءَاخِرِينَ﴾، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يلحقنا بالصالحين، وأن يجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ — كما ورد في الدرس: هود 120 ↩
من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)