مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قطوف من حياة بلال بن رباح رضي الله عنه

المبشرون بالجنة · الدرس 1 من 12 · 22 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

بلال بن رباح رضي الله عنه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن المبشرين بالجنة، وقد منَّ الله عز وجل علينا ففرغنا من الحديث عن هؤلاء العشرة المباركين الذين ذكر الرسول «صلى الله عليه وسلم» أنهم في الجنة في حديثٍ واحدٍ ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، وتقدَّم يا أيها الإخوة الكرام أن المبشرين بالجنة أكثر من عشرةٍ، فقد بشر الرسول «صلى الله عليه وسلم» بعض أصحابه ببشاراتٍ تدلنا على أنهم من أهل الجنة بفضل الله وكرمه.

ومن هؤلاء الأصحاب الأجلاء الذين نالوا وأحرزوا هذه البشارة الصحابي الجليل الذي كان يدوي صوته في السماء، إنه مؤذن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بلال بن رباح رضي الله عنه.

بلال بن رباح رضي الله عنه: من العبودية إلى السيادة بالإسلام

قال عمر رضي الله عنه عن أبي بكر الصديق، يتحدث الفاروق عمر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيقول: «سيدنا وأعتق سيدنا»،

عمر رضي الله عنه يقول عن أبي بكر: سيدنا أي: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، من هو؟ بلال،

فعمر رضي الله عنه يطلق على بلال بن رباح أنه سيده، هذا يدلك على شرف هذا الصحابي الجليل الذي كان عبدًا يباع ويشترى فأعزه الله بالإسلام وبقي ذكره.

وها نحن نذكره ونترضى عنه وقد كان عبدًا يباع ويشترى، لأنَّ المقدم في هذا الدين من قدمه الله جل وعلا بطاعته وامتثال أمره، فالمقدم من أطاع الله والمؤخر من عصى الله عز وجل.

«لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ ولا لأبيض على أسود إلا ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾»، هذا هو المقياس وذاك هو المعيار والميزان: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾1 (الحجرات: 13).

بلال بن رباح رضي الله عنه كانت أمه يقال لها: حمامة، وكانت معروفةً بالسواد وهي أمةٌ من الإماء، فكان يقال لبلال: يا ابن السوداء رضي الله عنه، وكان بلال رضي الله عنه من حصة بعض الأيتام، مات أبوهم لكنه أسند أمرهم إلى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية بن خلف هو القائم على أمر بلال، هو الذي يفعل به ما يشاء. فلما أذن الله جل وعلا ببعثة نبيه محمد «صلى الله عليه وسلم» كان بلال رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام.

وكثيرٌ من هؤلاء الذين ذاقوا مرارة الضعف والذل والظلم ما إن سمعوا عن الإسلام إلا ودخلوا فيه لما رأوا فيه من تمام العدل والعز، فكان بلال رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام رضي الله عنه.

صبر بلال رضي الله عنه على أذى المشركين

ومن المعروف أنَّ صناديد المشركين كانوا يترصدون لأولئك الذين ﴿يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ﴾ رب العالمين فيسومونهم أشدّ أنواع العذاب، ولربما كان لبعضهم، أعني من الصحابة ممن أسلم، من يغضب له ويحميه ويدافع عنه، وأما بلال فمَن يدافع عنه وهو المستضعف؟ الذي يُباع ويُشترى وكان من قسوة قلوب أولئك الكافرين أنهم ينتظرون وهج الشمس واشتداد الحر، ثم بعد ذلك ما يكون منهم إلا أن يجردوا هؤلاء الذين يريدون تعذيبهم من أهل الإسلام، يجردونهم من ثيابهم ويلبسونهم لباسًا من الحديد ثم يحمون الحجارة ويلقونهم على الرمل من شدة حرارة الرمال مع الجلاميد، كل ذلك يذيب ودك ظهور أولئك المعذبين وهم ثابتون يصبرون على ذلك الأذى ابتغاء مرضاة الله عز وجل ولربما طلب من أحدهم أن يسب دين محمد أو أن يسب محمدًا «صلى الله عليه وسلم»، والإسلام دين الرحمة واللطف، فربنا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾2 (النحل: 106).

وقد جاء عمار رضي الله عنه إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يشكو له ما وقع منه إذ ما تركوه حتى قال في رسول الله ما يكره، فقال له: «إن عادوا فعد» ما دام أن قلبك مطمئنٌ بالإيمان.

بلال رضي الله عنه يعذبونه، يعذبه أمية ويصنع به ما يشاء إلى أن يتعب من كثرة تعذيبه فيلقيه أو يعطيه للأطفال والصبيان يركلونه ويرمونه هنا وهنالك،

وكلما قالوا له: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ في محمدٍ شيئًا أو ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ في دينه، لا يزيد عن أن يقول: أحدٌ أحدٌ، لا يزيد عن أن يقول هذا: أحدٌ، فهو موحدٌ لله عز وجل وإذا كان المشركون كما قال الله سبحانه وتعالى ذاكرًا قولهم: ﴿أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾3 (ص: 5) وهو ورب الكعبة الحقيقة وعين الحقيقة، فما من إلهٍ إلا ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، يقول: أحدٌ، يعذب يقول: أحدٌ، لا يزيد على ذلك.

إعتاق بلال رضي الله عنه وثمن حريته

علم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأمره فأراد أن يعتقه، أن يشتريه ويعتقه لله رب العالمين،

فجاء إلى أمية بن خلف ليشتري منه بلالًا فغلى في سعره حتى وصل بسعره إلى تسع أواقٍ ذهبيةٍ، وقد ذكر بعض من يقدر ذلك أن الأوقية أو الوقية الذهبية تصل إلى 30 جرامًا ﴿وَقِيلَ﴾ إلا قليلًا،

وبعضهم قال تختلف باختلاف البلدان، يعني: 270 جرام ذهب.

بعضهم قال 27 ده بتقدير أهل مصر لكن فيما قبل قالوا حوالي 29 وثلاثة أرباع، لو حسبناها بـ27 جرامًا كما هو موجودٌ الآن، 27 في تسعة،

الشاهد أنَّه غلى في سعره لعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه يمتنع عن شرائه، فوافق أبو بكر الصديق واشتراه بهذا.

فقال له: لو لم ترضَ إلا بواحدةٍ لأعطيتكَه، أنت لو كنت أصريت وقلت لا أنا مش دافع فيه تسع أواقٍ، هدفع فيه واحدة كنت سأعطيه لك، قال له: أنت لو طلبت فيه 100 لأعطيتك، لو طلبت فيه 100 لأعطيتك، ثم أعتقه لوجه الله عز وجل فصار حرًا يعبد ربه سبحانه وتعالى، ليس هناك أحدٌ سيدًا له من البشر بمعنى ليس هناك من يصنع به ما يشاء من بيعٍ وشراءٍ إلى غير ذلك.

بلال رضي الله عنه: مؤذن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»

بلال رضي الله عنه لازم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واختصه الرسول «صلى الله عليه وسلم» ببعض الأمور من أعظمها وأجلها وأشهرها «الأذان»

وذلك «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه وهو أحد الأصحاب رأى رؤيا في المنام.

"رأى رجلًا يأتيه ويقول له: ماذا تصنع يا عبد الله قال: نبيع أو نشتري ناقوسًا نريد أن نؤذن، يعني: نريد أن نعلم الناس بوقت الصلاة، فقال: ﴿إِلَّا﴾ أدلك على ما هو خيرٌ من ذلك؟ أن تقول إذا حضر وقت صلاةٍ: "الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»، «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، [مقطع أذان متداخل مع الدرس؛ يُفصل عن كلام الشيخ مع الإبقاء على موضع الفاصل في التسجيل]، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله«، ثم ذكر له الإقامة.»

استيقظ عبد الله بن زيد فجاء ليخبر الرسول «صلى الله عليه وسلم» كما عند أحمد وأبي داود وغيرهما، فقال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله»4، وفي بعض الروايات أن عمر جاء يجر رداءه فقال: يا رسول الله رأيت الذي رأى، يعني: رأى عمر أيضًا في هذه الليلة مثل ما رأى عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه، فقال الرسول: «فلله الحمد».

فقال الرسول «صلى الله عليه وسلم» لعبد الله بن زيد: «قم فألقه على بلال لينادي به فإنه أندى صوتًا منك».

يقول لعبد الله بن زيد: هذه الكلمات التي رأيتها التي استمعت إليها في الرؤيا قم وألقها على بلال حتى يرفع بها بلال الأذان فإنَّه أندى صوتًا منك.

وهذا فيه أنَّ الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان يقدم الأكفاء، فالرسول «صلى الله عليه وسلم» قدم الأكفاء، فالمناسب للأذان من كان أندى صوتًا، مع أنَّ عبد الله بن زيد هو صاحب الرؤيا، ومع ذلك لما جاء ليقدم قدَّم من هو أكفأ في هذا الأمر. صلوات الله وتسليماته عليه.

فقدم بلالًا وصار مؤذن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وقد كان يؤذن للرسول «صلى الله عليه وسلم» كما كان يؤذن له أبو محذورة رضي الله تعالى عنه إلى غير ذلك، وكذلك عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه عنهم أجمعين.

هجرة بلال رضي الله عنه وحنينه إلى مكة

بقي بلال رضي الله عنه على ذلك يؤذن لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهاجر مع النبي «صلى الله عليه وسلم» من مكة إلى المدينة.

هاجر بلال رضي الله تعالى عنه مع بعض الصحابة فكان في المدينة النبوية فأصيب بالحمى الشديدة، أصيب بلال رضي الله عنه بحمى شديدةٍ لأنَّ حمى يثرب كانت شديدةً، حمى المدينة كانت شديدةً جدًّا، فلما قدم المدينة أصيب بها، والرسول «صلى الله عليه وسلم» دعا لأهل المدينة ودعا الله عز وجل أن ينقل حماها إلى الجحفة، يعني: هذه الحمى تنقل من المدينة، وكان هذا بفضل دعوة رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فكان بلال رضي الله عنه يقول:

أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ

وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ … وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ

يعني: بلال رضي الله عنه حينما أصيب بالحمى وهو في المدينة يتذكر أيام مكة، يقول يعني: أرجع ثاني أرى الإذخر؟ النبات نبات أهل مكة، وشامة والطفيل هذان جبلان بمكة.

سبحان الله، بلال رضي الله عنه يتذكر أيام مكة مع ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يصنع به في مكة ما يصنع، كان يُعذَّب وكان يصنع به كيت وكيت، لكنه يعرف فضل بلد الله الحرام وأن مكة ما كان ليحب أن يخرج منها لولا أنهم أخرجوه منها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فيتذكر مكة لأنَّ هؤلاء استعذبوا العذاب ابتغاء مرضاة الله فصار العذاب عذبًا على قلوبهم أنهم يبتغون من ورائه مرضاة الله عز وجل.

بلال مؤذن الفتح: من التعذيب إلى الأذان في مكة

ومرت الأيام وبلال رضي الله عنه يغزو مع رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إذا غزا غزوةً كان مع النبي «صلى الله عليه وسلم»، بل ذكر بعض أهل السير أن النجاشي أهدى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعض الهدايا، فمن ذلك أن الرسول اتخذ رمحًا فجعل هذا الرمح بيد بلال، فكان بلال يسير به أمام النبي أو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فلما خرج رسول الله «صلى الله عليه وسلم» من المدينة إلى مكة فاتحًا وفتح مكة أراد الرسول «صلى الله عليه وسلم» أن يدخل الكعبة، ليدخل في داخل الكعبة صلوات الله وتسليماته عليه، وكان صاحب المفتاح مفتاح الكعبة عثمان بن طلحة رضي الله عنه، والرسول قال: «اليوم يوم بر ووفاء»،

لأن بعضهم طلب من الرسول أن يأخذ مفاتيح مكة فرفض الرسول بل يبقيها مع من كان يمسكها ومع من كانت معه وقال: «اليوم يوم بر ووفاء».

الشاهد أنَّ الرسول لما دخل صلى الله عليه وآله وسلم في داخل الكعبة قالوا: إن الذي دخل معه حينئذٍ هو أسامة بن زيد حِبُّه وابن حِبِّه وبلال بن رباح، الرسول وبلال وأسامة رضي الله عنه عنهم.

وذكر أهل السير أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» أمر بلالًا رضي الله عنه أن يصعد فوق الكعبة لينادي في المسلمين بالأذان، فينادي في مكة بالله أكبر بعد أن كان فيها 360 صنمًا،

الرسول لما دخل مكة فاتحًا جعل يطعن بيده في هذه الأصنام وفيها 360 صنمًا وهو يقول:

﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾5 (الإسراء: 81)، فرفع بلال رضي الله عنه الأذان، ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كان يقول: أحدٌ وهو تحت وطأة التعذيب، والآن يرفع صوته،

وأين صناديد المشركين أين كبارهم أين زعماؤهم أين هم

أين مَن يرد عليه وهو يقول: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» «صلى الله عليه وسلم» فعلاً صوته مدويًا بهذه الكلمات الرقراقة الجميلة في مكة المكرمة، ثم عاد مع رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إلى المدينة النبوية وبقي مع الرسول «صلى الله عليه وسلم» إلى أن توفاه الله.

بشارة النبي ﷺ لبلال وفضل دوام الوضوء والصلاة

وسبب أننا ذكرنا بلالًا رضي الله عنه أن النبي «صلى الله عليه وسلم» ذات يومٍ عند صلاة الفجر قال لبلال رضي الله عنه، وأصل الحديث في الصحيحين وعند ابن حبان وغيرهم،

قال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «يا بلال دلني ع6لى أرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك في الجنة»

الرسول عند الفجر بلال يأتي ليوقظه، كان يأتي إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فقال له: يا بلال دلني ما أرجى عملٍ عملته في الإسلام لأنني سمعت صوت خشفة،

وفي روايةٍ: «دف نعليك في الجنة»

فقالوا: هذا يدل على أنه من أهل الجنة بهذه البشارة

فقال: والله ما أرى أو ما أظن أو ما أحسب أن عملًا أرجى في نفسي من أنني لم أتطهر طهورًا إلا صليت به ما قدر الله لي أن أصليه، هذا أرجى عملٍ يراه بلال رضي الله عنه أنه ما تطهر طهورًا،

في الرواية قال: في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ إلا صليت لله ما قدر لي أن أصلي، فكان هذا من أرجى الأعمال

وفي بعض الروايات: ما أحدثت حدثًا إلا توضأت.

فعلى هذه الرواية فيه أنه يستحسن من الإنسان ويستحب له إذا أحدث أن يتوضأ،

وفي الحديث: «ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، ثم إذا توضأ فإنَّه يصلي لله عز وجل بعد هذا الوضوء، فهذا عملٌ عظيمٌ عمله بلال رضي الله عنه وأقره النبي «صلى الله عليه وسلم» وقد جاء في الحديث: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فيهما نَفْسَهُ غفر له ما تقدم من ذنبه».

وفاء بلال رضي الله عنه بعد وفاة النبي ﷺ ولقاء الأحبة

فلما توفي الرسول «صلى الله عليه وسلم» وفارق الحبيب حبيبه

قام بلال ليؤذن في الناس، فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ما كاد يُكملها حتى بكى وبكى كل السامعين له، وقد تعود إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله أن يستحضر الرسول «صلى الله عليه وسلم»، فقد ووري الرسول «صلى الله عليه وسلم» وهو ينادي بذلك في مسجد الرسول «صلى الله عليه وسلم» فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، احتبس صوته من شدة البكاء، فعاد في الأذان الذي بعده كلما جاء يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله لم يتمالك من البكاء، فبعد مضي ثلاثة أيامٍ أتى إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه

وقال: إنني لا أستطيع أن أؤذن لأحدٍ بعد رسول الله فاتركني أكون في الثغور ببلاد الشام، فتردد أبو بكر، كيف يترك بلالًا يذهب إلى بلاد الشام ويفرِّط في المدينة وقد كانوا يسمعون صوته الشجي الندي في الأذان

فقال له بلال رضي الله عنه: إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت أعتقتني لله فاتركني وشأني، فقال: لا والله، ﴿أَنَّمَا﴾ اشتريتك لله وأعتقتك لله، فتركه، فذهب إلى بلاد الشام ليبقى هناك بقية عمره يحتسب الأجر والثواب عند الله.

ومرت الأيام ومات أبو بكر رضي الله عنه ثم كان عمر وكانت الفتوحات، فكان من ضمن الفتوحات أن توجه عمر إلى بلاد الشام، فلما توجه إلى بلاد الشام لقيه بلال، وعمر رضي الله عنه في شوقٍ لبلال يريد أن يراه، كيف وقد كان يقول: سيدنا، وبلال في شوقٍ إلى عمر، فلما رآه تعانقا، ثم ألحوا عليه وطلبوا منه أن يُسمعهم الأذان، فأذن في هذا اليوم حينما جاء عمر رضي الله تعالى عنه، فبكى الجميع حينما سمعوا أذان بلال الذي ذكرهم بالعهد السابق أيام رسول الله «صلى الله عليه وسلم».

فلما حضرت بلالًا رضي الله عنه الوفاة وكان في السكرات بكت عليه زوجته وهي تقول: واحزناه واحزناه، فكان يردد لها ويقول: لا والله بل وافرحاه وافرحاه، غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه، غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه.

رضي الله عن بلال، رفعه الله بالأذان ورفعه الله بالإسلام ورفعه الله بالصلاة ورفعه الله بصحبة النبي عليه الصلاة والسلام، نسأل الله أن يلحقنا بالصالحين وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال، هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 13 ↩
  2. آية: ﴿إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 106 ↩
  3. آية: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 5 ↩
  4. حديث: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله» — نسبة الشيخ: أبي داود ↩
  5. آية: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 81 ↩
  6. تعليق: ه وسلم» ذات يومٍ عند صلاة الفجر قال لبلال رضي الله عنه، وأصل الحديث في الصحيحين وعند ابن حبان وغيرهم، قال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «يا بلال دلني ع — كتاب: «الصحيحين». الذكر في الدرس: الصحيحين. ↩

من سلسلة: المبشرون بالجنة (12 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة