أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (سفيان الثوري) رحمه الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (سفيان الثوري) رحمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أولئك آبائي فجئني بمثلهم، درر وجواهر
نحن اليوم على موعد مع إمام جليل ومحدث عظيم من أئمة المسلمين إنه سفيان بن سعيد الثوري رحمة الله تعالى نعم سفيان الثوري الذي لُقِّب بأمير المؤمنين في علم الحديث
يقول أبو حنيفة رحمه الله لو كان الثوري في التابعين لكان له فيهم شأن. يعني: أن الثوري ليس من التابعين لكنه لو وجد في عصرهم لكان له شأن. وذلك أنَّ سفيان الثوري ولد سنة سبع وتسعين من هجرة النبي الأمين «صلى الله عليه وسلم»
ولسفيان الثوري شأنٌ منذ صغره فشيخه أبو إسحاق السبيعي كان إذا رأى سفيان مقبلًا يقرأ وآتيناه الحكم صبيًّا. يعني: أنه ذو قدر وذو حكمة وذو فضل وعلم
رحمه الله رحمة واسعة بل إن بعض أصحابه كانوا يقولون: إن سفيان الثوري حجة بين الله وخلقه ويقال للخلق لم تدركوا نبيكم، لكنكم أدركتم سفيان الثوري ما ذلك إلا لأنه ينشر بين الناس العلم المنقول
من كتاب الله ومن سنة رسوله «صلى الله عليه وسلم» عبد الله بن المبارك وهو من هو في العبادة والفضل والمكانة والقدر يقول في حق سفيان الثوري ما نُعِت لي أحدٌ فرأيتُه إلا وجدته دون نعته إلا سفيان الثوري نُعِت لي، فلما رأيتُه وجدته أفضل مما وصف لي أو كما قال رحمه الله رحمة واسعة
سفيان الثوري كان إمامًا جليلًا له قدره وله مكانته في العلم وكذلك في العبادة. فكان معروفًا بالتضرع والخوف من الله سبحانه وتعالى. وكان كثيرًا ما يقول يا رب سلِّم، يا رب سلِّم اللهم سلمنا اللهم سلمنا اللهم سلمنا اللهم إنا نسألك العافية يدعو كثيرًا بذلك رحمه الله
بل كان من شدة خوفه يبول دمًا حينما يتذكر الآخرة، وكذلك إذا وجد موقفًا من المواقف عليه أن يعظ فيه وأن يذكر الناس وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيمتنع أو يقصر يقول فأبول دمًا من أجل ذلك عنده غيرة على دين الله بعض الناس يرى المنكرات ولا يتأثر ولا يتغيّر ويرجع إلى بيته ويأكل ويشرب ويضحك
مع أنَّه يرى المحرمات قد انتهكت. وهذا يبول دمًا لماذا لم يتكلم فيما يتعلق بشرع الله سبحانه وتعالى وكان يرى سفيان أن للعلم قدرًا. فكان يرى أنَّ العلم ليس هناك عمل أفضل من العلم بنية. فيقول: ليس من عملٍ أفضلُ من طلب العلم بنية نعم، وهذا شبيه بمقولة الإمام أحمد رحمه الله تعالى العلم لا يعدله شيء
لمن نواه، أي: نوى به وجه الله سبحانه وتعالى قيل: وكيف ذلك؟ قال: ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره تنوي بالعلم مرضاة الله سبحانه تبتغي بالعلم وجه الله عز وجل أن ترفع الجهل عن نفسك حتى تعبد الله على بصيرة وأن تعلم غيرك ما علمك الله عز وجل إياه
سفيان الثوري من شدة خوفه لربه سبحانه وتعالى أعطاه أحد أصحابه المطهرة ليتوضأ وليصلي ما تيسر له من الليل فأخذ المطهرة، وهي في يده، فمكث على هذه الحال إلى أن طلع الفجر فتعجب الرجل، ونظر إليه فوجده جالسًا ومعه المطهرة قال له: منذ تركتني وأنا أتذكر الآخرة
فهو في هذا الوقت يتذكر الآخرة ما تجرأ على أن يتحرك هنا أو هناك كان كثيرًا ما يذكر الدار الآخرة وحماد بن سلمة وهو من العباد الأفاضل وله معنا ترجمة حماد بن سلمة كان معروفًا بكثرة رجائه في ربه سبحانه وتعالى، لذلك لما عاد حماد بن سلمة سفيان الثوري رحمهم الله تعالى قال سفيان لحماد أتراني
يغفر لمثله مع أنه هذا العالم الجليل، لكنه يخشى من عذاب الله سبحانه وتعالى. فقال له حماد بن سلمة: لو أنَّ حسابي وُكِل إلى أبويَّ لو خُيِّرت بين أن يحاسبني الله سبحانه وبين أن يحاسبني والدي لاخترت أن يحاسبني الله؛ لأنَّ الله أرحم بي من والدي والعبد حقيق به أن يجمع بين الخوف والرجاء
أن يجمع بين الخوف والرجاء. سفيان الثوري رحمه الله تعالى عالم جليل، له فضله وله قدره، كان يقول مع ذلك كله: إن نفسي تتقلب عليَّ، مرةً لي ومرةً عليَّ نعم
مع أنَّه في هذا الفضل وفي هذه المكانة يخشى من نفسه. فيقول: نفسي تتقلب عليَّ، مرةً لي ومرةً عليَّ، لا بد أن يحاسب الإنسان نفسه رحم الله امرأً وقف عند همِّه، فإنْ كان لله أمضاه وإن كان لغيره توقف ومن شدة خوفه لربه سبحانه وتعالى ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ إذا نام من الليل لا ينام إلا قليلًا ثم يقوم فزعًا ويقول: النار النار النار النار النار ذكر النار أيقظني. وكان يقول اللهم إنك عالم بحاجتي غير مُعلَّم وإني أريد فكاك رقبتي من النار
ولما قيل لسفيان تخاف من ذنوبك قال ذنوبي أهون عليَّ من هذا التراب ولكني أخاف أن يسلب الإيمان من قلبي تأمَّل! إن سفيان الثوري يخاف خوفًا شديدًا من ألّا يُختم له بخير من ألَّا يثبت على الخير قد تكون على طاعة، لكن تنقلب عن الطاعة فهو يخاف من أن ينفلت أمره ومن أن يحيد عن الصراط المستقيم
ومع هذا كله، فإنَّ هذا الإمام الجليل كان يحرص على أن يكون لديه مال لينتفع به وينفع غيره فيُذكر عنه أن يكون معه عشرة آلاف يحاسب عليها أمام الله سبحانه أحب إليه من أن يحتاج إلى الناس
يعلمنا أنَّ الإنسان حينما يستغني ويكون لديه مال هذا أفضل من أن يحتاج إلى هذا وذاك وإن كان سيحاسب على المال ولكنه يتقي الله في جمعه وفي إنفاقه، ولذلك قال مقولته المعروفة: المال ترس المؤمن. يعني: المال عصب للحياة يفيد المؤمن نِعْمَ المالُ الصالحُ للعبد الصالح. كذلك من مواقفه العجيبة رحمة الله تعالى ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يُقدَّم له اللحم فيأكل، والتمر والزبد فيأكله ويأكل أكلًا كثيرًا ثم يقول: أُعطي إلى الزنجي. ثم كدَّه، يعني: معناه: كُلْ أكلًا كثيرًا واعمل في دأب ثم لِتَقُمْ بالعمل ومعناه: أنه وإن أكل لكنه سيقوم بذلك. فكان يقوم فيصلي من الليل الكثير والكثير رحمة الله تبارك وتعالى ومن نصائحه
أنه نهى عن سماع مبتدع من المبتدعة من سمع بمبتدع فلا يسمع له، لا يستمع له. وذلك لأنَّ القلوب ضعيفة
أنه نهى عن سماع مبتدع من المبتدعة من سمع بمبتدع فلا يسمع له، لا يستمع له. وذلك لأنَّ القلوب ضعيفة ولأن الشبه خطافة والرسول علمنا من سمع بالدجال فلينأ عنه فسفيان الثوري يعلمنا أن نسمع الحق
وأن نبتعد عن الباطل هكذا كان أئمتنا يجمعون بين العلم والعمل والعبادة والدعوة إلى الله. نسأل الله أن يلحقنا بالصالحين توفي شيخنا وإمامنا سفيان الثوري سنة 161 هـ من هجرة نبينا محمد «صلى الله عليه وسلم» تقبل الله منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)
دروس مشابهة
- أول ما بُدِئَ به النبيُّ ﷺ 1
- قطوف من حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزء الأول
- قطوف من حياة علي بن ابي طالب رضي الله عنه (الجزء الأول)
- 05 حديث جابر في أول ما نزل من القرآن يا أيها المدثر وفوائد تربوية
- 03 أول ما بُدِئَ به النبيُّ ﷺ من الوحي (الجزء الثالث)
- قطوف من حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجزء الثاني