مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المرسلات

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 60 من 103 · 28 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

ســــــورة المرسلات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ، فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم ونبدأ بفضل الله وتوفيقه في التعليق على سورة المرسلات.

التعريف بالسورة

سورة المرسلات - مَكيّة -

مقاصد السورة

(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) الوعيد للمكذبين بالويل يوم القيامة.

تعليق الشيخ حفظه الله:

نعم. سورة المرسلات سورة مكية هذه السورة قد نزلت قبل هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذه السورة إحدى السور التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم «شيَّبتني هودٌ وأخواتها» عند م حسّنَ الحديثَ بشواهده وذلك أنه جاء في بعض الروايات بيان أخوات سورة هود فH0ن وكذلك (فكيف كان عذابي ونذر ) في سورة القمر وكذا قوله ( ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾( في سورة الشعراء وهنا ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة المرسلات وأهل العلم لهم في هذا كلام طويل في علوم القرآن في الحديث عن أسرار التكرار في القرآن الكريم ومما يقال في هذا الصدد والعلم عند الله. أن هذا التكرار أو أن هذا التكرار لاختلاف المتعَلّق فكلما قصَّ الله علينا شيئًا أتبعه بقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ فيتجدد الحديث وكذلك في سورة الرحمن (فبأي آلآء ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍ﴾ ) لأن قبلها نعمة أو آية أو عجيبة من عجائب الله سبحانه فبعد ذلك يأتي قوله سبحانه ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وهنا قال ( ويل يومئذ للمكذبين )

تعليق الشيخ حفظه الله

قال الله تعالى ﴿وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفًا﴾ ﴿فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفًا﴾ ﴿وَٱلنَّـٰشِرَٰتِ نَشْرًا﴾ ﴿فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقًا﴾ هذه السورة الكريمة إحدى السور القرآنية التي افتتحها الله بالقسم وذلك في قوله والمرسلات عرفا وقوله سبحانه وتعالى والمرسلات :: المرسلات وصف لموصوف، هذا الموصوف قد اختلف أهل التفسير فيه وهذا متكرر في أقسام القرآن الكريم وقد تقدم نظيره في قوله سبحانه ﴿وَٱلذَّٰرِيَـٰتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْرًا﴾ وهنا قال والمرسلات فمن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أن هذه المرسلات هي الرياح وهذا ما فسَّروه هنا أو ذكروه هنا

فقالوا ( أقسم الله بالرياح المتتابعة مثل عرف الفرس) فمعنى قوله والمرسلات أي والرياح المرسلة فالله عز وجل يُقسِم بتلك الرياح التي أرسلها والتي تجيء متتابعة وتكون في صورتها مثل عرف الفرس للدلالة على كثرتها وتتابعها وذلك لما يتبعها من خير ومن بركات، فهذا قسم من الله سبحانه وتعالى بآية من آياته التي يرسلها لنفع خلقه

إلى هذا ذهب كثير من المفسرين بل إن شئت فقل إنه قول أكثرهم، ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إن المرسلات هنا وصف للملائكة ﴿وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفًا﴾ فالملائكة يرسلها الله عز وجل بالمعروف وبالخير الذي يصل إلى الناس فجعلوا قوله والمرسلات وما بعده أوصافًا للملائكة لكن الذي ذهب إليه كثيرون التفريق فجعلوا بعض هذه الأوصاف المذكورة في هذه الآيات المتتالية جعلوا بعضها للرياح وجعلوا بعضها للملائكة وهذا ما صنعوه هنا فقالوا أقسم الله بالرياح المتتابعة في قوله (والمرسلات عرفا ) ﴿فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفًا﴾ قالوا وأقسم بالرياح الشديدة (والناشرات نشرا قالوا أقسم بالرياح التي تنشر المطر وبعضهم يجعل قوله ﴿وَٱلنَّـٰشِرَٰتِ نَشْرًا﴾ يجعله وصفاً للسحب أي والسحب الناشرات نشراً أي التي تنشر الأمطار فالسحب تتبعها الأمطار أو جعلوا أن هذا أيضًا للملائكة الموكلة بالسحب ﴿فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقًا﴾ قالوا وأقسم بالملائكة التي تفرق بين الحق والباطل وجماهيرهم على هذا، يجعلون قوله (فالفارقات فرقاً) متعلقاً بالملائكة فالملائكة هي التي تفرق بين الحق والباطل بإذن الله تعالى

﴿فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ﴾

( فالملقيات ذكرا) قالوا وأقسم بالملائكة التي تنزل بالوحي فهي تلقي الذكرى تلقي الوحي فهذا أيضًا من وظائف الملائكة ومهامهم فهي تنزل بفضل الله عز وجل وتيسيره لإلقاء الوحي للأنبياء والرسل كما جاء في قوله سبحانه ﴿يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ﴾… فقال الله ﴿فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ هذا لبيان ما فائدة الوحي؟ إذا قيل ما فائدة الوحي لماذا ينزل الله ملائكته بالوحي؟ ولماذا يلقون الذكرى؟ فالجواب ( عذراً أو نذرا) فهذا تعليل ويمكن أن نقول (مفعولا له ) قالوا عذرا أو نذرا (تنزل بالوحي إعذراً لله من الناس وإنذاراً للناس من عذاب الله) إعذارًا من الله أي تقام عليهم الحجج فيقيم الله عز وجل عليهم حججه بإنزال الكتب وإرسال الله الرسل وأيضاً فيها الإنذار لهم من عذاب الله سبحانه وتعالى (﴿أَنَّمَا﴾ توعدون لواقع ) لنا أن نقول هذا هو جواب القسم لأننا حينما قرأنا (والمرسلات عرفا ) وهذا قسم فإننا ننتظر الجواب كما تقدم مراراً حينما نرى قسماً فإننا نبحث عن جوابه أو المقسم عليه ومنهم من يقدره فيقول ( لتبعثن) أو إن البعث حقٌ وما إلى ذلك، باعتبار أو لأن السورة الكريمة تتحدث عن دلائل البعث وعن بعض ما يقع يوم القيامة من أهوال وما يتبع ذلك من دخول المؤمنين الجنة ودخول المجرمين النار نسأل الله أن نكون من أهل الجنة (آمين)

قال (﴿أَنَّمَا﴾ توعدون لواقع ) أي إن الذي توعدون به من البعث والحساب والجزاء لواقع لا محالة ((﴿أَنَّمَا﴾ توعدون لواقع ) وهناك قال ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ ﴿وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ﴾ أي أن الجزاء لواقع

﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾

( فإذا النجوم طمست) بدأ الحديث عن بعض ما يأتي يوم القيامة أو ما يكون من أهوال يوم القيامة فقال ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ أي محي نورها وذهب ضوؤها (وإذا السماء فرجت) شُقَّت لتنزل الملائكة منها ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ اقتلعت من مكانها ففتت حتى تصير هباءً وتقدم أن للجبال أوصاف كثيرة تتعلق بحالها يوم القيامة قال ﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ أي جمعت لوقت محدد للفصل بينهم وبين أممهم فكما قال الله (فلنسألن الذين أرسل إليهم المرسلين )

﴿لِأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أي ليوم عظيم قد أجلت للشهادة على أممها فهم قد أجلوا لهذا اليوم ولهذا الموعد المحدد ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾ قال (ليوم الفصل ) أي أجلت ليوم الفصل

قال الله سبحانه وتعالى ﴿لِأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ليوم الفصل والمراد به يوم القيامة لأن الله يفصل فيه بين الخلائق قال الله ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًا﴾ قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾ ثم بعد ذلك حدثنا عن يوم الفصل وعن بعض ما يقع في لكن قال قبلُ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ فجاء هنا التهديد والوعيد

﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلْءَاخِرِينَ﴾ ﴿كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: ألم نهلك الأمم السابقة لما كفرت بالله وكذبت رسلها ثم نتبعهم الآخرين أي المكذبين من المتأخرين فنهلكهم كما أهلكناهم، فقد أهلك الله الأمم السابقة والأمم التي تبعتها أو لحقتها ممن كانت على دربها من التكذيب بآيات الله ثم بين الله الحكم العام (كذلك نفعل بالمجرمين ) أي مثل هذا الإهلاك نهلك المجرمين أو نفعل بالمجرمين المكذبين ثم قال مرة أخرى ( ويل يومئذ للمكذبين ) والويل قد ورد في وصفه حديث

H0

من فوائد الآيات

1- إهلاك الأمم المكذبة سنة إلهية: وهذه الفائدة واضحة وجلية من الآيات السابقة، ولك أن تقول أن هذه الفائدة المذكورة: إهلاك الأمم المكذبة سنة إلهية :: أحد مقاصد السورة الكبيرة والعلم عند الله. نعم

تعليق الشيخ حفظه الله:

﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ ﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾

قال الله سبحانه وتعالى ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ هذه استفهامات متكررة يراد منها التقرير للعباد تلك الحقائق ليرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ وهنا ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ ثم بعد ذلك ( الم نجعل الأرض كفاتا)

﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ حقير قليل وهي النطفة ﴿فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ رحم المرأة ﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ أي مدة معلومة مقدرة، وهي مدة الحمل ( فقدرنا فنعم القادرون) قدرنا معناها قدرنا صفة هذا المولود وقدره ولونه إلى غير ذلك (فنعم القادرون) فهو القادر سبحانه وتعالى هو القادر وهو الذي يقدر ما يشاء سبحانه عز وجل ثم قال ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ هنا فسروها (هلاك وعذاب وخسران) إذن ما تفسير الويل هلاك وعذاب وخسران وتنكيره يدل على تعظيمه أي ويل شديد أي ويل عظيم ويل يومئذ للمكذبين

﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوَٰتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ وَأَسْقَيْنَـٰكُم مَّآءً فُرَاتًا﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾

قال ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ قالوا تضم الناس جميعا فكفاتا من الكفت معناه الجمع، وقد ورد في الحديث «نُهِينا عن كَفْتِ الثوب» ﴿إِلَّا﴾ نكف ثوباً يعني ﴿إِلَّا﴾ نجمعه على قول بعض الشراح، فهنا ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ يعني تضم الناس جميعاً أحياءً وأمواتًا أما الاحياء فعلى ظهرها وأما الاموات ففي باطنها قالوا: تضم أحياءهم بالسكن عليها وعمارتها، وأمواتهم بالدفن فيها وهذا يستفاد منه أن الميت يوارى في التراب وأنه لا يُترك على ظهر الأرض جيفةً استفاد بعض الأئمة هذا من هذه الآية كما ذكره القرطبي في التفسير وكذا غيره، إذن قوله ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ ﴿أَحْيَآءً وَأَمْوَٰتًا﴾ دلالة على أن للميت نصيبا في الأرض وذلك في باطنها ثم قال ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ﴾ صفة لموصوف مقدَّر وهو الجبال ويستغنى عن ذكر الجبال بذكر الرواسي، فإذا قيل الرواسي انصرفت إلى الجبال لا سيما في مثل هذه السياقات القرآنية ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ شَـٰمِخَـٰتٍ﴾ : قالوا تمنعها من الاضطراب كما قال الله سبحانه وتعالى (أن تميد بكم ) يعني لئلا تضطرب وتتحرك بكم قال( وأسقيناكم ماء فراتا) فأنعم علينا بهذه النعم الكثيرة والمراد العذب

﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾

تحليل مقارن وربط بين السور

قوله سبحانه وتعالى (انطلقوا ) هذه نقلة أخرى، نقلة إلى يوم القيامة إذ بعد أن بين الله سبحانه وتعالى بعض دلائل قدرته وأن البعث حق، وأن ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ نقلتنا السورة إلى بعض المشاهد التي تقع يوم القيامة، وهذا فُهم من السياق، وقوله (انطلقوا) أي يقال لهم يومئذ، ولذلك قالوا هنا (ويقال للمكذبين بما جاء به رسلهم سيروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المكذبون إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ من العذاب) إذن قولهم ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟﴾ أي يقال لهم يوم القيامة ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ﴾ وأعاد الفعل انطلقوا على سبيل التوبيخ والتقريع لهم (﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ﴾ ) أي ظل من دخان نار مفترق ثلاث فرق فهو مفترق لكنه مع ذلك لا يفيدهم بشيء قال ( ﴿لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ﴾ ) ليس فيه برد الظلال ولا يمنع لهيب النار وحرها من أن ينفذ إليهم كما قال الله سبحانه وتعالى ( وظل من يحموم ﴿لَّا بَارِدٍ﴾ ولا كريم)

قال ﴿إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾ انظروا إلى هذه النار تقذف بشرارات هذه الشرارة من شراراتها كالقصر أي مثل القصر في عظمها، فإذا كانت هذه هي الشرارة فكيف بالنار نفسها سلمنا الله ﴿كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌ صُفْرٌ﴾

( أنها ترمي بشر كالقصر كأنه جمالت صفر ) يعني هذا الشرر كأنه جمال صفر يعني جمال سود تميل إلى الصفر تميل إلى الاصفرار يعني كأن الشرر جمال سود تميل إلى اللون الأصفر وهذا من شدة سوادها وهذا يدل على أن لهب النار أسود وأن النار تسود من كثرة استعارها وشدة عذابها، نسأل الله السلامة.

﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾

قال ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ … ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ هذا يوم لا يتكلمون فيه بشيء لا يتكلمون في هذا اليوم ولا يؤذن لهم فيعتذرون، لا يؤذن لهم أن يعتذروا إلى ربهم من كفرهم وسيئاتهم فيعتذرون إليه، وتقدم في بعض المناسبات أن هذه الآية ونظرائها يجمع بينها وبين الآيات الأخرى: التي فيها إثبات أن الكفار يتكلمون لأنّّ الله قال هنا ( هذا يوم لا ينطقون) وفي بعض المواضع إنهم يتكلمون وإنهم ينطقون وإنهم يقولون ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وما إلى ذلك من كلام فيقال: أن يوم القيامة يوم طويل ففي بعض المواقف ينطقون ففي بعض المواقف لا ينطقون أو هذا يوم لا ينطقون نطقا ينتفعون به فنطقهم غير نافع لهم وكذلك لا يؤذن لهم فيعتذرون، فكلامهم لا يفيدهم بشيء وإنما هو كلام لا يفيدهم وإنما ينقلب عليهم، بسبب تكذيبهم بآيات الله ورسله.

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَـٰكُمْ وَٱلْأَوَّلِينَ﴾ تأمل هذا يوم الفصل وفي أوائل السورة جاء ﴿لِأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ﴿لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ﴾ جاء الحديث هنا وهذا كثير في القرآن الكريم تجد أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين صدر السورة أو مطلع السورة ومقطع أو خواتيم السورة الكريمة ﴿جَمَعْنَـٰكُمْ وَٱلْأَوَّلِينَ﴾ جمعناكم وجمعنا الأولين أيضًا فقوله ( جمعناكم والأولين) الواو عاطفة عطفت الأولين على الكاف في قوله جمعناكم وبعضهم يجعلها على أنها مفعول معه فيجعل (الواو) وأو المعية أي جمعناكم مع الأولين كما ذكر ابن هشام فليست هناك آية في القرآن الكريم يتعين فيها أو تتعين فيها وأو المعية وإنما تكون محتملة للعطف أو على أنها بمعنى مع

﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ هذا أيضًا على سبيل التهكم أو التقريع والتوبيخ لهم، أن كان لكم كيد وأنَّى يكون لهم كيد – فكيدون- قال هنا ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ فإنْ كان لكم حيلة تحتالون بها من عذاب الله فاحتالوا ولكن هيهات ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ثم لأن القرآن مثاني اتبع الله سبحانه وتعالى الحديث عن الكافرين فحدَّثنا بعد الكافرين حديثًا عن المتقين فقال ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ﴾ فإذا كان المجرمون في هذا الذي وصف الله في ظِلٍّ ذِى ثَلَٰثِ شُعَبٍ ﴿لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ﴾ فإن أهل التقوى في ظلال وعيون في ظلال وعيون ﴿وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ كلوا واشربوا أي يقال لهم ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيه بيان فضل العمل الصالح وإنه ينفع صاحبه وأنه سبب في دخول الجنة ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين ثم قال ( ويل يومئذ للمكذبين) تأمل ذكر المتقين جاء في الآيات على سبيل الاختصار أو الإيجاز، لأن المقام مقام الوعيد والتهديد فهو الغالب على السورة الكريمة وتقدم غير ذلك في سورة الإنسان فسورة الإنسان قد غلَّبت جانب الأبرار وجانب الأتقياء وهكذا سور القرآن يغلب في بعضها جانب الترغيب وفي بعض المواضع يغلب جانب الترهيب والعلم عند الله

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ كُلُوا۟ وَتَمَتَّعُوا۟ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُوا۟ لَا يَرْكَعُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ﴾

قال (﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ كُلُوا۟ وَتَمَتَّعُوا۟ قَلِيلًا﴾ ) أي في الدنيا ﴿إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾

انظر إلى مقابلة هذا بما سبق من جزاء المتقين هناك ﴿كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهنا ﴿كُلُوا۟ وَتَمَتَّعُوا۟ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ فـ(كلوا وتمتعوا قليلا) أي في الدنيا إنكم مجرمون فهم في الدنيا يأكلون ويتمتعون لكنه ذاهب وليس باقيا

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُوا۟ لَا يَرْكَعُونَ﴾ أي اخضعوا لله واعبدوا الله لا يعبدون لا يركعون وهنا فسَّروه وإذا قيل لهؤلاء المكذبين صلوا لله لا يصلون له ولا يتقربون له عز وجل لتكبرهم وعتوهم

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأيِّ حديث غيره يؤمنون، إذا كان القرآن الكريم لا يجدون فيه الحجة ولا يجدون فيه البرهان الساطع والدليل الواضح على أنه حق وعلى أن الله واحد لا شريك له فما الذي ينفعهم؟ وبأي شيء ينتفعون؟ لا شك أنهم لا ينتفعون بشيء آخر؟ هذا فيه دلالة على أنه من لم يتعظ بالقرآن فلا يُرجى اتعاظه بشيء ولا يُرجى انتفاعه بشيء نسأل الله أن ينفعنا بالقرآن الكريم وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

1- رعاية الله للإنسان في بطن أمه :: قال الله ( ﴿فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾) فهذه رعاية من الله سبحانه وتعالى

2- اتساع الأرض لمن عليها من الأحياء ولمن فيها من الأموات قال الله ( ألم نجعل الأرض كفاتاً إحياء وامواتا) وقلنا فيها من الفوائد مواراة الميت في التراب وفي القبور

3- خطورة التكذيب بآيات الله والوعيد الشديد لمن فعل ذلك وذلك في قوله ( ويل يومئذ للمكذبين) وقد تكررت هذه الآية في هذه السورة والمطلوب منكم أن تذكروا لنا عدد تكرار هذه الآية في هذه السورة الكريمة،

لننتقل إلى تفسير سورة النبأ

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة