مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

دفع إشكال في فهم قوله تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)

سلسلة لاريب فيه · الدرس 31 من 47 · 5 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. إشكال التوفي قبل الرفع
  2. الواو لا ترتّب: التوفي آخر الزمان
  3. التوفي بمعنى النوم أو القبض
التفريغ النصي الكامل للدرس

إشكال التوفي قبل الرفع

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾2 يقرأ قارئ قول الله جل ذكره إذ قال الله ﴿يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾3 فيسأل ويقول هل توفي عيسى عليه السلام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يرفعه الله عز وجل إلى السماء هل مات عيسى من المعلوم لدينا أن عيسى عليه السلام قد رفعه الله عز وجل إليه.

الواو لا ترتّب: التوفي آخر الزمان

ولذلك قال الله ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾4. وقال. ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾5 فكيف ذلك والله قال إذ قال الله ﴿يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾6 والجواب عن ذلك من عدة أوجه، من ذلك، أن يقال إن الآية الكريمة لا تدل على ترتيب. وذلك أنَّ الواو لا تدل على الترتيب ﴿أَنَّمَا﴾ هي لمطلق التشريك بين المعطوف عليه والمعطوف فمثلًا إذا قلت: جاء محمد وعلي لا يلزم من ذلك، أن مجيء محمد كان قبل مجيء علي.

بل قد يكون قبله. وقد يكون بعده. وقد يكون معه. إذن الواو لا تدل على الترتيب أو لا يلزم منها الترتيب كما قال أكثر أهل العلم ونقله بعضهم اتفاقًا وقول الأكثرين. وعليه فقوله: ﴿يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ لا يلزم منه أن التوفي قبل الرفع. بل الأدلة الأخرى تدل على أن الرفع أول. ثم إنه في آخر الزمان ينزل عيسى عليه السلام ويبقى في الأرض ما يبقى ثم بعد ذلك يتوفاه ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فحينئذ إني متوفيك أي: في آخر الزمان.

وقد قال الله عز وجل ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ﴾7 ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾8. وقد قال كثيرون. إن معنى قبل موته أي: قبل موت عيسى عليه السلام كما يدل على ذلك الخبر عنه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك قول الله عز وجل ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَـٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾9

التوفي بمعنى النوم أو القبض

فقال، ومنك ومن نوح والرسول عليه الصلاة والسلام، هو آخر الأنبياء والرسل في الرسالة فواو العطف لا تدل على الترتيب هذا جواب والتوفي يكون في آخر الزمان والمعنى الثاني أن معنى قوله إني متوفيك أي: منيمك فقد أنام الله عز وجل عيسى عليه السلام ورفعه إليه فرفعه وهو في حالة نوم. وهذا من لطفه سبحانه وتعالى، به وإطلاق التوفي على النوم معروف ومشهور.

ومن ذلك قول الله عز وجل ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾10. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام، «الحمد لله الذي أحيانًا بعدما أماتنا وإليه النشور» والمراد بهذه الإماتة النوم، وكذلك في قول الله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ﴾11 فالنوم يقال له: الوفاة الصغرى. وبناءً عليه ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾12 أي: منيمك وعزاه بعض العلماء كالحافظ ابن كثير رحمه الله، إلى أكثر أهل العلم أو المفسرين إذ لا إشكال في فهم الآية الكريمة وهناك توجيه آخر وهو، أن معنى قوله سبحانه وتعالى، ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: إني قابضك إلي ففرق بين التوفي والموت فالله لم يقل إني مميتك ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ﴾ متوفيك، يعني: مستوفي أجلك الموجود الآن في هذه الفترة كما يقال استوفى فلان دينه إذا قبض حقه كاملًا فمعنى إني متوفيك، يعني: مستوفيك أنت مكثت في هذه الأرض في هذا الوقت المدة التي أرادها الله عز وجل لك فهو متوفيك أي: قد استوفاك في هذا الوقت، وفي هذا الزمان فهو يقبضك إلي دون إماتة فليس في الآية الكريمة ما يدل على أنه مات عليه الصلاة والسلام، وهناك روايات وردت بأن المراد بذلك أنه مات أيامًا أو لحظات أو وقتًا يسيرًا ثم بعد ذلك أحياه الله.

لكن هذا من الإسرائيليات التي لا يدل الدليل عليها والتي لا نجزم بها وإنما يكفينا، يا أيها الإخوة، بقية الأقوال الأخرى والتوجيهات الأخرى، ولا إشكال حينئذ في فهم الآية الكريمة، والله تعالى أعلم. وذلك الكتاب لا ريب فيه

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 2 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 55 ↩
  4. آية: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 157 ↩
  5. آية: ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 158 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ — آل عمران: 55 ↩
  7. آية: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 159 ↩
  8. آية: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 159 ↩
  9. آية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَـٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 7 ↩
  10. آية: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 42 ↩
  11. آية: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 60 ↩
  12. آية: ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 55 ↩

من سلسلة: سلسلة لاريب فيه (47 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة