منظومة الزمزمي (الدرس الأول)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
:
فإنَّ شاء الله تعالى نبدأ في منظومةٍ جديدة في فنٍ من فنون العلم، وهذا الفن من الفنون المهمة جدًا لصلته بالقرآن الكريم، وهو ما يتعلق بـ "علوم القرآن وأصول التفسير"، وهذه المنظومة تسمى بـ "منظومة التفسير"، أو تسمى بـ "
منظومة الزمزمي
"، فيقال لها: "
منظومة التفسير
"، وتسمى باسم صاحبها وناظمها وهو الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فيقال لها: "
منظومة الزمزمي
".
وهذه المنظومة -أعني منظومة الزمزمي- في الأصل نظمٌ لجزءٍ من كتابٍ يقال له "النُقاية" ألفه الإمام السيوطي -عفا الله عنه-، فالسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى له كتاب اسمه "النُقاية" ذكر فيه أربعة عشر علمًا على سبيل الاختصار والإيجاز، فذكر أصول تلك العلوم الأربعة عشر، فكان منها ما يتعلق بأصول التفسير أو علوم القرآن، وهو سماه بـ "علم التفسير"، وهو العلم الثاني من هذه الأنواع الأربعة عشر.
ثم إنه ألف كتابًا في شرح هذا المتن الذي هو "النُقاية" أسماه بـ "
إتمام الدراية في شرح النُقاية
"، أراد أن يحل رموز هذه الألفاظ، ويكشف عن غوامضها، والسيوطي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كما هو معروفٌ ذو فنون كثيرة، وله تصانيف عديدة، حتى أنه من المعدودين في أكثر العلماء تصنيفًا، وهو على مذهب الشافعية والأشاعرة؛ فهو يتأول الصفات ويقع فيما تقع فيه الأشاعرة بصفةٍ عامة، وله بعض النزعات التصوفية، لكنه عمدة لا سيما فيما يتعلق بعلوم القرآن، وكتابه "
الإتقان في علوم القرآن
" لا يزال موردًا للباحثين، حتى إنه عمدة في هذا الباب، فإذا قيل: من أوفى الكتب في علوم القرآن؟ فإنه يقال: "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي.
وهو قد صنف مجموعة من الكتب في هذا الباب، منها الجزء الخاص بذلك من كتاب "
النُقاية
" الذي هو مادة هذا النظم، ومنه كتاب "
التحبير في علم التفسير
"، ومن ذلك "
الإتقان في علوم القرآن
"، فذكر في "التحبير" مائة ونوعين، يعني ذكر فيها أكثر من مئة نوع، بينما ذكر في "النُقاية" هنا خمسة وخمسين نوعًا، وذكر في "الإتقان" ثمانين نوعًا، ومع أن "الإتقان" أوفى، إلا أنه دمج بعض ما في "التحبير"، فضم النظير إلى نظيره؛ فبعدما بلغت أكثر من مئة، أرجعها إلى ثمانين نوعًا في كتاب "
الإتقان في علوم القرآن
".
وعلوم القرآن من العلوم المهمة لصلته بالقرآن الكريم كما لا يخفى، ولعله لمكانة هذا العلم وكثرة أبوابه أُطلق عليه "علوم" دون أن يقال "علم"؛ يعني مثلًا في بعض العلوم يقال: علم أصول الفقه، ونحو ذلك، علم النحو، علم الصرف، لكن جاؤوا في علوم القرآن درج عملهم على أن يقولوا: "علوم القرآن"؛ وذلك لأن بعض هذه العلوم الموجودة في علوم القرآن لها مصنفات مستقلة؛ فالمكي والمدني فيه كتب خاصة، وأسباب النزول فيه كتب خاصة، والمناسبات فيه كتب خاصة، وغير ذلك، وكتب التفاسير -وهي جزء من علوم القرآن- فيها كتب كثيرة لا تُحصى كثرةً، والله تعالى أعلم.
على كلٍ، هذا بالنسبة لمنظومة التفسير لـ "
عبد العزيز الزمزمي
"، صاحبها هو عبد العزيز بن عليٍ عز الدين، وعز الدين عبد العزيز بن علي بن عبد العزيز بن عبد السلام الزمزمي، نسبة إلى زمزم، وهو شيرازي الأصل، مكي البلد أو المقام، ولد بمكة -أعني عبد العزيز هذا- ولد بمكة، ومن العلماء الذين تلقوا العلم من أهل مكة، ولد سنة تسعمائة من الهجرة وتوفي سنة تسعمائة وستٍ وسبعين من الهجرة، ﴿وَقِيلَ﴾: تسعمائة وثلاث وستين، لكن الأول أشهر، أنه توفي سنة تسعمائة وستٍ وسبعين من هجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وعبد العزيز الزمزمي هذا، جده الأكبر أو البعيد أو الأعلى -وهو علي بن محمد- قدم مكة، فلما قدم مكة عمل مع سالم بن ياقوت المؤذن، وكان هو المسؤول عن السقاية -تعرفون أن هناك من وظائف أهل مكة ما يتعلق بالسقاية، كما كان العباس بن عبد المطلب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وأعمام الرسول يفعلون ذلك السقاية-، فكان سالم هذا هو المسؤول عن سقاية الناس من ماء زمزم، فكان يساعده الذي هو جده الزمزمي صاحبنا، فأحبه وزوجه من ابنته وتنازل له عن سقاية بئر زمزم، فصار يسقي الناس من بئر زمزم، ثم ما زال ذلك في أولاده وفي أحفاده حتى اُشتهروا بالنسبة إلى ماء زمزم؛ ومن أجل ذلك أطلق عليه "
الزمزمي
".
له شرح لمقامات الحريري، وله بعض الرسائل مثل "
فيض الجود في حديث شيبتني هود
"، إلى غير ذلك من بعض المصنفات، نظم في هذا النظم الذي معنا الجزء المتعلق بـ "علوم القرآن" أو بـ "أصول التفسير" من متن "النُقاية" للسيوطي؛ فمن أراد النثر وجد في "النقاية"، و"النُقاية" وجد شرحه في "إتمام الدراية".
وأما هذا النظم فالشروح عليه ليست بالكثيرة، لكن هناك بعض الشروح عليه، فهناك شرح يقال له "
نهج التيسير شرح منظومة التفسير
" لـ "محسن المساوي"، وهو متوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة (1354 هـ)، وعليه تعليق آخر -يعني شرح للشرح- اسمه "
فيض الخبير وخلاصة التقرير على نهج التيسير
" الذي هو شرح لمنظومة التفسير، وهذا لعلوي المالكي، وهناك بعض الحواشي الأخرى على هذه المنظومة، وهذان الشرحان أو الحاشيتان على هذا المتن موجودة، وإن كان وجودها قليلًا لكنه موجود، وعندي منها نسخة بالشرحين، فمن شاء نعطيه إياها بإذن الله تعالى، ممكن أن نصورها بحيث يكون المتن موجودًا والشرح، وشرح الشرح ليس بشرح متوسع، لكن على كلٍ يفك غوامض هذه الأبيات بإذن الله تبارك وتعالى.
وكذلك شُرحت هذه المنظومات من بعض العلماء عدة شروح، لكن لا تزال بحاجة إلى شيء من التفصيل والبيان، والله تعالى أعلم.
فنشرع فيها بإذن الله تعالى مستعينين بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
المتن
يقول الناظم الزمزمي
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَبَعْدُ
فَهَذِهِ مِثْلُ الْجُمَانِ عِقْدُ
ضَمَّنْتُهَا عِلْمًا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ التَّفْسِيرُ
بِدَايَةً لِمَنْ بِهِ يَحِيرُ
أَفْرَدْتُهَا نَظْمًا مِنَ النُّقَايَةِ
مُهَذَّبًا نِظَامُهَا فِي غَايَةِ
وَاللَّهَ أَسْتَهْدِي وَأَسْتَعِينُ
لأَنَّهُ الهادي وَمَنْ يُعِينُ
الشرح
ابتدأ الناظم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى منظومته -كما ترون- بـ "البسملة"، والبدء بـ "البسملة" عمومًا في بداية المصنفات مشروعٌ وحسن؛ وذلك لعدة أمور:
أولًا:
اقتداء بالكتاب العزيز
؛ يعني لماذا نبدأ مصنفاتنا أو كتبنا أو الرسائل بالبسملة؟ أولًا: اقتداء بالكتاب العزيز، فالسور القرآنية باستثناء سورة براءة تفتتح بماذا؟ بـ "البسملة"، وحتى على أثر ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا من أن البسملة جاءت للفصل بين السور، إلا أنه كما لا يخفى يُبتدأ بها، وكذلك قد اختلف العلماء في كونها آية من سورة الفاتحة أم لا؟
لكن على كلٍ فإنه يبدأ
بها في قراءة سورة الفاتحة، حتى بالنسبة للصلاة ﴿أَنَّمَا﴾ الخلاف بينهم في مسألة الإسرار والجهر، لكن هي تُقرأ سواءً ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ يقرأ بها سرًا أم يقرأ بها جهرًا، وإن كان الأول -أعني السر- هو الأولى؛ لدلالة كثير من الأدلة على ذلك، منها حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
«
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
»
[رواه البخاري ومسلم]، وفي لفظ:
«
لَا يَذْكُرُونَ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
»
[رواه مسلم]، ورجح ابن القيم أن الإسرار غالب فعله، وأن الجهر كان يصدر منه أحيانًا، على كلٍ كما ذكر ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره من أهل العلم أن هذا الأمر مما يسع الكلام فيه، لكن الكل مجمع على أنه يفتتح بماذا؟ بـ "البسملة"؛ إذًا هذا اقتداء بالكتاب العزيز، هذا من جهة.
الأمر الثاني:
لفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
؛ فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفتتح بعض رسائله وكتبه بـ "البسملة"، فقد جاء في قصة هرقل أو في إرساله الكتاب إلى هرقل، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا في قصة أبي سفيان، أنه أرسل كتابًا إلى هرقل وفيه:
«
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ
»
[رواه البخاري ومسلم]، فالشاهد أنه افتتحها بماذا؟ بـ "البسملة"؛ إذًا تأسيًا أو اقتداء بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
بعض العلماء يزيد على ذلك أمرين:
أما الأمر الأول:
فيقولون للأمر بذلك أو للحث على ذلك في حديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» [رواه أبو داود وغيره]، فيستدلون بهذا على ذاك، بل هذا كثير في استدلالهم حينما يذكرون شرح البسملة في بداية الكتب والمصنفات، لكن هذا يُسلّم به إذا ثبت الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والظاهر أنه حديث ضعيف لا يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن تعددت طرقه فإنَّ مردها إلى الضعف، والله تعالى أعلم؛ لأن هذا الحديث يدور على راوٍ يقال له أو يعرف بـ "ابن الجندي"، وهو أحمد بن محمد بن عمران، وهو ليس بشيء كما قال عدد من أهل الجرح والتعديل، وقد اُتهم بالوضع، فحيث مدار الحديث، فمداره على هذا الراوي.
ولذلك قال الشيخ الألباني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وجملة القول إن هذا الحديث ضعيف لاضطراب الرواة فيه على الزهري، وكل من رواه عنه موصولًا ضعيف أو السند إليه ضعيف؛ ولذلك حكم الدارقطني عليه بالإرسال وكذا النسائي، يعني جاء مرسلًا عن الزهري، ومراسيل الزهري ضعيفة، والموصول منها ضعيف، فالصحيح فيه الإرسال، والإرسال من قبيل الضعيف، وقد ألف بعض المعاصرين بعض الرسائل الكاملة في بيان ضعف هذا الحديث.
وقد جاء الحديث ببعض الألفاظ الأخرى:
«كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ»
[رواه ابن ماجه]، ولفظ "
الحمد
" أصح من لفظ البسملة، إلا أن فيه مقالًا أيضًا -يعني هو أخف ضعفًا-؛ لذا بعض العلماء حسنوه؛ ولذلك بعض الناس ينقل تصحيح أحاديث أو تحسين حديث: "
كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع
" يعزونه إلى بعض العلماء كالحافظ ابن حجر والنووي وابن الصلاح وغيرهم، والصحيح أن كلام النووي وهؤلاء ﴿أَنَّمَا﴾ هو في حديث "
الحمد
" وليس في لفظ "
البسملة
"، فحديث
«
كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ
»
-يعني روايته أقوى نوعًا ما- فحسنها بعض العلماء، لكن هي أيضًا في الحقيقة لا تخلو من مقال وفيها ضعف أيضًا، والله تعالى أعلم.
فيستدلون بذلك على البدء بالبسملة، يقولون بأمر الرسول: "كل أمر ذي بال" -يعني ذو مكانة وذي اعتناء- "لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع"، يعني فهو مقطوع عن البركة أو أبتر منقوص غير تام، حتى وإن بدا في الظاهر تامًا فهو غير تام في الحقيقة؛ يعني قد يُتمم العمل في الظاهر لكنه لما ترك البسملة لم يتم العمل، والله تعالى أعلم، لكن على كلٍ يكفينا في ذلك الاقتداء بالكتاب العزيز وبفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الأمر الرابع -أو الأمر الثاني الذي يضم إلى الأمر الأول في هذا الحديث الذي فيه كلام-:
إجماع العلماء أو استقرار عمل العلماء على ذلك؛ استقر عمل العلماء على أنهم يبدؤون المصنفات والكتب بـ "البسملة"، وهذا ذكره الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "
فتح الباري
" فقال في المجلد الأول: "
وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بـ "البسملة"، وكذا معظم كتب الرسائل
"، ثم قال: "
واختلف
" يعني اختلف العلماء "
فيما إذا كان الكتاب كله شعرًا
" يعني الخلاف ورد فيما إذا كان نظمًا من الشعر؛ إذًا استقرار عمل العلماء والتأسي بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، والاقتداء بالكتاب العزيز، والحديث على الكلام الموجود فيه.
لكن بعض العلماء يفرق بين النثر والشعر؛ يعني يقولون: إذا صنف مصنف كتابًا أو كتب رسالة، خطابًا، جوابًا؛ يبدأ بالبسملة، وإذا كان سينظم قصيدة؟ ينظم شعرًا؟ فبعض السلف ورد عنه الكراهية في ذلك، وردت الكراهية عن الشعبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وكذا عن الزهري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ كرهوا ذلك، كرهوا أن يُبدأ الشعر بالبسملة، قالوا: لا يبدأ الشعر بالبسملة؛ ولذلك جاء عن الزهري: "
مضت السنة ﴿إِلَّا﴾ تُكتب البسملة في الشعر
" أو "
﴿إِلَّا﴾ يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم
"؛ يعني الشعر لا تبدأ بالبسملة من باب تنزيه القرآن عن مشابهة الشعر، لكن ورد عن بعض العلماء جواز ذلك في الشعر أيضًا، كسعيد بن المسيب، قال الحافظ: "وعن سعيد بن جبير جواز ذلك"؛ يعني أن هذا جائز، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: "وهو المختار"؛ يعني جمهور العلماء على أنه لا بأس بالبسملة في بداية النظم أيضًا.
لكن بعض العلماء فرق، فقالوا: هذا في المنظومات العلمية أو المنظومات الشرعية -يعني ألفية ابن مالك مثلًا في النحو، أو منظومة في التفسير، أو في علوم القرآن، أو في أصول الفقه، أو في العقيدة ونحو ذلك-، قالوا: لا بأس، هذه منظومات شرعية علمية يُبدأ فيها بالبسملة، لكن ما كان بعيدًا عن النظم الشرعي والعلمي فهذا لا يستحسن فيه البدء بالبسملة، وقالوا: ربما دار الحكم بحسب الشيء الذي يدرس فيه؛ فإذا كان شعرًا محرمًا فالبدء به حرام، وإذا كان مكروهًا كان مكروهًا، وإذا كان مباحًا كان مباحًا.
على كلٍ الأصل في ذلك الجواز، والله تعالى أعلم، والقائل بالمنع عليه الدليل، لا سيما إذا كانت المنظومة من المنظومات العلمية أو المنظومات الشرعية التي تتعلق بالكتاب وبسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
هذا باختصار ما يتعلق بمسألة بدء الناظم بقول: "
بسم الله الرحمن الرحيم
"، لكن بعض العلماء كره أن يجعل البسملة ضمن النظم، ﴿أَنَّمَا﴾ يجعلها مستقبِلة النظم كما فعل هنا الزمزمي -يعني "
بسم الله الرحمن الرحيم
"، لكن لا يُدخلها في النظم-، بخلاف مثلًا ما صنع الشاطبي في منظومته "
الحرز
" (حرز الأماني) حينما قال:
بَدَأْتُ بِبِسْمِ اللَّهِ فِي النَّظْمِ أولًا
تَبَارَكَ رَحْمَانًا رَحِيمًا وَمَوْئِلًا
فذكر البسملة في أثناء النظم، فبعض العلماء يقولون الأولى أن تكون سابقة على النظم، وكذلك قول الشيخ حافظ الحكمي:
أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ مُسْتَعِينًا
رَاضٍ بِهِ مُدَبِّرًا مُعِينًا
فهو صنع ذلك، لكن على كلٍ هذه كلها كراهات عند من يقولها كراهات اصطلاحية ليست شرعية؛ لأن حتى نرتب عليها حكمًا شرعيًا فإنَّ هذا يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، والله تعالى أعلم، هذا بالنسبة لـ "
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
".
وعن بعض ما يتعلق بـ "
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
" نقول أيضًا على سبيل الاختصار والإيجاز -وإلا فقد تقدم بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعض المباحث المتعلقة بـ "البسملة" في أكثر من قصيدة وفي أكثر من موضع، وأيضًا في تفسير القرآن الكريم في "عمدة التفسير"-، لكن أيضًا من باب التذكير بذلك؛ ولأن هذا مناسب لبداية النظم من المنظومات؛ فـ ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ تتكون من: "الباء"، واسم الجلالة "الله"، و"الرحمن"، و"الرحيم"؛ هذه مكونات ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾: الباء، واسم، والله، والرحمن، والرحيم.
أما الباء في قوله "بسم الله":
فيقول العلماء أنها باء المصاحبة، ويراد بها التبرك؛ يعني "بسم الله" أي أنا أبدأ متبركًا باسم الله عَزَّ وَجَلَّ مصاحبًا إياه، أصحب اسم الله جَلَّ وَعَلَا فهو موضع للبركات، هذا هو معنى قولهم أنها للمصاحبة أو للتبرك.
وبعضهم يقول هي لـ "الاستعانة"، والمسألة قريبة (الاستعانة أو الإلصاق المسألة فيها قريبة)؛ يبقى بعضهم يقول "بسم الله" يعني أبدأ مستعينًا بالله، أو المراد بذلك مصاحبًا اسم الله عَزَّ وَجَلَّ، هذا معنى ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾.
ثم إن "اسم":
هذا أصل الكلمة على القول المرجح وهو قول البصريين من "السمو"، فأصل اسم "سمو"، هذا أصلها، ثم حذفت الواو وهي لام الفعل (يعني أصل اسم سمو: السين والميم والواو، حذفت الواو وهي لام الفعل المقابلة لـ "اللام" في فعل؛ يعني لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ سمو "فعل"، حذفنا الواو، الواو في مقابلة اللام) ثم دخلت الألف "اسم"، وعلى ذلك فـ "اسم" على أي وزن؟ على وزن "افع"، يبقى "اسم" على وزن "افع" هكذا بحذف اللام؛ فيكون "اسم" كما يعبر عنه هؤلاء العلماء الصرفيون يقولون: "منقوصٌ واوي"، ما معنى منقوص؟ يعني آخره حرف علة، هذا هو النقص يكون في الآخر، ونوع حرف العلة فيه هو "الواو"، فإذا قرأت في بعض الكتب -كتب اللغويين أو غيرهم ممن يفصل في تفسير البسملة- فيقول: "واسم منقوص واوي"، يقصد بذلك أنها من السمو "سمو"، وأن المحذوف هو لام الفعل، وهذا هو معنى المنقوص الذي حذف آخره من حروف العلة وحرف العلة فيه الواو.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ -وهم الكوفيون- أصل الاسم "وَسْم" وعليه فيكون الوزن "اعل" (اعل)؛ لماذا؟ لأن الفاء ستكون محذوفة، يقولون "وَسْم" ثم صارت "اسم" حذفت الواو وعوض عنها بالألف فصارت "وسم"، هذا مذهب الكوفيين، لكن أشكل عليهم أنه في حالة الجمع كيف نجمع اسمًا؟ نقول: "اسم" يجمع على "أسماء"، ولو كان أصل اسم "وَسْم" لكان الجمع على "أوسام"، لكن "اسم" تجمع على "أسماء"؛ لأن الأصل "أسماو"، "أسماو" فلما تطرفت الواو بعد الألف قلبت همزة، ومن مواضع قلب الواو إلى همزة كما هو معروف في علم الصرف.
وكذلك "اسم" يقال "سُميو" في التصغير، فقالوا هذا يدل على أن الواو أصلية؛ لأن أصل "سُميو" ثم أبدلت الواو ياء ثم أدغمت الياء في الياء فصارت "سُمي"، على كلٍ رُجح ذلك، ومن أراد التوسع في ذلك فمن أمثل الكتب في مثل هذه المسائل التي اختلف فيها البصريون والكوفيون كتاب "
الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين
" لأبي البركات ابن الأنباري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
هذا بالنسبة للاسم، ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾.
طالب:
....
الشيخ:
لا، بغض النظر عن هذه المسألة، والمسألة هنا في مسألة الاشتقاق؛ لأن سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ الأصل في المشتقات المصدر كما يقول أيضًا البصريون، أو الأصل في المشتقات الفعل، فلا إشكال، يقول "وسم" أو "سمو" عادي لا بأس بذلك، هو الخلاف في أصل اشتقاق الكلمة هنا، هذا بالنسبة لـ "اسم".
الاسم هنا أضيف إلى اسم الجلالة "الله" (بسم الله):
فيحتمل أن هذه الإضافة من قبيل إضافة الاسم إلى المسمى، وحينئذٍ -كما قرر بعض العلماء ومنهم الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وهذا من محاسن كلام الشيخ في هذا الموضع- أن هذا سيكون من قبيل المفرد الذي أضيف فيفيد العموم، من باب إضافة الاسم إلى المسمى؛ فيكون معنى قولك "بسم الله" أي: "بكل اسم هو لله عَزَّ وَجَلَّ"، وعليه فأنت تستحضر حينما تقول "بسم الله" أنك تستعين بالله جَلَّ وَعَلَا وأنك تتبرك بأسماء الله الحسنى جميعها وليس باسم واحد، فمعنى "بسم الله" يعني بجميع أسماء الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا معنىً جيد وحسن.
وبعضهم يقول هي إضافة بيانية، "بسم الله" يعني بالاسم الذي هو الله، وإذا كان الاستعانة بالاسم فالاستعانة بالمسمى واضحة؛ يعني إذا كنت تستعين بالاسم -اسم الله- فكذلك أنت تستعين بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وأقوى ما يُقال في مثل هذه المسألة التي أثارها أو التي يذكرها بعض العلماء في مسائل الاعتقاد وهي مسألة: هل الاسم هو المسمى أو الاسم غير المسمى؟ فحاصل القول في ذلك ما حرره بعض العلماء من المحققين كشيخ الإسلام وغيره من أن يقال: "إن الاسم للمسمى"، يعني الأسماء التي هي الرحمن، الرحيم، ﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾، وغير ذلك من هذه الأسماء الحسنى هي لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا نقول إن الأسماء غير المسمى هي له، وكذلك بعضهم عبر بأنها عين المسمى، لكن يُخشى من القول بذلك أن يفهم خطأ؛ لأن المعتزلة -كما هو معروف- يقولون بأن الأسماء لا تدل على أوصاف، وأنها أعلام مجردة؛ فلذلك عندهم: الملك يساوي الرحمن، يساوي الرحيم، يساوي القدوس؛ كلها لا تدل على شيء سوى الذات، فالمسمى هو الاسم والاسم هو المسمى ليس إلا.
لكن أقول: "الاسم للمسمى"؛ لذلك الأسماء علاقة بعضها ببعض أنها من حيث دلالتها على الذات مترادفة، ومن حيث دلالتها على الصفات متباينة؛ يعني هل الرحيم هو الملك؟ هل الملك هو القدوس؟ هل القدوس هو العليم؟ نقول: العليم هو الرحمن من جهة، والرحيم غير الرحمن من جهة أخرى؛ الرحيم هو العليم من حيث الدلالة على الذات (يعني الرحيم يدل على ذات الله، العليم يدل على ذات الله، الملك يدل على ذات الله)، لكن الرحيم فيه معنىً ليس في الحكيم، والحكيم فيه معنىً ليس في العليم، والعليم فيه معنىً ليس في القوي، وهكذا؛ فهي متباينة من حيث الدلالة على المعاني والصفات -لكل اسم معنى-، لكن من حيث الدلالة على الذات فهي متفقة، والله تعالى أعلم، هذا بالنسبة لقولنا "بسم الله".
أما اسم الجلالة "الله": فالله ذو الألوهية على خلقه أجمعين، كما ورد عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فالله ذو الألوهية العامة، فهو المستحق للعبادة سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى "الله"، وقد ذكر العلماء خلافًا طويلًا بينهم في كلمة "الله" هل هي مشتقة أم لا؟ (يعني من حيث اللغة من حيث الاشتقاق، هل هو علم مرتجل -يعني الله أطلق على الله جَلَّ وَعَلَا دون أن يكون مشتقًا- أم أن له أصلًا في الاشتقاق؟)، والصحيح أنه مشتق، وقد أنكر بعض العلماء نسبة القول بالجمود إلى سيبويه وقالوا: ما نسب إليه من أنه يقول إن اسم الله جامد ليس بذاك -ليس بصحيح- وأنه لم يقل ذلك، كذا قالوا والله تعالى أعلم.
أيًا ما كان، فاسم الجلالة "الله" مشتق على القول المرجح من "أله يأله" بمعنى "عبد يعبد"، فالإله أو الله أصلها "الإله"، "الله"، "الإله" ثم حذفت الهمزة تخفيفًا وأدغمت اللام في اللام فصارت "الله"، والدليل على ذلك قول الله جل ذكره: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾1
، فذكر هنا المتعلق وهو "في السماوات"، وهو لا يتعلق إلا بمشتق، فمعنى ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾؛
يعني وهو المألوه بحق ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ﴾، هو المعبود بحق ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ﴾، ومنه قولهم "تألهي" فـ "التأله" معناه التعبد، إذًا الله المعبود بحق سُبْحَانَهُ َعَزَّ وَجَلَّ، ثم صار علمًا على الله سبحانه، بحيث لا يُطلق على غيره؛ يعني إن كان الإله قد يطلق -كلمة إله تطلق على غير الله-، لكن "الإله"، "الله" لا يطلق إلا على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا أحد الأقوال في قوله جل ذكره: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾2
، قال بعضهم: يعني هل تعلم أحدًا تسمى باسمه "الله"؟ لا يوجد أحد يتسمى باسم الجلالة "الله"، ولا يجرؤ على ذلك، هذا بالنسبة لـ "لله" سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وقد ذهب عدد من العلماء إلى أنه اسم الله الأعظم، قالوا إن اسم الله الأعظم هو "الله"؛ قالوا لأن اسم الجلالة "الله" يُتبع ولا يَتبع، يُنعت به، ولا يكون نعتًا لغيره (يعني اسم الجلالة الله لا يأتي تابعًا، لا يأتي نعتًا، ﴿أَنَّمَا﴾ يُنعت به): ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾3
، ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾4
الآية الكريمة، إذًا "الله" يُتبع، وأما في قول الله جَلَّ وَعَلَا: ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ5 ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
، ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
؛ فقالوا "اللهِ" على قراءة الخفض عطف بيان أو بدل وليس نعتًا، لا ينعت باسم الجلالة، كذا قالوا، والقراءة الأخرى قراءة الرفع؛ لأن قوله سبحانه فيها القراءتان: ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
، ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
.
طبعًا الله جَلَّ وَعَلَا اسم الجلالة اللام تفخم فيه في حالة الرفع والنصب وترقق في حالة الخفض أو الجر، "وفخم اللام من اسم الله عن فتح أو ضم كعبد الله"، قال: ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾6
، ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾7
تفخم، لكن ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
تبقى ترقق، لكن الله جَلَّ وَعَلَا قالوا هكذا عطف بيان ولم يجعلوه نعتًا، هكذا قال أكثر أهل اللغة، والله أعلم، أيًا ما كان، فاسم الجلالة "الله" اسم متضمن لكل كمال وجلال؛ ولذلك يُتبع بغيره من الأسماء الحسنى، والله تعالى أعلم.
لكن الكلام في اسم الله الأعظم كلام طويل، ومن الأقوال الجيدة في ذلك أنه ليس خاصًا باسم واحد، وإنما هو مبثوث في مجموعة من الأسماء، فلا يمنع من ذلك أن يكون اسم الله الأعظم أكثر من اسم، وليس بنص أن يكون اسمًا واحدًا، والله تعالى أعلم، وهذا فيه جمعٌ بين النصوص التي فيها "لقد سأل الله باسمه العظيم" أو "لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب"، كما جاء في "الحي القيوم"، وكما جاء في: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ»، أو «إِنِّي أَسْأَلُكَ أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، ونحو ذلك من النصوص، وإن كانت هذه النصوص كلها لا تخلو من مقال من الجانب الحديثي، إلا أن بعض العلماء حسنها أو صححها، والله تعالى أعلم.
"
بسم الله الرحمن الرحيم
":
"
الرحمن
" على وزن "فَعْلان"، و"
الرحيم"
على وزن "فَعِيل". وعليه فـ "الرحمن" أكثر حروفًا من "الرحيم"؛ "الرحيم" أربعة حروف، و"الرحمن" خمسة حروف (حتى وإن كتبت أربعًا، فهذا من باب التخفيف كما في "بسم الله"، فـ "باسم الله" الأصل أنها بـ ألف، لكن مع اسم "الله" تخفف فتكتب "بسم الله" بدون الألف). فـ "الرحمن" قالوا: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ فلذلك قالوا: "الرحمن" أبلغ من "الرحيم" يعني في الدلالة على الرحمة.
ومن أفضل ما قيل في معنى "الرحمن الرحيم": أن "الرحمن" واسع الرحمة، وأن "الرحيم" واصل الرحمة؛ فـ "الرحمن" صفة ذات، و"الرحيم" صفة فعل؛ يعني الله جَلَّ وَعَلَا من صفاته أنه رحيم، هذه صفة ذاته، صفة ذاته أنه رحيم، (هو رحمن)، ومن صفة فعله أنه رحيم، ولذلك في تعدية الرحمة إلى المخلوقين يأتي الوصف بالرحيم: ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾8
، ولم يقل رحمن، كذا قالوا، وهذا حرره ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فقال: "الرحمن" صفة رحمته واسعة، و"الرحيم" رحمته واصلة.
كذلك قالوا: "الرحمن" عام في الحال والمآل في الدنيا والآخرة؛ فالله رحمن الدنيا والآخرة، ورحمته عامة للمسلم وللكافر، وللبر والفاجر، وأما "الرحيم" فهي الرحمة الخاصة بأهل الإيمان، وقالوا: "الرحمن" خاص الاسم، و"الرحيم" عام الاسم؛ فـ "الرحمن" لا يُطلق إلا على الله جَلَّ وَعَلَا، ولما قيل لمسيلمة الكذاب "رحمن اليمامة"، فقيل له: "ما زلت رحمنًا" (ولم يقل الرحمن، جاءت منكرة)، ووسمه الله بجلباب الكذب، فلا يُذكر إلا ويُتبع بالكذب والعار والشنار، و"الرحمن" لا يُطلق إلا على الله جَلَّ وَعَلَا هكذا معرفًا.
أما "الرحيم" فقالوا: قد يطلق على بعض المخلوقين، وقد جاء ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه رحيم في قوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾9،
لكن من أقوى التفريقات ما تقدم ذكره من أن "الرحمن" واسع الرحمة، و"الرحيم" واصل الرحمة، وعليه: فذكر "الرحيم" بعد "الرحمن"؛ لبيان أثرها المتعلق بالمخلوقين؛ يعني هو رحمن، وما الأثر المتعلق بالمخلوقين؟ أنهم مرحومون، يرحمهم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
ومن حيث الإعراب: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾،
ما الذي يصح منها؟ يعني القراءة التي نقرأها وهي القراءة العشرة، القراءة العامة المعروفة: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، هذا من حيث القراءة، ومن حيث اللغة هذا معنىً واضح: "الرحمن" نعت لـ "الله"، و"الرحيم" نعت كذلك، وهنا مسألة أنه قد يقول قائل: كيف تكون أسماء الله جَلَّ وَعَلَا نعوتًا أصلًا؟ تقول هي أسماء، هي أسماء ولا صفات؟ فنقول: أسماء الله جَلَّ وَعَلَا تُعرب نعوتًا باعتبار الوصف الذي فيها، وهي أعلام باعتبار دلالتها على الذات، فمن أعربها صفات فمن هذا الباب؛ لأن بعض الناس يرفض أن يُعرب "الرحمن" أو "الرحيم" نعت، تقول: كيف أسماء الله تكون نعوتًا؟ فيكون التوجيه أن أسماء الله الحسنى تُعرب نعوتًا أو صفات باعتبار ما تتضمنه من أوصاف، يبقى هو علم ولكن فيه الوصف، بخلاف أعلام الناس؛ فالعلم في الناس لا يلزم منه الوصف، شخص يُقال له "كريم" وليس بكريم، شخص يُقال له "سعيد" وليس بسعيد، وهكذا الاسم قد لا يُطابق المسمى.
لكن أسماء الله جَلَّ وَعَلَا الاسم يطابق المسمى، والاسم يدل على المعنى، هذا معنى أن كيف يُقال "الرحمن" تكون مبتدًا ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾10
، وكيف نقول أنها نعت؟ نقول: نعت باعتبار بملاحظة الوصف؛ ولذلك تجد بعض العلماء يعبر هكذا يقول: "نعت بملاحظة الوصف"؛ تقول ماذا ملاحظة الوصف؟ يعني أنه نظر للمعنى، فلما نظر للمعنى قد يصح الوصف بذلك، والله تعالى أعلم.
ولذلك بعضهم جوزه أيضًا، يقول: "لِمَ لا يقال هذا في اسم الجلالة؟" ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: يعني إن الأكثرين منعوا ذلك، لكن أيضًا بعضهم قال لا مانع من هذا، أنه يقال إنه نعت، لكن بعضهم يقول: "أين الموضع الدالة على ذلك؟"، موضع واحد وفيه القراءتان، فالحمل على الأكثر أولى، بخلاف غيره فالنعت فيه كثير.
"الرحمن الرحيم": القسمة العقلية فيها أن يُقال: "الرحمنِ الرحيمِ"، يعني رفع الأول مع رفع الثاني ونصبه وخفضه، ونصب الأول مع رفع الثاني ونصب وخفضه، وخفض الأول مع رفع الثاني ونصبه وخفضه (صح ولا لا؟ هذه هي القسمة)، فيحصل تسع صور؛ يعني إما "الرحمنُ الرحيمُ"، "الرحمنُ الرحيمَ"، "الرحمنُ الرحيمِ"، "الرحمنَ الرحيمُ"، "الرحمنَ الرحيمَ"، "الرحمنَ الرحيمِ"، "الرحمنِ الرحيمُ"، "الرحمنِ الرحيمَ"، "الرحمنِ الرحيمِ". آخرها هو الذي ورد، يعني آخرها هو خفض "الرحمنِ الرحيمِ"، ورد على النعت؛ "الرحمنِ" نعت "رحيمَ "، لكن من حيث اللغة يجوز من ذلك سبعة أوجه ويمتنع وجهان فقط؛ يعني تسعة أوجه جائزة باستثناء وجهين، وهو أننا إذا رفعنا أو نصبنا "الرحمن" فلا يجوز جر "الرحيم"؛ هذا هو الممتنع فقط. يعني إذا قلت: "بسمِ اللهِ الرحمنُ الرحيمُ"، كيف الإعراب؟ يبقى "بسم الله" خلاص، ثم جاء القطع "الرحمنُ" على القطع، كان ممكن تقول خبر لمبتدأ مقدر هو "الرحمنُ" يبقى هذا على الاستئناف أو القطع، و "الرحيمُ" مرفوع نعت، يبقى "الرحمنُ الرحيمُ" لا يوجد فيها مشكلة.
ولو قلت "الرحمنُ الرحيمَ"، يعني "الرحمن" هو "الرحمنُ" أعني "الرحيمَ"، يبقى "الرحيمَ" مفعول به لفعل مقدر "أعني"، طيب "بسم اللهِ الرحمنَ"، يعني "بسم الله" أعني "الرحمنَ الرحيمَ" يبقى نعت، طيب "الرحمنَ الرحيمُ"، يعني أعني "الرحمنَ"، هو "الرحيمُ"، لا بأس، كل هذا جائز، حالة الرفع يبقى تجعلها جملة استئنافية مبتدأ وخبر، ولو الثاني مرفوع يبقى نعت، طيب لو منصوب؟ يبقى في فعل محذوف "أعني"، أعني "الرحمنَ"، أعني "الرحيمَ".
لكن أنت حينما تخفض وتجر، نحن نجر لماذا؟ نجر لأن نعت لله ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، يبقى الجر من أجل النعت لمن؟ لاسم الجلالة "الله"، طيب أنت إذا قلت: "بسمِ اللهِ الرحمنُ" يبقى أنت قطعت الصلة بين اسم "الرحمن" وبين اسم "الله" في الإعراب، خلاص أنت لا يوجد فيه خفض، لا يوجد فيه نعت، فلا يصح بعد أن قطعت أن ترجع وتقول إنه مجرور على النعت؛ لأن لا يوجد مجرور أصلًا، ليس هناك سبب للجر، خلاص سبب الجر زال، أنت كنت ستجعل "الرحمنِ" نعتًا لـ "للهِ"، طيب أنت جعلتها "الرحمنُ" خلاص يبقى لم يعد هناك نعت لاسم الجلالة "الله"، الحديث عن الله انتهى، "بسم الله" خلاص انتهى.
إذًا تقول: "الرحمنُ الرحيمُ" يمشي الحال، "الرحمنَ الرحيمَ" يمشي الحال، "الرحمنُ الرحيمَ" يمشي الحال، "الرحمنَ الرحيمُ" يمشي الحال، لكن تقول "الرحمنُ الرحيمِ"؟ لا يصح، "الرحمنَ الرحيمِ"؟ لا يصح؛ لأنك ستعود إلى الجر وقد قطعت الصلة في ذلك، -والله تعالى أعلم-؛ ولذلك هذا معروف بالمنع في ذلك في هذه الحالة وحدها؛ ولذلك قالوا:
إن يُنصب الرحمنُ أو يرتفعا
فالجر في الرحيمِ قطعًا مُنعا
يعني في هذه الحالة الجر يكون ممنوعًا، -والله تعالى أعلم-، هذا بالنسبة لما يتعلق بـ ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾.
والعجيب أنك تجد هذه الكلمة يبتدئ الله بها كل سورة في القرآن الكريم باستثناء سورة براءة كما تقدم، وأنها سورة أو أنها آية من آيات القرآن الكريم قطعًا من قوله: ﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَـٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾11
، وفي هذا تغليب لجانب الرحمة، ودليل واضح على أن رحمة الله سبقت غضبه، وأنه يفتتح بهذا ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، فيأتي هذان الاسمان دون غيرهما ليتبعا اسم الجلالة "الله" جَلَّ وَعَلَا ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، أي استحضر هذا المعنى، -والله تعالى أعلم-، هذا بعض ما يتعلق بـ "البسملة" ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾.
قال:
الناظم الزمزمي
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
:
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَبَعْدُ
فَهَذِهِ مِثْلُ الْجُمَانِ عَقْدُ
هناك أمور يُوجب العلماء ذكرها في مقدمة المنظومات -والمقصود بالإيجاب هنا الإيجاب الاصطلاحي، ليس الإيجاب الشرعي- يعني أمور يقول لك المفروض تأتي أين؟ في المقدمات، يذكرون "البسملة" و "الحمدلة" و "الصلاة والسلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أو " الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" و "التشهد"، يذكر هذا في المقدمة؛ يعني يحمد الله، يصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يبسمل، يتشهد؛ هذه يأتي بها.
وهناك أمور يستحب الإتيان بها في المقدمات، ما الأشياء التي يستحب الإتيان بها في المقدمات؟ يقولون: ذكر "أما بعد"؛ أنه يأتي بـ "أما بعد"، "ما بعد" أو ما ينوب منابها مثل: "وبعد"، وكذلك براعة الاستهلال؛ أن يكون في المقدمة إشارة إلى ما سيأتي بعد، يسموه "براعة الاستهلال"، وكذلك اسم المصنَف والمصنِف؛ يعني أن يذكر من هو، من المتكلم إشارة إلى نفسه، وإذا قال "محمد هو ابن مالك" ونحو ذلك، ويُشير إلى المصنَف (إلى المصنَّف ماذا يقصد بتأليف أو بكتابة)، هذه أمور مستحبة.
إذًا هذه أمور ثمانية يذكرها بعضهم، البسملة، والحمدلة، والصلاة، والسلام، والتشهد، يجعلونها من المتعين في المنظومات أو في المقدمات، في المقدمات عمومًا، والأمور المستحبة: أما بعد، والاسم، والمصنَف، وبراعة الاستهلال، لكن قد يخف الأمر في باب المنظومات، يعني هذا الأمر أمر هنا عام، فمن المعروف إنه في باب النظم، النظم يقوم في الغالب على الاختصار (يعني الإنسان حينما ينظم يقصد بذلك الاختصار في الغالب والإيجاز)؛ فلذلك يسوغ فيما لا يسوغ في غيره، خلاف إنسان يكتب مقدمة للكتاب يراعي مثل هذه الأشياء، -والله تعالى أعلم-.
وبالمناسبة، فقد جرى عمل بعض المصنفين في هذه الأيام كثيرًا على أن يبدؤوا المصنفات بذكر الصيغة المعروفة في خطبة الحاجة: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له.."، تجد كثيرًا من مصنفات العلماء المعاصرين تفتتح بذلك، والشيخ الألباني عليه رحمة الله له رسالة في جمع طرق هذا الحديث "خطبة الحاجة"، جمع فيها طرق وألفاظ الحديث وبين صحته وما ثبت منه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
لكن السؤال: هل هذا هو صنيع السلف الصالح؟ يعني هل خطبة الحاجة كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفتتح بها كتبه ورسائله؟ هذا غير مشهور في كتب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغير مشهور في كتب الصحابة -في كتاب أبي بكر الصديق-، وغير مشهور في كتب التابعين وأتباع التابعين، ومن قرأ كتب العلماء المتقدمين كـ "الرسالة" للشافعي وكتب المتقدمين لا يجد مثل ذلك؛ لذلك قال بعض العلماء: خطبة الحاجة المشهور أنها في الخطب القولية، أنها في الخطب القولية هذا صنيع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان.
ولا يعني ذلك أن من فعل ذلك كتابةً أنه مخالف للسنة، لكن نقول: يعني إذا فعلها يقصد بذلك أنه يأتي بالسنة، نقول: من أين لك بذلك؟ يعني الفرق بين المسألتين، واحد هو دائمًا يستلذ الكتابة بهذه المقدمة كما يفعل الشيخ الألباني عليه رحمة الله، إذ كان يقدم بها، لا بأس، لا يقال ولا يلام على ذلك، لكن يظن أن هذا هو الأفضل وأن هذا هو الهدي، حتى إن بعض الإخوة إذا رأى هذه المقدمة موجودة يرى أن الكاتب على منهج السلف الصالح، وأنها إذا كانت غير موجودة إذًا هذا مصنف ليس كذلك؛ هذا ليس بمقياس بالمرة، هذا ليس بمقياس بالمرة، -والله تعالى أعلم-، هذا بالنسبة لما يتعلق بالمقدمات، هناك مقدمتان للعلم: مقدمة تكون للكتاب، ومقدمة للعلم نفسه.
مقدمة للكتاب:
يعني يقدم للكتاب، يقول: أنا أفعل كذا، وأنا سأشتغل بتصنيف في باب كذا، وسأقسم الكتاب إلى أبواب والأبواب إلى مباحث ويذكر هذا، مقدمة للكتاب تعريف بالكتاب.
وهناك مقدمة للعلم
: مقدمة للعلم يذكر فيها مبادئ العلم الذي يدرسه أو يُدرسه أو يصنف فيه (يعني يدرس مثلًا وليكن في علم التجويد، يبقى يتحدث عن معنى علم التجويد، وعن ثمرة علم التجويد، واضع علم التجويد، استمداد علم التجويد، نشأة علم التجويد، النسبة بينه وبين العلوم، وما إلى هذا)، اسمها مقدمة العلم.
لكن مقدمة تتعلق بالكتاب يتكلم فيها عن نفسه، وعن منهجه في الكتاب، وطريقته في الشرح، وطريقته في ذكر العلوم، ومصادره التي استقى منها المكتوب الذي سيكتبه أو الكتاب الذي صنفه، وما إلى ذلك، أحيانًا يخلط بعض العلماء بين ذلك، فربما ذكر في المقدمة بعض مقدمات العلم وربما آخرها على حسب ذلك، وهذا ما جرى من الزمزمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كما سنرى إن شاء الله تعالى.
قال:
الناظم الزمزمي
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
:
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَبَعْدُ
فَهَذِهِ مِثْلُ الْجُمَانِ عَقْدُ
ما الذي أتى به في المقدمة الآن؟ أتى بالبسملة، صح؟ طب أتى بالحمدلة؟ طبعًا مسألة "البسملة" هذا بنسميه ماذا؟ البسملة هذه بنسميها أسلوب نحت، الذي هو على وزن صوغ الكلام على وزن "فعلل"، أكثر من كلمة تُنحت وتصير على وزن "فعلل"، زي "الحوقل" حوقلة، يعني تكون هناك مجموعة من الكلمات، هذه مجموعة من الكلمات نمزجها في وزن "فعلل"، تسمى بأسلوب النحت. ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ بسملة، بسملة أخذنا من الله اللام ومن بسم "بسم"، يبقى اسمه أسلوب نحت. "حوقل" لا حول ولا قوة إلا بالله، وهكذا "حيعل" حيعل يعني ماذا؟ حي على الفلاح. "دمعز" يقول دمعز، ماذا "دمعز" هذه؟ "أدام الله عزك". "طبقل"؟ أطال الله بقاءك -طبعًا المفروض على الطاعة تقيد بذلك، لكن على كلٍ قاسوها يعني من باب القياس-، لكن المشهور في ذلك البسملة والحمدلة.
هل هو ذكر "الحمدلة" هنا في النظم؟ لم يذكره، لكنه ذكر العوض عنه، ما العوض؟ "تبارك"؛ لأن "تبارك والحمد" من جنسٍ واحد وهو جنس الثناء؛ ولذلك بعض العلماء قالوا: بدأ بـ "تبارك" ولم يبدأ بـ "الحمدلة"، فأجاب بعضهم وقالوا: تبارك من جنس الحمدلة، من جنس الثناء؛ لأن تبارك تعاظم خيره، تكاثر خيره كما سيأتي إن شاء الله، وهذا كله ثناء على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأنه وصف المحمود بالمحاسن، فهو يصف الله جَلَّ وَعَلَا بالمحاسن مع الحب والتعظيم.
ولذلك العجيب في افتتاح سور القرآن الكريم حينما تتأمل تجد أن السور التي افتتحها الله بالتسبيح سبع سور، السور المبتدأة بالتسبيح سبع سور: ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾12
سورة الإسراء، بعدين ماذا؟ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾13
، وبعدين الحشر، وبعدين الصف، وبعدين الجمعة، التغابن، ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾14
، هذه السبعة.
والسور المفتتحة بالحمد والثناء سبعة؛ خمسة بالحمد واثنتان بتبارك، الحمد خمسة: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر، و"تبارك": الفرقان، والملك. فـ "تبارك" مع الحمد سبعة، والتسبيح سبعة؛ فالتسبيح مقابل الحمد، والتسبيح يسبق الحمد؛ لأن التسبيح تنزيه، والحمد ثناء؛ يعني ولذلك جانب التخلية "سبحان"، جانب التحلية "الحمد"؛ ولذلك يأتي المزج بينهما "سبحان الله وبحمده"؛ يعني سبحان الله تنزه الله وتمزج ذلك بالثناء على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
أيضًا ذكر المصنف هنا الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسلام، وذكر أيضًا "وبعد"، من الأمور المستحسنات ذكر "وبعد"، ومما ذكر هنا "براعة الاستهلال"، هذا الذي ذكره في المقدمة من قول: "
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ... عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
"، أين براعة الاستهلال؟ إن الذي يقرأ يسمع هذا النظم آه هذا الكلام عن القرآن والفرقان، "
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ... عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
"، فأول ما تسمع الموضوع متعلق بنزول القرآن والقرآن يبقى الحديث عن القرآن، وهو كذلك؛ لأن الحديث بالفعل في النظم عن ماذا؟ عن القرآن وعما يتعلق به، بل أول الأبواب التي عقدها ما يتعلق بنزول القرآن الكريم وأحوال نزوله.
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
"
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
"، ما معنى "
تَبَارَكَ
"؟ تعالى، بعضهم قال: تقدس، تمجد، تعاظم؛ كلها معانٍ صحيحة؛ وعلى ذلك فـ "تبارك" يصح أن يضرب بها المثل لما كان من خلاف التنوع في التفسير، أن لفظة ترد بأكثر من معنى، لا تعارض بين هذه المعاني، كلٍ عبر بمعنى قريب من الآخر، تجد بعضهم قال: تعاظم، تمجد، تقدس؛ كلها معانٍ قريبة، بعضهم قال: تكاثر خيره ونما وثبت؛ هذا أولاها من حيث اللغة والاشتقاق، كما يقول النحاس رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ يعني لما تأتي تنظر في أصل الاشتقاق "تبارك" أصل المادة ماذا؟ "برك"، البروك، "تبارك" تدل على معنى البروك، وما معنى البروك؟ الثبات أو الثبوت والدوام، ومنه قيل لـ "البِركة" بِركة؛ لأنَّها ثابتة، الماء الذي فيها يثبت بارك، "بارك فلان" ثبت.
فمعنى "تبارك" يعني ثبت خيره وكثر ونما وزاد، وأيضًا تعالى وتعاظم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، تعالى عن النقائص وعن السفاسف وعن كل خلل وعيب، فهو السلام سُبْحَانَهُ وَعَزَّ وَجَلَّ القدوس، و"تبارك" خاصة بالله كما قال العلماء، فلا يقال تبارك فلان، ﴿أَنَّمَا﴾ يقال "تبارك الله"، "تبارك الله": ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾15
، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾16
.
طالب: ....؟
الشيخ: ليس عندنا دليل على المنع، لكن الأولى ﴿إِلَّا﴾ يُقال به إبقاءً على أنه معروف بحق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أو بوصف الله عَزَّ وَجَلَّ.
ولا يُعرف تصرف اللفظ إلى الأفعال الأخرى؛ يعني "تبارك" فعل ماضٍ لا يعرف "تبارك" على أنه أمر، "يتبارك"، معروف الماض، صار خاصًا بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
"
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
"، "المنزل للفرقان"، من المنزل للفرقان؟ الله جَلَّ وَعَلَا، كأن المعنى: "تبارك الله"، تبارك الله المنزل للفرقان، هذا مأخوذ من قول: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾17
، والمقابل للفظ الآية الكريمة أن يقول ماذا؟ أن يقول: "تبارك المنزل للفرقان"، لكنه قال من أجل الشعر ومن أجل الوزن: "
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
"، وكلاهما ثابت في حق الله: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا18 ۜ﴾
. فالله جَلَّ وَعَلَا هو المنزّل للفرقان والمنزِل للفرقان، فكلاهما صحيح وكلاهما ثابت.
ولكن ما الفرق بينهما بين "المنزّل" و"المنزِل"، أو بين "نزّل" و"أنزل"؟ هل هناك فرق؟ تفضل...
طالب: ....
الشيخ: "أنزل" دفعة واحدة، و "نزّل" تدريجيًا، أحسنت.
طيب هل هناك كلام آخر؟ إذًا بعض العلماء يقول: "نزّل" هذا أي على سبيل التدريج، لماذا؟ لأن "نزّل" على وزن "فعّل"، و "فعّل" التي فيها التضعيف تدل على التدرج، التدريج؛ يبقى نزل القرآن شيئًا فشيئًا كما قال: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا﴾19
،هذا بالنسبة لـ "نزّل".
طب و"أنزل"؟ قالوا: نزل جملة واحدة، يبقى نزل القرآن مرة واحدة، نزول القرآن جملة واحدة، وهل القرآن نزل جملة أو نزل مفرقًا؟ سيأتي التفصيل في هذه المسألة، لكن خلاصة القول: أن القرآن له نزولان على القول الصحيح: نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء، ونزل منجمًا بعد ذلك على قلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه المدة الطويلة التي قاربت ثلاثًا وعشرين ( 23) سنة.
لكن هل هذا الكلام الذي يُقال فيه إن "نزّل" غير "أنزل" مضطرد؟ في الحقيقة في بعض المواضع لا نستطيع أن نقول بذلك، فنستطيع أن نقول إن هذا التفريق تفريق أغلبي، أو أن نقول بقول بعض العلماء: حينما يجتمع "نزّل" و"أنزل" فـ "نزّل" غير "أنزل"، لكن إذا جاءت "نزّل" وحدها أو "أنزل" وحدها قد تتضمن المعنى الآخر أو قد تأتي بالمعنى الآخر؛ إذا جاءت "نزّل" و"أنزل" معًا يبقى "نزّل" غير "أنزل"؛ ومن أشهر الأمثلة على ذلك قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في صدر سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ20 مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾.
فقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾21
قالوا هذا في القرآن الكريم، ولما ذكر التوراة والإنجيل قال ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾
؛ لِمَ؟ التوراة نزلت مجملة (جملة) والإنجيل نزل جملة على قول جماهير أهل العلم، عقب بعضهم بقوله بعد ذلك: ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾22
، فقال بعضهم إشارة إلى النزولين، أو أن ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾
المراد به الزبور؛ ليتم ذكر الكتب السماوية المعروفة، أو المراد بـ "الفرقان" التفريق بين الحق والباطل، أو المراد بـ "الفرقان" الكتب المنزلة عمومًا وليس خاصًا بأن يكون المراد به القرآن الكريم.
أيضًا يدل على ذلك آية سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ23 طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا۟ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾
، تأمل هذا التعبير القرآني: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾24
ذكر أن تعبير المؤمنين ثم بعد قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾
؛ قالوا: لِمَ؟ قالوا: لأن المؤمنين حينما يطلبون يطلبون ما يعهدون نزوله، وهم عهدوا أن نزول سورة من القرآن غالبًا ينزل ماذا؟ منجمًا مفرقًا، فقالوا ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾
أي على الطريقة المعهودة لدينا وهو أن تنزل منجمةً مفرقة، ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾
حديث عن السورة بعد تمامها، سورة تم نزولها، إذًا ما يحتاج إلى ذكر التدريج هنا، ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾
نزلت السورة. وبعضهم قال المراد بالسورة المحكمة سورة ماذا؟ سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نزلت السورة، فإذا أُنزلت السورة وقد تم نزولها فلا حاجة إلى ذكر التدريج هنا، والله تعالى أعلم.
لكن إذا جاء النزول وحده "نزّل" أو "أنزل" يدخل فيه الآخر، بدليل قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًا﴾25
؛ ففي نفس الآية التي جاء فيها قولهم ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًا﴾
جاء كلمة "نُزّل" ولم تأتِ "أُنزل"، وكذلك ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾26
﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾
فجاء التعبير بالتنزيل مع التوراة، مع أنَّ التوراة على قول جماهير أهل العلم نزلت جملة واحدة، وإن كان بعضهم ذهب إلى أنها نزلت مفرقة كنزول القرآن الكريم سواءً بسواء، وهذا لعله يأتي إن شاء الله تعالى الحديث عنه في وقت لاحق في الحديث عن طريقة نزول القرآن الكريم.
إذًا هذا باختصار "
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
"، وكون القرآن نزل من عند الله جَلَّ وَعَلَا دليل على علوه؛ لذلك كل الآيات الدالة على نزول القرآن هي دليل على علو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هي دليل على علو الله عَزَّ وَجَلَّ.
طالب: .....
الشيخ: قالوا: إن جاء هنا تعبير بـ "نُزّل" مع أنه الكلام كان عن ماذا؟ عن جملة واحدة، وأنتم تقولون إن "نُزّل" تأتي للتدريج، فنقول نعم؛ لأن "نُزّل" جاءت وحدها ولم يأتِ معها "أُنزل"، وهذا التفريق تفريق أغلبي أو عند اقترانهما -يعني بقول إن هي قاعدة غير مضطردة- بدليل هذه الآية الأدلة.
"
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ
": ما المقصود بـ "الفرقان"؟ القرآن الكريم، وعليه: فـ "الفرقان" اسم من أسماء القرآن الكريم، والدليل عليه: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾
، والدليل الآخر السابق في الذكر الآن ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾
على بعض الأقوال؛ لأنه في الذي قال ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾
لم يجعلها للقرآن الكريم، وقال الأصل التغاير وقد ذكر القرآن قبل في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾
. لكن في آية الفرقان الأمر واضح ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾
الأمر فيها واضح أن "الفرقان" هو القرآن الكريم.
وعليه: فكلمة "الفرقان" من الألفاظ التي جاءت في القرآن بمعانٍ متعددة، وهي ما يعبر عنها عندهم بقوله "الوجوه والنظائر"؛ إن لفظة واحدة في القرآن تأتي بأكثر من معنى، مثل: "الفرقان"؛ يعني مثلًا في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾27
، هل يوم الفرقان نقول يوم القرآن؟ ولا يوم بدر الفارق بين الحق والباطل؟ يوم بدر، واطلق عليهم "الفرقان"، ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾28
، الفرقان..
طالب: .....
الشيخ: نعم الفارق بين الحق والباطل أو المعجزات، بعضهم قال التوراة.
إذًا الفرقان تأتي بعدة معانٍ، منها أنها تأتي بمعنى القرآن الكريم كـ "الكتاب"، فالكتاب يطلق على القرآن وعلى غير القرآن الكريم، ومن أشهر أسماء القرآن الكريم: القرآن، الكتاب، الفرقان، الذكر، وبعضهم يقول أيضًا التنزيل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾29
، ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾30
، ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ31 نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ﴾
، ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾32
، ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾33
، القرآن، الكتاب، الفرقان، الذكر، التنزيل؛ هذه أشهر أسماء القرآن الكريم.
وأوصاف القرآن كثيرة جدًا تقارب المائة، وبعضهم جعلها أسماء له، والصواب أنها أوصاف، كـ "الهدى" و"الموعظة" و"الشفاء" و"البشرى" و"البيان" و "علي" و "حكيم" ونحو ذلك، كل هذه أوصاف لـ "القرآن الكريم".
"
تَبَارَكَ الْمُنَزِّلُ لِلْفُرْقَانِ ...
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
"، والحديث عن القرآن سيأتي إن شاء الله تعالى في تعريف القرآن، ونحن نعرف التفسير نعرف القرآن، وأصل كلمة القرآن يأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
طالب: ....
الشيخ: نعم يعني هذا وجه، بعضهم يقول "نزّل" تأتي مع المعاندين و"أنزل" تأتي مع المؤمنين، وهذا يحتاج أيضًا إلى استقصاء المواضع، بعضهم يقول لا فرق لغتان، هذا من ضمن الأقوال في ذلك.
"
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
" من هو؟ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الذي جاء بعد "محمد" يبقى جاء بيان ذلك، "محمدٍ" بدل أو عطف بيان. إذًا "
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
" من؟ "محمدٍ" (طبعًا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ "هو محمد" يبقى جملة جديدة، لكن "محمدٍ" يبقى جر على التبعية يعني أنه بدل أو عطف بيان) "
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ما معنى "
النَّبِيِّ
"؟
القول الأول:
"
النَّبِيِّ
" إما أنها مأخوذ من "النَّبْوة"، وأن أصل الياء وأو "نَبْوَ"، وعليه: و "النَّبْو" معناها الارتفاع، فـ "النبي" نبي؛ لأنه رافع مرفوع، رافع من اتبعه مرفوعٌ من ربه، مرفوع المنزلة رفيع المكانة، الله رفعه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾34
، والعلماء ورثة الأنبياء؛ إذًا النبي مرفوع، رفعه الله، نبي رفيع المنزلة، أو هو رافع؛ النبي رافع، رافع من؟ رافع من اتبعه؛ من اتبعه ارتفع قدره وعلت منزلته، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال: «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» [رواه أحمد].
القول الثاني: أن "
النَّبِيِّ
" أصلها الهمز، أصلها "النبيء"، "النبأ"، إذًا النبيء من النبأ و "النبأ" الخبر المهم ذو الشأن ذو البال "النبأ"، وعليه: فهو نبي؛ لأنه مُخبِرٌ ومُخبَر؛ مُخبِرٌ عن ربه وأخبره ربه، قال الله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾35
، ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ﴾36
، وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾37
؛ فهو نبي مُنبِئ ومُنبَأ، مُخبِر ومُخبَر.
وكلا المعنيين صحيح ولا تعارض؛ فهو نبي رفيع المكانة، رافع من اتبعه، مُخبِرٌ عن ربه، أُخبر ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ربه، كلها معانٍ صحيحة؛ ويشهد لذلك القراءات؛ فجمهور القراء يقرؤون "النبي"، ونافع يقرأ "النبيء" و "النبيئون"، فيقرأ "النبيء"؛ ولذلك يقرأ "النبيء" هكذا ثم يكون على ما هو معروف، ورش يزيد في المد إلى ست حركات، وقالون دونه، لكن يقرأ "النبيء"، كذلك في "النبيئون" يكون له مد البدل، فعلى قراءته أصل المادة من النبأ، والجمهور يقرؤون "النبيون" يبقى من أين جاء؟ الخبر، فكلا المعنيين صحيح، والله تعالى أعلم.
"
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
"، هذا عن النبي في اللغة، أما عن النبي في الاصطلاح فكلامٌ طويل تقدم ذكره مرارًا في دروس العقيدة، وأن الخلاف في ذلك يسير؛ لأنه لم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك نص، والله تعالى أعلم.
ومن أشهر الأقوال في ذلك -أو من الأقوال التي اعتمدها بعض العلماء في ذلك- أن "النبي" يُرسل إلى قومٍ موافقين، أو يبعثه الله إلى قوم موافقين -يعني متبعين للشريعة-، وأما "الرسول" يكون لقوم مخالفين، إلى قوم مخالفين مناوئين.
بعضهم يقول: "الرسول" من يأتي بشريعة جديدة، "النبي" من يأتي بشريعة من قبله، وهذا يُعكر علينا في آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ أن آدم نبي وآدم لم يأتِ بشريعة أحد قبله، لكنه أتى بأولاد والأصل أنهم موافقون له؛ فلذلك قالوا آدم نبي.
بعضهم قال: "النبي" كل ذكرٍ حر أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ -وهذا عزاه بعضهم للجمهور-، ذكر (أخرجوا الأنثى، فقالوا لا تكون الأنثى نبية خلافًا لمن ذهب إلى ذلك كما ذهب بعضهم كابن حزم في مسألة مريم عليها السلام، إذ ذهب بعضهم إلى القول بنبوتها، وهذا فيه نظر والجمهور على أنها صديقة كما قال الله، دون أن تبلغ مرتبة النبوة)، ذكر حر (لا يكون عبدًا) أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ، و"الرسول" أوحي إليه بشرع وأمر بالتبليغ، وعُكر على ذلك كيف لا يؤمر النبي بالتبليغ وهو نبي والعلماء مأمورون بالتبليغ أفلا يؤمر الأنبياء بذلك؟ وأجاب بعضهم: بأنه لا يؤمر بالتبليغ أي لم يؤمر بالقتال على التبليغ -هو يبلغ لكن غير مأمور بالقتال على التبليغ- بخلاف الرسل فإنهم يقاتلون من ناوأهم ويتصدون للمحاربين لهم إلى أن ينصرهم الله عَزَّ وَجَلَّ.
لذلك جاء مع ذكر الرسل ذكر القتال والانتصار ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾38
، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾39
. ويُعكر على ذلك قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾40
-والقراءة الأخرى "قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ"- ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾
، هذا يُعكر على هذا، لكن على كلٍ يعني المسألة في ذلك قريبة.
لكن من الأقوال التي لها حظ من القبول -والله أعلم- أن "الرسول" من يُرسل إلى قومٍ مخالفين أو يأتي بشريعة جديدة.
وأن "النبي" من يُرسل إلى قوم موافقين أو يأتي بشريعة ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، فلا مانع من أن نمزج بين التعريفين في آن واحد كما صنع بعض العلماء وأظن منهم الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى.
"
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
"، "عطِر": اسم فاعل على وزن "فَرِح" على "فَعِل"، واسم الفاعل أصلًا على وزن "فاعل" ممكن يأتي على "فَعِل" كما هنا "عَطِر"، "عاطِر" فهو عاطر الأردان. فقالوا عاطر، عَطِر معنى عاطر بهذا المعنى.
"
عَطِرِ الأَرْدَانِ
" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعندنا "فَعِل" تأتي من صيغ المبالغة أيضًا، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَطِرُ والطيبُ صفةٌ ثابتةٌ له لازمة، كما قال عدد من الصحابة كـ "أنس" رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «مَا مَسَسْتُ دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [رواه البخاري ومسلم]. وقد ذكر القاضي عياض وغيره أن هذا من الخصائص التي كانت ملازمةً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يكن يُشم منه إلا ريح طيبةٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سواء أوضع طيبًا أم لم يضع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
"
عَلَى النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدَانِ
"، "
الأَرْدَانِ
" جمع "رُدْن"، والرُّدْن "الكم"، وبعضهم يقول أصل الكم، وبعضهم يقول: الكم الواسع. "عطر الأردان" يعني عطر الأكمام.
طيب ما معنى عطر الأكمام "
عَطِرِ الأَرْدَانِ
"؟ قال بعضهم: من المعروف أن غالب الروائح الكريهة ﴿أَنَّمَا﴾ تأتي من الآباط، فإذا كان عطر الأردان فهو عطر جميع الجهات من كلٍ من باب أولى -يعني إذا كان الردن الكم الذي ربما أتى منه رائحة من جهة الإبط-، وعطر الأردان فمن باب أولى عطر عطر الوجه، عطر الفم، ونحو ذلك.
وقال بعضهم: "الكم" هنا المقصود به الأصل، يعني "عطر الأصول"، والمراد بالأصل هنا أصل النسب؛ أي طيب النسب، بمعنى أنه ولد من نكاح لا من سفاح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالذين يثبتون المجاز يقولون مجاز بمرتبتين، يعني مجاز عن المجاز -يعني هو الأصل أنه كم، والكم أطلق على الأصل، والأصل أطلق على أصل النسب، كذا قالوا-، أو الآخرون يقولون دلت القرينة عليه دون أن يقال بالمجاز، وسيأتي الحديث أيضًا عن المجاز في مبحث مستقل من مباحث المنظومة بفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
إذًا "
عَطِرِ الأَرْدَانِ
" تدل على ماذا؟ على طيب رائحته، طيب جسده، وتدل على طيب أصوله؛ وما معنى طيب أصوله؟ أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولد من نكاح لم يولد من سفاح، وهو خيار من خيار كما قال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وقال: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفَى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ » الحديث، فاصطفاه إلى أن اصطفى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو في خيرهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ (حديث واثلة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ).
مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
"
مُحَمَّدٍ
" وهو رسول الله "محمد" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو من أشهر أسمائه، قد تكرر في القرآن ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا﴾41
، وعندنا سورة في القرآن كاملة تسمى بسورة "محمد" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يسمى بـ "محمد" وبـ "أحمد" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾42
.
وما الفرق بين "محمد" و"أحمد"؟
طالب: ....
الشيخ: نعم... من ماذا؟
طالب: ...
الشيخ: على وزن "أفعل"، فكان ماذا؟ تفضل...
طالب: ....
الشيخ: أه أسمع طيب بعدين؟ ما الفرق من حيث المعنى؟ تفضل...
طالب:....
الشيخ: بعده من أين هذا التفريق؟ قد جاء أحمد في القرآن الكريم...
طالب: ...
الشيخ: يعني أحمد يحمد الله ومحمد... عمومًا فيها كلام طويل ذكره ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره من أهل العلم .
وفي الحقيقة ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتاب "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ذكر كلامًا كبيرًا وجليلًا وكثيرًا وفخمًا في معنى الصلاة الإبراهيمية، وفي فضل الصلاة، وفيما يتعلق بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كلام قوي جدًا، مما يُقال في ذلك: أن "محمد" تدل على تكثير حمد الحامدين له (محمد) وليس "محمود" فقط، "محمود" اسم مفعول، طب "محمد" أيضًا مفعول لكن ماذا؟ كثير الحمد؛ لأن أصلها ماذا؟ حمد، "حمد- يحمد- حامد- محمود"، لكن حمّد محمد يعني معناه ماذا؟ يكثر الناس من حمده، وتكثير حمده لكثرة خصاله التي يُحمد عليها، ففي قوله "محمد" إشارة إلى كثرة خصاله الطيبة، وإلى كثرة الحامدين له.
و"أحمد" تدل على أن حمد الناس له أكثر من حمدهم لغيره، وأن حمد الله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأن الله جَلَّ وَعَلَا يثني عليه ويرزقه المقام المحمود وهذا أفضل من حمد الناس له، فما له عند الله أفضل من حمد الناس، وحمد الناس له أفضل من حمدهم لغيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: في "محمد" رُعي الكم؛ حمد كثير وفي "أحمد" رُعي الكيف، أن حمده أفضل حمد؛ لأنه حمدٌ من الله سبحانه، ربنا هو الذي أثنى عليه، حمد من عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين، حمد من أفضل الناس، حمد أفضل من حمد الناس لغيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو محمود وأحمد ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومشهور عن حسان:
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
طبعًا هذا من قبيل الإخبار، "محمدٌ" أو "محمدٍ"، "محمدٍ" على اعتبار البدلية كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾.
"
مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
...
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
"، "
عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
"؛ يعني "محمدٍ" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، هذا أصل الكلام، فـ "عليه" متعلق بـ "صلى الله"، والمقصود بالتقديم هنا الاهتمام، وليس.. "
عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
...
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
" ،و "ال" تفيد الحصر؟ يعني لم يصلِّ إلا عليه، قد صلى على غيره أيضًا ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
، لكن جاء هنا العطف أيضًا "
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ
" يعني عليه وعلى آله وصحبه صلى الله؛ فلا يصلي الله إلا على هؤلاء باعتبار أن "الآل" هم الأتباع على الدين، فلا صلاة من الله على المشركين، ﴿أَنَّمَا﴾ يصلي على عباد الله المؤمنين، فحينئذ يسلم هذا المعنى.
أما إذا قصد بـ "الآل" أقارب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأصحاب، فلا تدل على الحصر؛ لأن صلاة الله على عباده المؤمنين عامة وليست خاصة بـ "آل بيت النبي" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
.
"
عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
...
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
"، "
صَلَّى اللَّهُ
"، معنى "صلى الله"؟ صلى الله أفضل ما يُقال فيها ما ذكروا عن أبي العالية: "ثناؤه عليه في الملأ الأعلى"؛ يثني عليه في الملأ الأعلى، يذكره بالمحاسن، يذكر مناقبه وفضائله في الملأ الأعلى، يزكيه؛ هذا أفضل ما يُقال في الصلاة، صلاة الله عَزَّ وَجَلَّ على خلقه بمعنى الثناء، يثني عليهم ويزكيهم ويبرهم.
وتفسير الصلاة بـ "الرحمة" ضعيف؛ لأن بعضهم يقول صلاة الله رحمته، يقولون الصلاة من الناس دعاء، والصلاة من الملائكة استغفار، ومن الله رحمة؛ هذا كلام فيه نظر؛ لِمَ؟ لأن الله عطف الرحمة على الصلاة فقال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾43
، ولو كانت الرحمة هي الصلاة فما هو وجه العطف؟ والأصل أن وأو العطف تقتضي المغايرة، يبقى الرحمة غير الصلاة، هذا من جهة.
الأمر الآخر: أن التعدية مختلفة، بعضهم يفسر "الصلاة" أيضًا، أو تختلف من جهة أنه أجمع العلماء على جواز أن تقول "اللهم ارحم فلانًا من المسلمين"، لكنهم اختلفوا في "اللهم صل على فلان من المسلمين"؛ فبعضهم قال لا تجوز الصلاة على عموم المخلوقين على أحدهم إلا إذا كانت تابعة: "صل على محمد وعلى المسلمين"، "على الناس"، "على أهل الإيمان"، "على أهل الإيمان"، وعلى آله وصحبه وأتباعه؛ لكن لا تخص "اللهم صل على فلان"، وحتى لو قيل على فلان لا تكون ديدنًا؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى على آل أبي أوفى حينما أتوه بالصدقة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» [رواه البخاري ومسلم]، لكن لا تكون ديدنًا؛ يعني مثلًا ممكن نقول كل ما نأتي نقرأ كلام الشيخ فلان نقول "قال الحافظ ابن كثير رحمه الله"، لكن هل نقول: قال الحافظ ابن كثير صلى الله عليه"؟ لا يكون. فقالوا: إذًا العلماء يفرقون في السلوك بين الصلاة وبين الرحمة.
وتفسيرها بالدعاء أيضًا فيه نظر؛ لأن الدعاء يتعدى بـ "اللام" وبـ "على"، تقول "دعا لفلان" و"دعا على فلان"، و"صلى" تتعدى بـ "على"، و"صلى" التي تتعدى بـ "على" غير "دعا" التي تتعدى بـ "على"؛ يعني لو أنت هتتصلى علي، دعا علي، هل هذه في معنى هذه؟ هذه "صلى عليه" ليس معناها دعا عليه، هذه معناها أثنى عليه؛ فلذلك الأقرب أن "الصلاة" ثناء الله عَزَّ وَجَلَّ في الملأ الأعلى على ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من خلقه من عباده الصالحين.
"عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ
...
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ"؛
جمع بين الصلاة والتسليم وهو الأولى بلا شك، والله جمع بينهما فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾44
، لكن إذا أفرد الصلاة وحدها فما الحكم؟ لو أن واحدًا قال "صلى عليه"، "عليه الصلاة"، "صلى الله على محمد"، "اللهم صل على محمد" ووقف ما قال "وسلم"، أو اقتصر على السلام قال: "رسول الله عليه السلام"، "من قال صلى الله عليه وسلم"، ذكر بعض العلماء كالنووي الكراهة -أعني كراهة الاقتصار على الصلاة أو على أحدهم يقتصر على الصلاة وحدها- قالوا هذا مكروه، الأصل أن يجمع بينهما.
وذهب بعض العلماء كما هو ظاهر صنيع الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى أنه ليس بمكروه، لكن لا ينبغي أن يكون ديدنًا للإنسان، وإن كان هذا خلاف الأولى -يعني من قبيل خلاف الأولى ليس بمكروه الكراهة تحتاج إلى دليل، لكنه خلاف الأولى، أقل شيء من مسألة الكراهة خلاف الأولى-، لكن لو فعله جائز، لا سيما إذا لم يكن ديدنًا؛ يعني قالها في بعض الأحيان، جاءت قال "عليه السلام" أو قال "صلى الله عليه" ثم كمل مباشرة جاز ذلك، لكن الأولى والأكمل أن يجمع بين الصلاة والسلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي الصلاة تحصيل الخيرات للرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ الصلاة (الثناء عليه) تحصيل الخيرات، تحصيل البركات، و "السلام" طلب سلامته من الآفات؛ ففي الصلاة عليه تحصيل المرجو، وفي السلام عليه نجاته من المخوف الذي يراد السلامة منه؛ فأنت تصلي عليه تسأل الله أن يرزقه الخير، وتسلم عليه تسأل الله أن يسلمه من الآفات.
"
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
"؛ وأيضًا ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذكر كلامًا طويلًا وكلامًا نفيسًا جدًا في "بدائع الفوائد" في تفسير السلام الموجود في التشهد: "السلام عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي ورحمة الله وبركاته"، أو "السلام على النبي ورحمة الله"، "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، ومعنى السلام والفرق بين السلام وذكر الرحمة وذكر البركة وما إلى ذلك، ذكر كلامًا طويلًا في ذلك.
"
مَعْ سَلَامٍ دَائِمًا يَغْشَاهُ
"، يعني هذا السلام دائم لا ينفك، متواصل؛ فهو يطلب من الله الصلاة والسلام وأن يكون هذا متواصلًا، "
يَغْشَاهُ
"؛ يعمه، يحيط به.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ — الأنعام: 3 ↩
- آية: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ — مريم: 65 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — الحشر: 22 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ — الحشر: 23 ↩
- آية: ﴿الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ — إبراهيم: 1-2 ↩
- آية: ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ — مريم: 30 ↩
- آية: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ — المائدة: 119 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ — الأحزاب: 43 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — التوبة: 128 ↩
- آية: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ — طه: 5 ↩
- آية: ﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَـٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ — النمل: 30 ↩
- آية: ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ — الإسراء: 1 ↩
- آية: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — الحديد: 1 ↩
- آية: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ — الأعلى: 1 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ — المؤمنون: 14 ↩
- آية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — الأعراف: 54 ↩
- آية: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾ — الفرقان: 1 ↩
- آية: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ﴾ — الكهف: 1 ↩
- آية: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا﴾ — الإسراء: 106 ↩
- آية: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ — آل عمران: 3-4 ↩
- آية: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ — آل عمران: 3 ↩
- آية: ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ — آل عمران: 4 ↩
- آية: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ — محمد: 20-21 ↩
- آية: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ — محمد: 20 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًا﴾ — الفرقان: 32 ↩
- آية: ﴿۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — آل عمران: 93 ↩
- آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — الأنفال: 41 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ — الأنبياء: 48 ↩
- آية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ — الحجر: 9 ↩
- آية: ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ — فصلت: 2 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ — الشعراء: 192-193 ↩
- آية: ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ — فصلت: 42 ↩
- آية: ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ — الحجر: 6 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — المجادلة: 11 ↩
- آية: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ — الحجر: 49-50 ↩
- آية: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ﴾ — الحجر: 51 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ — التحريم: 3 ↩
- آية: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ — المجادلة: 21 ↩
- آية: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ — غافر: 51 ↩
- آية: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — آل عمران: 146 ↩
- آية: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا﴾ — الفتح: 29 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ — الصف: 6 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ — البقرة: 157 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ — الأحزاب: 56 ↩