لمحة في سورة (سورة الإنسان)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
لمحة في سورة الإنسان
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام مع مجلسٍ من مجالس هذه السلسلة «لمحةٌ في سورٍة»، ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع لمحة في «سورة الإنسان»، نعم سورة الإنسان، هذه السورة الجليلة الكريمة التي افتتحها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بقوله:﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾1.
فتسمى هذه السورة بـ «سورة الإنسان»، ويقال لها «سورة الدهر»؛ لذكر الدهر فيها، ويقال لها سورة ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ﴾، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ في فجر يوم الجمعة بـ﴿الٓمٓ﴾ ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾2، ويقرأ بـ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾.
فكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ بهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة، يقرأ بسورة السجدة وسورة الإنسان، قال بعض العلماء: وسبب ذلك أن هاتين السورتين الكريمتين تحدثتا عن بداية خلق الإنسان وعن نهاية أمره ومصيره ومآله، ومن المعلوم أن آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ خُلق يوم الجمعة؛ ولذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أخبرنا عن يوم الجمعة فقال عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ مِن أفضلِ أيَّامِكم يومَ الجمعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفخةُ، وفيه الصَّعقةُ» [رواه أبو داود وصححه الألباني].
فكانتا هاتان السورتان نجد فيهما الحديث عن بدء خلق الإنسان وعن نهاية أمره؛ فلذلك ناسب هذا أن يقرأ بهما الرسول الأكرم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا اليوم الأغر يوم الجمعة.
هذه السورة -سورة الإنسان- ابتدأها الله بقوله:﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾3، وهذا مناسب لختام سورة القيامة، فسورة القيامة التي سبقتها بحسب الترتيب المصحفي في آخرها قال الله:﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾4 ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾5 ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾6 ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾7 ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾8بلى قادر.
فكما حدثنا الله عن بداية خلق الإنسان في نهاية سورة القيامة حدثنا عن ذلك في بداية سورة الإنسان، وأيضًا في ختام السورة:﴿نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾9 ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا﴾10؛ فسورة الإنسان تحدثنا عن البدء وعن الختام، وتحدثنا عن بعض دلائل قدرة الله، وعن بيان انقسام الناس إلى شقي وسعيد، قسمت الناس إلى شاكر وإلى كفور، جعلنا الله من الشاكرين.
ثم إن الله ذكر في هذه السورة حديثًا جليًا وجميلًا وعظيمًا عن أهل الجنة؛ فلذلك سورة الإنسان أغلب حديثها كان عن أهل الجنة، عن أوصافهم وعن الأسباب التي دخلوا بها الجنة، ثم حدثنا الله عن بعض نعيمهم وختم ذلك بقوله:﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾11، نسأل الله أن نكون من أهل الجنة بمنِّه وكرمه.
قال الله سُبْحَانَهُ:، كثير من المفسرين يقولون: هذا الاستفهام يراد به التقرير، أي: قد أتى على الإنسان زمان ﴿مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾، فآدم عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يُخلق أين ذكره؟ هل كان معروفًا؟ هل كان له ذكر؟ لم يكن له ذكر، ثم أنت بعد ذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تخلق أين ذكرك؟ هذا الذي يتكبر وهذا الذي يرى نفسه ومكانه، يقال له: انظر إليك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تخلق، وقبل أن يتزوج أبوك أمك، وقبل أن يقع ما يقع، وقبل أن تولد، أين ذكرك؟ هل كان لك ذكر بين الناس؟ هل كان لك معرفة أو كان الناس يذكرونك بشيء؟
زمان المراد بالإنسان في الآية الثانية بنو آدم؛ لذلك قال بعضهم: في الآية الأولى هو آدم، ثم في الآية الثانية الحديث عن بني آدم، أخلاط بين ماء الرجل وماء المرأة، حينئذ خلق الله الإنسان نختبره، هذا من بداية السورة؛ تُبيّن لنا السورة أنك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان خلقت في هذه الحياة للابتلاء، فالدنيا دار ابتلاء، دار امتحان، دار اختبار، لا تنتظر المكافآت فيها، لا تنتظر الجزاء فيها، ﴿أَنَّمَا﴾ الجزاء في الآخرة.
خلقك الله وأعدك وأمدك، رزقك السمع والبصر، فمعك النعم ومعك ما تستعين به على طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ،﴿إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾12، وضحنا له الطريق، فالله ما تركك هكذا مهملًا وإنما بين لك الطريق، اسلك هذا الطريق ولا تسلك هذا الطريق،﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾13،﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ دللناه على الطريق.
وتذكر هذا بقوله:، وتذكر ختام السورة:﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۢا﴾14؛ إذًا السورة تتكلم عن الفريقين وإن كان الحديث جاء بشيء من الإطناب والبيان في حق أهل الجنة في حق المؤمنين.
قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَا۟ وَأَغْلَـٰلًا وَسَعِيرًا﴾15، هكذا ذكر الله جزاء الكافرين بإيجاز، في بعض السور القرآنية تجد أن الحديث الكثير في السورة عن المكذبين؛ كما تقدم معنا في اللقاء السابق في سورة «المرسلات» ونحن نتحدث عن عقاب أولئك المكذبين:﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾16،﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾، ثم جاء في آخر السورة:﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ﴾17، ثم بعد ذلك عادت السورة أيضًا:؛ فكان المقام في سورة المرسلات مقام تهديد.
وأما المقام هنا في سورة الإنسان مقام ترغيب، ومقام إنعام وإكرام لأهل الجنان، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه،، يقيدون في الأغلال والقيود، نسأل الله السلامة.
﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾18، هذه الكأس ممزوجة بالكافور، فيشربون من هذه الكأس، من كأس الخمر الممزوجة بالرائحة الطيبة، وهي لذة للشاربين ليست كخمر الدنيا؛ فخمر الدنيا لا لذة فيها، وأيضًا تنغص على أصحابها، ويصاب أصحابها بما يصابون به من الصداع ومن التعب ومن الألم، أما خمر الآخرة فمن نوع آخر.
قال الله:﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾19، قالوا: أي هذا الكافور عين في الجنة، قال بعض العلماء: هي عين يشرب منها عباد الله وهم المقربون خالصة، وأما الأبرار فيشربون منها ممزوجة؛ فبعض العلماء يقول: إن الآيات قسمت الناس إلى قسمين -أعني أهل الجنة- إلى مقربين وهم عباد الله، وإلى أبرار وهم أدنى رتبة منهم؛ فالمقرب يشرب خالصًا صافيًا من العين، وأما من دونه فإنه يشرب مخلوطًا، وبعضهم جعل عباد الله هم الأبرار أنفسهم، أحيانًا يشربون هذا وأحيانًا يشربون هذا.
وقال ولم يقل «يشرب منها»، مع أننا في أسلوبنا وفي لغتنا نقول: شرب فلان من كذا، شربت من الوعاء، شربت من الإناء، لكنه قال:؛ قالوا: لأن الشرب هنا تضمن معنى الري والتلذذ، فالمعنى عينًا يرتوي بها، ليس يشرب فقط، وإنما يرتوي يتلذذ بها، هذا يُسمى بأسلوب التضمين نعيمًا ومتاعًا، فما صفاتهم يا ربنا؟ حدثتنا عن طرف من نعيمهم نريد أن نكون منهم، ما صفاتهم؟ قال:﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا﴾20.
قالوا: النذر ما أوجبه الله على العباد، يوفون بالفرائض، يوفون بالعقود، يوفون بالعهود؛ فأنت عبد والله رب، والرب يأمر والعبد يسمع ويطيع؛ إذًا أنت تفي بالنذر، وليس المراد بالنذر أن يفي الإنسان بما يوجبه على نفسه؛ لأن إيجاب الإنسان على نفسه شيء هذا مما يُكره، ولذلك سئل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو نهى الرسول عن النذر وقال: «﴿أَنَّمَا﴾ يُستخرجُ به من البخيل» [متفق عليه].
يعني الإنسان لا يحتاج إلى النذر؛ لأن هذا يدل على بخله إذا كان نذرًا معلقًا، تقول: إن نجح ولدي سأصنع، إن فعل... إذًا لا تعلق، أنت تريد الصدقة تصدق، أنت تريد الصيام صم، لا تعلق، فالنذر المعلق مكروه، لكن بعض العلماء قال: هذا هو المكروه، وأما النذر المطلق -كأن يقول قائل: لله على أن أتصدق كل شهر بصدقة كذا دون أن يعلقه على شيء- فهذا ليس داخلًا في المنهي عنه على رأي فريق من العلماء.
وعلى كلٍ إذا نذر الإنسان وكان نذره في الطاعة فيجب عليه أن يفي بنذره، «من نذر أن يطيع الله فليطعه».
الخوف من الله، والخوف من عذاب الله، والخوف من الآخرة، يعني منتشرًا فاشيًا،﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾21، يطعمون الطعام على حبه؛ يعني مع حبهم لهذا الطعام، يعني لا يطعمون الطعام الذي يستغنون عنه، ﴿أَنَّمَا﴾ يطعمون الطعام الذي يرغبون فيه.
ولذلك بعضهم كان يعطي أنفس ما عنده؛ الربيع بن خيثم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى طرق بابه فقير من الفقراء، فقدم له أشهى الأطعمة التي طلبها وصنعوه له بعد حين وهو (الخبيص) وكان يتمنى يرجو، فقالوا له: إنه مجنون -يعني الذي جاء لا يعي ولا يدرك-، وجدوه أنه غائب العقل، فقال له: أي شيء يرضيه وهو لا يعرف قيمة ما يأخذ، فقال: إن كان لا يدري فالله يدري، إن كان لا يعلم فالله يعلم، هو لا يتعامل مع هذا الذي أعطاه، ﴿أَنَّمَا﴾ يتعامل مع الله سُبْحَانَهُ.
كما قال الله:﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾22، وبعضهم قال: وعلى حبه أي على حب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،، ينوع فيمن يطعمهم: اليتيم، والمسكين، والأسير، قال كثيرون: والأسير؛ الأسير من المشركين، حينما يأسر بعض المسلمين المشركين في الحروب، فمع ذلك يطعم الأسير، يأتي إلى الأسير ويطعم عليه ويطعمه، فقالوا: إذا كان كريمًا مع المشرك المأسور، فكيف مع المسلم الموحد؟
يعني إذا كان هذا مع الأسير وهو يمكن ليس على الإسلام مأسور وغير على الإسلام، فكيف به مع أهل الإسلام مع أهل دينه؟ ينبغي أن يكون أشد رحمة وأشد رأفة وردت رواية مشهورة عن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه بعدما عمل وتعب وجمع ما جمع، وزعه على الثلاثة: مرة يأتيه بعدما طبخوا، فحينئذ يقدمه للمسكين، مرة لليتيم، مرة للأسير، حتى نفد جميع ما عنده، لكن هذه الرواية لا تثبت، وهي رواية باطلة من حيث الإسناد، وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في غنى عن مثل هذه القصص الواهية، وإلا فهو كريم فاضل صحابي جليل من أكابر الأصحاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم أجمعين.
قال الله:﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾23لماذا يطعمونهم؟ لا ينتظرون ثناء،، لا نريد منكم الجزاء، لا نريد منكم الرد، ولا نريد الشكر، حتى الشكر لا يريدون؛ ولذلك انتظار الشكر لا ينبغي أن يكون من الصالحين، لا تنتظر شكرًا على عطاء أعطيته لله، إذا أعطيت لله فلا تنتظر من أحد جزاء ولا شكورًا؛ لأن الرب شكور، ويكفيك أن الذي يشكرك هو الذي أعطاك وأنعم عليك وهو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾24. ما الذي دفعنا؟ إذًا أنت لا تريد منهم الجزاء ولا تريد منهم الشكر، فلما صنعت هذا؟؛ تأمل وصف يوم القيامة بأنه يوم عبوس كعبوس الوجه، انظر إلى الوجه حينما يكون عابسًا، وقمطريرًا أيضًا مقطب جبينه، كيف يكون شكل الإنسان؟ كأن هذا اليوم مثل الإنسان يعبس ويكلح، فقال:، هذا وصف لليوم.
وقد قال بعضهم: معناه طويلًا ممتدًا، يعني أن هذا اليوم يوم طويل ويوم ممتد، يوم عبوس وأيضًا يومًا شديدًا،﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾25، الجزاء من جنس العمل، هم خافوا من الله، خافوا هذا اليوم، عملوا بطاعة الله، آمنهم الله؛ لأنه من خاف في الدنيا أمن يوم القيامة، وإذا أردت أن تأمن يوم فزع الناس، فخف من رب الناس في هذه الأيام في دنياك حتى تأمنه هناك.
قال الله:، قالوا: نضرة في الوجوه،﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾26، وسرورًا في القلب، فكساهم الله بجمال الظاهر وجمال الباطن، والإنسان إذا كان ظاهره جميلًا فإنَّ الأجمل أن يكون باطنه كذلك جميلًا؛ فالله كساهم بالأمرين: في الوجه نضارة، وفي القلب سرور؛ لأنه فرح من أهل الجنة في نعيم مقيم، جعلنا الله من أهل الجنة بمنه وكرمه.
قال:﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾27، إذًا ملاك هذه الأوامر أو ملاك هذه الصفات هو الصبر؛ الخوف، الإطعام، الإحسان، الإخلاص، الوفاء بالنذر، كل هذه الصفات ما يجمعها؟ يجمعها الصبر، جنة وحرير يتنعمون؛ لأن أهل الطاعة في الدنيا قد يشعرون بشيء من الخشونة ومن التعب والسهر والقلق، فيعوضهم الله بالليونة؛ ولذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد قليل في قوله:، يلبسون الحرير، في الدنيا ربما لبسوا الخشن، ربما تعبوا، ربما سهروا، هناك الليونة هناك النعيم في الآخرة.
قال:﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾28، يتكئون على الأرائك، على السرر التي هي في الحجال، التي هي منعمة، التي شكلها جميل ومنظرها طيب،، لا يرون فيها حرارة شديدة، لا يرون فيها بردًا، ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ قالوا يعني حرارة، ولا بردًا، الجو معتدل، جو معتدل؛ فالإنسان قد يكون في مكان جليل ومكان عظيم لكن الحر يؤذيه، أو لكن البرد يؤذيه، أما في الآخرة فلا يتأذى بحرٍ ولا بردٍ لأنه في جنات النعيم.
قال:﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾29هذه الظلال الوارفة من الأشجار الطيبة دانية قريبة،، ذللت القطوف؛ حينما يريد أن يقطف ثمرة، يريد أن يقطف فاكهة، مذللة قريبة، كما قال الله:﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾30أي: وثمر الجنتين قريب، أراد شيئًا يجده أمامه، يجده قريبًا في تناوله، لا يحتاج إلى أن يقوم من مجلسه، هو قريب منه، دان منه، كأنه يقول له: ها أنا ذا بين يديك خذني وأطعمني فإنني أسعد بك كما تسعد بي.
قال:﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِـَٔانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا۠﴾31يطاف عليهم بأوانٍ من فضة فيشربون من هذه الأواني «كانت قوارير»؛ القارورة في الأصل من الزجاج، قالوا: في صفائها كالزجاج وهي من الفضة في البياض، فبياضها كالزجاج، فبياضها فضة، وكذلك هي في صفائها كالزجاج، فتجمع بين الأمرين في الصفاء والبياض.
قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِـَٔانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا۠﴾،قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ﴿قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾32، يعني يأتي على قدر الحاجة، تجد الكوب وما في الكوب بمقدار الحاجة، تريد ليترًا، تريد نصفًا، تريد أقل أو أكثر؛ لأن الإنسان قد يتعكر عليه صفوه إذا جاءه أقل مما يريد أو أكثر مما يريد، ﴿أَنَّمَا﴾ يأتيه ما يريد بقدر حاجته وبقدر رغبته، قدروها تقديرًا.
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا﴾33، وتأمل كلمة «ويطاف»، «ويسقون»؛ يعني هم في مورد الخدمة، يُخدم، الماء يأتيه إلى مكانه، الشراب يأتيه إلى مكانه، الطعام يأتيه إلى مكانه، السقاء﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا﴾، هنا الخمر أيضًا كأس من خمر لكن المزاج هنا من الزنجبيل، ومن قبل كان من الكافور، فأحيانًا يكون الخليط من الكافور وأحيانًا يكون من الزنجبيل، وقال بعضهم: الكافور يكون باردًا والزنجبيل يكون ساخنًا أو قريبًا من ذلك، والإنسان منا قد يريد شرابًا بهذه الطريقة أو بتلك الطريقة فيتنعم بهذا ويتنعم بهذا.
قال: أي هذا في الجنة عيني كاملة﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا﴾34،﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا﴾ هنا صرح الله وبين من الذي يطوف عليهم؟ غلمان؛ كما في الآية الأخرى:﴿۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾35وهنا قال: أولاد في هذا السن غلمان من غلمان الجنة، قال بعضهم: يخلقهم الله عَزَّ وَجَلَّ لهذه المهمة، يخلقهم الله وينشئهم الله لتلك المهمة، فيخدمون أهل الجنة، فقال:، قالوا: يعني لا يهرمون، يعني لا يكون له سن وهو صغير ثم بعد ذلك يكبر ويعجز، لا يوجد هذا الكلام، هو يبقى على ما هو عليه في شبابه سبحان الله!
وقال بعضهم: بل معناه أنهم مخلدون بالأساور ونحو ذلك، رأيت من؟ رأيت خدام أهل الجنة ليس أهل الجنة، هذا وصف من؟ وصف الخادم﴿۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾36لؤلؤ منتشر متفرق، قالوا: واللؤلؤ حينما يكون منتشرًا أفضل مما إذا كان متراصًا؛ لأن انتشاره يجعل شعاع هذا يقع على شعاع هذا فيكون المنظر أجمل وأجمل، وهم في الخدمة هذا عند فلان وهذا عند فلان وهذا عند فلان، هذا منظر من يخدم، فكيف بمن يُخدَم؟ هذا منظر الخادم، فما بالك بالمخدوم، ما وضعه؟ يعني إذا كان هذا حال هؤلاء الغلمان، فكيف بمن يخدمونهم من أهل الجنة؟
أي هناك، كلمة (ثم) معناها هناك،﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾37 ﴿عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوٓا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾38؛ يعني من حرير رقيق وغليظ، سندس حرير رقيق، وإستبرق حرير غليظ، يعني في الاثنين، يعني هناك طبقات فيه لبس حرير رقيق ثقيل، هذا كله موجود، والخضر هو أفضل الألوان أيضًا أساور من فضة وما أجمل هذا﴿عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوٓا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، فأضاف السقاء إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
كل هذا جزاء من الله لكم، يعني ربي يشكركم، يكافئكم عليه، ويثني عليكم خيرًا، يثني عليكم خيرًا، والله ثم والله لولا لم يكن إلا أن يشكر الله العبد ويثني عليه لكفاه، ثم كفاه أن يظل ساجدًا لله إلى أن يلقى الله، فكيف ورب العزة يعطيه ما يعطيه من التكريم والإنعام؟!
نسأل الله سُبْحَانَهُ من واسع فضله، يعني أنت في الدنيا حينما تعمل أعمالًا كثيرة جدًا، وتعرف أن فلانًا من الناس سيطلع على عملك، أو مدرس عالٍ، أو رجل في مرتبة من المراتب، فأتى بك وابتسم لك وقال لك: ما شاء الله عليك، ما شغلك الجميل هذا؟ تقول له: انظر، أنا لا أريد مكافأة، هذه تكفيني، أليس هذا ما يحصل؟ يعني إنسان لو لم يعطَ أي مكافأة بس تقول له: أنت تثني علي، أنت تفتكرني، أنت تدعو لي، هذا يكفيني، هذا فعل الخلق مع بعض الخلق، ولله المثل الأعلى ربنا يقول: وليس هذا فقط، إذا شكرك الله فماذا تنتظر؟ إذا شكرك الله فماذا ضيعت أو ماذا ضاع منك؟ نسأل الله الكريم من فضله.
ثم قال الله:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلًا﴾39تذكير بالقرآن والعمل بالقرآن، يا رسول الله، هذا القرآن الذي نزلناه عليك لا بد أن تمتثل أمر الله وأن تجتنب نهيه وستبتلى، وبعض الناس يكذبونك لا بد من الصبر،﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾40.
﴿أَنَّمَا﴾ نطيع من؟ نطيع الصالحين، نطيع الأتقياء﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾41هؤلاء الذين يأمر بعضهم بعضًا بالبر﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾42.
﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾43، كل هذه أوامر وأصول ينبغي للمسلم أن يلتفت لها،﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾44إذًا ذكر لله وصلاة لله في البكرة في الصباح، وكذلك في الأصيل في العصر، قال: لك نصيب من الليل، الليل طويل لمَ تضيعه؟ معك ليل طويل ابدأ بطاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثم قال الله مبينًا سبب إعراض الناس:﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾45، هذا سبب إعراض الكافرين وهي الدنيا؛ لذلك من الذي يعتني ويقوم؟ الذي يتذكر اليوم الثقيل.
﴿نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾، أحكمنا خلقهم، شددنا أسرهم، أحكمنا المفاصل، انظر أنت إلى أعضائك، غير ممزقة ﴿أَنَّمَا﴾ كلها محكمة بفضل الله، يعني لا تجد اليد مخلخلة والرجل في جهة، بل حتى فتحة الشرج -أعزكم الله- حتى البول، انظر لو أنه أُطلق منك ولم تستطع أن تمسك نفسك، كيف يكون حالك؟ لكن ربنا أحكم خلقك.
، وهذا تذكير بأن الله قادر على البعث، أو أن المعنى قادر على أن يستبدلنا﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾46، وأيضًا هو قادر ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَمْثَٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فيما لا تعلمون، تذكير بالبعث والنشور وأنه القادر عليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالذي خلقك أول مرة قادر على إعادتك.
﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا﴾، إذًا السورة كلها ماذا؟ تذكرة، عظة، عبرة،، فكل شيء بمشيئة الله وقدرته، والإنسان يبذل:﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾47 ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾48.
قال:﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا﴾ ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾49، حتى لا يقول قائل: «طيب ما ربنا هو الذي شاء لفلان الإيمان وشاء لفلان الكفر»، نقول له: والله عليم حكيم، ما ظلم أحدًا وهو الحكيم سُبْحَانَهُ.
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۢا﴾، نعوذ بالله من الظلم ونعوذ بالله من العذاب الأليم، ونسأل الله جنته ونعوذ به من ناره.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾ — الإنسان: 1 ↩
- آية: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — السجدة: 2 ↩
- آية: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ — الإنسان: 2 ↩
- آية: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ — القيامة: 36 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ﴾ — القيامة: 37 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ — القيامة: 38 ↩
- آية: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ﴾ — القيامة: 39 ↩
- آية: ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ — القيامة: 40 ↩
- آية: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ — الإنسان: 28 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا﴾ — الإنسان: 29 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ — الإنسان: 22 ↩
- آية: ﴿إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ — الإنسان: 3 ↩
- آية: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ — التوبة: 115 ↩
- آية: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۢا﴾ — الإنسان: 31 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَا۟ وَأَغْلَـٰلًا وَسَعِيرًا﴾ — الإنسان: 4 ↩
- آية: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ — المطففين: 10 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ﴾ — المرسلات: 41 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ — الإنسان: 5 ↩
- آية: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ — الإنسان: 6 ↩
- آية: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا﴾ — الإنسان: 7 ↩
- آية: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ — الإنسان: 8 ↩
- آية: ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ — آل عمران: 92 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ — الإنسان: 9 ↩
- آية: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ — الإنسان: 10 ↩
- آية: ﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ — الإنسان: 11 ↩
- آية: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ﴾ — المطففين: 24 ↩
- آية: ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ — الإنسان: 12 ↩
- آية: ﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ — الإنسان: 13 ↩
- آية: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ — الإنسان: 14 ↩
- آية: ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ — الرحمن: 54 ↩
- آية: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِـَٔانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا۠﴾ — الإنسان: 15 ↩
- آية: ﴿قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ — الإنسان: 16 ↩
- آية: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا﴾ — الإنسان: 17 ↩
- آية: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا﴾ — الإنسان: 18 ↩
- آية: ﴿۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ — الطور: 24 ↩
- آية: ﴿۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ — الإنسان: 19 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ — الإنسان: 20 ↩
- آية: ﴿عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوٓا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ — الإنسان: 21 ↩
- آية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلًا﴾ — الإنسان: 23 ↩
- آية: ﴿فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ — الإنسان: 24 ↩
- آية: ﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ — الزخرف: 67 ↩
- آية: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ — العصر: 3 ↩
- آية: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ — الإنسان: 25 ↩
- آية: ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ — الإنسان: 26 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ — الإنسان: 27 ↩
- آية: ﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾ — محمد: 38 ↩
- آية: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ — التكوير: 28 ↩
- آية: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — التكوير: 29 ↩
- آية: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — الإنسان: 30 ↩
دروس مشابهة
- لمحة في سورة الرعد (الجزء الأول)
- سورة المطففين
- وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا
- وقفات مع قوله تعالى الطلاق مرتان.....جزء1خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- المجلس الأول - التعليق على تفسير الجلالين - مقدمة تعريفية بالجلالين وتفسيرهما ومنهجهما فيه
- الجمع بين قوله (إنك لا تهدي من أحببت) ، وقوله(وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)