مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (ثابت بن أسلم البناني) رحمه الله

أولئك أبائي · الدرس 8 من 16 · 7 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

أولئك آبائي فجئني بمثلهم - (ثابت بن أسلم البناني) رحمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أولئك آبائي فجئني بمثلهم درر وجواهر من سير الأعلام الأكابر

نحن اليوم على موعد مع عالم جليل وعابد زاهد تابعي فخم عظيم القدر والمنزلة. إنه أبو محمد ثابت بن أسلم البناني رحمه الله رحمة واسعة.

هذا العالم العابد سيرته عطرة ومن أعظم أوصافه وأجلها الإقبال على الصلاة. فقد كان له مع الصلاة شأن كبير عظيم رحمة الله تعالى وربما تأخر «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ» رضي الله عنه الصحابي الجليل فيسأل عنه أصحابه فيقولون: لا يمر بمسجد إلا صلى فيه. وكان أنس يقول: إن ثابتًا دُوَيْبَّةٌ أحبُّها. يعني: أنه يحبه حبًّا جمًّا كان ثابت بن أسلم البناني رحمة الله تعالى يقول كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة أخرى

تأمَّل! كابدت الصلاة عشرين سنة يكابد نفسه ويجاهدها على الخشوع والإخبات والتضرع والسكينة وعدم الاشتغال بأمور الدنيا والانصراف عما هو فيه من الإقبال على ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. ثم تنعم بها عشرين سنة

صارت موضع راحته كما كان النبي «صلى الله عليه وسلم» يقول أرحنا بها يا بلال أرحنا بها يا بلال لذلك كان يحب المساجد فلا يمر على مسجد من المساجد إلا دخله ليصلي ما تيسر له فيه رحمه الله

وكذلك كان من كلامه الجميل يقول الصلاة خدمة الله في الأرض. لو كان هناك شيء أفضل من الصلاة لذكره الله سبحانه وتعالى في قوله ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾1 (آل عمران: 39).

يعني: أن النداء وقع وهو يصلي في المحراب لفضل الصلاة لأنَّها خدمة الله عز وجل في الأرض بل إن ثابت بن أسلم البناني كان له دعاء عجيب كان يقول رحمه الله تعالى: يا رب إن كنت كتبت لأحد أن يصلي في قبره فلا تحرمني من الصلاة في قبري تأمَّل! هذا الدعاء

إنه يحب أن يكون له حظ ونصيب من الصلاة في القبر

إنه يحب أن يكون له حظ ونصيب من الصلاة في القبر. لماذا لأنه يرى أنَّ سعادته وفرحته في الدنيا ﴿أَنَّمَا﴾ تتحقق في الصلاة2. وكان يقول: ألذُّ شيءٍ عندي في الدنيا قيام الليل. ما أعظم الصلاة وما أجلها

وقال الله في حق الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ (البقرة: 45) أي: لثقيلة وشاقة إلا على الخاشعين لكن الذي يخشع في صلاته يحب الصلاة

لذلك، إذا لم تجد راحة في صلاتك فاتهم نفسك فأنت على خلل. راجع نفسك في صلاتك وتب إلى الله ربك حينئذ ستشعر باللذة فتقبل على الله سبحانه وتعالى براحة وبطيب خاطر واتساع صدر ما تحب أن تنقضي الصلاة.

بل تفرح ببقائك فيها لأنك تناجي ملك الملوك سبحانه ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1–2) قرأ ثابت بن أسلم البناني رحمة الله تعالى سورة الهمزة فقرأ قول الله عز وجل: ﴿نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ﴾ (الهمزة: 6-7)

فقال: هذه النار تصل إلى الفؤاد وهم أحياء، والله لقد بلغ بهم العذاب ثم بكى وأبكى من حوله. وكان رحمة الله كثير البكاء من خشية الله

حتى إنه قد اشتكى ألمًا في عينيه فلما رآه الطبيب نصحه وقال له علاجك شيء واحد، قال: أن تترك البكاء قال: وما خيرٌ في عينٍ لا تبكي؟

أي: خير في عين لا تبكي من خشية الله سبحانه وتعالى هو صاحب المقولة أيضًا، يقول لا يُسمَّى عابدٌ عابدًا حتى يكون له حظ من الصلاة والصيام لأنَّهما من لحمه ودمه

تأمَّل! الصلاة من لحمك ودمك الصوم من لحمك ودمك كيف تُسمَّى عابدًا وأنت بعيد أو مفرط في الصلاة وأنت مقصر في أمر الصيام هكذا يعلمنا هذا العابد الجليل ثابت بن أسلم رحمة الله تعالى. وقد توفي سنة بضع وعشرين بعد المئة من هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم». نسأل الله أن يلحقنا بالصالحين وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ — كما ورد في الدرس: آل عمران 39 ↩
  2. تعليق: عادته وفرحته في الدنيا ﴿أَنَّمَا﴾ تتحقق في الصلاة. وكان يقول ألذ شيء عندي في الدنيا قيام الليل. ما أعظم الصلاة وما أجلها والله قال في حق الصلاة وَإِ — قول: «ألذ شيء عندي في الدنيا قيام الليل». الذكر في الدرس: ثابت بن أسلم البناني. ↩

من سلسلة: أولئك أبائي (16 درسًا)

دروس مشابهة