54. فوائد وعبر من قصة يوسف عليه السلام الجزء السابع
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (يوسف: 111)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة في قصصهم عبرة، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع قصة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام. قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾2 (يوسف: 31).
لما بلغ المرأة ما تردده النسوة في المدينة — ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا3 عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30) — مع أنَّ امرأة العزيز كانت حريصة على التكتم، وكانت حريصة على إخفاء هذا الأمر؛ لكن يبدو أن الحب غالبًا لا يستتر، وإن أبى أصحابه ذلك فإنَّه ينتشر ويفشو ويظهر. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾4 (يوسف: 31). ما المراد بقوله: ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال بعض المفسّرين: أي: فلما سمعت بغِيبتهن؛ فالمراد بالمكر هنا الغيبة التي ذكرنها في حقها. أو يُقال: إن المكر في الآية السابقة — ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30) — ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: بقولهن: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30)؛ لأنَّ هذا نوع من أنواع المكر.
## «تُرَاوِدُ فَتَاهَا.. قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا»: لطائف بلاغية في قول النسوة. ولذلك إذا تأمَّلت ودققت النظر في هذه الآية الكريمة — ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30) — وجدت فيها ألواناً كثيرة من البلاغة والبيان؛ وهذا معروف في موضعه من التفسير. لكن مما يُذكر في هذا الموضع قوله: ﴿تُرَٰوِدُ﴾ فتاها هكذا بالفعل المضارع؛ يعني: لم يقلن، أو ربنا لما ذكر قولهن عبر هذا التعبير ﴿تُرَٰوِدُ﴾ دون أن يُقال: رَاوَدَتْ؛ فمعنى ﴿تُرَٰوِدُ﴾: يعني: إنها لا تزال مستمرة؛ يعني: مع أنَّ زوجها وقف على القضية وعرف حقيقة الأمر إلا أنها لا تزال مستمرة على غيها وعلى ضلالها. ثم في قولهن: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾؛ يعني: الأصل أنها لا تريد فتاها ولا تراوده؛ لأنَّ الفتى بالنسبة لها عبد وهي سيدته؛ فكيف تُسوِّل لها نفسها هذا الصنيع ثم هو من أهل البيت؛ صار معها؛ فالأصل أن يأنس بها وأن تأنس به في مقام ولدها وهي في مقام أمّه مثلًا؛ لكن كل هذا هي لم تلتفت إليه؛ ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾؛ يعني: تعلّق بغلاف قلبها. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30). مع أنَّ هؤلاء النسوة أنفسهن، كما سيأتي في الآيات الكريمة — «رَاوَدْنَ يُوسُفَ» عليه الصلاة والسلام وكلَّمْنَه في شأن امرأة العزيز؛ إذًا: فيما يبدو أن هؤلاء النسوة غير معروفات ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ والصلاح أصلًا؛ لكن مع ذلك اجتمعن عليها للدلالة على أن امرأة العزيز قد وصلت إلى مرحلة كبيرة لا ترتضيها النسوة؛ بالرغم مما فيهن من خلل؛ حتى صرحن قائلات: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30)؛ مع أنَّهن بعد ذلك سيتنازلن عن هذا القرار.
## المؤامرة المضادة: المتكأ والسكاكين وخروج يوسف عليهن
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. قال المفسّرون: يعني: من أجل أن يقطعن بالسكين الفاكهة ونحوها مما تقدّمه لهن. وهذا فيه أيضًا أصل: أصل إكرام الضيف. ثم إنها أرادت بذلك أن تبيّن لهن عذرها فيما صنعت تجاه يوسف عليه الصلاة والسلام؛ وهذا من ذكاء تلك المرأة ودهائها؛ يعني: ما جاءت بهن وقالت: كيف تتكلمون أو كيف تتكلمن في شأني كيف ترددن هذا الكلام لا؛ ﴿أَنَّمَا﴾ مشت على القاعدة، وقد ورد بها الحديث مرفوعًا: «ليس الخبر كالمعاينة»؛ أرادت ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم عن يوسف أن تُرِيَهُنَّ يوسف، ثم بعد ذلك يجري الحوار. فإذا رأين يوسف عليه الصلاة والسلام بطل العجب؛ كما يقال: إذا عُرف السبب بطل العجب. فلما رأين يوسف عرفن لماذا صنعت امرأة العزيز ما صنعت. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31). ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31)؛ يعني: أعظمن شأنه؛ يعني: وجدن شابًّا عظيمًا؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يعطي أولياءه الهيبة والوقار؛ فكيف بالرسل والأنبياء يعني: تجد أهل الصلاة تعلوهم الهيبة ويعلوهم الوقار؛ فكيف إذا كان نبيًّا من الأنبياء كيف إذا كان الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم عليه الصلاة والسلام ﴿أَكْبَرْنَهُۥ﴾؛ وأيضًا من أسباب إكبارهن له ما كسا الله عز وجل به يوسف عليه السلام من الجمال؛ فكان فيه أبهة الجمال ورونقه.
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾؛ الذي عليه كثير من المفسّرين أن معنى تقطيع الأيدي هنا: أي: جرحن أيديهن؛ ليس القطع الكامل، ولكن بدأن في القطع؛ يعني: بدأن في تجريح الأيدي. وهذا فيه: أنَّ الإنسان حينما يشغل بأمر عظيم مهم قد تصدر منه أمور دون أن يشعر؛ يستولي عليه عقله فلا يلتفت إلى شيء آخر. ولذلك: إنسان حينما يكون منهمكًا في التفكير في أمر من الأمور ربما يكلمه إنسان ولربما رد عليه بكلمات، ثم بعد ذلك لا يتذكر شيئًا مما قال ولا مما قيل له؛ خلاص؛ لأنه في عالم آخر. فهن أمسكن بالسكين؛ السكين تقطع الفاكهة؛ من الجمال والمنظر الرائع والأبهة؛ وقَدْ آتَيْنَاهُ حُظًّا مِّنَ الْعِلْمِ؛ ما كان منهن إلا أن اعتدين على أيديهن؛ وهذا يدلّك على جمال يوسف عليه السلام؛ هذا الجمال العظيم. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾؛ وهذا فيه أيضًا: من جهة أنَّ الإنسان قد يحتمل بعض الألم؛ قد يحتمل بعض الألم لما يكون مهمومًا به. يعني: ده إنسان لما يكون مشغولًا بموضوع كبير جدًّا ممكن يكون بيتألم وما يشعرش بالألم؛ لكن إمتى يشعر بالألم لما يكونش أمامه شيء إلا التفكير في هذا الألم.
لذلك تلاقي الإنسان: بعض الناس تجد في النهار يمارس حياته؛ فإذا أتاه الليل والليل جماع تجد آهات: آه! وتلاقي رأسه ورجليه وظهره؛ وما كان يشعر بهذا؛ ليه لأنه في النهار عنده أشغال كثيرة لا بد أن يقضيها؛ لكن حينما يأتي ليسترخي تستحضر وتتجمع عليه تلك الآلام. فالإنسان يشتغل بأمر عن أمر. ولذلك: من رحمة الله بالعبد أن يستعمله في طاعته فيجمع رب العزة سبحانه عليه شتات قلبه؛ فتراه راهبًا مهمومًا بأمر الآخرة؛ فلا تكون الدنيا أكبر همِّه ولا مبلغ علمه فتراها هينة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعطي العبد من المعونة على قدر المؤونة»؛ يعني: تجد الإنسان يُعان على قدر ما هو فيه؛ فتجد العون والمدد من الله سبحانه وتعالى. لذلك: يعني: معروف أنَّ: أول ما تيجي سكينة تُرفع على طول يتأثر؛ لا؛ ده يشرعن مشغولات بما هن بصدده. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31). ﴿حَـٰشَ لِلَّهِ﴾؛ مثل هذا الشاب الجميل الجليل العظيم؛ ما ﴿حَـٰشَ لِلَّهِ﴾ أن يرتكب سوءًا أو أن يكون منه شيء قبيح. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31). الذي عليه الأكثرون: أن معنى قولهن: ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾؛ لأنَّ الملك معروف بالجمال؛ حتى وإن لم نرَ الملك. يعني: الآن هن لم يَرَيْنَ ملكًا؛ لكن إذا ذُكر الملك ذُكر الجمال؛ طالما في ملك؛ الملك جميل. فحينئذ وصفن يوسف عليه السلام بهذا الوصف: ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31). وعلى العكس: فالشيطان مثال للقبح؛ لذلك ربنا لما وصف شجرة الزقوم قال: ﴿كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾؛ مع أنَّنا لم نرَ رؤوس الشياطين. فهذا يُضرب به المثل في القبح؛ والملك يُضرب به المثل في ماذا في الحسن.
﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾؛
2- وبعضهم— أو بعض المفسّرين — فسّرها على ظاهرها؛ وقال: لما رأين يوسف قلن: هذا ليس من عداد البشر؛ ده خلق آخر؛ إذًا: هذا ملك كريم؛ يعني: على حقيقته.
والأول أشهر وعليه الأكثر من أهل التفسير.
2- ومنهم من قال: ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ لا يصدر منه ذنب؛ لأنَّ الملائكة معصومون من الوقوع في الذنوب؛ لكن هذا يفتقر إلى دليل. ومن جهة أخرى: أن الأصل في هؤلاء النسوة أنهن جاهلات بدين الله سبحانه؛ ما عندهن علم بفقه الملائكة وأحكام الملائكة؛ لكن يمكن أن يكون قد تناقل الناس هذه المعلومة: وهي أن الملك وصف لكل جميل. والله تعالى أعلم.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31). كأني بامرأة العزيز بدأت تتنفس الصعداء؛ خلاص؛ بدأ كده إيه تسترخي كده؛ الوضع بقى رجع لمحله تاني.
قالت: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾5 (يوسف: 32). ﴿فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾؛ ده اللي أنتم اجتمعتوا عليه وعمالين تلوموني وتتكلمن في حقي وتقلن عليَّ: هل رأيتن هذا الجمال؟ هذا الجمال يغري ولا لا يغري؟ فبدأت تصرح؛ مع أنَّها من البداية كرهت كلامهن وأرسلت إليهن لتوبخ أو لتقبح أو لتعاقب.
ولذلك استفاد بعض العلماء من ذلك مسألة: وهي أن المرأة يصعب عليها جدًّا كتمان السر؛ هذا في النساء عزيز جدًّا. يعني: ممكن يقول: خلاص مش هقول أبدًا؛ مستحيل تقول. فإذا جاء موقف وتحركت من أجله ربما أفشت هذا السر؛ إلا من يسر الله عز وجل وحفظهن ممن يكن حافظات لذلك؛ لكن هذا الطبع. فالمراد من البداية تكره أن تقول؛ يعني: هي جابت على الآخر. فلذلك قالت: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾. وليس هذا فقط: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (يوسف: 32).
﴿وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ﴾؛ يعني: هم يقولون ﴿تُرَٰوِدُ﴾ وهي رَاوَدَتْ؛ ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30)؛ وهو — وهي الآن تقول بنفسها — ﴿وَلَقَدْ﴾؛ ﴿وَلَقَدْ﴾؛ هذه عند المفسّرين يقولون: فيها قسم مقدّر؛ يعني: والله؛ يعني: بتقسم بالله: إنها راودته عن نفسه. ده يعني: وصلت لمرحلة الصراحة جدًّا؛ ليه
لأنَّها اطمأنت لهن. لذلك: هذه مشكلة من مجالسة بعض النساء لبعض؛ تلاقي المرأة في أول يوم تحترز من زميلتها؛ أول يوم، ثاني يوم يعني: تفك الخط شوية؛ بعد ذلك تدرك الصغيرة والكبيرة وما إلى ذلك. فلتحذر نساؤنا من مثل ذلك، وعليهن أن يتقين الله؛ فللبيوت أسرار لا ينبغي أن تُفتش هذه الأسرار أو أن تُفشى.
﴿وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ﴾؛ وهذا أمر ظاهر جدًّا: أن يوسف عليه السلام ما راودها ولم يقابل المراودة بمراودة. هي تقول: ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾؛ يعني: «فَامْتَنَعَ». تأمَّل! هذا التعبير الجليل: ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾؛ ما أجملك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الشاب المستعصم! أنك تكون شابًّا كذا مستعصماً؛ تطلب من ربك أن يعصمك وأن يصون عرضك وأن يحفظك وأن يحفظ عليك نفسك وجوارحك من أن تزل أو تنحرف أو تقع في الفاحشة. ﴿فَٱسْتَعْصَمَ﴾؛ هذا معنى جميل جدًّا: أن يعتصم العبد بربه سبحانه وتعالى وأن يحتمي به وأن يحميه الله عز وجل. ثم وصل بها الأمر إلى مرحلة أكبر: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (يوسف: 32). يعني: ينقلب الحبيب إلى عدوٍّ؛ يعني: الآن أنت تراودينه؛ يعني: ده أنت تحبينه، تدللينه؛ في النهاية تسجنينه؛ تقومين بسجنه. سبحان الله! لذلك ورد حديث مرفوع إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» — وأعل — يعني: بعض العلماء أعلَّه — من الحكم: «أحبب حبيبك هونًا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يومًا ما» فيعني: مش هيبقى معاك؛ يبقى عليك؛ تبقى عليه على طول. ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (يوسف: 32)؛ ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ﴾؛ بأسلوب التهديد: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾؛ والنون في قوله «لَيَكُونَنَّ» هي أيضًا نون التوكيد؛ وإن كانت رُسمت على هيئة التنوين؛ وإلا فالتنوين خاص بالأسماء كما لغةً: «لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ».
العجيب، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام: أننا لم نجد في القصة أن يوسف عليه السلام رد على النسوة بشيء؛ يعني: لما هن نظرن قلن: ﴿مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾؛ سواء كان سمع أم لم يسمع؛ هو ساكت؛ يعني: ما كان من يوسف إلا أن خرج؛ خرج وعارف إن ده بلاء ابتلي به؛ وهو صامد وثابت؛ لا يقول شيئًا. لأنَّ الشاب العاقل لا يتكلم بالهراء ولا يتكلم بما لا يليق. وفي بعض المواضع يكون السكوت خيرًا من ألف كلمة؛ يكون السكوت عن الكلام أفضل من كل كلام. إلا لما رآها تتوعده؛ حينئذ لجأ إلى الله سبحانه. قال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾6 (يوسف: 33). وهنا فائدة: وهي اختيار أخف الضررين. يعني: هو السجن في الأصل مش حبيب للنفس. يعني: أقول: السجن أحب إليّ؛ يعني: هو السجن حبيب إليه وما يحب السجن سجن أصلًا. بس: طالما إن لا بد من أحد الخيارين — إما سجن وإما الوقوع في الرذيلة — لا؛ يبقى السجن أفضل. يبقى اسمه إيه اختيار أهون الشرين. يعني: إذا كان لا بد من الوقوع في أحد الضررين أو في أحد الشرين فليختر الإنسان أخفهما. حينئذ قال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (يوسف: 33). ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾؛ يعني: صارت الدعوة دعوة عامة؛ يعني: كأن النسوة تراجعن وقلن: إيه يا يوسف يا يوسف! اسمع الكلام يا يوسف! أجب امرأة العزيز يا يوسف! سبحان الله! يعني: انقلبت الأحوال؛ هؤلاء النسوة صرن في صف امرأة العزيز يدعونه إليه. ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (يوسف: 33). ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾؛ يعني: أميل إليهن إلى رغبتهن. ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾؛ ما معنى ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ هنا يعني: أكن من العاصين؛ أكن منين؟ من العاصين الواقعين في المعصية. وهذا فيه: أن العاصي جاهل؛ وهل يعصي العاصي إلا بجهله ولذلك ربنا قال: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾؛ فالإنسان لما يقع في المعصية يبقى جاهلًا؛ يبقى هذا بسبب جهله. فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ﴾؛ يبقى: من الذي يصرف عنه الله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾؛ ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ﴾؛ لأنَّ هذا دعاء؛ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾؛ صرف الله عز وجل عنه كيد هذه المرأة. فحينئذ تركت هذا المعنى، لتتوجه بعد ذلك إلى سجن يوسف عليه الصلاة والسلام. وسجن يوسف أهون عليه من أن يقع في الرذيلة.
وقد تقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكريم: ولماذا يُسجن يوسف أصلًا يعني: رب العزة قادر على أن ينجي يوسف من ماذا أن ينجيه من امرأة العزيز ومن السجن. لكن ربي سبحانه يقدّر بلاءً ليكون من وراء البلاء — ليكون من وراء البلاء — خير كثير. ولذلك: كم في المحن منح! كم في المحن منح! وكم في المنع من عطاء! وكم في المنع من عطاء! يوسف عليه الصلاة والسلام عرف قدره وعرف شأنه وقيمته أين السجن. في السجن اتعرف على الفتيين؛ والفتى قبل الملك؛ والقصة الطويلة. طب: هو لو قاعد محصور عند امرأة العزيز وخلاص وانتهت القصة سبحان الله! فربك ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا هَيَّأَهُ؛ هَيَّأَ أسبابه. هذا والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام،
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 111 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 31 ↩
- آية: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ ﴿۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ — كما ورد في الدرس: يوسف 30 ↩
- آية: ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 31 ↩
- آية: ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 32 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 33 ↩