فوائد وعبر من قصة أيوب عليه السلام
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
الابتلاء بالنعمة والابتلاء بالمحنة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: في قصصهم عبرة. ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع قصة نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام.
نبي الله أيوب، نبي مبارك. ذهب كثير من أهل التفسير إلى أنه أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام. وقد ذكر الله عز وجل لنا طرفًا من قصته في سورتي الأنبياء وصاد. قال الله جل وعلا: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ﴾1 (الأنبياء: 84)
وقال الله: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾2 (ص: 41) ﴿وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى﴾ ﴿ٱلْأَلْبَـٰبِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾)
فأيوب عليه السلام، إذا ذُكر، ذُكر الصبر معه. ويُضرب به المثل في الصبر. فيُقال: صبر كصبر أيوب. هذا يدل على أن أيوب عليه السلام ضرب أروع الأمثلة وأجلها في باب الصبر عليه الصلاة والسلام.
وإن تعجبْ فاعجبْ - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكريم - من أن الله جل وعلا لما ذكر لنا قصة أيوب عليه السلام في سورة الأنبياء، ذكرها بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام. ولمَّا ذكر الله قصة أيوب عليه السلام في سورة صاد، ذكرها أيضًا بعد قصة داود وسليمان. والله جل وعلا لما ذكر في سورة الأنعام من ذكر من أنبياء الله ورسله، وقد بلغوا ثمانية عشر نبيًّا، قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾3 (الأنعام: 84) فجمع بين الثلاثة. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأنعام: 84) ذلكم أن داود وسليمان عليهما السلام مثل للابتلاء بالنعمة، وأيوب مثل للابتلاء بالمصيبة والمحنة.
لأن كثيرًا من الناس يظنون أن الابتلاء لا يكون إلا بالمصائب. والحق: أن الابتلاء يكون بالرخاء، ويكون بالضراء. ولذلك قال ربنا: ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾4 (الأنبياء: 35) وقال: ﴿وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَـٰهُم بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾5 (الأعراف: 168)
صبر أيوب عليه السلام ورضاه بقضاء الله
فداود وسليمان عليهما السلام، وسع الله عليهما فشكرا نعم الله عليهما. وأيوب عليه السلام ابتُلي ابتلاءً شديدًا، وامتُحن امتحانًا عظيمًا، فثبت وصبر. ويكفيه أن ربه قد زكّاه. فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا6 تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44)
وتأمَّل! كلمة: (نِعْمَ الْعَبْدُ) نعم العبد الذي يمدحه ويثني عليه هو ربه سبحانه جل وعلا. وقال: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا) الذي يقرره كثير من أهل التفسير والسير: يقولون: إن أيوب عليه السلام كان في بادئ الأمر غنيًّا، صاحب حرث وأنعام وخيرات كثيرة. فكان في سعة ورغد. لكن الله جل وعلا ابتلاه ابتلاءً شديدًا في نفسه، وفي ماله، وفي ولده. فاجتمعت صنوف الابتلاءات الدنيوية عليه. إلا أن الله حفظ عليه دينه. وهذا هو العظيم.
ولذلك كان من دعاء الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»: (وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا) هذه المشكلة: أن تُصاب في دينك. أما أن تُصاب في أمر آخر من أمور الدنيا، فالأمر هين.
فابتُلي عليه السلام في نفسه، امتُحن امتحانًا شديدًا، وأُصيب بضرٍ شديد. أقعد عدة. حتى إن بعض العلماء - كالحافظ ابن كثير رحمه الله - يذكر فيما يذكر: إنه لم يعد في جسده موضع غرز إبرة إلا وابتُلي فيه. يعني: ما يوجد موضع إلا وابتُلي فيه. عليه السلام ابتُلي في جسده، وابتُلي في أهله. فمات أهله. قالوا: ولم يبقَ معه إلا زوجته التي كانت وفية، قامت على خدمته، وأحسنت في ذلك.
وقد جاءت الروايات كثيرة في المدة التي مكثها أيوب عليه السلام في الابتلاء. والذي رجحه عدد من المحققين - كما تدل عليه رواية أنس بن مالك رضي الله عنه، وصححها جماعة، واستنكرها آخرون - تفيد أن ابتلاء أيوب عليه السلام امتد لمدة وصلت إلى ثماني عشرة سنة. ثماني عشرة سنة ابتُلي عليه السلام في جسده، وفي أهله، وفي ماله. وهو ثابت، محتسب على الله سبحانه وتعالى. لا يشكو ربه، بل ولا يشكو إلى أحد. وإنَّما يتضرع إلى ربه جل وعلا وهو راضٍ بتقدير الله عز وجل وليس بمتسخط على الله في شيء.
لكن في الرواية التي أسلفت - أو ذكرتها منذ قليل - وهي رواية أنس بن مالك، ما يفيد ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يأتيه رجلان من أصحابه. الناس تركوه. ونحن لا نريد أن نستطرد في طبيعة البلاء الذي ابتُلي به أيوب، إلا أننا نقول: إن الذي يظهر - والله أعلم - أنه ابتلاء غير منفر. لأنَّ الله يحفظ أنبياءه من مثل ذلك. فما يجري على ألسنة بعض الناس من القصاص. وذُكر في بعض كتب التفاسير من الإسرائيليات: من أن الدود ملأ جسده، وأن الناس تركوه، إلى غير ذلك. لا نعلمه ثابتًا. ونقول: إن الأصل في مثل ذلك: ﴿إِلَّا﴾ يكون ثابتاً.
أدب أيوب عليه السلام في الشكوى إلى الله
فأيوب عليه السلام كريم على الله، وهو نبي. فلا ينفر من الأنبياء. والله أعلم. فالله أعلم بحقيقة هذا الابتلاء. لكن المتفق عليه بينهم: أنه ابتلاء شديد جدًّا. لا يستطيع منه الحركة. ابتلاء شديد جدًّا في جميع جسده عليه الصلاة والسلام.
الشاهد من ذلك: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ له رجلان صاحبان يأتيانه، يزورانه، دون غيرهما. فقال: أحدهما ذات مرة لصاحبه: "ترى لعل أيوب قد أحدث ذنبًا عظيمًا. منذ ثماني عشرة سنة وهو في هذا البلاء، لا يرفعه الله عنه. هذا بلاء شديد، هذا بالتأكيد هذا هو ارتكب ذنبًا. أي ذنب شديد جدًّا! "
فقال الآخر: «لأخبرن أيوب بذلك». فأخبره. فقال: "والله إن ربي ليعلم أنني كنت إذا رأيت رجلين قد اختلفا أو تنازعا في شيء، فذكرًا الله، فأرجع إلى بيتي فأكفِّر عنهما حتى لا يُذكر الله إلا في حق". يعني: إذا اختلف رجلان، وجرى بينهما ذكر الله، يكفر هو عنهما. لماذا أو يحلف، أو يتصدق، هو؛ لئلا يُذكر الله عز وجل إلا في حق. عليه السلام.
فتضرع إلى ربه قائلًا: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾7 (الأنبياء: 83)
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ﴾: (إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) «مسني» - كما يقول كثير من أهل العلم - معناه: الإصابة الخفيفة. يعني: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: مسه الضر. يعني: أصيب بإصابة خفيفة. ثماني عشرة سنة، وإصابة خفيفة! يقول: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) ما يقول: يا ربي، بيّ وبيّ وبيّ. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾8 (الأنبياء: 83)
تأمَّل! هذا الأدب العظيم من أيوب عليه السلام. ما جاء التصريح بدعائه. كان يقول: رب، إني مسني الضر، وأنت عالم بحالي. فاشفني، وعافني، وارفع عني. الذي ذكر في القرآن الكريم: أنه قال ماذا؟ (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
إذا أثنى عليك المرء يومًا، كفاه من تعرضه الثناء. يعني: أنت حينما يذهب بعض المحتاجين إلى رجل فاضل، معروف بالكرم، يكفيه منهم أن يسمع ثناءهم عليه، وأنه معروف بالكرم، دون أن يطلبه. فكيف بالله ولله المثل الأعلى. فهو يثني على الله في معرض الحاجة والسؤال. فيقول: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83)
رحمه الله لا تتعارض مع الابتلاء
﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ لأنَّ رحمة الله عامة، ولأن رحمة الله كاملة. بفضل الله، فَقَالَ ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ إن كان في الخلق راحم، فأين رحمة المخلوق من رحمة الخالق؟ وأين رحمة المخلوق من تراب من رحمة رب الأرباب سبحانه جل وعلا ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83)،
وهذا فيه درس عظيم جدًّا: أنك مهما ابتُليت، إياك أن تظن أن ابتلاءك يتعارض مع رحمة ربك بك. بعض الناس إذا ابتُلي، يقول لك: «طب أين رحمة ربنا؟ فين لطف ربنا بنا؟ يعني: ﴿إِلَّا﴾ يرانا الله؟ ﴿إِلَّا﴾ يسمعنا» ثم ينظر أيضًا إلى مَن يُبتلى من الخلق، يقول: «﴿إِلَّا﴾ يسمع الله أولئك الضعفاء، أولئك الأطفال، أولئك الشيوخ ﴿إِلَّا﴾ يرى أحوالهم؟ ﴿إِلَّا﴾ يسمع أخبارهم؟ »
نقول: ربي يسمع ويعلم ويرى، ولا يخفى عليه شيء. وهو أرحم بالخلق منا. لكنه الرحيم الحكيم. هو حكيم سبحانه جل وعلا. حكيم في تقديره، حكيم في تشريعه، حليم في قضائه.
فقال: أيوب عليه السلام: ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83) تأمَّل! هذه دعوة مباركة جدًّا. أن تذكر رحمة الله بك على. ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83)
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) وتأمَّل! قوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) هذا يفيد: أن قوله: ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (الأنبياء: 83) دعاء. لأنَّ قوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) إذًا استجاب له، ماذا؟ الدعاء. يعني: كونه يتعرض لبيان فقره وحاجته، وأن الله أرحم الراحمين. هذا دعاء.
ولذلك موسى عليه السلام، موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين، وجرى منه ما جرى في بداية انتقاله إلى مدين، ماذا قال؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾9 (القصص: 24) بعدما سقى المرأتين، كما هو معلوم. ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: 24) تضرع بحاله.
لذلك من طرق الدعاء: أن تتوسل إلى الله بافتقارك إليه، وحاجتك إليه، وغناه عنك سبحانه عز وجل.
استجابة الله العظيمة لدعاء أيوب عليه السلام
وقوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) السين والتاء هنا للمبالغة. يعني: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) استجابة عظيمة جلية. (فَكَشَفْنَا) وتأمَّل! الكلمة: (فَكَشَفْنَا) يعني: كل الكرب راح. كل الجروح، كل الابتلاءات، كل الأمراض، كل الأسقام. (فَكَشَفْنَا) أزلناه. ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّ﴾10 (الأنبياء: 84) التي تفيد معنى العموم. ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ﴾ (الأنبياء: 84)
وآتيناه أهله. اختلف المفسرون: فمنهم من قال: أحيا الله له من مات من أهله. وقال بعضهم: فارقه أهله ورحلوا عنه، فأعادهم الله إليه، أو أحياهم له. أو رزقه بمثلهم وزيادة. (وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) كل هذا قيل في الآية الكريمة. (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) وهو أرحم. (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) قال: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ﴾ (الأنبياء: 84)
هذا فيه: أن أيوب كان من العابدين المخلصين في عبادته لربه.
هذا فيه: يا عبد الله، إنك حينما تصبر على البلاء، فأنت تعبد الله. عبادة! عبادة! كونك تتوجع، وتُصاب بألم، فتقول: الحمد لله. هذه عبادة. عبادة غيرك محروم منها. حينما يتضجر ويتسخط على قدر الله. والصبر عند أول صدمة.
(قَالَ ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ﴾) وأما في موضع سورة صاد، فقال: (وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)
ما معنى: (لِأُولِي الْأَلْبَابِ)؟ يعني: أولي العقول. هذا معناه: أن العابدين هم أولو الألباب. وأن أولي الألباب هم العابدون. فمن كان لله أعبد، ينبغي أن يكون أعقل. ومن كان أعقل، ينبغي أن يكون أعبد. أحنا قد نرى بعض الناس: تقول: «إيه ده! فلان ده ذكي جدًّا، وفلان ده ماهر جدًّا». لكن: «يا أخي، لا يركع لله ركعة، ولا يتعبد لله جل وعلا ولا يطيعه». هذا - كما قال الله - ﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْءَاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾11 (الروم: 7) ما عنده إلا علم ظاهر من الحياة، دون حقيقة. لكن المفترض: أنك حينما تكون عاقلاً، تكون عابداً. ليه لأنك تعرف قيمة الدنيا. الإنسان اللي هو من أولي الألباب، عارف الدنيا قيمتها رخيصة. فيتقرب إلى الله، ولا يقدم على طاعة الله أحدًا سواه. فحينئذ يكون من أولي الألباب، ويكون من العابدين.
جعلنا الله من العابدين، وجعلنا الله من أولي الألباب، بمنه وكرمه.
بركة الله في مال أيوب عليه السلام وشكره لنعمته
قد جاء في صحيح البخاري حديث رواية جميلة جدًّا. في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عن12ه عن النبي «صلى الله عليه وسلم»: «بينما أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً»13. واستفاد العلماء من هذا جواز الاغتسال عريانًا بمعزل عن الناس. يعني: دون أن يراه أحد، بعيدًا عن الناس. (فَاغْتَسَلَ) فألقى الله عز وجل عليه جرادًا من ذهب. وقع جرادًا من ذهب. فأوقع الله - أو طرح الله - عليه جرادًا من ذهب. فجعل أيوب عليه السلام يحتثي في ثوبه منه. أول ما شاف الذهب بينزل، قام يجمع. عمل يجمع في ثوبه.
فقال الله: «يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟» فقال: «بلى، وعزتك. ولكن لا غنى لنا عن بركتك». (بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) خير نازل، أقول: لا أقبل عليه. فهذا من فقهه عليه الصلاة والسلام.
ثم قال الله في ختام القصة: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44)
وقد ذكروا في هذا قصة شهيرة. وحاصلها: أن امرأة أيوب عليه السلام، مع أنَّها كانت مطيعة له، وكانت تعينه، وكانت تخدمه، إلا أنه وقع منها مخالفة له عليه الصلاة والسلام. أو مخالفة رآها أيوب فيها، مخالفة لشرع الله. فغضب لذلك، وأقسم أن يضربها بسبب ذلك. وأيوب يعز عليه أن يضرب امرأته التي كانت نعم العون له. فماذا يصنع؟ وهو لا يريد أن يحنث في يمينه.
وقد ذكر بعض المفسرين: إنه لم تكن عندهم تلك الكفارات التي نعرفها الآن. في قوله عليه الصلاة والسلام: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ خَيْرٌ) أنت إذا حلفت الآن أن تفعل شيئًا، وبدأ لك أن هذا الشيء الأفضل ﴿إِلَّا﴾ تفعله. أنت حلفت على فعله، وبدأ لك ﴿إِلَّا﴾ تفعله. ماذا تصنع؟ كفر عن يمينك. ولا يضرك.
التيسير في الشريعة ورفع الحرج عن المكلفين
لكن أيوب عليه السلام رأى أنه لا بد عليه أن ينفذ. فماذا يصنع
وقد ذكروا في هذا رواية: إنه وصل به الأمر إلى أن يضربها مئة ضربة. فقال الله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) والمراد بالضغث: الحزمة. قيل: من الحشيش، ﴿وَقِيلَ﴾: من غيره. مما لا يثقل ولا يشتد. فيأتي بحزمة يسيرة، ليست بالشديدة. تتكون من مئة شمراخ - كما يُقال - ثم يضربها ضربة واحدة. فيكون قد أدى ما عليه، دون أن يقع في حنث. ويكون قد أوفى إكرامًا لامرأة أيوب عليه السلام. ولا يحنث نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام.
فإنَّ قلت: وهل هذا يجوز؟ فنقول لك: قد جاء في ديننا ما يدل على ذلك. وهذا يُقال له: من الحيل الشرعية عند الضرورة. يعني: هذا لا يُصار إليه إلا عند الضرورة.
لذلك جاءت رواية عند أبي داود في سننه، وابن ماجه كذلك في سننه، من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أن بعض أصحاب النبي «صلى الله عليه وسلم»، أتوا النبي «صلى الله عليه وسلم»، وأخبروه عن رجل قد أُضني. رجل كان مريضًا جدًا، حتى صار جلدًا على عظم. والرواية ثابتة صحيحة. فدخلت عليه جارية، فهشّ لها. فوقع بها. ثم دخل عليه أصحابه. فقال لهم: «استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم» فذهبوا إلى النبي «صلى الله عليه وسلم»، وأخبروه بحاله. وقالوا: «يا رسول الله، والله لو جئناك به لتفسخ. نحن فقط لو حملناه وجئنا به لك، سيتفسخ. ﴿أَنَّمَا﴾ هو جلد على عظم. لا ندري كيف وقع على تلك المرأة». فأمرهم النبي «صلى الله عليه وسلم»: أن يفعلوا ذلك. بأن يأخذوا ضغثاً فيه مئة شمراخ، ثم يضربونه به ضربة واحدة. فيكون هذا حداً له. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال الله عز وجل في شأن أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 44)
فما أصبر أيوب! وما أكرمه! وما أجله! وما أرحم الله! فالله رحيم. بل هو أرحم الراحمين جل وعلا. هو الرحمن الرحيم. ذو الرحمة الواسعة والواصلة. هذا والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 84 ↩
- آية: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 41 ↩
- آية: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 84 ↩
- آية: ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 35 ↩
- آية: ﴿وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَـٰهُم بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 168 ↩
- آية: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ — كما ورد في الدرس: ص 44 ↩
- آية: ﴿۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 83 ↩
- آية: ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 83 ↩
- آية: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 24 ↩
- آية: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 84 ↩
- آية: ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الروم 7 ↩
- تعليق: منه وكرمه. بركة الله في مال أيوب عليه السلام وشكره لنعمته قد جاء في صحيح البخاري حديث رواية جميلة جدًّا. في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عن — كتاب: «صحيح البخاري». الذكر في الدرس: صحيح البخاري. ↩
- حديث: «بينما أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً» — نسبة الشيخ: البخاري ↩
من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- الحديث الثامن عشر الخلق الحسن
- الحديث الخامس النهي عن الإبتداع في الدين
- (من أحدَثَ في أمرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) خطبة الجمعة للشيخ محمد بن حامد 29/11/2013
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الثالث جوامع الخير
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الأول جوامع الخير
- صفة التواضع جزء2 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد